عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: ديميتريس ألكسيو

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

أَتساءل أين قد تكونين؟ "في لوتراكي"، كما قيل لي؟

أأُصدقهم؟

أَقصيتِ شعركِ؟

أتسكنين في منزلٍ منفرد؟

تحيطه أشجار الصنوبر والسرو من كل صوب؟

أَمْ في شقةٍ لها شُرفة مليئة بالزهور؟

أَتُحيطُكِ أسواراً عالية وقضبان؟

أَترتدين في الصباح الجينز الذي أعرفه؟

أَتجوبين الشواطئ المهجورة؟

أَما زلتِ تعومين عارية؟

أَلديكِ ما يكفي من الحرية؟

أَما زلتِ ترتدين فستانكِ الأسود؟

أَتخرجين في المساء؟

أَما زلتِ تختارين الحانات الصغيرة؟

أَتستمعين إلى "الأغاني القديمة تصدح بالمستقبل"؟

ألديكِ أطفال؟

أَهم شقرٌ كما كنتِ ترغبين؟

أَتداعبين شُعُرِهم؟

أَتُعلِمينهم كيف يُغنون؟

أَيواجه غرفتك البحر أو الجبل؟

أَما زلتِ مسحورة بخليج كورينث؟

أما زالت جبال جرانيان تثير فيك النشوة؟

أَما زلتِ تواصلين قراءة الشعر؟

أَبارد المكان الذي أنتِ فيه أثناء الليل؟

أَتغطين نفسك بملاءة الكتان؟

أَتتركين النافذة مفتوحة؟

حقاً...أَلديكِ نوافذ؟

 

 

محمد عبد الكريم يوسفقصة: جيمس جويس

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف

***

نظرا لأن شارع رشموند الشمالي كان غير متصل بشارع آخر فقد كان هادئا خلا الساعة التي يخرج بها التلاميذ من مدرسة الأخوين كريستيان . وعند نهاية الشارع المغلقة ، انتصب منزل غير مسكون مؤلف من طابقين يفصله عن باقي الجيران ساحة مربعة . أما باقي المنازل في الشارع فقد كانت تطل على بعضها الآخر بواجهات بنية هادئة وتعج بحيوية وحياة عصرية واضحة للعيان .

كان المستأجر السابق لمنزلنا قساً وقد توفي في غرفة الاستقبال الخلفية . وتنتشر رائحة العفن في كل الغرف كونها مغلقة لفترة طويلة من الزمن كما تنتشر نفايات من الأوراق القديمة عديمة الفائدة في غرفة النفايات خلف المطبخ . وقد وجدت عددا قليلا من الكتب ذات الأغلفة الورقية كانت صفحاتها مجعدة ورطبة مثل: الدير للكاتب وولتر سكوت والخطيب المتدين ومذكرات فيدوسك . أحببت الكتاب الأخير أكثر منها جميعا لأن أوراقه كانت صفراء . وقد احتوت الحديقة المهملة الموجودة خلف المنزل شجرة تفاح في المنتصف بالإضافة إلى العديد من الأغصان العشوائية ووجدت تحتها مضخة هواء صدئة تعود لدراجة القس المتوفى . لقد كان القس يحب أعمال الخير كثيرا وقد كتب في وصيته أنه يترك كل أمواله للمؤسسات الخيرية بينما ترك أثاث منزله لأخته .

وعندما تحلّ أيام الشتاء القصيرة ، ينتشر الغسق قبل أن نكون قد تناولنا طعام الغداء. وعندما نلتقي في الشارع يكون لون المنازل قد صار أكثر قتامة . وتصير مساحة السماء التي فوقنا بلون بنفسجي متغير دائما . وفي ناحية المنزل تنتصب أنوار الشارع بمصابيحها الخافتة . كان الهواء البارد يلسعناوكنا نلعب حتى تتوهج أجسادنا، وكان صدى صراخنا يملأ الشارع الصامت. ولعبنا يأخذنا نحو الطرقات الطينية الموحلة  الموجودة خلف المنازل حيث كنا نلعب لعبة القبائل البدائية الخارجة من الأكواخ . وفي ناحية الأبواب الخلفية للحدائق الداكنة  كانت الروائح تنتشر من حفر الرماد وروائح الاسطبلات حيث كان سائس الخيل ينعّم شعر الحصان ويمشطه ويحدث صوت موسيقى مصدره تحرك أحزمة اللجام الجلدية .  وعندما عدنا إلى الشارع ، كان الضوء المنبعث من نوافذ المطبخ يملأ المنطقة . وفي حال ظهر عمي يلفّ زاوية الشارع ، كنا نختبئ تحت الظلال حتى يدخل منزله بأمان  . وفي حال خرجت أخت مانجان ووقفت عند عتبة الباب تنادي أخاها لتناول الشاي ، كنا نراقبها من مكان اختبائنا صعودها وهبوطا . وكنا ننتظر لنرى إن كانت تبقى أو تدخل المنزلوفي حال بقائها نخرج من مخبئنا صاغرين ونتبع خطوات مانجان طائعين. كانت تنتظرنا . كنا نتعرف على ظلها من ضوء الباب نصف المفتوح. كان أخوها يغيظها قبل أن يطيع أوامرها وأنا كنت أقف بجانب السياج أنظر إليها. كان فستانها يتمايل وهي تحرك جسدها وكان هناك حبلا ناعما لشعرها يتمايل من جانب إلى جانب .

أتمدد كل صباح على الأرض في البهو الأمامي أراقب بابها . سحبت الستارة نحو الداخل بمقدار بوصة واحدة حتى لا يراني  أحد. عندما خرجَت ووقفتْ على عتبة الباب قفز قلبي من مكانه . هرعتُ إلى داخل القاعة  والتقطتُ كتبي وبدأتُ أتابعها . أبقيت عيني بشكل دائم على طلتها البنية وعندما نقترب من النقطة التي تتفارق فيها طريقانا كنت أسرّع الخطو وأتجاوزها مارّا بجانبها .كان ذلك يحدث كل صباح. لم أكلّمها مطلقا  باستثناء كلمات عرضية عابرة . كان ذِكْرُ اسمها بمثابة استدعاء لكل دمي الأحمق المجنون. 

رافقني طيفها حتى في الأماكن الأكثر عدائية للرومانسية . في أمسيات السبت ، وعندما كانت عمتي تذهب للتسوق كان عليّ أن أرافقها لأحمل بعض الأغراض. كنا نسير عبر الشوارع الصاخبة نصادف السكارى وبائعات الهوى وسط لعنات العمال وصرخات الأولاد المكلفين بحراسة المحلات بجانب براميل لحم الخنزير و غناء مغني الشوارع الذي يخنّ من أنوفهم وينادي أن تعالوا واسمعوا دونفان روزا أو لسماع أغنية شعبية حول مشكلات وطننا الأم . امتزج هذا الضجيج بإحساس واحد بالحياة بالنسبة لي: تخيلت أنني أحمل خمرة قرباني وسط ثلة من الأعداء. كان اسمها يقفز على شفتي في لحظات الصلاة الغريبة والمديح الجميل والتي أنا نفسي لم أفهمها. كانت عيناي تمتلئان بالدموع (ولا أعرف لماذا) وأحيانا ينسكب سيل من الدموع وينساب على صدري . فكرت قليلا في المستقبل. فأنا لا أعرف إن كنت سأتحدث معها يوما أم لا . وإن تحدثت معها ، كيف لي أن أخبرها بإعجابي المضطرب؟ لكن جسدي كان مثل ألة الهارب الموسيقية وكلماتها وايماءاتها كانتا مثل الأصابع التي تحرك الأوتار. 

ذات مساء ، ذهبت إلى غرفة الاستقبال الخلفية  التي توفي فيها القس. كانت ليلة ظلماء ماطرة ولم يكن هناك أدنى صوت في المنزل . وقد سمعت من خلال إحدى ألواح الزجاج المكسور صوت المطر يسقط على الأرض مشكلا ابراً متواصلة تتحرك بنشاط فوق الأرض المشبعة بالماء . ظهر ضوء بعيد أو نافذه مضيئة تومض في الأسفل . حمدت الله أنني أستطيع أن أرى القليل . بدت لي كل مشاعري وكأنها تتوق أن تحتجب عني وشعرت وكأنني أنسلّ منها. ضغطت راحتيْ يدي فوق بعضهما حتى ارتجفتا ، وتمتمت عدة مرات  قائلا: " أه من الحب ! أه من الحب !"

أخيرا تحدثت معي . عندما خاطبتني بكلماتها الأولى شعرت بالارتباك والاضطراب لدرجة أنني لم أعرف بما أجيب. سألتني إن كنت ذاهبا إلى عربي. وأنا نسيت إن كنت قد أجبتها بنعم أم كلا. قالت أنه سيكون معرضا رائعا ، وأنها تحب أن تذهب إليه. 

سألتها قائلا: " ولمَ لا تستطيعين الذهاب ؟"

وبينما هي تتحدث ، دورّت سوارا فضيا مرات ومرات حول معصمها . قالت أنها لا تستطيع أن تذهب إلى هناك لأنها لا تستطيع أن تنسحب من عظة هذا الأسبوع في الدير . كان أخوها يتعارك مع صبيين آخرين من أجل قبعاتهم وكنت أنا بمفردي على السياج . أمسَكتْ بإحدى المقابض ثم حنت رأسها باتجاهي . أظهر الضوء المنبعث من المصباح المقابل للباب الانحناءة البيضاء في عنقها ، وأنار شعرها الذي استقر هناك متدليا وأضاء يدها الموجودة على السياج. سقط الضوء على جانب من فستانها وأظهر الحد الأبيض للتنورة الداخلية الواضحة للعيان وهي تقف باسترخاء .

 قالت: " ليس هناك مشكلة بالنسبة إليك ."

أجبتها قائلا: " إن ذهبت سأحضر لك شيئا "

كم كانت الحماقات والتهيؤات كثيرة تلك التي حولت أفكار يقظتي ومنامي إلى هباء منثورا بعد ذلك المساء . تمنيت لو أمحو الأيام المتداخلة المملة . صرت معاديا للواجبات المدرسية . وقد سيطرت صورتها عليّ في الليل في غرفة نومي وفي النهار في غرفة الصف . ووقفت حائلا بيني وبين صفحة الكتاب الذي أجاهد نفسي لقراءته. وحضرت إلى مخيلتي المقاطع الصوتية لكلمة عربي في ساعات الصمت التي أستمتع بها ، وألقت في نفسي سحر الشرق . طلبت إجازة للذهاب إلى المعرض ليلة السبت . وقد دهش عمي للخبر ، وتوسل لله أن لا يكون معرضا ماسونياً. أجبت عدة أسئلة في الصف . وراقبت وجه معلمي يتغير من الود إلى القساوة ،وقال أنه يأمل أن لا أبدأ بالكسل . لم أستطع أن استحضر أفكاري  المتجولة وأجمعها معا . وفقدت كل صبر ممكن على العمل الجاد في الحياة الذي قد يقف حائلا بيني وبين رغبتي وبدا لي أنه لعب طفولي ، لعب طفولي متوحش وقبيح .

صباح السبت ذكّرت عمي أنني أرغب في الذهاب إلى المعرض في المساء . كان يستند إلى سياج السلم يبحث عن فرشاة لطاقيته وأجابني باقتضاب:

"نعم! يا بني !أنا أعلم ."

وحيث أنه كان في القاعة لم أستطع العبور لغرفة الاستقبال الأمامية والاستلقاء بجانب النافذة . غادرت المنزل بمزاج سيء ومشيت ببطء نحو المدرسة . كان الهواء فجا وجافا وكانت الهواجس والظنون تتنازع قلبي.

