 روافد أدبية

الأميرة والهمام

MM80 وردة متفتحة وحصان أبيض ووجهان مبتسمان، لوحات فنية رائعة كانت تتبدى لها الغيوم في السماء من خلف زجاج سيارة الأجرة التي كانت تقلها ذاك المساء إلى الحديقة العمومية، مساء لا يشبه تلك المساءات العذبة التي كانت ترتدي فيها أفضل ثيابها، تتجمل وتتعطر وتجلس إلى حاسوبها لتقذف بنفسها في أحضان عالمها الجديد تدور بشوارعه وتعرج على أزقته، تلقي التحية على هذا وتعلق على ذاك وتهمس لهذه وتنصت لتلك، تبتسم تارة وتبكي أخرى. تعرفت إلى أصدقاء جدد تشعر بمحبتهم وتعاطفهم رغم بعد المسافات واختلاف اللغات والأجناس والجنسيات. الفضاء الأزرق ذاك دخلته من باب الفضول والتسلية ليجرفها مده إلى عوالم سحرية تحذفها داخل دوامة من اللازمان واللامكان، عالم لا تسكنه إلا الأرواح المتحررة من حيز المادة، خيرة كانت أو شريرة تمتد في فضاء عائم مائع، عالم افتراضي اكتشفت فيه حقيقة كنهها التي بحثت عنها طوال سنين. لقد ابتدعت لنفسها اسما جديدا وملامح جديدة وأسرة جديدة، كتبت منشورا يوما تقول فيه "...من قال أن هذا العالم افتراضي؟ لا، بل هو أصدق من ذلك .هنا أنا أميرة اسما ومدلولا كما كنت أرغب وأتمنى منذ طفولتي، أنا هنا أمارس حريتي بلا قيد أو شرط ، أستطيع أن أصرخ أن أندد أن أرفض أن أبوح بمشاعر الحب والكراهية أن أفضفض دون أن يستوقفني أحد، أستطيع أن أقهقه ملأ حروفي بقدر ما أبكي على وتر الكلمات، أستطيع أن أحذف من شئت من حياتي وقتما شئت وكيف ما شئت ..هنا عالمي الذي أحب أن أعيشه بآلياتي الخاصة دون تحكم من أحد أو تدخل منه ..هنا تجردت من كل أقنعتي ..، هنا أبدعت أول أشعاري ...هنا وعلى حافة ذاك الخيط الرفيع بين الوهم والحقيقة أنا أحيى بسعادة تامة بينكم أصدقائي...".

استأذن ذات سكون زائر جديد يطلب الدخول إلى واحتها، واربت له الباب بحذر شديد فهي تفضل السير على أطراف أصابعها حتى لا تثير الكثير من الضجيج، فهي لا تزال غضة تخشى أن تتيه يوما أو تغرق في أحد مطبات تلك الشوارع التي تحاول سبر دروبها .كان مؤدبا جدا ولطيفا، هنئها على حديقتها الجميلة التي غرستها حروفَ فل وياسمين وسقتها ندى كلمات مزركشة بألوان لغة جميلة والفواحة عطرا من حكم وعظات، فرشتها بوشاح مطرز بخيوط أنيقة من جمل حاكتها من أنوار شمس روحها الدافئة، شكرته بكل رقة، تمنى لها المزيد من العطاء وعرض عليها مساعدتها في أي بوح يستعصي على أناملها الجميلة. ومضت دردشاتهما التي انتقلت من مجرد مجاملات إلى الحديث عن تفاصيل حياتهما .لا زالت تتذكر فاصل الهمس الذي جمعهما:

