 روافد أدبية

خيرية فتحي عبد الجليل: قيس من حجر

MM80ضحكاتي تحترق، لها طعم مثل طعم الرماد في فمي، أبصقها قبل أن تصل إلى قلبي، ولها رنة كاذبة كرجع الصدى في واد خال إلا من فحيح أفعى تحتضر، أعرف كم يكلفني ثمن هذه الضحكة الطافية كالفلين على سطح الماء .

صديقاتي من حولي  ثلاث، يتجاذبن أطراف الحديث الهامس وأنا بينهن لا يربطني بجلستهن سوى خيط واه كخيط العنكبوت المتدلي من سقف ردهة الباحة المتشقق.

يبدوا أن لغة التواصل بيني وبينهن مفقودة أو أن حالة اكتئابي وقلقي سر يصعب اكتشافه، كنت وكأنني أجلس على جمر ملتهب يقض مضجعي فأقف، أستأذن الجميع لأخرج لكن أحداهن تشدني بل تأسرني عندما تخلق جوا أسطورياً رهيباً حولها فلا أملك من أمري شيئاً سوى النظر إليها وهي تثير هالة من الإشراق والانبهار حولها تسكبها رويدا رويدا لتلون بها جو الجلسة الشاحب أرى صدى ذلك  في نفوس صديقاتي المتحلقات حولها وفي نفسي فأقف لحظة قصيرة كالملدوغة وأنا في حالة اندهاش شديدة  خيل إلى أنها تطلب مني أن أجلس وتبدوا كأنها تقول أن جلستها لا تكتمل إلا في وجودي، رغماً عني أجلس، تتمادى في تعذيبي عندما تستلم  دفة الحديث وتشرع في توجيه حديثها الساحر إلى والاستشهاد بي وأنا استمع في ذهول، أتأمل حركة يديها وشفتيها، أحاول قراءة تعبير وجهها وممارسة بعض تمارين الإيحاء الذاتي التي قرأت عنها في بعض الكتب، تصورت نفسي في انسجام تام معهن، وألقيت بأوامر صارمة إلى وجداني بالمشاركة والاندماج التام وبدأت أهز رأسي وأنفعل أبتسم وأبكي، أهمس وأصرخ وأنصت، لكنني أجد نفسي كالمتفرج على صورة بلا صوت ووجدتني أحاول التركيز كي اركب الصورة التي أمامي إلى أي صوت استحضره في الذاكرة ولكن عبثاً .

وجدتني أضطرب، أرتجف، أضحك ساعة تعلن صديقتي عن الحزن  وأبكي خلال فضاءات الفرح الشاسعة  وألوذ فراراً إلى الانزواء في ركن قصي من الباحة الكبيرة متعللة بصداع عنيف يطرق رأسي دون رحمة،

أخال أحداهن تهرع إلى مساعدتي، تجلب لي كوب من الشاي له رائحة تشبه إلى حد بعيد رائحة النعناع الزكية و قرص من الأسبرين القوي كدواء عاجل لصداعي الكاذب، تصل دفة الحديث إلي، أطالب بالمشاركة، أجد نفسي في ورطة، أستنجد بتمارين الإيحاء الذاتي، أتخيل نفسي أخوض حديثاً شيقا وممتعا وأرى صديقاتي يضحكن طرباً في اندماج كامل مع حديثي، أضحك ساخرة من نفسي إذ تتراءى لي صورة من الماضي السحيق موغلة في القدم، وجه مجعد لشيخ وقور تجاوز الستين من عمره ضرير يحمل فانوسا وطفل بائس، الأعمى يقود الطفل كلما سار والطفل تتعثر خطواته خلف الشيخ

- هذا هراء، تقول أحدى صديقاتي  .

أنتفض مذعورة، أفشل في قيادة دفة الحديث وأعود إلى لعبة تركيب الصوت إ

لى الصورة والانزواء .

فجأة أجد نفسي وحيدة، تنفرط  حلقة صديقاتي واكتشف أنني أقف وسط باحة معرض كبيرة لنحات ناشئ تحيط بي تماثيل النساء وتلتف حولي، تمتد يدي وبسبابة مرتعشة أحاول إزالة الغبار المتراكم عن جسد المجسم الصغير والمقلد لتمثال ربات الحسن الثلاث و أخرج في هدوء .

 

خيرية فتحي عبد الجليل / ليبيا

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

سردٌ رائع .. مفارقة مدهشة .. أدام الله روعة مدادك .. تحيتي أستاذة خيرية

أبوإبراهيم العزابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3641 المصادف: 2016-08-24 10:39:34