وعندما عدت للمنزل لتناول طعام الغداء لم يكن عمي قد عاد بعد . لقد كان الوقت مبكرا . جلست أحدق في الساعة لبعض الوقت  ، وعندما صارت دقاتها تزعجني غادرت الغرفة . صعدت الدرج ووصلت الجزء العلوي من المنزل. لقد حررتني الغرف العلوية الباردة الخاوية والكئيبة وشرعت أغني وأنا انتقل من غرفة إلى أخرى . شاهدت من النافذة رفاقي يلعبون في الشارع أسفلا . كان صراخهم يصلني  ضعيفا لا أميزه فأسندت جبهتي على الزجاج البارد. ونظرت هناك نحو المنزل المظلم حيث كانت تعيش . وقفت هناك لأكثر من ساعة من الزمن ولم أرَ شيئا سوى شكلها البني الذي يخيم على خيالي يلمس الضوء المنبعث من المصباح الانحناءة البيضاء في عنقها ، ويضيء  يدها الموجودة على السياج ويسقط الضوء على جانب من فستانها ويظهر الحد الأبيض للتنورة الداخلية.

عندما هبطت الدرج نازلا مرة ثانية  وجدت السيدة ميرسير تجلس قرب الموقد. كانت سيدة عجوز ثرثارة مغرمة بالرهبان تجمع الطوابع لغاية دينية . وكان علي أن اتحمل ثرثرتها وأنا على طاولة الشاي. تأخرت الوجبة أكثر من ساعة وعمي لم يأت يعد . وقفت السيدة ميرسير تهمّ بالذهاب وأبدت أسفها لأنها لا تستطيع أن تنتظر أكثر وحيث أن الساعة تجاوزت الثامنة فإنها لا تحب أن تخرج في وقت متأخر لأن هواء الليل ليس مفيدا لها . وعندما غادرتْ ، بدأت أمشي في الغرفة جيئة وذهابا أشبك قبضتي يدي مع بعضها . قالت عمتي:

" كل ما أخشاه هو أن تؤجل زيارة المعرض هذه الليلة لسبب لا يعلمه إلا الله."

عند الساعة التاسعة سمعت مفتاح عمي يتحرك في قفل باب القاعة . سمعته يتحدث لنفسه وسمعت صوت المشجب يئن تحت وطأة ثقل معطفه. أنا أستطيع أن أفسر هذه الإشارات . عندما كان في وسط طريقه لتناول العشاء طلبت منه أن يعطيني المال للذهاب إلى المعرض . لكنه نسي.

أجابني قائلا: " الناس في أسرّتهم . وهم في بداية نومهم الآن ."

لم أبتسم . أجابته عمتي بحماس :

"  ألا تستطيع أن تعطيه المال وتتركه يذهب ؟ لقد أخرته بما يكفي ."

قال عمي أنه أسف جدا لأنه نسي . وقال أنه يؤمن بالمثل القديم الذي يقول:" العمل الكثير واللهو القليل يحجّر الإنسان . " سألني إلى أين سأذهب ، وعندما أخبرته للمرة الثانية  سألني إن كنت أعرف أغنية: " وداع العربي لجواده" . وعندما غادرتُ المطبخ كنت على وشك أن أسمع عمتي الأبيات الأولى للأغنية .

قبضت على قطعة الفلوران النقدية بيدي وأنا أمشي بسرعة نازلا شارع بكنغهام نحو المحطة . لقد ذكّرني مشهد الشوارع المزدحمة بالبائعين والغاز المتوهج بالغرض من رحلتي . أخذت مقعدي في عربة الدرجة الثالثة في قطار مهجور . وبعد تأخير لا يحتمل تحرك القطار  خارجا من المحطة ببطء شديد. زحف نحو الأمام وسط المنازل المدمرة وفوق النهر الذي يتلألأ . دفع حشد من الناس أبواب العربات في محطة رو ويست لاند لكن الحمالين أعادوهم للخلف قائلين أن هذا القطار خاص بالمعرض . بقيت وحيدا في العربة الخاوية . خلال دقائق وصل القطار إلى محطة خشبية منتصبة . مررت عليه خارجا إلى الطريق وشاهدت قرص ساعة مضاء يشير إلى أن الساعة صارت العاشرة إلا عشر دقائق وأمامي انتصب بناء ضخم  يظهر عليه اسم سحري.

لم أستطع أن أجد أي مدخل يدخلني للمعرض بستة بنسات وكنت أخشى أن يغلق المعرض أبوابه فدخلت بسرعة من أحد الأبواب الدوارة بعد أن أعطيت شلنا لرجل يبدو عليه التعب. وجدت نفسي في صالة كبيرة محاطة في منتصفها بمعرض . كانت معظم الأجنحة مغلقة تقريبا ومعظمها غارق في الظلام . لاحظت وجود صمت يشبه إلى حد بعيد الصمت الذي يجتاح الكنيسة بعد العظة . مشيت إلى وسط المعرض بتردد . كان هناك عدد قليل من الناس يتجمعون حول بعض الأجنحة التي ما تزال مفتوحة . واجتمع رجلان يعدان النقود على صينية أمام ستارة مكتوب عليها بمصابيح ملونة  " المقهى المغرد" . وهناك استمعت إلى أصوات سقوط النقود المعدنية . 

تذكرت بصعوبة بالغة لماذا أتيت ، وتوجهت لأحد الأجنحة وتفحصت المزهريات الخزفية وأطقم الشاي المزينة بالورود . عند باب الجناح ، كان هناك سيدة شابة تتحدث وتضحك مع شابين آخرين . لاحظت أن لكنتها انكليزية فاستمعت الى محادثتها الغامضة .

" أوه ! أنا لم أقل مطلقا شيئا كهذا ."

"أوه! لكنك قلت ذلك ."

"أوه ! لكنني لم أقل . "

" ألم تقل ذلك ؟ "

" نعم . أنا سمعتها تقول ذلك ."

"أوه....هناك ...هذا كذب."

وعندما لا حظت وجودي اقتربت مني السيدة الشابة وسألتني إن كنت سأشتري  شيئا. كانت نبرة صوتها غير مشجعة فقد بدت لي وكأنها تتحدث معي كنوع من الواجب . نظرتُ بتواضع إلى الجرات الكبيرة التي كانت تنتصب مثل الحراس الشرقيين على كلا جانبي المدخل العاتم للجناح وتمتمت قائلا:

 " كلا . شكرا لك ."

غيّرت السيدة الشابة مكان إحدى المزهريات وعادت إلى الشابين . وبدءا الحديث عن ذات الموضوع . رمقتني السيدة الشابة نظرة أو نظرتين من خلف كتفها .

تسكعت أمام جناحها رغم أنني أعلم أن وجودي بلا فائدة .كنت أريد أن أجعل اهتمامي بأوانيها يبدو طبيعيا. ثم استدرت بعيدا ببطء ومشيت إلى منتصف المعرض. وسمحت  لقطعتي نقود من أصل الستة الموجودة في جيبي أن تسقط على الأرض . سمعت صوتا ينادي من نهاية المعرض أن الأنوار انطفأت وتحول الجزء العلوي من المعرض إلى ظلام دامس .

حدقت في الظلام الدامس ورأيت نفسي مخلوقا يقوده ويسوقه الغرور وعيناي تشتعلان غضبا وألما  .  

***

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف / كرم محمد يوسف

مراجعة: سوسن علي عبود

.................................

* نشرت قصة " عربي " ضمن مجموعة " أهالي دبلن " في عام 1914 . وقد اعتبرت من أروع القصص القصيرة كما حصلت على المرتبة الأولى في مجموعة " قصص لطلاب المدرسة العليا" .

Araby , James Joyce , The Dubliners , 1914

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جيمز تيت

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

جلست في أرجوحة الشجرة القديمة دون أن أتأرجح. كان حذائي قد سقط مني فتركته على الأرض. جاءت أختي تركض خارجة من البيت لتخبرني شيئا. قالت: "سأقوم بالتخييم غدا." قلت: " لا أصدقك." قالت: "اجل، إنها حقيقة. أمي أخبرتني." لم نتحدث لما تبقى من اليوم. غضبت منها لأنها فعلت شيئا لم افعله. عند الغداء سألت أمي أي نوع من المخيمات هو. قالت: أوه، انه مخيم كأي مخيم غيره." لم اعرف حقا ما الذي كان يعنيه ذلك. في اليوم التالي، جهزوها للرحيل ومن ثم انطلقوا بسيارتهم، تاركين إياي عند الجيران. حين عادوا كان كل شيء عاديا ما عدا إنني اشتقت إلى مايسي. واشتقت إليها أكثر كلما يمر يوم. لم أكن اعلم كم كانت تعني لي قبل ذلك. سألت والديّ مرارا وتكرارا كم سيستغرق ذلك. كل الذي قالوه: قريبا. أخبرت بعض الأطفال في المدرسة كم مضى على ذهاب أختي. قال احدهم: "لن تعود أبدا. ذلك مخيم الموت." حين عدت إلى المنزل أخبرت والدي ما قاله ذلك الفتى، فقال والدي: "انه لا يعلم ما الذي يتحدث عنه." ولكن بعد أسبوعين أو أكثر من اختفائها بدأت أتساءل. كان ذلك حين بدأوا بتنظيف غرفة مايسي. قلت: "ما الذي تفعلونه؟ قلتم إن مايسي ستعود قريبا." قالت أمي: "مايسي لن تعود. تفضل البقاء هناك اكثر من أن تكون هنا." قلت: "ليس ذلك صحيحا. لا أصدقكم." رمقني والدي بنظرة جعلتني أدرك إنني سأكون التالي إن لم أحسن التصرف. لم انبس ببنت شفة عن مايسي مرة ثانية.

 

..................

جيمز تيت (1943- 2015 ) شاعر أميركي من مواليد مدينة كانسس بولاية ميزوري. ارتبط اسمه بحركتي ما بعد الحداثة والسريالية الجديدة في أميركا. بدأ مسيرته الشعرية عندما رشحت أول مجموعة شعرية له لجائزة ييل للشعراء الشباب، وهي المجموعة التي نشرها عام 1967 بعنوان (الطيار الضائع) وكان لا يزال طالبا في ورشة كتاب جامعة أيوا. لقيت مجموعته هذه استحسانا كبيرا وتأثر بها جيل من الشعراء خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لاستخدامه فيها منطق الحلم والتلاعب السيكولوجي. يصف الناقد الأدبي دانا جويا تأثيره هذا ودوره في الحداثة الشعرية عموما بقوله إن تيت حول السريالية من أسلوب كان يعد أجنبيا وغريبا بعض الشيء على التراث الشعري الأنكلو-أميركي—حتى بالنسبة لأكثر ممارسيها موهبة في أميركا مثل تشارلز سيميك ودونالد جاستس— إلى أسلوب بدا محليا ووطنيا متأصلا. فاز شعره بعدة جوائز لعل أهمها جائزة البوليتزر عام 1992 . من عناوين مجموعاته الشعرية: (المشاعل)1968، (غيابات)1972، (المدافع الثابت)1983، (مصفي الحساب)1986، (مسافة عن الأحبة)1990، (كفن القزم الخرافي))1998، (العودة إلى مدينة القردة البيض) 2004 و(الجنود الأشباح)2008. عمل تيت أستاذا للشعر في جامعات عديدة وشغل منصب عميد أكاديمية الشعراء الأميركيين منذ عام 2001 حتى وفاته.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب المجري : إشتفان أوركين

 ترجمة: عامر  كامل السامرائي

***

كان عمر الطفلة أربع سنوات فقط، ذكرياتها بلا شك بدأت تتلاشى، ولكي تشعرها أمها بالتغيرات الوشيكة الحدوث، اخذتها إلى سياج الأسلاك الشائكة، وأشارت لها من بعيد إلى عربات القطار.

- ألا يفرحك ذلك؟ هذا القطار سيأخذنا الى الوطن.

- وماذا سيحدث عندئذ؟

- عندها سنكون في وطننا؟

فسألت الطفلة :

- ما يعني هذا؟ ما هو الوطن؟

- حيث كنا نسكن.

- وماذا يوجد هناك؟

- أما زلت تذكرين دبك الصغير؟ ربما عرائسك لا تزال موجودة.

