 روافد أدبية

ليلى والمنفى الجديد

MM80 عادت ليلى منهكة من رحلة العمر الاولى، محبطة يتملّكها شعور ثقيل بالخيبة والخذلان والعجز.

كانت رحلة طويلة، باردة وكئيبة. تعلّمت فيها أصول الحزن وتقاليده ومارستها باتقان. لم تكن وحيدة بل كان البؤس رفيقا ثقيلا، لازمها بلا ملل.

في رحلتها تلك، شاخت روحها الشابة وتناسلت بسرعة على جدرانها تجاعيد كريهة. انطفأت جذوة الحماس بداخلها. مات الطموح وذبُلت المواهب واختفت تلك اللّمعة من عينيها وبهت بريق نظراتها واعتراها ذبول وشحوب في روحها وسائر جسدها.

فجأة أعلنت ليلى العصيان. تمرّدت على قيود خالتها مخملية، دافئة، عطرة وندية. استندت الى حائط، تحاملت على نفسها وانتصبت واقفة تتأمل سجنها والخيبات تحيطها من كل جانب. ألقت نظرة الى الخندق المحيط بها يبدومخيف. خندق مرعب، ترتع فيه الأفاعي والثعابين متلهفة تنتظرها فريسة تلوكها الافواه وتطحنها الأضراس. تستطيب نهشها ومضغ لحمها وتهشيم عظامها اللينة.

التفتت تتفحص ما ستترك خلفها، أكداس خيبات، اختناق واشمئزاز، خذلان وانفاس كريهة، تبلّد ثقيل يجثم فوق صدرها يخنقها حد الغثيان ..

البشاعة اكثر وأشد. هذه القناعة كانت تكفي لشحنها بقوة خفية واصرار كبير على فعل شيء ما يغير وجهة حياتها الكئيبة.

سكنتها روح التمرد وقررت أن تخترق الخندق وليكن ما يكن، ما ستخسره لن يكون بأهمية ما ستكسبه ... حرية وكرامة، كنزان لا طعم للحياة بدونهما.

بعد رحلة مريرة تجاوزت فيها ظلمات وكهوف، لم تجد نصيرا غير رغبتها الجامحة في الهروب والنجاة ولن تنسى ابدا تلك الايادي التى امتدّت لها بخناجر الغدر تطعن ظهرها في ما هي منهمكة تعاني ألام المخاض وقد انهكها الضعف. أيادٍ خالتها فيما مضى السّند والحماية، فكشّرت عن انيابها الزرقاء تنهشها بلا شفقة وبان الحقد الدفين وحان موعد نثره في وجهها ...

لم تأبه وإن صُدمت وتألّمت وإن أحسّت بالضعف وأنهكتها الخيانة.

الرحلة كانت مضنية، لكنها خاضتها باصرار كبير. افاقت من غيبوبة الوجع، تنفض غبار الصراعات وما خلفته من ألم. اليوم تجد نفسها بلا قيود .. لكنها متعبة وضعيفة.

تنفّست ليلىِ الصّعداء، ألقت ما بين يديها من أحلام العمر وشغفِ الشّباب ... اقتلعت ضحكتها العذبة وضعتها جانبا ... نظرت اليها مطولاً ثم أشاحت بوجهها بعيدا _ كانت لها ضحكة خلاّبة وساحرة، الكلّ كان يبدي اعجابه بضحكاتها التى تبثّها أينما حلّت فتحصٌد الاعجاب وتنثرُ الدفء .. كانت كغجرية تتمرّد على القوالب الركيكة، صبيّة عاشقة للحياة، تفيض حيويّة وتشعُّ بهجة _ تحسّست وجهها وسائر جسدها ... أدركت أن الزّمان اغتال فيها الانثى ورائحة الجمال ... خنق فيها النّبض واللّهفة والحياة وزرع في داخلها صحراء قاحلة وباردة ... ارتعدت فرائصها وشحُب لونها لهولِ ما سكنَها من أحاسيس ...

لتُلهي نفسها انهمَكت تُهيّئُ المكان، تُنقّيه من الذّكريات ومن بقايا حياة، ليتلاءم اكثر مع ما هي عليه من بؤسٍ ... كسرت كل قوارير العطر وتخلّصت من كل ادوات الزّينة وأحمر الشّفاه، خبّأت فساتينها ذات الالوان الزّاهية في مكان عال حتى لا تطالُها يداها في حال حنّت اليها، حطّمت المزهريات فلا ورود تضعها فيها ...

أصبح المكان مُهيَّأ لاحتوائها في رحلتها الجديدة التي ستطول وان قصُرت ... لا ينقص منفاها الاختياري سوى بعض الظّلال الكئيبة لتزيد من ثقل الايّام، فأطفئت كل الانوار واغلقت جميع النوافذ والابواب، أسدلت الستائر ولم تنسى ان تشغّل موسيقى بنكهة هديل الحمام ...

انزوت في ركنٍ مظلم ... انكمشت على نفسها تبحثُ عن بقايا دفءٍ لم تجدها ...التحفت بدثارٍ من الخوف بلون ليالي الشتاء وآخر من اليأس صنعته بيديها وظلّت ترتعش من البرد، لكن بمرور الوقت بدأت تعتاده وتعتادُ غربتها الجديدة ...

ونسيت ليلى ان في الخارج حياة وشمسا دافئة تشرقُ كل يوم

 

هدى الشابي

تونس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

عاشت يداك، فأنت البارعة في كتابة القصة، كما أنت المتمكنة من فنون الشعر كلها على السواء، حبذا لو خففت من اللون الأسود في كتاباتك لتكون لوحاتك الأدبية أكثر بهاء ورونقا: طالما ننعم بالحياة، فهناك فسحة أمل، وهي تكفي كحد أدنى مورفينا للمصابين بتشمع الكبد ؟!. وقاك الله شر الأمراض؟!. وأنالك مبتغاكِ؟!.

الباحث في الزوايا عن أريج الياسمين
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3514 المصادف: 2016-04-19 06:10:34