نص الوحش للشاعر فتحي مهذب

ترجمة Abdellatif Alami

***

 

Le monstre

La poésie peut te tuer,

Pourchasser tes enfants avec un corbillard,

Elle peut hanter tes sens comme s’ils étaient cinq oies de mauvaise réputation …

Elle peut casser l’œuf de ton âme avec un bâton de fer…

Elle peut te prendre en otage

Dans un canot véloce…

Chantant sur les épaules d’un capitaine trépassé…

Elle peut s’esquiver de la forêt de ta tête

Et couper le lobe de tes oreilles…

Elle peut dérober de petits lapins

De ta colonne vertébrale…

Elle peut manger les bouts de tes doigts

En une bouchée…

Alors que ton âme éveille des fleurs évanouies dans le jardin de ta tête…

La poésie peut te tuer

D’une morsure toxique dans le microbus,

D’une balle perdue dédiée à son excellence ta naissance nihiliste,

D’une ceinture explosive dans un bar semi-obscur,

D’un coup de faucille dans un champ fourmillant d’herbes de marijuana…

Elle peut te briser les os avec ses fortes mâchoires

Et t’entrainer comme une proie fraîche

Vers son repaire absurde…

***

Abdellatif Alami

 

......................

الوحش / فتحي مهذب

يمكن أن يقتلك الشعر..

يلاحق أطفالك بعربة نقل الأموات..

يمكن أن يطارد حواسك مثل خمس إوزات سيئة السمعة..

يمكن أن يهشم بيضة روحك بقضبان حديدي..

يمكن أن يأخذك رهينة

في قارب سريع ..

يغرد فوق كتفي قبطان ميت..

يمكن أن يتسلل من غابة رأسك

ويقطع شحمة أذنيك..

يمكن أن يخطف أرانب صغيرة

من عمودك الفقري..

يمكن أن يأكل أطراف أصابعك

بقضمة واحدة ..

بينما روحك توقظ أزهارا مغمى عليها في حديقة رأسك..

يمكن أن يقتلك الشعر..

بعضة سامة داخل الميكروباص..

برصاصة طائشة مهداة لفخامة ميلادك العدمي..

بحزام ناسف في حانة شبه معتمة..

بضربة منجل في حقل يعج بحشائش الماريغوانا..

يمكن أن يهشم عظامك بفكيه القويتين ..

ويسحبك مثل فريسة طازجة

إلى وجاره العبثي..

 

عادل صالح الزبيديللشاعر: لورنس فيرلنغيتي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

انني انتظر

انني انتظر ان ينظر في قضيتي

وانتظر

ان تولد المعجزة من جديد

وانتظر أحدا

ليكتشف حقيقة أميركا

وينتحب

وانني انتظر

اكتشاف

الغرب الأميركي الرمزي الجديد

وانتظر

ان ينشر النسر الأميركي

جناحيه فعلا

ويسوي جسمه ويطير على نحو صحيح

وانتظر

ان يسقط

عصر القلق ميتا

وانتظر

ان تخاض الحرب

التي ستجعل العالم آمنا

للفوضى

وانتظر

الزوال النهائي

لجميع الحكومات

وانني انتظر على نحو دائم

ولادة المعجزة من جديد

**

انني انتظر المجيء الثاني

وانتظر ان تكتسح نهضة دينية

ولاية أريزونا

وانتظر

ان تخزن عناقيد الغضب

وانتظرهم

ليبرهنوا

ان الرب هو حقا أميركي

وانتظر

لأرى الرب في التلفزيون

يضخ الى محاريب الكنائس

لو انهم يستطيعون فقط ان يجدوا

القناة الصحيحة

كي ينتقلوا اليها

وانا انتظر

ان يقدم العشاء الأخير ثانية

مع مشـهٍّ جديد غريب

وانني انتظر على نحو متواصل

ان تولد المعجزة مرة ثانية

**

انني انتظر ان ينادى على رقمي

وانتظر

ان يتولى جيش الخلاص الأمر

وانتظر

ان يمنح العقلاء البركة

ويرثوا الأرض

دونما ضرائب

وانتظر

ان تعلن الغابات والحيوانات

ان الأرض ملكها

وانتظر

ان تبتكر وسيلة

لتحطيم جميع القوميات

دون ان يقتل احد

وانتظر

ان تسقط الطيور والكواكب كأنها المطر

وانتظر ان ينام العشاق والباكون

سوية مرة أخرى

بمعجزة ميلاد جديد ثانية

**

انني انتظر عبور الانقسام القاري الكبير

وانتظر بقلق

ان يكتشف طبيب غير متخصص مغمور

سر الحياة الأبدية

وانتظر

ان تنتهي

عواصف الحياة

وانتظر

ان يبدأ الإبحار نحو السعادة

وانتظر

إعادة بناء سفينة (زهرة أيار)