سألت الطفلة :

- ماما هل يوجد في الوطن حراس ايضاً؟

- كلا. لايوجد.

فسألت البنت:

- إذن هل سيمكننا الهروب من هناك؟

 

...........................

نبذة عن الكاتب:

ولد الكاتب لعائلة يهودية ثرية. درس والتحق بجامعة بودابست حيث درس الكيمياء. وبعد عامين، اختار التخصص في علم الصيدلة وحصل على شهادته في هذا الموضوع في عام 1934.  فقد كان والده يعمل صيدلانياً أيضاً.

نشر كتابه الأول، رقصة المحيط، في عام 1941. في عام 1942، أرسل إلى الجبهة الروسية على نهر الدون. كيهودي، وتم وضعه في وحدة العمل القسري. وهناك قُبض عليه واحتُجز في معسكر للعمل بالقرب من موسكو، حيث كتب مسرحية فورونيش. في عام 1946 عاد إلى بودابست مع أسرى الحرب.

يعتبر الرائد الأول عالمياً للقصص القصيرة جداً، والتي أطلق عليها إسم (قصص الدقيقة الواحدة) في عام 1967. كانت قصصه في غاية الإيجاز، فلسفية صادمة لما تحتويه من صور مختزلة للحياة اليومية. وهذه القصة واحدة من مجموعتة القصصية التي تحمل نفس العنوان ( قصص الدقيقة الواحدة).

تتحدث هذه القصة عن المهجرين من أوطانهم.

 

صحيفة المثقفللشاعر الهندي الكندي

 بيتر بلو كلاود

ترجمة نعمان الحاج حسين

***

يا ذئب، يا ذئب البراري، من فضلك قل لي

- ما هو الشامان؟

الشامان لا أعرف

أي شيء عنه .

قأنا – نفسي - طبيب.

وعندما أستخدم الدواء،

فانه شيء بيني،

وبين مريضي،

والخلق.

*

ذئب البراري، يا ذئب البراري، من فضلك قل لي

- ما هي القوة؟

- يقال أن السلطة

هي القدرة على البدء

بالمنشار الخاص بك

مع السحب لعندك.

*

ذئب البراري، ذئب البراري، من فضلك قل لي - ما هو السحر؟

السحر هو الذوق الأول

من الفراولة الناضجة، و

السحر هو طفل يرقص

في المطر في الصيف.

 *    *    *

من فضلك، أخبرني من أنت؟

وفقا لأحدث

مسح، وتأكيد

الأشخاص الذين، في الشعر،

قد زعموا لي

جائزة الفاتح.

دعني فقط اقول

لمرة واحدة وإلى الأبد،

فقط ما يجب القيام به :

ذئب البراري، لا ينتمي إلى شيء

    *        *          *

اغنية Elderberry Flute مزمار التوت البري

 كان يجلس هناك على حجر

عند نهاية العالم،

كل شيء كان هادئا وكان الخلق

جميلا جدا.

كان هناك انسجام وكمال

في الحلم،

*

والسلام كان نسيمًا دافئًا

كهبة من الشمس.

*

ارتفع البحر وسقط

في إيقاع ذهنه،

والنجوم كانت نقاط في تفكيره

الذي يقود الى العقل.

تحول الكون في اتساع

الفضاء مثل الحلم،

*

حلم لمرة واحدة ولكنه يحفظ

الذكرى إلى الأبد .

*

رفع الناي الى الشفتين

بحلاوة فصل الربيع

وعزف ببطء علامة

ظلت معلقة لعدة فصول

فوق الخلق.

وكان الخلق يحتوي

معرفة الموسيقى.

*

انحرفت النغمة

وابتعدت بعيدا

في عقل الخلق،

لتصبح استدارة صغيرة.

ثم انقلبت الاستدارة

الى عيون مولودة من جديد

وحدقت في تعجب

 لولادتها.

ثم نغمة وراء نغمة

في اللحن الذي ينسج

نسيج الحياة الأولى.

*

أعطت الشمس الدفء

بانتظار الشتلات،

وهكذا ولدت

الجموع الهائلة

من أغنية الفلوت.

   *      *       *

حكاية

توقف ذئب البراري للشرب في بحيرة كبيرة ورأى صورته. "الآن هناك ذئب حسن المظهر حقا"، قال، وانحنى أكثر من ذلك. وبالطبع وقع في البحيرة. وبالطبع سوف تعتقد أن هذا موضوع قديم . لكن ما حدث هو أنه شرب البحيرة بكاملها لينجوا من الغرق. ولأنه لم يعجبه حقاً طعم بعض الأسماك، قام ببصقها. ولأنه شعر بالأسف عندما رآها تتخبط، غنى أغنية لإعطائهم أقداما.

"ربما سيصبحون أول أناس"، قال القيوط  Coyote بصوت عال.

"لا أنت لا " قال رئيس قبيلة الأسماك هذه، "إذا كان كل شيء لديك، هل يمكنك فقط أن تعيدنا إلى حيث كنا ؟ وهل يمكنك أن تأخذ هذه الأرجل الغبية؟ "

لذلك بصق القيوط البحيرة ووضع كل شيء مرة أخرى على النحو الذي كان عليه.

مرة أخرى رأى انعكاس صورته وقال، "حسنا، أنت جميل المظهر، ولكن هل أنت ذكي؟ لقد كنت أحاول إنشاء أول شخص منذ وقت طويل الآن، لكن لا شيء يريد أن يكون بشرا. لذا، ماذا أفعل - هاه - هل يمكن أن تخبرني؟

تفحصه المتأمل المنعكس لفترة طويلة، ثم أقام القرفصاء وأسقط غائطًا كبيرًا.

"حسنا،" قال Coyote، "أعتقد أن هذه هي إجابة جيدة ".

ثم جلس هو نفسه القرفصاء وبدأ في تشكيل أول شخص ...//

- قصة – بيتر بلو كلاود-

 

...................

ولد بيتر بلو كلاود عام (, (193كان شاعر الموهوك وراو وكاتب قصص قصيرة - من عشيرة السلحفاة - ولد في Kahnawake، إقليم Mohawk، (كيبيك، كندا). سافر إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة حيث أمضى سنوات كعامل حديد، وكعامل يدوي في مزرعة. شارك في الحركة الهيبية في كاليفورنيا في أوائل الستينات من القرن العشرين حتى منتصف السبعينات تعلم من تلك "الحركات غير المتبلورة" إبعاد نفسه عن الإفراط في الاندفاع الذاتي. قضى الوقت مع Maidu Elders في كاليفورنيا، وهم احفاد الهنود الذين يدعون للحفاظ على تقاليدهم وبيئتهم الطبيعية فاكتسب تعزيزا بحكمتهم وقصصهم.

في عام 1972 صدر تاريخه عن "الاحتلال" الأصلي لعام 1969 لسجن الكاتراز / الجزيرة السابق - "الكاتراز ليست جزيرة". في 1975-76 - ومرة أخرى من 1983-85 - كتب وحرر Akwesasne Notes، وهي مجلة محلية نشرت من Akwesasne، نيويورك. حصل على جائزة الكتاب الأمريكي عام 1981.

ذئب البراري او القيوط ("Canis latrans") نوع شبيه بالكلاب المنزلية، والذئاب، والثعالب - وبناءًا على قدرتها على التكيف مع الإنسان، تعتبر واحدة من أكثر الحيوانات الأمريكية انتشارا وأكثرها إثارة للإعجاب في القرن الماضي، ذئب البراري يمكن أن يكون محتال، خداع، مهرج - وحتى خالق مبدع - في الأساطير الأصلية لأمريكا الشمالية. في كثير من الأحيان هو يمثل النشاط، والحيوية، مليء بنفسه، أبله، محرج، كاذب كلي ونزيه تماما. وقد قورن مع بروميثيوس في الميثولوجيا اليونانية وأنانسي في أساطير أشانتي في غانا. ولكن ماذا عن الجني الايرلندي - أو باغز باني ؟ إنهم يشاركون الكثير من القواسم المشتركة مع ذئب البراري أيضًا.

غالباً ما تكون المواجهات مع ذئب البراري تحويلاً روحانياً للكائنات البشرية - وهو نفسه ليس كلبًا ولا ذئبًا ولا ثعلبًا، بل هو تركيبة قيد التقدم، ومن خلاله نتلقى دروس الحياة بالإضافة إلى الفكاهة الترابية - هذه هي قصة ذئب القيوط "Coyote".

 

رضا آنستهشعر: د.صالح بوعذار، الأهواز/ إيران

تعريب: د. رضا آنسته، الأهواز/ إيران

***

آه

سلمى

قد يكون السكوت

هبوب رياح سوداء

في رواق  "الغربة"

قد يكون

موت الأسماك

في جدول – شريان  العطش

أو موت الكناري

في

 قفصٍ بارد

قد يكون موتي أنا

حين

أمسح مرآة الخيال

ولا أجدك!

"النكران"

من أقاصي البعيدِ

إمرأةٌ

تخبئ

نبتة نورٍ

أزهرت

من غزالة حبي

في قلبها،

تحتَ ركامِ النكران

أيُّ وهمٍ عبثٍ

الحبُّ عطرُ نسرينٍ

يتجاوزُ كلَّ الجدران.

 

محمد صالح الغريسيشعر : صفاء ميمونة

ترجمة : محمد الصالح الغريسي

***

حَتْمًا سَيُشْرِقُ فِي الْقَرِيبِ ضِيَاءُ

                      مَهْمَا طَغَتْ بِسَوَادِهَا الظَّلْمَاءُ

هَذَا فُؤَادُكِ مُرْهَفٌ، مُتَوَجِّسٌ

                       يَحْمِيهِ مِنْ غَدْرِ الزَّمَانِ إِبَاءُ

فَيُحِيطُهُ حِصْنٌ مَنِيعٌ شَاهِقٌ

                         عَالِي الْبِنَاءِ، وَهِمَّةٌ قَعْسَاءُ

لمَّا رَأَتْ يَوْمَ اللِّقَاءِ حَبِيبَهَا

                           حَدَثَتْ لِأَوَّلِ نَظْرَةٍ أَشْيَاءُ

ظَنَّتْ بِأَنَّ الحْلُمَ أَصْبَحَ وَاقِعًا

                         وَبِأَنَّهَا لَبَّتْ أَمَانِيهَا السَّمَاءُ

إِذْ باحَ بِالْحُبِّ الدَّفِينِ حَبِيبُهَا

                        كَذِبًا تُزيَّنُهُ الْخدِيعَةُ والرِّياءُ

مرَّ الزَّمَانُ فَأدْرَكَتْ وتَبَيَّنَتْ

                           أَنَّ الْوُعُودَ سَحَابَةٌ وهَبَاءُ

إِذْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ مُجَرَّدَ خُدْعَةٍ

                            بَلْ لُعْبَةٌ مَلْعُونَةٌ سَمْجاءُ

قَدْ كَانَ يَنْوِي أَنْ يُكَبِّلَ حُلْمَهَا

                          مَا هَكذَا يَتَصَرَّفُ الْعُقَلَاءُ

كَانَتْ تَرَى فِيهِ الْأَمِيرَ بِسِحْرِهِ

                          فَإِذَا الْأَمِيرُ خَدِيعَةٌ جَوْفَاءُ

وَالحْلُمُ كَابوسٌ أَقَضَّ مَنَامهَا

                         وَإِذَا الْغَرَامُ كَأَنَّهُ زَبدٌ جُفَاءُ

.........................

 

Nightmares' knight:

Written by Safa Mimouna

The future must be bright,

nearby a valiant knight.,

safeguarding her delicate heart

and surrounding her trepidation

within his invincible rampart.

Once she met him at first sight,

she thought "it's a dream turning right ".

At moonlight,

cordially he avowed his everlasting love

and overwhelmed her with embellished lies.

As time passes by ,

his promises he denied

it was no more but a dirty game

and shackling her ambitions was his aim.

That charming prince,

she heard about as a child

divulged to be her nightmares'knight.

