 روافد أدبية

تَذْكَرَةٌ نَحْوَ الْغَرْبِ

MM80 مَثلُ مِشيته كمثل مُحاربٍ ينزفُ الكبرياءُ منه دون الجسد: خَسرَ آخرَ جَولاتهِ ورجالاتهِ في معركةِ تحديد المصير، مُنَكس الرأس كأعلام مَملكته المسلوبة، تَدور عَيناه في كل مكان كعَاشِقين يبحثانِ عن ملاذٍ لِقبلتهما الأولي بعيداً عن ازدحام المدينة، لَمْ يَسلمْ مِنْ تِلك الأفاعي التي تجولُ بذهنهْ، ولا تِلك المَلمات التي تكالبتْ علي قلبه فأضحي كَأُمٍ ثَكْلي فقدتْ وحيدها،إذا رأيتَه حسبتَه مُومياءَ قَدْ خَرجَتْ للتو مِنْ مَقْبَرتها. وظل يَمشي حتي ضَلتْ قَدماه الطريق.

دَقاتُ ساعته "الرولكس " أفَاقتهُ قَليلاً، أعَادتْ إليهِ بعض آدميته،نظر إليها فإذا بهِ قَدْ أطَال المسيرْ. كَيفْ لا ! وهُو الذي قَدْ تَرك الحَفلَ قَبل نهايتهِ بقَليل، عِند الثالثة تَقريباً.إلتفتْ حَولهُ فإذا البيداءُ تَحْتَضنُه احْتِضانا. كانتْ الرمالَ وقتها تسبحُ في هدوء وقد اكتسبتْ لوناً ذهبياً بفضل أشعة الشمسْ، ونسائمَ الصباح تَتَراقصُ في رَشاقةٍ تُذهِبُ الْلُبْ، تَتَمايل لِتُداعِبَ الجِبَال التي مَازالتْ نَائمة كطفلٍ وليدْ. وَثبتْ الأرانبُ هُنا وهُناك فَرحَةٍ بِقدوم يومٍ جديدْ، وقَدْ شَكَلتْ الطيورُ في السماءِ صُفوف دَبْكة "رقصة من بلاد الشام " وراحتْ تُغردُ لِتُضيفَ إلي المَشهدِ جَمالاً فوق الجمالْ.

كان المشهدُ كفيلاً بإزالة بَعض الْهَمِ المُقيمِ في قلبهْ، أسعدهُ قليلاً ذلك الحُسن الذي ارتَدته الطبيعة، وبدأ قلبهُ يعودُ إلي النبضِ رويداً رويداً كُلما وَقعتْ عَيناهُ علي برآةِ الأشياءِ ونقاءِ الكائناتِ من حولهْ. لَكنْ مَا تَزَال هُناكَ غُصَة بينْ حَناياهُ. كبَاحثٍ عَنْ ضَالتهِ جَلسْ، اتخذَ من بَعض الصُخور مُتَكأ وأخذْ يُفَكر ويُراقبْ.

أسْنَدَ رأسهُ علي صخرةٍ مَلْسَاءْ، مَدد جَسدهُ المُنْهك علي الرمالِ الناعمةْ. وأرتحلَ بذَاكِرتهِ إلي لَيلةِ البَارحةْ، إلي جُرح البَارحةْ، إلي حَبِيبةْ البَارحة. تِلكْ التي مَا كَان القَلبُ يَنبضُ إلا بِها، ولا تَري عَيناهُ سِواها. كَمْ كَان الفِراقُ قَاسياً عَليهْ، أخذ يَتْخَيلُها بِيَدَيَ عَاشِقُها الْجَديدْ صَديقُه القَديمْ.لَمْ يَكُن هو في حياتها سِوي مُجَرد لُعبةً بِيَديها: شَكلتهُ عَلي هَواها، طَمَستْ شَخْصِيَتهُ، بَدلتْ أخْلاقَه، لَمْ تَترُك فِيهِ صِفةً جيدةْ إلا قَتَلتها، مَلابِسهُ كَانتْ مِنْ اختيارها وكَذلك الأصْدقاء، المشْاعر، والأفْكار. كُل شيء كَان وِفْقَ هَواهَا. لَقَدْ جَعَلتْ مِنهُ تَابعاً، كَان يَتْبَعُها كأعمى مُقَادْ. والاسمُ حُبْ، لَكنها قَدْ مَلتْ مِنهُ فَطعنتهُ في القلبْ.