لتصل الى أميركا

وقد بيع خبرها المصور وحقوقها التلفزيونية

الى السكان الأصليين مسبقا

وانتظر

ان تنطلق الموسيقى المفقودة مرة أخرى

في القارة المفقودة

بمعجزة ميلاد جديد ثانية

**

انني انتظر اليوم

الذي يجعل كل الأمور واضحة

وانتظر الجزاء

لما فعلته أميركا

بتوم سوير

وانتظر

أليس في بلاد العجائب

لترسل لي ثانية

حلم براءتها كاملا

وانتظر

ان يأتي تشايلد رولاند

الى البرج المظلم الأخير

وانتظر

ان ينمو ذراعان حيان

لأفروديت

في مؤتمر أخير لنزع السلاح

بمعجزة ميلاد جديد ثانية

**

انتظر

ان احصل على بضع تلميحات

عن الخلود

بتذكر طفولتي المبكرة

وانتظر

ان تعود الصباحات الخضراء ثانية

وان تعود حقول الشباب الخضراء الصامتة

وانتظر

بضع توترات الفن الذي لم يتم تأمله مسبقا

ان تهز آلتي الكاتبة

وانتظر ان اكتب

القصيدة العظيمة التي يتعذر محوها

وانتظر

النشوة الخلو من الهم الطويلة الأخيرة

وانتظر على نحو متواصل

ان يلحق العاشقان على الجرة الإغريقية

ببعضهما أخيرا

ويتعانقا

وانتظر

على نحو متواصل والى الأبد

نهضة معجزة

***

 

.......................

لورنس فيرلنغيتي: شاعر ورسام وناشط اجتماعي وسياسي أميركي من مواليد عام  1919 واحد مؤسسي الحركة الطليعية التي عرفت بجيل الإيقاع (Generation Beat) في سان فرانسيسكو أواسط خمسينيات القرن العشرين. أسس مكتبة لبيع كتب الجيب ودار نشر باسم (أضواء المدينة) أسهمتا في تطور وانتشار الحركة وفي نشر دواوين أبرز شعراء تلك الفترة. نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان (جزيرة كوني العقلية) في عام 1958 أصبحت المجموعة الأشهر والأكثر مبيعا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. من عناوين مجموعاته الأخرى: (البدء من سان فرانسيسكو) 1961؛  (المعنى السري للأشياء) 1970؛ (الحب ليس حجرا على القمر) 1971؛ (من نحن الآن) 1976؛ و(الشعر بوصفه فنا متمردا) 2007.

 

 

ضياء نافعقصيدة للشاعر البرازيلي المعاصر

 أسفالد دي أندراديه

ترجمها عن الروسية أ. د. ضياء نافع

***

هناك ..

 بعيدا..

وراء النوافذ،

لازال

 ضياء القمر

 ساطعا و منيرا،

والقطار

يخترق اراضي

 البرازيل

من أقصاها الى أقصاها -

بخط مستقيم...

 

........................

ولد أسفالد دي أندراديه العام 1890 في البرازيل، وهناك توفي العام 1954 . وهو شاعر وروائي وكاتب مسرحي، ويعدّ واحدا من قادة الحداثة في الادب البرازيلي، والثقافة البرازيلية عموما .

 

1218 Weintraub Cayleeكايلي وينتروب

ترجمة: صالح الرزوق

***

كنت أنا وشون نلهو في البيت الزجاجي المهجور في منطقة متفرعة من I-80 حينما أخبرني بفكرته عن مخزن روب بيرغسون. وشرحها لي بهذه الطريقة: علي أن أقترب من الطاولة وأشوش على السيدة بيرغسون قرابة وقت الإغلاق. حينما يكون السيد بيرغسون مشغولا بالمؤونة. وبينما أنا أكلم السيدة بيرغسون يتسلل شون إلى الغرفة الخلفية ويفرغ كيس النقود. وبرأي شون هكذا يمكننا إنقاذ مزرعتنا.