.

Written by Safa Mimouna

 

عادل صالح الزبيديبقلم الشاعرة: ادريان ريتش

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

ثمة مكان بين صفي أشجار حيث ينمو العشب مرتقيا التلال

وحيث ينتهي الطريق الثوري متلاشيا الى ظلال

قرب منزل لعقد الاجتماعات هجره المضطهدون

الذين اختفوا بين تلك الظلال.

*

كنت أتمشى هناك التقط الفطر يتملكني منتهى الفزع، ولكن لا تنخدعوا

هذه ليست قصيدة روسية، هذا ليس مكانا آخر بل ها هنا،

بلدنا يقترب من حقيقته هو وفزعه هو،

طرقه هو لجعل الناس يختفون.

*

لن أقول لكم أين المكان، شبكة الغابة المظلمة

التي تلتقي بشريط الضوء غير الملحوظ—

تقاطعات طرق ترتادها الأشباح، فردوس عفن الأوراق:

اعرف مسبقا من الذي يريد شراءه وبيعه وجعله يختفي.

*

ولن أخبركم أين يوجد، فلماذا أخبركم بأي شيء؟

لأنكم مازلتم تصغون، وكي أجعلكم

في عصر كهذا تصغون بأية حال،

من الضروري أن أتحدث عن الأشجار.

 

............................

ادريان ريتش (1929-2012) شاعرة وكاتبة مقالات وناشطة سياسية ونسوية أميركية من مواليد بولتيمور بولاية ميريلاند تعد الشخصية النسوية الأبرز والأكثر تأثيرا في أميركا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. تلقت تعليمها في جامعة هارفرد حيث أصدرت خلال السنة الأخيرة من دراستها أول مجموعة شعرية بعنوان (تغيير عالم) عام 1951 رشحها الشاعر و. هـ. أودن لجائزة جامعة ييل للشعراء الشباب  وكتب مقدمة لها بعد فوزها بالجائزة. ثم تلتها مجموعات عديدة منها (قاطعو الماس)1955، (ضروريات الحياة)1966، (إرادة التغيير)1971، (الغوص نحو الحطام)1973، (إحدى وعشرون قصيدة حب)1976، (سلطة الزمن) 1989، (إنقاذ منتصف الليل: قصائد 1995-1998)  و(الليلة لا شعر سينفع: قصائد 2007-2010) وغيرها، فضلا  عن نشرها العديد من الكتب والمقالات في السياسة وأحداث العالم المهمة وحقوق المرأة. حازت ريتش العديد من الجوائز والأوسمة.

عنوان القصيدة التي نترجمها هنا والتي كتبتها الشاعرة في عام 1991 مقتبس من قصيدة لبرتولد بريخت بعنوان "الى اولئك الذين يتبعون خطانا" كتبها حوالي عام 1939 اي في ذروة الرعب والدمار الذي حل بأوروبا بسبب النازية يقول في احدى مقاطعها: "اي عصر هذا،/يكاد ان يكون فيه الحديث عن الأشجار جريمة/ واذ نحن نفعل ذلك فاننا نديم صمتنا عن الكثير من افعال الشر."

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي بَاري

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

يا لحُزني،

لمْ أصْنعُ بعد باقة َوردٍ،

من حشد ابتساماتِ الوجوه

ومن الحُبِ الغارق ِفي قاع ِالعيون،

لشخص، يُضئُ المدينة بقلبهِ المُشتعل بنار كوكبِ!

*

أعشابٌ برية ٌمصفرة، تحومُ إلى السماءِ،

دويُّ المدفع جَرَى بين الديار ِ

بقوائمه الطويلة، وتهشمت في إثره الشُرُفات

جدرانٌ ملتوية لمنازل هَدّمها الرصاص،

الخيول المَيْتَةُ صهلت ضباباً

فوقَ وجوه الموتى، وجثثهم الممدة

مابينَ أعمدة الضوء المجثوثة

وقضبان السكة المُفجَرة.

*

عبثاً هزت الأشجارُ قبضتها اليابسة،

فقد حَطتْ على أغصانها غمائم رمادية،

وما عاد الموتى قادرين على ترديد

أغنية غُربان البَيْن الجنائزية،

فقد اندلق الدم من قعر أعيُنِهم المكدومة.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: ايليا كامنسكي:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

وحين قصفوا منازل الناس الآخرين،

*

احتججنا

ولكن ليس بما يكفي، عارضناهم ولكن ليس

*

بما يكفي. كنت

في فراشي، وحول فراشي كانت أميركا

*

تسقط: منزلا خفيا اثر منزل خفي اثر منزل خفي.

*

أخرجت كرسيا وراقبت الشمس.

*

في الشهر السادس

للحكم الكارثي في بيت المال

*

في شارع المال في مدينة  المال في بلد المال

بلدنا بلد الأموال العظيم، نحن (اغفروا لنا)

*

كنا نعيش سعداء خلال الحرب.

***

شاعر وناقد ومترجم وأستاذ جامعي أميركي يهودي روسي أوكراني المولد حيث ولد عام 1977 في اوديسا في الاتحاد السوفيتي السابق إحدى مدن أوكرانيا الحالية. بدأ كتابة الشعر في سني مراهقته فنشر أول كتيب بالروسية تحت عنوان (المدينة المباركة) وظهرت أول مجموعة له بالانكليزية عام 2002 تحت عنوان (موسيقى الجسد والروح). ظهرت مجموعته الثانية بالانكليزية تحت عنوان (الرقص في اوديسا) عام 2004 وأخيرا صدرت له قصيدة ملحمية ديستوبية في كتاب بعنوان (الجمهورية الصماء) 2019 . نالت أشعار كامنسكي استحسانا نقديا واسعا وحازت على جوائز تقديرية عديدة.

 

فاروق مواسيقصيدة الشاعرة: فردا برجر*

ترجمة: ا. د. فاروق مواسي

***

مرة في كل أسبوع، أسبوعين أو ثلاثة،

تُقطف امرأة،

امرأة حاضنة، أم أطفال أو أخت- فتاة،

زهرة من روض عائلتها.

الأرض تغطي جثّتها،

دماؤها الصارخة أُخمِدتْ.

*

اليد التي قطَفت لم تتردد، كذلك لم تُعتقل.

روضة العائلة خصبة وتتزين ثانية

بشرفها.

***

ا. د. فاروق مواسي

.................

فردا برجر: (شاعرة نشيطة في النضال ضد الاحتلال، وهي في جمعية النساء الثواكل – العربية اليهودية، أرسلت لي القصيدة لأترجمها للقارئ العربي، بعد أن ازدادت حوادث القتل)

..................

النص باللغة العبرية

עֲרוּגַת הַמִּשְפָּחָה מְדוּשֶנֶת וּמִתְנָאָה שוּב

בִּכְבוֹדָה.

פֶּרַח

.....

אַחַת לְשָבוּעַ, שְבוּעַיים אוֹ שְלֹשָה,

נִקְטֶפֶת אִשָּה ,

אֵשֶת חֵיק ,אֵם לִילָדִים אוֹ אָחוֹת-נַעֲרָה,

פֶּרַח מֵעֲרוּגַת מִשְפַּחְתָהּ.

הָאֲדָמָה מְכַסָּה אֶת גְוִייָתָהּ ,

דָּמֶיהָ הַזּוֹעֲקִים הוּשְתְּקוּ.

הַיָּד שֶקָטְפָה לֹא הִסְּסָה ,גַּם לֹא הוּסְגְרָה.

עֲרוּגַת הַמִּשְפָּחָה מְדוּשֶנֶת וּמִתְנָאָה שוּב

בִּכְבוֹדָה.

****

 

 

حسن حجازي شعر: ايهاب الورداني

ترجمه للإنجليزية

حسن حجازي حسن

***

The only loser in the battle of the dead

By: Ehab El-wardany

Translated by: Hassan Hrgazy Hassan

///

I and my body are two companions

With one soul, one memory,

Two feet and two eyes

Going and coming as if

I have turned them into hoopoes 

 * 

I think neither of my disappointments

Nor my sins

Nor in the daughters of the jinn

When they are rubbing my organs

With umber and camphor

They have seen me on the edge

Waiting for the relief

*

I am a normal man

And my body is my compassionate woman

Whenever I think about what the world is doing to me

And the friends are around me

Dancing in the void

I summon my mother: "The firewood carrier"

 * 

Resorting to my body

I do things I do not like

From the logic of "There is no use ""

And throw all men with a stone

*

My memory is a pigeon

Its cooing is "The questions"

About a conflict is going on

Between two companions

Me and my body

It is enough for me that

I am one imbrued in my blood  

//////////

خاسر وحيد فى معركة الموتى

شعر: ايهاب الورداني

*

أنا وجسدى رفيقان

بروح واحدة

وذاكرة واحدة

وقدمين

وعينين

تروحان وتجيئان

كأنما صيرتهما هداهد

*

لا أفكر فى خيباتى

ولا خطيئاتى

ولا فى بنات الجن

وهن يدلكن أعضائى

بالعنبر والكافور

فقد أبصرتنى على الحافة

منتظرا الفرج

*

أنا رجل عادى

وجسدى إمرأتى الشفوق

كلما أفكر فيما يفعله العالم بى

والأصدقاء حولى

يراقصون الفراغ

أستدعى أمى حمالة التعب

*

معتصما بجسدى

أفعل أشياء لا تعجبنى

من باب " طظ "

وأرمى كل البشر بحجر

*

ذاكرتى يمامة

هديلها الأسئلة

عن صراع يدور

بين رفيقين

أنا وجسدى

وحسبى أننى واحد

مضرج بدمائى

 

 

 

جميل حسين الساعديالبحث عن الاصدقاء

بقلم: د. نبيل ياسين

ترجمه الى الألمانية:

جميل حسين الساعدي

***

 

Die Suche nach den Freunden

Dr. Nabil Yasin

Aus dem  arabischen Text übertragen von

Jamil Hussein Al-Saadi

Wie plötzlich verwandelte sich diese Stadt, die so

sehr von Freundschaft erfüllt war. Die Wundervollen

Nächte und die vielen Erzählungen dieser kleinen Stadt,

die in ihrem Herzen der Welt nahe und in ihrem Leib fern

von ihr war, diese schöne Stadt, wie schnell

verwandelte sie sich in eine Wüste … in schweigende

Ruinen, in denen nicht mehr das Lachen der Kinder

ertönt. Und was bleibt jetzt noch von ihr?

Jeden Tag schlossen sich die Türen ihrer Häuser

hinter einem Freund, der sie verließ … Ich frage mich:

Wo sind meine Freunde? Sie zogen fort mit den

weiß gefiederten Störchen, weit fort von den

Minaretten und Kirchen Bagdads. Es wurden immer

weniger; und eines Tages … war keiner mehr da.

so begann die Einsamkeit.

Und die, die blieben …, sie verschwanden in den

Gefängnissen. Wer von ihnen wieder herauskam,

konnte seinen Weg nicht mehr weiter gehen. Du

konntest ihn nicht erreichen. Wie Mäuse huschen wir

durch die Straßen, um einander zu sehen.

O dieser klare Himmel, unter dem wir voller

Freude die Abende des Sommers verbrachten.

Wer entfachte den gelben Sandsturm und rief die

finsteren Wolken herbei, um uns in enge und

bedrückende Zufluchtsstätten zu vertreiben? Wir

tragen unser Elend … die Gewalt … den Terror …

die Folter auf unseren Rücken. Im Vortragssaal zeige

ich einen Film über meine Freunde …, und ich sehe

sie einsam und allein schnellen Schrittes durch die

trostlosen und öden Hauptstädte hasten. Das schöne

Europa ist zu ihnen wie eine junge Frau, die in ihren

Armen zu einer Greisin wird.

Wer ließ das Ungeheuer auf die Heimat los und

brachte es dazu, den jungen Irak zu zerreißen?