- .....تصور "همام" هو لم يتذكر عيد ميلادي يوما

- ولا هي يا "أميرة" كانت تذكر عيد زواجنا

-  أناني لم يهتم مطلقا لهواياتي، ولا لكتاباتي أو لأشعاري

- لم يسبق لها أن اقترحت مساعدتي بالكلمات المتقاطعة ولا أطعمت عصافيري

- كنت أغار من جريدته، سيارته وسيجارته حتى من فنجان قهوته

- كانت تقضي ساعاتها في اللف على المحلات والحديث إلى الصديقات والجارات

- لم يشاركني قط مشاهدة فيلم أو سماع أغنية

- ولا هي يا "أميرة" كانت تشاركني هموم عملي أو تسألني عما يشغلني

- لم يقل طوال سنين أنه يحبني ولا أني أجمل امرأة بالدنيا

- كانت تقرفني بحديثها عن أزواج صديقاتها الرومانسيين

- تصور أنه لم يجلب لي يوما هدية

- لم يكن يعجبها ذوقي أبدا

- كان عمله كل حياته

- شغلها أبناؤها عني

- كان دائم الاستهزاء بكلامي

- لم تكن تعلم أن لكل مقام مقال

- كان مهملا

- كانت لجوجة

- لم يفهمني يوما يا "همام"

- ولا قدرتني هي أبدا يا "أميرة"....

- كيف لها أن تفرط في رجل حساس ورائع مثلك

- أنا أيضا لا أدري كيف أنه لم يستشعر طيبتك وحنانك ...

كانت سيارة الأجرة المسرعة تنافس دقات قلبها كلما اقتربت من أسوار الحديقة، لقد قررا أن يتزوجا سيتقدم لطلب يدها الأسبوع المقبل، ستلقاه اليوم ليتعرفا على بعضهما على أرض الواقع، لأول مرة ستتعرف على اسمه الحقيقي وسترى وجهه وتتأمل طوله، إلى الآن لا تدري كيف يبدو؟، فضَلاَ أن يستعيضا عن الصور بلقاء حقيقي مباشر يتناقشا فيه عن تفاصيل أكثر، لم يكونا ليهتما بأمور يريانها شكلية، تمنى كلاهما أن يكون عوضا للآخر عن شريكه الذي فقده، تواعدا على أن يصنعا سعادتهما بأيديهما وأن يبنيا حياتهما الجديدة على أساس من الحوار واحترام رغبة كل منهما.

سارت بخطى مرتعشة على الممر المؤدي للكرسي الخشبي تحت شجرة الصنوبر الكبيرة تظللها الغيوم التي تتجلى لها كحلوى "غزل البنات"، إنه ينتظرها هناك يحمل جريدته بيده يتأمل باسما العصافير الصغيرة تمشي بخيلاء على الأرض. وقفت بمحاذات الشجرة حيث يأرج المكان بعطر مألوف، شعر بحركتها فالتفت بسرعة في شوق لرؤية "أميرة" ...أميرة التي ليست إلا "ضحى" زوجته السابقة، وهمام لم يكن إلا "أنس" شريك حياتها الماضية...

 

أسماء عطة- المغرب

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

القصة متماسكة فنيا تعتمد في طرح ومعالجة الحدث منهج التداعي الذهني ..النص يكاد يخلو من الاسلوب الذي ينحو منحى تقريريا ..رشاقة وعذوبة وسلاسة في إدارة الحدث . بيدا انها لم تستطع الفكاك من لمسات موبسان الفنية من خلال اعتمدها على لحظة المفاجئة التي اشتهر بها موبسان .. حيث يباغت القارىء بمفاجئة ما , تكون في الغالب خارج حسابات المتلقي ..هذا الطريقة الكلاسيكية في الاسلوب والمعالجة باتت من التراث القصصي العالمي ولكن ذلك لم يقلل من شأن القصة . فبقيت محافظة على تماسكها في البناء والرؤية .. الحدث سلس ومشوق..كلنا لمسه او عاش بعض من تفاصيله .. الكاتبة تمتلك قدرة فنية على ادارة الحدث ..وباسلوب متميز قابل للتطوير لاحقا .. وسيكون بصمتها او اسلوبها الخاص بها وحدها فقط .... هذه اشارة مختزلة لا تكفي لتغطية القصة .. ساعود لاحقا للتغطية على نحو اكثر تفصيلا ودقة وتركيزا

سعدي عباس العبد
This comment was minimized by the moderator on the site

قصة رائعة جداً ،اسلوب راقي ومشوق ، تابعي أعانك الله أختي

وفاء
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2753 المصادف: 2014-03-20 15:10:26