 روافد أدبية

الأسير

MM80 طلب القاضي مروان مناداة المتهم "فؤاد ربيع" للمثول أمامه، كانت دهشته كبيرة وهو يكتشف أن ملامح المتهم تنطبق على صديق طفولته، الشامة على خده أكدت له ذلك، نظر في استنكار إلى محامي الضحية، صديقه الأستاذ محمود الذي بادله نفس النظرة. في ذلك الصباح الذي أوقف سيارته بالمرأب وترجل من مركبته، أخذ يتأمل بانبهار واجهة البناية السامية، كانت تلك عادته منذ عشر سنوات، ابتسم صاعدا الدرج بزهو وافتخار، وبعد أن دخل مكتبه وبدأ يراجع ملفات القضايا الموكلة إليه وتحديد مواعيد أولى جلساتها، فتح الملف الرابع فاستوقفه اسم المتهم "فؤاد ربيع"، إنه يذكره باسم أحد أصدقائه القدامى، ظن أن الأمر مجرد تشابه أسماء، ففؤاد ذلك الفتى الطيب الخجول المسالم لا يمكن أن يؤذي بعوضة ولكن ظنه قد خاب، فرفيق صباه من يقف متهما بين يديه. بادره بالسؤال الروتيني عن اسمه واسم أبيه وأمه، رفع "فؤاد" حاجبيه لبرهة ثم أجاب " "فؤاد ربيع" اسم والدي "الحاج يونس" وأمي "البتول" "، أخذ نفسا عميقا واسترسل في حديثه بكل هدوء "تدهشني تصريفات القدر، وقفت منذ أربع وعشرين سنة وصديقين لي بهذه القاعة عندما حكم القاضي ببراءة المتهمين لعدم كفاية الأدلة، أقسم أحدنا حينها أن يصبح قاضيا ويقتص من كل المجرمين، ولم يحنث وقد اعتلى منصة القضاء يتمتع بسلطة إصدار أقصى العقوبات على المتهمين"، التفتَ نحو المحامي محمود مواصلا "أما صديقي الثاني فقد حلف اليمين، بعدما لم يجد أهالينا مالاً يوكلون به محاميا متمرسا يستعيد لنا حقنا الذي أنتهك، بأنه سيكرس حياته لخدمة الفقراء والدفاع عن الأبرياء وقد صار، أما أنا فوعدتهما يومها بأنني لن أحيا في هذه الدنيا هانئ البال حتى أنتقم ممن انتهكوا أعراضنا ثلاثتنا في ذاك المساء الممطر الكئيب، الذي لا زال أنينه يصم آذاني كل ليلة، ولكنني فشلت وبدلا من ذلك انتقمت من نفسي الجبانة.. وها أنا ذا أقف أمام نفس المحكمة لأعترف أن ضحية الأمس هو جاني اليوم، أنا مغتصب الطفل "معاذ" وحتى لا يلقى المصير الذي لقيته قمت بقتله وإخفاء جثته"، صمت لبرهة ثم أردف "أنا راض بأي حكم تنزله علي أيها القاضي مروان ولا تأخذك بي رحمة ولا شفقة"...

ارتشف مروان كوب شاي وهو يتأمل قطرات المطر تصفع زجاج المقهى، التفت لمحمود وقال له "تراني كنت قاسيا عليه؟؟" أجابه محمود بنبرة هادئة "بالعكس يا صديقي لقد كنت رحيما به، حررته من أسر عقده وأنقذته من ضميره الذي كان سيعدمه بدل المرة ألفا".

 

أسماء عطة

المغرب

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

وهو يتأمل قطرات المطر تصفع زجاج المقهى....
--------
أجمل صورة في النصّ...............
مودتي

بوعبدالله فلاح
This comment was minimized by the moderator on the site

الأجمل مرورك أستاذي الشاعر بوعبد الله فلاح،
شرف لي أن تقرأ نصي
تحياتي

أسماء عطة
This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة جداً عزيزتي . دمتي معطاءة أختي المحترمة.تحياتي .

وفاء
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لك أختي وفاء

أسماء عطة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2919 المصادف: 2014-09-02 12:27:38