Wenn ich mir jeden meiner Freunde vorstelle,

wenn ich auf unsere Städte, Straßen und Häuser

schaue, und wenn ich die Lieder unsere Kinder

höre, dann spüre ich, wie groß unsere Liebe

füreinander ist. Meine Seele belebt sich, um sofort

zu ersticken.

Ich bin aus der Vergangenheit vertrieben worden,

um jetzt ängstlich nach dem Klappern der Hufe zu

lauschen. Heute … in der Gegenwart …, wo jeden

Moment ein Reiter über mich herfallen kann. Ich

wurde vertrieben … von Seele zu Seele … von

Körper zu Körper … von Bagdad nach Bagdad …

vom Irak in den Irak … vertrieben von meinem

Haus zu meinem Haus … von Frau und Kindern zu

Frau und Kindern.

Wie in den Stunden nach einem Unglück, da

sitzen die Mütter mit den Händen vor ihren

Gesichtern und schauen mit Tränenerfüllten Augen

auf all das Elend, das über sie hereingebrochen ist.

Doch ich schreie sie an: Hat man euch nicht gesagt,

der alles zerstörende Orkan würde nie kommen?

Hat man euch nicht gesagt, dass ihr niemals eure

Söhne verlieren werdet? Und von überall schlagen

Peitschen auf unsere nackten Körper ein.

Was geschah dann? Wir irrten in der Heimat

umher um dieser Heimat willen und wir

vagabundierten in der Fremde wegen ihr. Das Elend

vervielfachte sich und das Verderben war überall.

Jene tragen die Schuld an der Katastrophe,

welche sie herbeiführten und jene, die den Blick von

ihr abwandten und die Decken über die ahnungslos

Schlafenden zogen, als ich in der Nacht sagte: Sie

werden kommen – Wer hat es dir gesagt? – Keiner,

doch meine Seele warnte mich vor den Tritten der

Unterdrücker, denn sie ist wie Beduine, der sein Ohr

auf die Erde legt, um den Schritten des Feindes zu

lauschen. Und so sagte meine Seele: Diese Nacht

werden sie kommen. Steig auf deinen schwarzen

Hengst und verschwinde aus dieser Stadt voller

Angst!

Was sagen die Dichter n der Fremde: Alle Dinge       

verändern sich und werden fremd. Doch ich frage:

Hat sich der Baum verändert, den du vor deinem

pflanztest, so dass es nicht mehr derselbe Baum ist,

der noch gestern dort stand? Doch ich bin es, der

anders geworden ist, der ihn auf eine neue Art und

Weise anschaut, bei der er sich verändert.

Und was ist mit den übrigen Dingen?

Ich war bemüht, mich zu überzeugen, dass der

Baum der Unterdrückung ausgesetzt war. Er

veränderte sich und wurde zu etwas mir nicht

Vertrautem. So verwandelten sich alle Dinge –  das

Haus … die Straße … die Sonne … die Sterne des

Nachts … das Sofa … die Bücherregale … die

Straßenlaterne … die Haustür … die Fassaden der

Häuser … die Zeitungskioske und die Morgenröte,

in der wir aufstehen.

Wir, zu denen der Lärm und das Geschrei der Welt

drang.

Wir, welche die unglückliche Heimat aufrütteln

Wollten.

Wir, die nicht wussten, was Tod bedeutet, haben ihn

kennengelernt.

Wir sahen die Verletzten neben uns             

zusammenbrechen.

Wir traten plötzlich auf das Schlachtfeld und aus

allen Richtungen wurde auf uns geschossen.

Wir, die nie zuvor den Tod gesehen hatten, sahen

nun den Tod unserer Heimat und wir eilten atemlos

zur ihr, um sie zu neuem Leben zu erwecken. Wie

bei einem Ertrinkendem wischten wir den Schaum

von ihren Lippen und ertrugen das schreckliche

Bild der in unseren Armen sterbenden Heimat  …,

mit zitternden Herzen und bebenden Lippen wollten

wir sie wieder zum Atmen bringen.

In jenen Augenblicken, am von Sturmflut und

Orkanen heimgesuchten Strand des Irak, inmitten

zertrümmerter Fischerboote, sahen wir um uns

herum einen schwarzen Wall. Es waren die langen

Mäntel der Mütter, die sich an der Küste

versammelten, um auf Nachrichten über ihre Söhne

zu warten, welche auf hoher See vom Orkan

überrascht worden waren. Wo waren die Kapitäne

der zerstörten Schiffe? – Sie haben sie im Stich

gelassen, um selbst an das rettende Ufer zu

gelangen.

Ich vertraute auf das Vergessen, und das machte

Mich einsam. Doch wie konnte ich mit den

Freunden zusammen sein, wenn sie alle fort sind.

Soll ich das Vergessen für mich nehmen als

Talisman für diejenigen, die noch in meinen

Erinnerungen leben? Doch wir blieben allein und

schutzlos dem Sturm ausgesetzt. Ja, du bleibst

allein … ganz allein … du bleibst in der

Vergangenheit. Du lebst in der längst zugrunde

gegangenen Vergangenheit. Wir wollen uns so

leicht in uns selbst zurückziehen, wie wir in unsere

Wohnungen eintreten. Doch die Einsamkeit wurde

zu einem Schild, wie es die Freunde gewesen

waren.

Wer zwang uns in diese Isolation, wer zwang

uns unter das Joch der Armut? Wer lehrte uns, die

engen Gassen mit unseren Träumen zu erweitern,

in ihnen Straßen und Häuser zu bauen, Gärten

anzulegen und Glockentürme zu errichten, die alle

nur in unserer Einbildung existieren? Wer brachte

uns bei, die Nacht zu fürchten und wer sagte uns,

dass die Sonne so sengend sei? Wer wollte uns

glauben machen, dass die Freunde, die auf der zur

Wüste gewordenen Erde umherirren, gestorben

sind, als sie aus der ihnen fremd gewordenen

Heimat flohen?

 

.....................

 البحث عن الأصدقاء

ترجم النص الى الألمانية جميل حسين الساعدي

أين أصدقائي

كيف، فجأة، تحولت هذه المدينة، التي تعج بالصداقات والليالي.

والاحاديث، هذه المدينة الصغيرة، القريبة من العالم في قلبـــها..

البعيدة عنه في جسدها، كيف تحولت فجأة الى صحراء ! الــــــى

خرائب خالية من الصبابات، والود، والكلمات ؟ ماذا تبقى فــــي

المدينة اذن !

كل يوم، كانت أبواب البيوت، تغلق وراء صديق يهاجر..

واسأل نفسي: اين أصدقائي !

لقد هاجروا. مع اللقالق البيضـــــــاء.. بعيدا عن المنائــــــر

والكنائس في بغداد.. ويبدأ العد التنازلي ! وذات يوم.. يصــــــل

الى الصفر.

وينطلق صاروخ الوحدة !

الذين ظلوا، غيبتهم السجون. وحين خرجوا لم يكن بإمكانهم

ان يواصلوا صداقاتهم. ولم يكن بامكانك أن تصلهم.

وكالفئران. كنا ندرج فوق الأرصفة لكي نرى بعضنا.

أيتها السماء الصافية، التي كنا نحيي أماسي الصيف تحتك

مسرورين.. من الذي أيقظ العاصفة الرملية الصفراء، لكــــــي

تدفعنا الى الملاجئ الضيقة الساخنة.

هكذا عشنا اذن..

نحمل وحشتنا فوق ظهورنا الضعيفة بفعل القهر، والارهاب،

والطراد، والسجن.

وفي صالة روحي. أعرض فيلما عن أصدقائي..

واراهم واحدا، واحدا. يغــــذون الخطى، فـــــي براري

العواصم وصحاريها.. أوربا الجميلة كامرأة، تغدو خرائب

تحت ارجل ارواحهم التعيسة.. فمن الذي أيقظ سرطان الوطن،

وجعله ينهش جسد العراق الفتي ؟ وحين أستعرض أصدقائي،

واحدا، واحدا، وابصر المدن، والشوارع و والبيـــــــوت،

وأناشيد اطفالنا و وأغاني حبّنا، اضئ الصالة واطفئ الروح.

أخرج من الماضي، لأرهف أذني، الى وقع حوافر الحاضر،

الذي يمكن أن يداهمني فارسه في أية لحظة.

طريد. من الروح الى الروح. من الجسد الى الجسد.

من بغداد الى بغداد. من العراق الى العراق.

طريد من البيت الى البيت.. من الزوجة والولد، اليهما.

من الأم. اليها. ومثل ساعات تعقب كارثة. تجلس الأمهات،

وأيديهن على خدودهن. وينظرن، بعينين حزينتين الى ألآثار.

وأقول لهن بأ على صوت :

من الذي قال لكن ان العدو أقوى، ويجب ان نلوذ بالفرار !

من أقنعكن بنعمة العيش تحت سمـــــــاء ملبدة بالغيوم، وأبعد

عنكن شبح العاصفة ! من قال لكن : لن تفقدن ابناءكن أبدا..

فيما الأعداء. يلوحون بسياطهم، واجسادنا عارية.

وماذا حدث الآن !

تشردنا في الوطن من أجل الوطن. وتشردنا خارج الوطن

من أجل الوطن. صار البؤس مضاعفا، والتعاسة سميكـــة

مثل جلد تمساح.. والكارثة يحمل وزرها الجميع : الذيـــــن

نفذوها، والذين ابعدوا شبحها وأحكموا الغطاء على النيام.

وأقول :

هذه الليلة سيأتون !

من أخبرك؟ لا أحد ! لكنّ روحي تستيقظ على مطارق

القمع. انها كالبدوي. تضع أذنها فوق الأرض، وتتسمـــع

لوقع الخطــــوات..

لقد قالت روحي: الليلة سيأتون.

وهكذا، عليك أن تركب حصان الظلمة، وتقطع بريّــة

المدينة، المليئة بالأدغال.

ماذا يقول الشعراء في الغربة ! لقد تغير كل شئ، وصار

غريبا.. ومغتربا، واسأل :

هل تغيرت الشجرة التي تنتصب أمام بيتك ! كلا. إنها

نفس الشجرة التي كانت قائمة بالامس..

ولكنها تغيرت. ها انني أبصرها بشكل آخر. ما الذي

تغير فيها. ما الذي غيرها ! كنت أجهد في أن أقنع نفسي

أن الشجرة قد تعرضت للقمع. الشجرة ! أجل. الشجـرة

تعرضت للقمع. لأنك وأنت ترى الشجرة تكــون رؤيتك

قد تعرضت للقمع. وتغيرت الشجرة و وصــارت شيئــا

آخر. خرجت من الالفة. وهكذا تغير كل شئ : البيت.

والشارع والشمس. ونجوم الليل.الاريكة ورفوف الكتب.

المصباح وباب الدار. واجهات البنايات وأكشاك الصحف.

والفجر الذي تستيقظ فيه.

نحن الذين كانت تتناهى إلينا، صرخات العالـــــــم.

فنصرخ أيضا.. في قلب الوطن المفجوع، صرنـــــــا

نصرخ بالثأر. نحن الذين لم نكابد الموت. صرنا نتعرف

عليه. وصرنا نشهد لحظات الاحتضار. صرنا نـرى

الجرحى يسقطون قريبا منّا.. وبين أيدينا. لقــد دخلنـا

المعركة فجـأة. واندلعت علينا النيران من كلّ اتجاه..

نحن الذين لم نر الموت. رأينا موت الوطن. وهرعنا

اليه و بشفاهنا المجروحة، وبأنفاسنا التعبى، نجهـــد

في أن نمنحه قبلة الحياة. وكغريق، رحنا نخرج الزبد

من شفتيه. وحملنا هـول رؤية الوطن يموت بيــــن

أيدينا.. ما كنا نملك غير قبلة الحياة. وبقلوب صارخة.

