المثقف - روافد أدبية

نزف الذاكرة

MM80 كنت أجلس على الأريكة البالية في الشرفة المطلة على فناء البيت العتيق، كما هي عادتي أتصفح الجريدة علني أجد فيها ما يبهج الخاطر، لكن دون جدوى فكل صحفنا مجرد لسان منافق ثرثار فارغ إلا من النميمة والحوادث والفضائح.

وككل صباح، يتسلل جدالهما إلى أذني دون استئذان، هو دائما قوي لجوج لا ُيغلب كعادته وهي دائما مستكينة مستكنَة لضعفها رغم محاولاتها المستميتة للتجديف ضد تيار جبروته، لم يكن صوتها المرتجف مهما علا إلا دليل انهزامها أمام رزانته وثباته ذاك السياسي المحنك،"هو" يحسن الخطاب ويحسن الدفاع عن نفسه ويعرف كيف يقنعها أن الخطأ يركبها على مدار الحدث، يتلذذ بمجادلتها وتأنيبها حاقنا إياها بنوبة جنون إضافية. كانت نظراته المستخفة تكسر كبريائها، تبعث لها رسائل مشفرة بأنه الأفضل شأنا وأنها الأكثر سذاجة وغباء...يستفز مشاعرها، تلك المشاعر التي لم يفهم كنهها يوما، عاشت لسنوات تحاول إقناعه أنها لا تشبه باقي النساء وأنها تؤمن أن على الحب الذي يجمع روحيهما، أن يكون حبا ساميا راقيا يترفع عن لغة البشر، كانت ترى حبهما قيمة مضافة لكليهما...ولكنه أبى إلا أن يكون إنسانا مجرد إنسان، وقرر أن يحرمها العيش في نعيم ذاك الملكوت الملائكي التي بنت للإخلاص فيه معبدا، ورمى بها في جب سحيق تسامر عين الروح التي تهطل طيلة مواسم الخذلان نزفا من ألم وحنين...

لم أكن لأتحامل عليه ولا لأدافع عنها، ولكني رثيت لحالها تلك ال "هي"، فلو منح نفسه ذاك ال"هو" لحظة تأمل لعلم أنها لم تكن تقصد إزعاجه يوما أو لومه، ولكن حالة من هلوسة الحكي عن الماضي المؤلم تتلبس بها من حين لآخر، ماض يعج بالاستفهامات، سطوره مليئة بنقط الحذف التي طالما توقفت تستجديها البوح بأسرار تعمد إخفاءها طوال سنين... كانت تريد فقط الفضفضة بصوت مرتفع كما كانت تفعل في المطبخ عندما تستغرق في تمتمة لا متناهية تردد طلاسمها كلما جن عليها ليل الذكرى،أحيانا كانت تخشى على نفسها الإصابة بالجنون، ومن يدري فلربما هي...!! مجنونة حقا

ضعفها أمامه كان يجعلني أتحسر على امرأة تحمل عقلا كعقلها وأخلاقا كأخلاقها وقلبا كقلبها، فهي عاقلة لحد التهور ومتخلقة حد الثورة على كل العادات والتقاليد ومحبة حد الكراهية العمياء، تلك "هي" كما عرفها دوما زير تناقضات، إذا غضبت أحرقت، أزبدت وأرعدت، إذا رضيت النفس والنفيس بذلت أما إن أحبت ذابت مد الموت وإذا كرهت قتلت، إذا أعملت عقلها أهلكت وإن عطلته هلكت، ولو ابتسمت خلتها أميرة حسناء مدللة وإذا بكت أشفقت عليها كطفلة وإذا حقدت صارت كاهنة لا يؤمن شرها.

أرثي لحالها...، فلم تعد تريد منه شيئا سوى ألا يغيب لا يختفي، أن يترك ذاك الشق الصغير في جدار البعد ينفذ منه شعاع أمل ينير غرفة الانتظار المظلمة الباردة التي تجمد تفكيرها وتحبس طاقاتها عن الانبعاث...

أرثي لحال تلك المرأة التي تحاول لملمة شظايا روحها من على وسادات مبكاها، تلأم جروحها بخيط أمل مجهول، عاشت حياة مليئة بالخيبات والآلام والوجع. منذ فقهت للحياة دروبا وهي في صراع رهيب مع الآخر ذلك ال"هو" الذي صيرها كركوزا يسير خطى قدرها كما شاء..

أرثي لحالها تلك التي ضاعت بين دهاليز الصبر حد الغثيان ومطامير الانهيار حد النزع، كانت تظل كحمار الطاحونة تلف تلف تلف إلى أن تفيض الكأس فيأخذ بلبها هوس الخيبة والفشل لتطلق العنان لسوط الندم يجلدها في عقاب أهوج للنفس والروح ثم تنخرط في شلال من الدموع الساخنة تكوي الخدود، تسعى بعدها لبلع أقراص قيل عنها مهدئة تخدر بها بقايا عقل لتتيه في الخواء، في اللا عقل...

أرثي لحالها، لأنها تستحق الرثاء تسبح في فقاعة مفرغة بين توق لذكرى "حياة "، وضمير جلاد ونصف عقل ثلاث أرباعه معطل...

لم تسعى للومه أبدا ذاك السياسي المحنك، هي فقط ظلت تمجد طوال ردح من الزمن قديسا اكتشفت أنه إنسان، يحب ويكره، يعشق ويمل، يصيب ويخطئ...

 

قصة قصيرة

أسماء عطة- المغرب

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلام جميل و قصة تعكس واقع حقيقي

This comment was minimized by the moderator on the site

عندما يكون منتهى احلام المرأة مهما علا شأنها هو ان تكون ملكا لرجل مهما دنا شأنه ، تشرب الحنضل وتتنازل عن الكثير
تحتاج الشرقية لاعادة نظرتها لذاتها ولسلم أولوياتها

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة رائعة جدا

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2745 المصادف: 2014-03-12 17:49:19