 روافد أدبية

لقاء

كيف التقينا؟

كيف داعب همسك صمتي؟

 

كيف أفاق رنين صوتي؟ فجأة دبّت الحياة من حولي ...أَوَ تسألني عن ماضٍ؟ عن أيّامٍ خلَت؟...شاردة أنا! لا أذكرها! لا أدريها!

كلّ ما أعيه، أنني استيقظت على صوتك، داعب لحنك سمعي، عزف أوتاري، بعدما خلتها تقطعت،فغادرها ايقاعها.

هذا ما كان يدور بذهن علياء، وهي تتذكر لحظات لقائها بكاظم.

أحلى صباح مع رشفات قهوة ساخنة، وفيروزيات منبعثة كدّست الليلك من حولها،تدندن نغمات مخملية تنعش الأرواح.وحيدة تجلس بالمكتبة وكتابها كالعادة بين يديها تتصفحه بعد أن قرأت جرائد الصباح... أحست حركة بجانبها، استئذان لطيف، رفعت عينيها بتثاقل، ملامحها باهتة، ترسل نظرات باردة، خلف وميضهما حزن دفين، تخفي الكثير، واجمة منعزلة، لا تخالط الناس، تحس أنها لاتنتمي لمحيطها، غربة تثير العجب بداخلها، منذ أن غادرت أهلها وهي كما الضائعة، زوجها لا يحس هذا، لا ينتبه لمعاناتها.وربما هذا سبب انفصالهما  لتصاحب الكتاب والمكتبات،وحدهما كانا عزاءها في هذا الضجر الذي يحيطها.

ردت التحية بتمتمة تكاد لا تسمع، أخذ كاظم مكانه قريبا من علياء، كان يسأل وتجيب في ذهول، ربما دفء انبعث بداخلها، نبض ـ لم تفهمه ـ دبّ بشرايينها، فكأنّما تستعيد الحياة بعد سبات طويل.

تسارعت دقات قلبها، فوضعت يدها اليمنى على الجانب الأيسر من صدرها،تكتم صوت الخفقان،حتى لا يسمعها كاظم.

خشيت أن يشعر بضعفها، أن يكتشف ذاك الإحساس الغريب الذي اعتراها، حتى هي لم تستطع فهمه.

خرجا معا في هدوء من المكتبة حتى لا يزعجا من حولهما، وتوجها لمكان كانت علياء كثيرا ما تجالس نفسها هناك،تصالحها في لحظات عصيبة كدرت أجواءها، كان ذاك اليوم من أسعد أيامها وهي تتجاذب الحديث معه، حقيقة كان حديثا عاما ثقافيا لكنها ما كانت تسمع ما يقول فقط تتابع نظراته الساحرة وابتسامته الطفولية الرائعة. ودعها وذهب  بسلام.

إنه  لقاء عابر، كلمحة بصر، لكنه ترك بصمة بريق لامع، عطر الندى والريحان فاح بمقلها، تسامى لجين بخلجاتها، فولد الحب ضوءا بريئا بجوانحها، أضحى نبراسا يداعب شغاف القلب، هذا الوميض انتشر بهاء بفضائها، فانتبهت لضياء النجوم، لبهجتها وهي تمد الأقمار والأرض بالنور.

لأول مرة تحس أن الحياة جميلة جدا، كيف لم أنتبه لهذا الوجود البديع؟ سبحانك ربي خالق هذا الكون ومبدع في خلقك! قالتها علياء، ومونولوج لامتناهي يخالجها وكأنها بدوامة والأرض تمور. ما مضى من عمري ظلمة بهيمة!

استسلمت لخيالها..واحتضنته سحرا بين أضلاعها.

تتوه الرؤى أحيانا في متاهات الأحداث، ووسط الزحام، في طريق مجهول المصير.

تاه عن عينيها لا خبر ولا ريح تأتي بعطر هواه، هل ياترى قدري أن أحب طيفا وسراب؟ قالتها وأسلمت الأمر لله.

على ضفاف النهر وخرير المياه، وظلال مترامية تحت أشجار مورقة خضراء..هناك وحدها تراقب الأزهار بعيون باسمة، وملامح مبهمة بلا عنوان،سابحة في أسفار الزمان،وقرص الشمس متوهج يرسل الألوان يكاد يعانق صفحات الماء، لينطفئ النور في أعماق المحيط بروعة وجمال، أوشك الغروب أن يعم المكان.

هنا وفي هذا الإنسجام مع المكان والزمان،وذكراه لايزال عطرها بأرجاء الفضاء يفوح،همس اقتحم خلوتها، أفاقها من غفوة في أحضان الطبيعة الجذابة، لتسكب بروحها البيضاء، وهج النقاء وفرحة حملتها لتحلق في العلياء، أتاها صوت ملائكي يبذر الأمل في حناياها، ويوقظ الشوق والحنين في ثناياها.

تسللت يداه لتلامس أناملها، ضغط برفق لتخال أن كل الحنان أودعه بها.ما كل هذا السحر الذي انسكب فجأة ينثر أريجه حولها؟؟؟

رحيمة بلقاس

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2316   الثلاثاء  1/ 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2311 المصادف: 2013-01-02 01:36:42