 روافد أدبية

لاجئ

حيدر الهاشميأنا لا اختلف كثيراً عن الكلاب المشردة، سوى أني اهتم بأناقتي. لا أستحم بماء البرك والمستنقعات، ولا اتناول الطعام من القمامة، مهما أشتد بيّ الجوع .

لست كلباً هجيناً مثل (البيتبول) او كلباً تليداً، لكني أشتاق إلى طفولتي أحياناً، أحن إلى الاشياء التي مازالت عالقةً في ذاكرتي .

اذهب إلى الحدائق والمتنزهات، التقي بالكثير من الكلاب المرموقة، وهي تسير برفقة أصحابها، مثل كلاب الزينة وغيرها من الكلاب التي يضعون حول رقابها طوق من الجلد الثمين، يشبه ربطة العنق .

ينادونها بأسمائها، كل كلب لديه أسم هنا، الا أنا، أنا الكلب الوحيد الذي لا أسم له، مجهول الهوية، كلب لاجئ، نزح من المكان والزمان، يبحث عن ذاته التي فقدها، عندما كان إنساناً في السابق .

لقد عشت الكثير من المغامرات، وفي كل مرة أنجوا من الموت بأعجوبة، عندما تطاردني مفارز الشرطة بتهمة التسول، يسقط منا الكثير بين جريح وقتيل، منهم من يتعافى ويعود ومنهم من لا يعود إلى الأبد، اما أنا كنت أذهب إلى بيتٍ بعيد، بعيداً جداً، هناك عائلة كريمة، رغم عوزها وبؤسها، كان يقدم لي صاحب البيت، الخبز والماء والمأوى .

ذات مرة تعرفت على كلبٍ بولسي أسمه (هاف) يحرس بيت أحد المسؤولين في الدولة، كان يسمح لي بالدخول إلى حديقة القصر، كلما ذهب الحراس للراحة، العب والهوا مثل الصغار، ثم يقدم لي اشهى الوجبات، اللحم المقدد، أفخاذ الدجاج، البيتزا، فأقوم بجمع الطعام في كيسٍ أسود، وأعود مسرعاً إلى بيت صاحبي الفقير، فيأكلون ويضحكون ويتحدثون فيما بينهم، قال أحدهم : لقد رزقنا الله بكلبٍ لطيف .

أما أنا فكنت أهز ذيلي وأشاركهم الابتسامة العارمة .

وفي اليوم التالي خرجت أتفقد رفاقي، شاهدت صوري الشخصية معلقة على أعمدة الإنارة وعلى جدران المعابد، وقد كتب عليها اعلان طويل (من يعثر على هذا الشخص، يرجى الاتصال بالأرقام التالية ....)، ذهبت مسرعاً إلى بيتي القديم، شاهدت أطفالي وهم يعودن من المدرسة، حاولت الاقتراب منهم، فأحاط بي أطفال الشارع،انهالوا عليَّ بالضرب، كانت الحجارة مثل رشقات المطر، حتى أطفالي شاركوهم الشتم والضرب، وعندما حاولت الفرار اصطدمت بصديقي القديم، تعرف عليَّ من خلال دموعي، فقال : لمَ فعلت كل هذا؟ عد إلينا سريعاً .

هززت رأسي وتحدثت إليه، لكنه لم يفهم كلامي، كنت أعوي، حاولت أن أشرح له، اتركوني وشأني مع الكلاب، تعلمت منهم الصدق والاخلاص والوفاء .

 

حيدر الهاشمي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

كنت أعوي، حاولت أن أشرح له، اتركوني وشأني مع الكلاب، تعلمت منهم الصدق والاخلاص والوفاء .

الأديب والشاعر القدير حيدر هاشمي ، صباحك الخير ، مودتي على الدوام ..

يقال إن الكلب نجس ، لكن هل هناك انجس من انسان منافق كاذب جاسوس عميل لا ضمير له ؟؟
لا وفاء عند البعض ، وعندما يسب على أحدهم يشتم بالكلب !! إنها ليست اهانة ، أنه الوفاء ..

استمتعت بالقراءة ، ترميز واضح ، استخدام مفردات جميلة ومبطنة ومواربة ، للأسف هو واقعنا يا أستاذ حيدر ، واقع اللاجئ حيث تسخط عليه بلده واولاد بلده ، تشرد ضياع جوع ، وحين يعود يقذف بالسجون ويعرّى من كل حقوقه الإنسانية المشروعة ..

جدت بالكثير ، تحياتي وكل السلام ..

فاتن عبدالسلام بلان
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديقة الرائعة , الشاعرة المتألقة الأستاذة فاتن عبد السلام بلان صباح الخيرات , نعم أنا أرى في الكلاب كل الصفات الحميدة ,النجس هو الذي يسرق باسم الله والدين والوطن , الذي يقتل النفس المحرمة , الخائن والقائمة تطول يا صديقتي سعيد جداً بمداخلتك واطلالتك .. لك كل الود والتحية .

حيدر الهاشمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4602 المصادف: 2019-04-12 08:37:36