وحناجر متوترة. كنا نطلب اليه أن يتنفس. في تلك

اللحظات. وعلى شاطئ العراق المرتــــــج بالامواج

والعاصفة، وأخشاب المراكب المحطّمة، كنا نــــرى

سياجا أسود يتدور علينا : عباءات الامهـــات اللواتي

تجمعن على الساحل ينتظرن أخبارا عن ابنائهنّ،الذين

داهمتهم العاصفة في عرض البحر

أين ربابنة المراكب المحطّمة. لقد تركوا الدفّة للرياح..

اني اثق بالنسيان. وهكذا، صرت وحيدا.. ولكـن

كيف أتحّصن ضد الجماعة وهي غائبــــة. هـــل أحمل

نسيانهم على أنه تميمة الآخرين، الذين يعيشون معـي

بذكراهم ؟

لقد بقينا وحيدين امام الزوبعة. أن تبقى وحيــدا :

يعني أن تبقى أعزل. ان تكون وحيدا : تكون مخترقا.

أن تبقى وحيدا : تبقى في الماضي. وفيما بعد.

صرنا ندخل في الوحدة. كما ندحل في بيوتــــنا..

وصارت الوحدة سلاحا. كما الجماعة. ولكن مـــن

دفعنا الى هذه العزلة. ومن ضرب حولنا طوق الفقر

من الناس والأحاديث. والأشياء المشتركة الصغيرة

والكبيرة ! من علمنا أن نوسّع الحجرات الضيقـــــة،

بالاحلام. ونبني فيها الحدائق، والشوارع، والبيوت.

ونجعل في أبراجها ساعات للمواعيد..

من علمنا. ان نحكم العداء لليل. وان تكـــــون

الشمس محرقة لهـــذ الحدّ ؟

من ألقى في روعنا. انّ الأصدقاء الذيـــــــــــن

يهيمون في براري العالم. ماتوا. حين خرجوا من

مــن باب الوطن المغلق ؟

 

......................

(1) هذا النص من تأليف الدكتور نبيل ياسين وهو يعود الى فترة السبعينات، من القرن الماضي، وقد صدر في كتيب يحمل عنوان (أوراق عراقية). لقد تركت الجزء الأخير من النص وبعض السطور في الوسط وحذفت ما أشرت اليه من النصين.. العربي والألماني، لاعتقادي أنّ ذلك لا يعني القارئ الألماني، ولا يؤثر على محتوى النص، وقد أخبرت الدكتور نبيل ياسين بذلك، فابدى موافقته. كما انني

تصرفت في ترجمة جملة، من أجل تقريبها الى فهم القارئ الألماني. والجملة هي: وهكذا، عليك أن تركب حصان الظلمة وتقطع بريّة المدينة، المليئة بالأدغال..

النص المترجم يقطر ألما، لأنه كتب عن معاناة حقيقية عاشها صاحب النص في فترة دموية من تاريخ العراق، وهو الى جانب ذلك قطعة أدبية متميّزة في تاريخ النثر العراقي.

 

 

زيد الشهيدأو زهرة الخبازى

Hibiscus

بقلم: مايكل أنتوني*

ترجمة: زيد الشهيد

***

- هل أنتَ منفعلٌ؟ بادرتني عمّتي بالسؤال ووجهها رغمَ ابتسامته يبدو أشدَّ سمرةٍ . كان الموقف أشدُّ تأثير عليها منّي .

- نعم ! .. قلتٌ .

- سأٌحضر لكِ كلَّ شيء . لن تحتاج لملابسَ كثيرة، وبحلول عيد الفصح ستكون هناك .

لذتُ بالصمت . لم أكنْ راغباً في الكلام : ولم أكن مبالياً سواء وصلت إلى هناك أم لا . بقيتُ مستلقياً ومصوباً نظري نحو السقف، أو متأملاً عمّتي أحياناً، أو متطلِّعاً لِلابسات البياض وهنَّ يذرعنَ ردهات المستشفى .

- لن يبقوكَ طويلاً، أتعرف ذلك؟ .. تكلّمت عمّتي

- كلاّ ... قلت .

- ألا تريد الذهاب؟

- إذا كنتِ لا تريدينني أن .....

- كلاّ ! يجب أن تذهب . قاطعتني: فالأفضل لكَ لاسيما وأشعةُ الشمس على أحسن ما تكون هناك .

- حسنا .

- تبدو اليوم أفضل من قبل .

رحتُ أٌسمِعُها ما أخبروني به فيما راحت تنصت باهتمام، ثم تُردد: ذلك حسن !! وتسألني سعياً لمعرفة كل ما قالوه . وما أخبرتها عنه تركَ أثراً وانطباعاً شديدين في نفسها ... كان التهاب الرئة الذي لازمني قد ولّى بغضون ثلاثة أسابيع . ألقت عمّتي نظرةً على الساعة المرتكنة على الحائط . ولّما أدركت قرب انتهاء وقت الزيارة شرعت بإخراج ما جلبته من حاجيات . وضعت حقيبة يدها على فراشي، متابعةً تأثير كل حاجة تستلها: ثمرة البناناس، حلوى، عصير البرتقال، عصير العنب . رتَّبتها على المنضدة المنتصِبة عند حافة السرير المجاور لرأسي . كنتُ قد أُطعِمتُ من الحلويات مرةً واحدة خلال إقامتي في المستشفى . أمّا ثمار البناناس فكانت تثير شهيتي بحض الأحيان . حاولت إبداء سروري لكنّي كنتُ من الضعف ما لم أستطع فعل ذلك .

- أتحب عصير العنب؟

- أجلبتِ منه شيئاً؟

- نعم، علبة صغيرة .

في الواقع لم أكن أحب عصير العنب .... حدّقت بي وقالت: إنّه جيد ومناسب لك .

- لا تتعبي نفسك، ولا تجلبي أشياءَ كثيرة بعد الآن .

استمرّت تخرج حاجيات أخرى، بسطتها بعيداً عنّي . وللحقِّ أقول أنها لم تكن تثير اهتمامي لأنّ أفكاري كانت تطوف بعيداً من هنا .

- أتيتُكَ بشيءٍ تقرأهُ .

دسَّت كفّها في جوف الحقيبة مخرجةً كتاباً صغيراً مغلَّفاً بورقٍ أملس وصقيل، رُسمت على غلافه صورة زهرةٍ في زهوِ تفتّحها ": " حكايات من الهنود الحمر " .. رددّت عمّتي .

سرّني ذلك وأنا أهمُّ بتعديل جلستي . أمسكتُ بالكتاب وأنا أبصر عمّتي تُبدي ابتهاجاً:

- أتصدِّق أنْ ثمّة كتباً تحكي قصص عن الهنود في هذه البلاد؟

- كلاّ .

- حسناً .. عندك الآن هذا، تسلّى به ولكن لا تقرأ كثيراً .

انتهت الزيارة لحظة رنَّ من بعيد جرسٌ خافت الصوت فشرع الزائرون ينسلون خارجين فيما نهضت عمّتي من على سريري، قائلةً:

- سأكتب لهم محددِّة موعد إبحارك إليهم . طبعاً ذلك يعتمد على رأي الدكتور .... توقفت قليلاً قبل أن تكمل : بأي زورقٍ تود السفر؟

- هيلدا براند .

انحنت، مقرِّبةً وجهها من وجهي كما لو كانت تبغي تقبيلي:

- ربّما سيكون هيلدا براند مرّةً أخرى .

ضغطت يدي قليلاً ثم غادرت:" سأراك غداً مساءً " ... توقّفت عند الباب . ما لبثت أن غابت خلفه .

وكالعادة ما أن تركتني عمّتي حتى ابتدأت أفكِّر بحسنِ صنيعها رغم أن ذاكرتي لم تكن تسعفني كثيراً إذْ الجو المشبّع بالعقاقير وزرق الابر المتوالي يعكّر عليَّ صفوَ تفكيري . ومع هذا لا اقدِّر كم هي رائعة عمّتي معي، وكم كنت المفضّل لديها في البيت . أتذكّر أنها طلبت حضوري إلى جانبها حالما رحَلَت إلى انكلترا . أمّا الآن وفي حالتي المرضية هذه، ونزولاً عند نصيحة الطبيب ارتأت إرسالي إلى عائلتي مدّة شهرين بينما استمرَّت تزورني هنا يومياً حاملةً الحلوى والبناناس والبرتقال ... سحبتُ الكتاب متطلِّعاً فيه . أدركتُ سرَّ الزهرة المرسومة على غلافه فابتسمت . كان العنوان مثبتاً منحوتاً بكلمات سوداء كبيرة في المساحة العليا من الكتاب " زهرة الهيبسكس " وقصص أخرى . وفي حافته السفلى كان اسم المؤلف سي.سي . ماثيوس . تمعَّنتُ بالزهرة مليّاً فعرفتُ أنها لشجرة الهيبسكس، الشجرة التي تنتشر على امتداد جزيرة " ترينيداد " وعرضها، وفي مقاطعة " مايارو" تحديداً . لم تكن تثير أحد من قبل باستثناء مؤلِف هذا الكتاب كما أظن .

في الصفحة الأولى طالعتني كلمات إهداء إلى " ماريانا "، ودونها عبارات لاتينية مقتبسة " ربّما ماريانا قد درست اللاتينية " قلت في سرّي . أناس كثيرون درسوا هذه اللغة، وكان كرهي لها يفوق كرهي لعصير العنب الأسود . الصفحة التي قلبتها أطلعتني على الفهرست:

1- هيبسكس  2- طريق الشمس الساخنة  3- شجرة البلاتا  4- عُد إلى الجزر  5- أسفل النجوم المدارية  6- طعنة حب كارب

أغلقتُ الكتاب ورحتُ أحدِّق في زهرة الغلاف مجددَّاً . وجدتها تأتلق رائعةً كما لو أنَّ المؤلف صرف وقتاً من قصة: أسفل النجوم المدارية: ليرسمها تحت " شجرة البلاتا " ملوِّناً أوراقها بحمرة الدم الكثيف المأخوذ من " طعنة حب كارب " .

غب مرورها على أسرِّة المرضى تباعاً اقتربت الممرِّضة من سريري ممسكةً بالمحرار كعادتها . أنحيت الكتاب جانباً وأنا أعوم في غمار دهشة أثارتها عناوين القصص في مخيلتي . يداي ترتجفان قليلاً ما جعلتا الممرضة تبتسم وهي تدنو مني، وتدفع المحرار إلى فمي في اللحظة التي ألقت بنظراتها على الكتاب .

- هل تقرأ هذا؟

- نعم . أجبتُ بإحراج لاسيما وهي الممرضة التي اعتادت استفزازي بعبارات مضحكة .

- انظروا إلى هذا الولد الصغير . قالت بسخرية، وأكملت: يقرأ قصص الحب .

- كلا !

- أنتَ قلتَ لي ذلك . نصوص تعجُّ بقصص الحب ... هتفت بأسلوب مخادع .

- كلا... كلا ..!

كانت عيناها سوداوين وواسعتين تطلقان نظرة حاقدة، وتبعثان وقاحة ظاهرة . سدرت تقلّب الصفحات . اندفعت في محاولة شرح الأمر لكنها لم تتح لي فرصةً لذلك واضعةً إصبعها على شفتيها طالبةً عدم فتح فمي خشية سقوط المحرار . ألقت لمحةً على ساعتها قبل أن تسحب المحرار، محاولةً معرفة ردَّ فعلي .

مالت هامسةً في أذني:

- هلاّ أعرتني إيّاه؟

دسسّتُ رأسي أسفل الوسادة وانفجرت ضاحكاً من دون أن تراني .