ظَلتْ الأفكار تَغوصُ وتَسبحُ برأسهِ كالدلافين. حتي سَمعتْ أُذناهُ وَقْعَ أقدامٍ قادمةٍ من نَاحية الشَرقْ، من نَفسُ المَكان الذي قَدم هُو مِنهُ "نَاحيةَ المدينةِ "فَتَوجسَ في نَفسهِ خِيفةْ، فَتح فَاه دهشةً، وصُعقتْ عيناهُ مِنْ هَول ما رأي: لَبُؤةٌ قادمةٌ تَسيرُ بخطواتٍ واثقةٍ، يَتبعُها أسدٌ في الخلفْ يوازيهِ ذِئبْ. كَانت الأنثي تسيرُ بِكلِ غُرورٍ، والذكرانِ في غيظٍ وحنقٍ يَنظُران إلي بَعضهما. " يَبدو أَنْ العِراك سَيكونُ وشيكاً ومحتدماً ". هذا مَا جَال بِخاطرِ ذلك البَائس المُختبيءْ عِند الصَخرةِ الملسَاءْ.

 أخذتْ الأنثي مَكانها فَوق صَخرةٍ مرتفعهْ، وزأرت بقوةْ، فَهجمَ الذكران بقوةٍ وشراسةْ علي بَعضهما. اسْتفاقتْ الجبالُ النَائمة في المكَان علي عواء الذئب، وأخذتْ تُتابع ما يحدث، الغبارُ قَدْ ارتفع إلي السماءِ مِمَا حَجبْ الرؤية عَنْ بعض الطيور المُتطفلة التي نَزلتْ إلى الأسفل بَعد نُشوبِ الصراع بين الذكران، والأنثي تَنظُر وتَنتظرُ في شغفْ، في قلقٍ بالغٍ تَابعَ المُختبيء عند الصخرة ما يَحدث، ولم يَلبث الذئب أن دَحر الأسد، وتَخضبَ جسدُ الثاني بالدماءِ وسطَ ذُهولٍ من الموجودين في المكان.

ذُهل المُختبيء عند الصخرةِ مما آل إليهِ الأسد، لِماذا لمْ يَكُن في قوتهِ المعهودة ؟ لمَاذا لم يَفتح فَمه طول العراكِ ويَقضي بِها علي الذئبْ ؟ قَاطعتْ أفكارهُ قَفزةَ الأنثي مِنْ مَكانها، و انْطلاقتها نَحو عَشيقها الجَديد، وأنْطلقَ الاثنان سويةً نَاحيةَ الشَرق مِنْ مَكان قُدوم ثلاثتهم.

تَحامَل على نَفسهِ، وأنْتفضْ مِنْ مكانهِ عند تلك الصخرة،غَيرُ مُهتمٍ بِمَا قَدْ يَحدُث، ذَهبَ تِلقاء الأسد الجَريح. مَا إنْ وَصل إليهِ حتي وَجَد الدماء تَسيلُ مِنْ جَسدهِ المُزخْرفُ بالطعناتِ والجروحْ، حاول الجريح قَول شئٍ لذلكَ الإنسان الذي شَعُر بِأوجَاعهْ، لكنه كان في حالة احْتضارْ.كُل مَا فَعله الجَريح هُو فَتحُ فَمهْ، وبِصعوبةٍ بالغةٍ أخْرج من فَمِه وردةَ حمراءْ. يَبدو أنهُ يَحملها لأُنْثاهْ، تلك الحبيبةٌ التي لَمْ يَقبل الجريحُ أنْ يُنافسهُ غَيرهُ في حُبها،أو أنْ يَراها تَقبلُ صِراعاً عَلي قَلبها، فَضلَ الأسد الرحيلُ، ومَاتْ.

بصعوبةٍ بالغةٍ استطَاع أنْ يُدرك بعضَ مَا يَدور حَوله مِنْ أحداث ومَعاني.إنْ مَا رآهُ مُنذ قليلٍ يُشبهُ كَثيراً مَا حَدث مَعهُ في ليلةِ البارحة، نفسُ الصِراع الذي دَار بينهُ وبينْ حَبيبته وصَديقه، ونَفس النِهاية. غَير أنهُ مَا يَزال علي قَيدِ الحَياة، بَيْنَما الأسد قَدْ ذَهبَ في رحْلةٍ جَديدةٍ نَاحيةَ الغربْ.

لَمْ يَسْتَطعْ أن يُفَكرَ أكْثر مِنْ ذَلك،فَخَلَعَ عَنْ جَسده المُنهك تِلك المَلابس المُعطرة بِجسدِ حَبيبتهِ الرَاحلةْ، وألقَاها علي الأرضْ، كَذلك أَلْقيَ سَاعتهُ التي تُذَكِرَهُ بِأوقَاتهِ السعيدةِ مَعها فَهشمتها الصُخور، قَذف حِذائهُ بعيداً، أنا لا أنْتَمي إلي ذلك المكان: هَكذا صَرخ في أعماقهِ.أمسَك الوردة الحَمراء بِيَمينِه، علي الرمالِ تَمَدد، وإلي جِوارِ الأسدِ القتيلِ اسْتَلقي عَارياً، وأنْتَظرَ القَادمُون مِنْ أعْلي، لِيُمنَحَ تَذْكَرَةَ نَحْوَ الْغَرْبِ.

 

علي هلال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2653 المصادف: 2013-12-10 16:59:55