 روافد أدبية

مارينا سوريال: دفتر عاملة

MM80لم تعد تتحكم.. ولم يعد ھناك آخر يتحكم.. ربما الھواء.. ذلك الفراغ لا تدرى.. الاستيقاظ أصبح مرادفا آخر للنوم.. ليست من تخاف الوجوه، ھي أيضا لم تعد تقبل وجوھا..

تثاءبت، أغلقت دفترھا السميك، كان موعد النوم قد حل وساعة الكتابة قد نفدت، وسوف يحل الغد عليھا بيوم آخر، إنه آخر بالنسبة لھا، لقد اعتادت على ذلك.. الكلمات. منذ سنوات لم يعد ھناك آخر لديھا، انفصلت عمن تريد.. ھي لم تختر أن تكون جزءا من أخوة، لم تختر أن تكون من قاطني البدروم ولم تختر أصلھا ھناك في الجنوب... من قدم أولا؟ جدھا أم أبوھا؟ لا تذكر ولا تھتم... كانت صغيرة لا تفھم لمَ عليھا أن تطأطئ رأسھا عندما يتحدث إخوتھا الصبية الأصغر.. كرھت كونھا فتاة، فكانت صبيا.. صبيا يخشى منه إخوتھا الصبية وصبية شارعھا.... لم أجد لعبه أتعلمھا، لم أجد عروسة لأحتضنھا، كان عليه.. عليھا.. أن تتخيل، تتخيل كل شيء، قطارا، محلا.. أتخيل كونى معلمة مدرستنا، أتخيل نفسى بائعة، سائقة قطار، طبيبة... لا شيء.. لم أجد سوى الورقة لألعب معھا في البداية، كانت شخبطة ثم رسمة.. رسمت نفسي، ثم ورقة ثم شجرة، ثم بحرا، وأنا ألعب.. رسمت الطين والبحر والجاروف، رسمت ملابس لي في البحر، تخيلت ملمس المياه المالحة، بعدھا تخيلت المياه تغمرني، تركت نفسى إلى حيث تسبح الأمواج ..

كنت أحب اقتناء مجلاتي المصورة، حسنا، لم أحصل سوى على القليل، ولكن احتفظت بھا جميعا.. وأنا لم أختر أن أتوقف عن قراءتھا.. كانت المنزل.. ربما بسببھا تمكنت من البقاء في المنزل كل تلك السنوات رغم تغير ملامحه وملامحي.. ومعالم من قطنوه وسكنوا حينا..

أصوات صاخبة تدخل من نوافذي الضيقة، لا أستطيع حجب الكلمات، كلماتھم، صراخ الأطفال في منتصف الليل،بينما أنا وحدي تضمني جدراني، لمَ أصبحت أصواتھم بتلك الوحشة؟ قديما لم أنعم بنوم ھادئ إلا على أصواتھم يضحكون وھم يتقاذفون الكرة إلى الفجر.... أصبح الكل يمضى الآن...

أول يوم لھا في عملھا كان منذ خمسة عشر عاما، إنھا تذكره كما ھو إلى الآن.. رغم أنھا توقفت عن التسجيل في دفترھا الآن وھي تغوص في فراشھا القديم متكورة تحاول أن تدفئ جسدھا من البرد الشديد، لقد تذكرته الآن.. ربما صوت المطر ما حثھا على الشعور بھذا ..

كان في يوم ممطر، استيقظت قبل أمھا وجلست تنتظر.. تذكرت ركضھا محاولة السير خلف أبيھا بقدمه الواسعة، فكانت تلھث.. رأت صورتھا كتب بجوارھا.. المھنة: عاملة...

 

 مارينا سوريال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3638 المصادف: 2016-08-21 11:27:42