وحالما عمَّ الردهةَ الهدوء وتركتني الممرضة لإتمام دورتها شرعتُ أطالع الكتاب . ولشد ما غمرتني الدهشة وأنا أقرأ قصة " هيبسكس " عندما وجدتُ أحداثها ومشاهدها تدور في قرية " ماريانا "، قريتي أنا بالذات . القصة تحكي عن فتاة صغيرة يانعة اعتادت المجيء لملئ دلوها من عيون ماء صافية عبر أرض معشوشبة، مطلقةً صوتها الرخيم بغناءٍ عذب لصديقاتها زهيرات الهيبسكس اللاتي يبادلنها الحب وهي تصف جمالهنّ الساحر . وكان غناؤها كافياً لجعل الزهور أكثر احمراراً، أمّا بسبب خجلهنّ أو لفرط سرورهنَّ . وحالما تقترب الطيور الطنّانة ** الساعية لامتصاص الرحيق تُعلمها الزهور بما غنَّت الفتاة . عندها يطلبنَ من الطيور مقابل إهدائهنَّ الرحيق إظهار المودَّة لها ، في حين تقدّم الطيور وعداً للفتاة بجعل الزهور أشد احمراراً وأكثر نصاعة بفعل هفهفة أجنحتها على أن تستمر الفتاة بأغانيها المؤثِّرة الجميلة .

تركت القصةُ بعد قراءتها أثراً عميقاً في نفسي . عادت بي الذكرى للأرض الخضراء والطريق الممتد عبر أشجار الهيبسكس، المنحدر صوب ينابيع المياه الصافية . إنَّ الطريق الذي كتب عنه المؤلف ماثيوس جعلني أقرَّ أنّه لا بدَّ وأن يكون قد عاش في قرية " مايارو "، وأنّه يعرف تفاصيل المكان عن كثب . جهدتُ في محاولة تذكُّر شخصاً بهذا الاسم أو فتاة تدعى " ماريانا " . لا بدَّ وأن تكون هناك فتاة قد مرّت مراراً من أمام بيتنا، حاملةً دلوها الصغير نازلةً باتجاه الينابيع . حاولت استذكار ولو واحدة من أغانيها ففشلت . لم أكن قادراً على تذكّر أية أغنية . ينبغي مقابلة ماثيوس والتحدث معه حول أزهار الهيبسكس الحمراء، وأظنها ستزداد احمرارً لسماع حديثنا .

قرأتُ القصة أكثر من مرّة، وبشعور سعيد وغامر واصلتُ مطالعة بقية القصص فأعجبتٌ بأسلوبها الجميل ولغتها المثيرة رغم الغرابة التي تغلفها . فقصة " أسفل النجوم المدارية " تعكس شعوراً غير مألوف للأنوار المتلألئة في حلكة السماء وارتفاع أشجار النخيل المنشغلة أوراقه بالحفيف الهامس على امتداد الشاطئ المزبد . وحين قرأتُ " عُد إلى الجزر " بدت لي كما لو أن جميع هذه الأشياء تدعوني للعودة ! " سأعود لا محال ! لم أعد قادراً على الامتناع عن العودة . وما أن تحضر عمّتي حتى أبوح لها برغبتي في الزيارة . " لكن بعد قراءة قصة " طعنة حب كارب " اعترتني حالة ارتباك وخجل . اكتشفتٌ أنّي أقرأ عن الحب فعلاً ولم تكن الممرضة كاذبة .

مررتُ عبر قصص المجموعة بيد أن " هيبسكس " ظلّت عالقة في مخيلتي، وجعلتني أعود لقراءتها كلّما انتهيت منها، وباتت " ماريانا " وسي. سي ماثيوس يحتلان حيّزاً كبيراً في رأسي حتى غدوت سعيداً لعودتي إلى الوطن عبر البحر مرّةً أخرى . تساءلتُ: هل عبرت ماريانا البحر مرّةً؟ " .. ربّما . وربّما هو الذي دفع ماثيوس لكتابة " عٌد إلى الجزر " . شعَّ ضوءٌ مباغت في رأسي . غدوتُ متلهفاً لحضور عمّتي . لا بدَّ ستتذكّر شخصاً في قرية " مايارو " بإسم ماثيوس أو فتاة باسم ماريانا . غير أنَّ خيبة الأمل أصابتني عندما أخبرتني عمّتي أنها غير متأكدة من معرفة رجل يحمل اسم ماثيوس، أمّا ماريانا فربما تكون موجودة حقّاً . إنَّ أربعة أعوام بعيدةً عن القرية كافية لأن تٌنسِيها الكثير من الأسماء . انشغلت بإعلامي أن أهلي متشوقون لعودتي، وقد وعدوا بأن لا يجبروني على البقاء عندهم بل سيتركونني أعود إلى انكلترا . كانت عمّتي واثقة بهم إذ أبرزت أمام وجهي تذكرة العودة مثلما أخبرتني بتفاهمها مع الدكتور لإجراء ترتيبات خروجي من المستشفى .

بشعور مفعم بالقوَّة أدركتٌ أنني مقبل على رحلة بحرية طويلة . كل أفكاري تطلعت للوصول إلى قريتي، هناك ! سأسير على طول الطريق المحفوف بأشجار الهيبسكس. لم يأخذ منّي التفكير بأبي وأمي الكثير، ولم أكن أحس بالحنين والوحشة لبعدهم عنّي أبداً لأنَّ عمّتي عوضّتني حنانهم وعنايتهم وزادت . لم يكن للشمس المشرقة تأثير على رغبتي بالعودة إلا عندما قرأت قصة " عد إلى الجزر " ، فهي كافية لتذكيري بالدفء وملامسة الأشعة لبشرتي واسترجاع نسيم الجزيرة المنعش الطري . وللحق أقول أنَّ فاعلية الدواء والمزايا الجميلة لقصة " هيبسكس " والقصص الأخرى هي ما جعلت صحتي تعود والعافية تدخل إلى جسدي .

في الجزر احتفلنا بعيد الفصح ..

وعيد الفصح هو نفسه وقت تفتّح زهور الهيبسكس وتألقها . كنتُ كلَّ أسبوع أكتب إلى عمّتي في لندن من دائرة البريد الذي أصله بعد اجتاز طريق مشجّر .. وأكتب:

" عمّتي العزيزة:

كم أود لو كنتِ معي هنا . لقد حدثت تغيرات عديدة في القرية . دكاكين جديدة أنشئت، وبيوت حديثة شيّدت، والقار ! حتى القار ما زال جديداً على أعمدة الكهرباء . المحطة القديمة عند التل هُدِّمت، والحكومة عازمة على بناء مدرسة جديدة . بيدَ أنَّ التغيير لم يزحف على طريق أشجار الهيبسكس، ولا حتى ينابيع المياه . الأرض المتاخمة للينابيع هي .. هي ! خضراء يانعة تجاورها برك ماء صافٍ وعذب . والمياه جعلت من أزهار الهيبسكس أشد احمراراً وبهاء .

ما أن شرعت الشمس بإشراقها النضِر حتى أدركت زوال " ذات الرئة " ومضاعفاته . طفقتُ أتساءل في سرّي عمّا إذا كان سي. سي ماثيوس قد كتب حول هذا المرض . كم راودتني السعادة لعودتي إلى الجزر رغم الألم الذي يداهمني لعدم سماعي ومعرفتي بـ سي. سي ماثيوس . لا أحد من الذين سألتهم سمع عنه . وحين قلت بأنّه كاتب ولديه مؤلفات أطلقوا ضحكاتهم، قائلين لا وجود لكاتب يقطن قرية " مايارو " . سألوني إن كنت في انكلترا حقّاً ,. أقسمتُ لهم مراراً، ولمّا أيقنوا صدق قولي قالوا: من المحتمل أن يكون ماثيوس هذا في انكلترا، لأنَّ الانكليز مولعون بتأليف الكتب .. كان جوابهم باعثاً على الألم ! فالإنكليز ليسوا وحدهم الذين يؤلفون ... تساءلتُ: كيف يكون ماثيوس انكليزياً ويكتب بهذا الإحساس المميز عن الهيبسكس؟! . هكذا، ورغم بهجتي وارتياحي لدفء الشمس وغرابة الليالي فقد ولَّت السعادة هاربة منّي، إذ لا أحد يعرف ماثيوس . بل أنَّ أٌناساً قليلون تذكروني أنا .

رحتُ أتمشّى منحدراً صوب ينابيع الماء . لم أر ثمة فتاة صغيرة تشدو بصوتها العذب لزهور الهيبسكس، والطيور الطنّانة ألفيتها هناك جوار البرك اللامعة نائيةً عن الزهور . حين أدركت دائرة البريد ابتعتُ نموذج رسالة، كتبت:

" عمّتي العزيزة:

أنا الآن في الأسبوع السادس وسعيد جداً لأنّي سأعودُ إليكِ . "

لم تبقَّ سوى أيام قليلة وأغادر الجزر . كان والديَّ في غاية الانفعال بسببي، وحتّى أصدقائي قراتُ في عيونهم حزن عودتي إلى انكلترا . فكّرتُ كم كنت مسروراً لو أنّي رأيتُ ماثيوس أو التقيت " ماريانا " ، أو أني لم أعرف عنهما شيئاً على الإطلاق .

وهكذا .. وفي ليلةٍ تركتُ البيتَ يلفّني الحزن والأسى، منحدراً رحتُ باتجاه درب الهيبسكس . التقيتُ رجلاً عجوزاً عائداً بأبقاره . توقفت فادليت بسؤالي إليه .

- ماثيوس؟ ... قال متأملاً لبعض الوقت . لاكَ الاسم بطرف لسانه .

- كان معتاداً على الكتابة ... قلتُ بشيء من الأمل .

- معتاداً على الكتابة؟! ..إيه ... طفق العجوز يتمتم، وطفقتُ أنا أتابع عينيه الراحلتين بعيدا ً .

أعرف شخصاً باسم ماثيوس . كان قارع ناقوس الكنيسة وحفّار قبور أيضاً .

- كلا، لا يمكن أن يكون هو . لقد كتبَ حول الـ....

كبّلني الحرج . أردتُ أن أقول أنه كان يكتب عن الحب، فتوقّفتُ مترددِّاً .

- ماذا؟ ... تساءل الرجل، وأكمل: حولَ ماذا كان يكتب؟

لمحتُ شيئاً غريباً يترقرق في عينيه فيما كانت أصابعهُ ترتعش . لم أكن أبغي تضليله فقلت:

- لقد كتب حول الحب ... وخفضت بصري نحو العشب خجلاً .

- وماذا عن الحب ؟

صمتُّ فلم أُجِب ...

 

- ما اسمكَ؟ ... سألني .

- روي .

- حسناً، يا روي . الحب هو كل شيء . فالحياة حب، والله حب .

كان المكان يلفّهٌ الهدوء تماماً إلى درجة كنتُ أسمع الأبقار تمضغ العشب والسلاسل تجلجل بفعل تحرّكها خطوة فخطوة .

- لا يبدو أنَّ أحداً يعرف ماثيوس ... قلتٌ مخاطباً العجوز .

- أظنَّ ........ وتوقف قليلاً . ثم قال: أظنَّ أنهم كانوا يدعونه بغير هذا الاسم .

- ربّما لا يكون هو الرجل نفسه . لكنّي أعتقد بوجود فتاة .. نعم فتاة صغيرة .

- ماريانا؟ ... بادرني الرجل العجوز متسائلاٍ .

انتفضتُ كالمصعوق !

- نعم، كان هو الرجل المقصود ! هل تعرف ماريانا؟

-اعتدتٌ أن ........ توقَّفَ فجأةً . بدا كأنه يروم تغيير أفكارِه، غير أنّه أكمل: لا أعرف الكثير بالرغم من ذلك سوى أنها رحلت إلى انكلترا للدراسة .. افتقدها ثم سقط أسير الهواجس والأحزان . لقد تأسى كثيراً عليها . كتب لها راجياً العودة فلم تلبِّ رجاءه حتى هذا اليوم .

- لماذا؟! ... صرختٌ بقلبٍ يختلج . تفرَّستٌ في وجهه فقرأتُ بواعث يأس وألم تمور في عينيه .

قال كأنّه يكلّم نفسه: أنتَ لا تفهم الكثير .. أنت .. أنتَ لا زلتَ صغيراً لا تفقه ماذا يعني مرض ذات الرئة .

