 روافد أدبية

هدى الشابي: اعتزلتُ الفرح...

MM80شعاعُ نورٍ يتسلّلُ من فتحاتٍ في جدار الصّمتِ...

رذاذُ مطرٍ يتساقطُ برفقٍ يُعانقُ الأرض بعد طول عطشٍ وتفوحُ روائحَ اللّقاءِ عبقة...

زهور بألوان شتّى تتفتّح بابتسامة خجولة، حمراء الوجنتين تتمايلُ ثمِلة، ترقصُ على نغمات نسمات صيفٍ شقيّة...

طيفٌ بألوانه الزّاهية يظهر في السّماء...

دفءٌ في عذوبة أحلام الطّفولة يغمُر المكان

جمال يتدفّقُ ويتناثرُ حولها بسخاء لم تعهده......

في هلعٍ شديدٍ تسُدُّ كل الشّقوق الباعثة للضوء وتُمعن في الانغماس في الظلمة...

تقطعُ رُؤوس الازهار كي لا تتفتّح أكثر وينتشر أريجها...

تكبتُ كل نبض ليعود الدّم يسري باردا في الشّرايين...

ترتدي قناعا بلا ألوان يُحاكي وجوه الموتى، تتراجع الى ركنها البارد وتجمع أطرافها وتحوّطهم بذراعيها...

تصنع سورا حولهُ، كأنَّها تخشى أن يتمرّدَ ويفرّ منها، تكبتُ نبضاته وتُخرِسُ دقاته وتتجاهل رقصاته معلنة قدوم الفرحِ - هوقلبها جالب المتاعب دائما وها هي الأن تضعه تحت الإقامة الجبريّة.

ما زالت تُسيطر على الوضع - هكذا قالت لنفسِها تشدُّ من أزرها وتُقوّيها - وما زال عندها خيار الغياب.

ستضغط به عليه حتى ينسى وتخمُدَ نيرانه ويغرق من جديد في سُباته القديمِ.

تنكمش أكثر فأكثر، تنزوي، تَصمُت، تُمارسُ الخوف بإتقان... وبصمتٍ وحذر ٍ تراقب صخب الحياة من بعيد...

تنفسّت الصعداء وخاطبت نفسها في سرّها كأنّما تواسيها أو تحاول تبرير هروبها...

_ هكذا أفضل، وهن القلب ولم يعد يقوى على تحمُّلِ لفح نار اللّهفة ووجع الصبابة... وإن استَلذّها."

لكن أمطار عينيها غلبتها وبدأت تتساقط معلنة تضامنها مع ذاك السّجين...

استسلمت لها وتركتها تنهمر بترف تغسل ضيقًا يُرابط على صدرها بلا ملل ويخنقها.

الدموع رفاهيتها الوحيدة وقلمها. التقطته وكتبت...

في ذلك الصّباح تخليت عن آخر ما تبقى لي من عفوية البوح...

اليوم ليس لدي سوى قلمي وأمطاري ووحدتي وقناع العبوس

طفلتي في المنفى والشغف قُبِرَ، والزَّيفُ والسّماجة يعمّان المكان......

اطلقوا الغربان تنعق في سمائي والبوم يسكن خراب روحي بلا خجل

انا اعتزلت الفرح....

 

هدى الشابي / تونس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3606 المصادف: 2016-07-20 06:02:43