قال:”أعني، يجب أن نكرر ذلك عدة مرات”. ووقف فوق مرتفع ووازن نفسه، وحذاؤه يحفر بالأرض الترابية. وأضاف:”حتى نحصل على النقود الكافية. ولكن علينا أن نعرف أين هي النقود السائلة وكل ما يلزم”.

” ألن يلاحظا أننا نسرقهما؟”. وانحنيت لأتأمل علبة ماء لحق بها الصدأ كانت مدفونة تحت النفايات، وربما أهملها صاحب المكان خلال انتقاله.

“كلا. ربما هما لا يفحصان المدخرات باستمرار”.

“وكم نحتاج؟”. كنت أمازح شون فقط بهذا الاستفسار عن خطة السرقة. كان لشون ذاكرة ضعيفة حيال الخطط التي تحتاج لجهد ونشاط. وقد انفصل عن بنات كثيرات بمجرد دخول العلاقة بمرحلة حاسمة. وتعلم العزف على وترين فقط بالغيتار وكرر معزوفاته عددا كبيرا من المرات. ونظف نصف الحقل وذهب من أجل كأس ماء ولكنه لم يعد لينتهي مما تبقى. وتخيلوا من أكمل تعشيب الحقل، وسقاية التيوليب، وتنظيف سقف البيت الزجاجي؟. نعم. لقد حزرت. أنا.

“حوالي عشرة آلاف دولار. هذا ما سمعته من أمي أمس”.

“إنه مبلغ كبير”.

“نعم”. وحمل شون زهرة تيوليب ذابلة وأضاف:” هذا رقم كبير”.

عبرنا من البيت الزجاجي المتهدم، وكان النور ينعكس من ثقوب السقف، وظهر وجه شون في ضوء المساء المتناثر كأنه عجوز. كان قد بلغ المدرسة الثانوية. وهو في عطلة الربيع. وقد تخلى عن الدراسة للتو. مع أنه لم يبق غير شهر واحد للتخرج. فوالدي لم يكن يمتلك القوة للعمل في المزرعة بنفسه بعد أن وقع له الحادث. كان يشرب وعلقت ذراعه بالمحراث حينما بدأ بزراعة بصلات التيوليب، وكسر ذراعه وتشوهت واضطر لبترها من الكتف.  وكنت في المدرسة عندما حصل ذلك. أتابع حصة الجغرافيا وأحاول حفظ أسماء البحيرات المشهورة المرسومة على الخريطة مثل بذور المحاصيل. ولكن شون تخلى عن حصته، وعاد باكرا للبيت. وشون هو من وجده ملقى على الأرض غائبا عن وعيه في الحقل المحروث حديثا. وكانت ذراعه تنزف على التربة السوداء. وكان كل ما تبقى من ذراع والدي اليمنى  قطعة من اللحم تتدلى من كتفه، وتبرز من تحت قميصه الداخلي الأبيض الملوث بالدم.  

في البداية تفاءل أنه بمقدوره أن يكون مزارعا بذراع واحدة. وحاولنا أن نمزح معه. كنا نقول له: والدي. مرر لنا المملحة وطبقنا المفضل. لكن،آه. انتظر. أنت بلا ذراع!. وبعد أن رقد على سريره لعدة أسابيع ليرتاح، عاد إلى الميدان، في بداية فصل الحصاد. كان يشعر أن اللعنة ستحل عليه إن أفسدت عملية البتر مهنته.

وفي أول يوم عمل، عاد للبيت بعد ساعة. كان يتعرق، ويمسح جبينه بكتفه المبتور. حمل علبة البيرة من الثلاجة وجلس على الكنبة، وحاول مع غطاء العلبة لعدة دقائق حتى أتيت وساعدته بفتحها.

قال:” شكرا يا عزيزتي. سأحاول مجددا في الغد. يجب أن أستعيد قوتي”. ولكن لم يصدقه أحد منا. جلست على الكنبة بجواره محنية القامة. كان كتفه المقطوع يرتجف وشعرت بشبح ذراعه المفقود وهو يلامس على كتفي. 