آآآآه .. لقد ذويت أنا أيضاَ . أحسستُ بالضعف فلم أقدر على الرد . الحقيقة أنّي ما زلتً صغيراً فعلاً، لكن يعلم الله أنّي فهمتُ كلَّ ما قاله . اتَّضح لي الآن لماذا لم تعُد ماريانا، ولماذا أجهش الرجلُ العجوز بالبكاء .. تذكَّرتٌ " عٌد إلى الجزر " . أدركتُ أنَّ مرضَهُ لم تقدر كثرةُ العقاقير القضاءَ عليه .

داهمتني ابتداءات إغماء . شعرت كما لو أنَّ الحمّى عادت إلى جسدي من جديد ... نظرتُ واهناً إلى الرجل العجوز فأبصرته يتطلَّع بعيداً .. قال:

- أنا أبكي .. أحيانا يحدث مثل هذا .

كانت كلماته تخرج بصعوبةٍ بالغة من بين شفتيه:

- أنا لا أبكي، ولكن الكلمات القليلة ليست كافية ولا تعطي الحقيقةَ كاملةً . ولو كان لديك شيءٌ منها وليس لديك غيرها فإنَّها الشقاء بعينه .

 

ترجمة: زيد الشهيد

..................

(*) ولد مايكل انتوني في ترينيداد إحدى دول الكومنويلث القريبة من سواحل فنزويلا . رحل في بداية شبابه إلى انكلترا . مارس أعمالاً عديدة منها عامل طباعة في وكالة رويترز، وعامل في دائرة البريد العامة GPO . كما عمل في المركز الثقافي البريطاني بعد عودته إلى موطنه . استعين به في وضع المناهج التعليمية في بلاده . وقد عالج في أعماله عالم الطفولة وبيئة وعادات الهنود الحمر . قصته هذه التي نترجمها مأخوذة من مجموعته " كريكت في الطريق "

له ثلاث روايات منشورة:

1- عودة المسافات عام 1963

2- أيام السنة في فرناندو عام 1965

3- الأيام الخضراء عند النهر عام 1967

(**) الطيور الطنّانة طيور تصدر أجنحتها المهفهفة صوتاً كالطنين . وهب إذ تأتي لامتصاص رحيق الأزهار بمناقيرها الطويلة المستدقة فإنها بهفهفة أجنحتها تزيل الغبار العالق بالوريقات فتجعل الزهور أكثر رونقاً وأبهى .

 

 

رضا آنستهللشاعر الإيراني: د. صالح بوعذار

تعریب د. رضا آنسته من ايران

***

بعد موتي

 وسِّدوني

في حيِّ المومسات

عند حافّة تلك الكرمَة العتيقة

وهَبوا الصبايا الغجريّات المغنِّيات

عنقودَ عِنَبٍ

لعلّي

على غنائهنِ

الصادحِ الحزين 

أُبعث

مُتيقّناً!

 

 

بن يونس ماجنهذه القصيدة باللغة الفرنسية كتبتها بمناسبة مرور 24 سنة

على وفاة الكاتب والروائي والشاعر المغربي

الذي يكتب بالفرنسية فقط

 

LE SILENCE ET LA LUMIERE

A: M. KHAIR-EDDINE (1941-1995)

*

Tant que la solitude d'exil durera

L'oubli en fusion sera éberlué

L'homme demeure dans l'obscurité sinistre

pour fuir son espace déambulant

Il tranche les flux et reflux du temps cagoule

ses pores noueux où loge la sueur rapace

comme un fretin, il éparpille l'abîme crépitant

quand l'écume propage les vagues déçues sur la mer

et la salve cosmique vibre la tempête

chaque jour il allaite ses souffrances

et il dance aux chants du crépuscule

exilé par le destin aveugle

*

quand l'aube de Tafraout

devient une mare d'ombres dissimulée derrière ton horizon lointain

et les mouettes d'Agadir trouvent refuge chez le soleil ivre des saisons amères

Toi, l'ouragan étranglé par le gouffre du temps calciné

et sous le signe rupturé, ton amour a perturbé la brulûre du silence.

Toi, blessé par la haine ridée qui attend le refus de la mort

pour tituber la nostalgie du pays éphémère.

Où le poète devient un spectre vagabond, un masque de cendres opaques, une

lumière gisante et un "corps négatif"

Un abîme creusé sous l'océan suicidaire

La mort frôle les corps tatoués: mots enflammés d'arc-en-ciel

Il suffit de sillonner l'espace pour absorber la solitiude de mimosas

à travers les tourbillons de ton parcours imbattable

*

Toi, l'aigre souffleur de tous les souffles

Toi, le déterreur, prélude du séisme et du vertige d'Oued Sousse

Toi, berbère errant flûte et mandoline à la main.

L'amour est un sentier encreux sous les palmiers domptés

la morsure de la rage fringale qui meurt dans la mémoire du siècle

L'exil se peuple de dunes égarées et d'ombres corsaires

Les deshérités de sables et de ruelles.

 *

 Au pied des murs d'argile ton souvenir s'était gravé sur tous les eucalyptus

sous le "soleil anarchnide": Le Silence et La Lumière.

***

Ben Younes Majen

 

عادل صالح الزبيديللشاعرة الأمريكية:

نعومي شهاب ناي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

الكثير من السعادة

يصعب ان تعرف ماذا تفعل بالكثير من السعادة.

مع الحزن ثمة شيء تدعكه عليه،

جرح تعتني به بغسول وقطعة قماش.

حين ينهار العالم من حولك، ثمة قطع لتلتقطها،

شيء تمسكه بيديك، مثل قصاصات التذاكر او الفكـّة.

*

لكن السعادة تطفو.

لا تحتاج منك أن تسحبها نحو الأسفل.

لا تحتاج أي شيء.

السعادة تحط فوق سطح المنزل المجاور، تغني،

وتختفي حين تريد ذلك.

وأنت سعيد في الحالتين.

حتى حقيقة كونك كنت تعيش في منزل هادئ فوق الأشجار

والآن تعيش فوق مقلع حجري من الضوضاء والغبار

لا يمكنها ان تجعلك تعيسا.

كل شيء له حياته الخاصة به،

هو أيضا قد يستيقظ ممتلئا باحتمالات

كعكة قهوة او خوخات يانعة،

ويعشق حتى الأرضية التي بحاجة إلى أن تكنس،

الملابس المتسخة والاسطوانات المخدوشة...

*

بما انه ليس ثمة مكان كبير بما فيه الكفاية

لاحتواء الكثير من السعادة،

فانك تهز كتفيك، ترفع يديك، فتنساب منك

نحو كل شيء تلمسه. انك لست مسؤولا.

انك لا تتبجح، مثلما لا تتبجح سماء الليل

بالقمر، لكنها تواصل الإمساك به، ومشاركته مع الآخرين،

وبتلك الطريقة تواصل معرفتنا بها.  

***

 

....................

شاعرة وروائية عربية أميركية ولدت في فلسطين عام 1952 لأب فلسطيني وأم أميركية. بدأت النشر مبكرا تحت تأثير أمها وأصدرت كتيبين شعريين عامي 1977 و1978 تحت عنوان (اذرع موشومة) و(من العين إلى الأذن)، إلا أن أول مجموعة شعرية مكتملة صدرت لها عام 1980 تحت عنوان (طرق مختلفة للصلاة) توالت بعدها عدة مجموعات منها (القفاز الأصفر) 1986، (الحقيبة الحمراء) 1994، و(وقود: قصائد) 1998، (نحلة العسل: قصائد وقطع نثرية قصيرة) وغيرها. نال شعر ناي جوائز عديدة وشغلت مناصب فخرية كثيرة.

 

رضا آنستهقصيدة الشاعر الإيراني:

 د. صالح بوعذار

تعريب د. رضا آنسته

 

مومس نفسي

في حلم أمّي المقدس

-النهر-

كلُّ ليلةٍ،

تحلم بك

تناديك؛

في مرايا الغجر المهاجرين .

وأنا في فجر جسدي

بكل خفقة

أعدها لقاء خلّبا،

لكني

أخاف

أخاف

في النهاية

أن تنتقم لحواء

بسحرغنجها :

تعشقكِ

وتغرس

في صومعة عزلتك

سروالسكوت!

 

 

ضياء نافعقصيدتان للشاعر الامريكي لانكستون هيوز

ترجمها عن الروسية: ا. د. ضياء نافع

 

الاغاني

في العتمة

اغنّي لها

الاغاني،

تقول لي-

لا افهم كلمات

 هذي الاغاني،

أقول لها-

لا توجد كلمات

في تلك الاغاني.

***

السنة الجديدة

تتطاير السنوات

مثل الاوراق الجافة

من شجرة الخلود

شبه العارية.

هل تمتلك اهمية ما

عندما

تسقط ورقة اخرى منها؟

 

.........................

لانكستون هيوز ( 1902-1967) – شاعر وقاص وروائي ومترجم وباحث في فن الزنوج وتاريخهم، ويعدّ من ابرز الادباء السود في الولايات المتحدة الامريكية.

 

 

فتحية عصفورقصيدة الشاعرة آمال عواد رضوان

 أقشّرُ لحاء عتمتك 

ترجمتها إلى الأنكليزية: فتحية عصفور

 

Let Me peel the Bark of Your Darkness

For so long thirst ...  my silence has not been dusted by the winter of your caress

Your Mercy ! help me out of my thirst and  shake not hands with fire...  Sheba!! 

*****

Here ! the pulse of

your voice, confined inside the drawers of my temple that haunts you

stokes my deferred panic and  disperses my overwhelming fear

*****

O you, who captivates me !

Be gentle with me

Release your rustling out of its gennie bottle

to perform its dance

and to get your burried rivers sharpen my flutes

******

Here!Our unification is never accomplished except in the glamour of madness

and nothing can sharpen my madness except the creeping of your pure tones

Let's do it wherefrom  its pleasures await us

******

O my eternal poem!

Let me peel the bark of your darkness

and light up all your details to get me crowned with joy,

for my waiting is but the pain of my deffered pleasures that knew not the paths to cohesion

****

O you, the descendant of this weary heart !

Sufficient for you!

Once touching you , just touching !!

you flare up into beating

like the state of my.... heart that your apparitions touch

 ................................

 

أقشّرُ لحاء عتمتك  / آمال عوّاد رضوان

مُنْذُ ظَمَأٍ بَعِيدٍ

وَأَغْبِرَةُ صَمْتِي

مَا نَفَضَهَا شِتَاءُ دَلَالِكِ!

رُحْمَاكِ

أَعِينِينِي عَلَى ظَمَئِي

وَلَا تُصَافِحِي بِالنَّارِ .. سَبَئِي!

هَا نَبْضُ صَوْتِكِ

حَبِيسُ أَدْرَاجِ هَيْكَلِي المَسْكُونِ بِكِ

يُذْكِي وَجَلِي الْمُؤَجَّلَ

ويَفُضُّ خَوْفِيَ الطَّاغِي!

***

أَيَا آسِرَتِي .. تَرَفَّقِي بِي

أَطْلِقِي حَفِيفَكِ .. مِنْ قُمْقُمِهِ

لِيُمَارِسَ رَقْصَتَهُ

وَلِتَشْحَذَ نَايَاتِي.. أَنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ!

***

هَا تَوَحُّدُنَا لَيْسَ يَكْتَمِلُ

إِلَّا فِي وَهَجِ الْجُنُونِ!

وجُنُونِي .. لَيسَ يَشْحَذُهُ

إِلَّا دَبِيبُ نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ!

دَعِينَا نَأْتِيهِ

مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ

فِي انْتِظَارِنَا

***

أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ

دَعِينِي

أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ

أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ

لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ

فَمَا انْتِظَارِي

إِلَّا وَجَعَ لَذَائِذِي الْمُؤَجَّلَةِ

الْــ مَا عَرَفَتْ طُرُقَ الْتِحَامِهَا

***

أَيَا سَلِيلَةَ هذَا الْقَلْبِ الْمُعَنَّى

حَسْبُكِ .. أَمَسُّكِ مَسًّا

فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا

كَحَالِ قَلْبِي .. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