وبعد أن انتظر في المستشفى لشهر، تحول والدي لنسخة مختزلة من حالته السابقة. كان له وجه أسمر مصبوغ بالشمس وعينين مثل الوحل، وجه له علاقة بالأرض. ولكنه الآن فقد كل عضلاته وأصبح ما تقول عنه والدتي مشكلة صغير،  ومدمن على الشراب. ومنذ أن ملأ استمارة عجزه الصحي، وهو يشغل وقته بملجأ العواصف الذي بدأ ببنائه قبل الحادث .  وأحيانا كنت أذهب إلى هناك لمساعدته بتدعيم الجدران أو تمهيد الإسمنت. وحاول أن يكون مرحا. كان يقول أنا أمرن يدي السليمة، ثم يضرب بالمسامير بالمطرقة. ولكن مؤخرا مال إلى حالة الغضب وليس المرح. كان ينفق كل أيامه بالعمل على الملجأ في الليل، وهو يرشف البيرة لتسكين ألم ذراعه. ولم يغادر البيت بعد أن ضحك أحدهم عليه عندما حاول ربط رباط حذائه في مخزن الأشياء الثقيلة. ولم يكن أمامه إلا أن يستسلم للأرض والمزرعة. 

و بذل شون في البيت ما باستطاعته ليتابع موسم الزراعة. وباعتبار أنه ابتعد عن المدرسة، كان ينفق وقته وهو يعمل في الحقل. كان التيوليب الذي ينمو على أطراف الحقل يذبل بسبب كسل شون وبلادته. لم يكن يحب أن يذهب للزاوية البعيدة حيث مضخة الماء. وسألته إن كان يحن للمدرسة، ورد إنه يعلم أنه دائما مجهز لشيء أكبر من دبلوم المدرسة الثانوية. وكان يشغل أوقاته الصباحية بأعمال غريبة في مزارع الجيران ليربح نقودا إضافية وفي المساء يحاول إنقاذ زهورنا. فيعشب الأرض واحتواء ما بمقدوره من كارثة اللفحة التي لحقت بالتيوليب.

وانتشرت شائعات في كل البلدة أن مزرعتنا بانحدار دائم. وأمس بعد المدرسة، رافقت أمي إلى مخزن “احمل سلة” للحصول على البقالة اللازمة. وصادفنا السيدة ليمبيريس أمام المخزن، وعندما شاهدتنا، أسرعت إلينا ووضعت يدها على جبين أمي. وقالت:”أليس”. وكنت أشعر بالدهشة كلما سمعت أحدهم  ينادي أمي أليس وليس يا والدة. كان الأمر يشبه سماع اسمها العلمي. الجنس: أليس. النوع: أم.

وضعت السيدة ليمبيرز يدها على قلبها وتابعت:” سمعت بحادث زوجك. إنه سوء حظ. ولا يمكنني تصور المحنة التي تمرين بها”.

 ابتسمت أمي ابتسامتها المشدودة التي لم أشاهدها من قبل وقالت:” لا تقلقي. نحن بخير”.

كنا في مكان الخضار، وحملت الوالدة أربعة من ثمار البندورة مرتفعة الثمن وأودعتها في كيس بلاستيكي دون أن تحرص على وزنها لتتأكد من ثمنها.

قال السيد ليمبريس:”أنا أحب هذه الثمار”.

“وأنا أيضا”. طوت الوالدة حقيبتها ووضعتها في سيارتنا. وفي بقية وقت تسوقنا، لم تنتقي غير الأشياء الثمينة مرتفعة السعر. الأنواع التجارية المشهورة وليس المجهولة. وسمحت لي  أن أزور مكان مواد التجميل وأنتقي أنبوبة طلاء شفاه أحمر. وتجولنا في أرجاء المتجر كله ومعنا عربة التسوق المليئة بالبضائع الغالية. وحينما شاهدنا السيدة ليمبريس تلوح لنا تلويحة الوداع وتدفع عربة تسوقها إلى خارج الباب، عادت والدتي لفحص محتويات “احمل سلة” مجددا، واستبدلت ما انتقيناه ببضائع أرخص.

وطلبت مني العودة لقسم الخضار وإعادة ثمار البندورة لأن سعر الرطل منها يبلغ 3.75 دولار وهذه جريمة. وحينما وضعت البندورة في مكانها، شاهدت القاضي هاريسون، وكان يبدو أقصر مما هو عليه في قاعة المحكمة، وكان يجهد ذهنه لاختيار نوع تفاح من بين اثنين. ورآني أعيد البندورة فلوح لي، وعيناه تضيقان من وراء عدساته.

وحينما جهزنا أنفسنا للدفع، وضعت والدتي أحمر الشفاه مع حلويات ميمينتوس المعروضة قرب صندوق المدفوعات وقالت:”أنت جميلة دونها”. وربتت على خدي بيدها. وتساءلت هل هي تعني ما تقول أم أنها طريقة أخرى لضبط الإنفاق.

وحاولت أنا والوالدة تقديم المعونة لشون في الحقل، ولكن تكاتف ثلاثتنا معا للسقاية والتعشيب والزراعة، لم ينجم عنه ما يكفي  لانتاج مائة باقةمن الزهور. بعنا بعض التيوليب لبائع زهور في الشارع الرئيسي. واشتراها منا  لحفل زفاف عاجل فقد كنا مزارعي الزهور الوحيدين الجاهزين لتوصيل الطلبية في غضون ساعة. كانت الزهور بائسة وكلنا نعرف ذلك. لها رؤوس صغيرة وسيقان ضعيفة، وكانت اللفحة قد بدأت تصيب الورود. والفطريات شرعت بتشويه البتلات الخارجية. ومسحت  بمسحوق الخدود الذي تستعمله أمي الطرف الخارجي من البتلات لأوهم الناظر أنها ذات رطوبة براقة، ولكن شاهدت وجه العروس وهو يستسلم للكآبة حينما حملت الباقة بين يديها.

وأسوأ ما لدينا من محصول وضعناه أنا وشون في لفافات وبعناه خارج مهرجان فلنغ سبرنغ للرقص في نهاية الأسبوع، لقاء قطعة معدنية لكل لفافة، واشتراها منا الصبيان الذين نسوا إحضار وردة لعشيقاتهم. وكان معظم الصبيان مسرورين جدا لضربة الحظ هذه، حتى أنهم لم يلاحظوا الأطراف الذابلة للزهور البيض، والبتلات الصغيرة والحزينة للتيوليب الزهري الذي اشتهرنا به سابقا. 

وضع شون خطة سرقة آل بيرغسون في أيار. وطبعا نكون في هذه الفترة مشغولين جدا بسبب أعراس الربيع ومهرجاناته، ولا يزيد على الربيع بالمشاغل غير تشرين الأول والثاني، ففي هذا الوقت تتضاعف الجنازات. وبيع الزهور في الجنازات يكون أكثر منه في الأعراس. وهذا يترك لدينا انطباعا خاصا.

ولكن لم ننجح ببيع زهورنا في موسم الحصاد الأخير. كنت أستيقظ  أنا وشون في الخامسة صباحا من كل يوم أحد، لتجهيز كوخنا في سوق المزارعين، ولكن كانت حركة البيع تتخطانا كل مرة. وحتى السيد لانكاستير، الذي ثمل وداس على نصف محصوله، وأفسد ما لديه من بنفسج وليلك، باع كثيرا من زهوره الميتة، وبقي أفضل ما لدينا من تيوليب في مكانه.

معظم الناس اشتروا أزهارنا بدافع التعاطف. كانت السيدة ليمبريس أو السيدة بيرغسون حين تشاهدني، تضع حقيبتها على كتفها  وتسأل:” كيف حال والدك يا لاني؟”. وكنت أرد بقولي:” بأفضل ما يمكن”. ثم أنظر بتحسر على ساعديها السليمين والقويين.

ثم تردف:”يا لك من مسكينة”. وتختار أعز وأرق وردة لدينا وتدفع ثمنها 1.25 دولارا.

كنت في معظم الأوقات أهتم بكوخ المبيعات وأترك مهمة الكلام مع ليلى  بيرغسون لشون. كانت ليلى أكبر مني بخمس سنوات ولديها كل شيء أفكر به. ترتدي تنورة طويلة ورقيقة، وتحب التدخين تحت المنصات في المدرسة الثانوية، وهي تميل برأسها إلى الخلف لتنفخ دخانا له نكهة الغاردينيا في الهواء، وأراه وهو يتبخر فوق رأسها مثل سحابة منخفضة. وترتدي الثياب التي أراها  وراء زجاج المخازن، وتكون أغلى وأجمل مما عداها. وسمعتها تخبر رفيقاتها في السوق حول نظريتها باختيار الأصدقاء الصبيان  حسب المواسم: الأولاد الشقر للصيف والربيع، والحنطيون للخريف الشتاء. وهذا يعني حب جديد كل عدة شهور مع تبدل درجة الإضاءة في السماء. كانت ليلى متكلمة وثرثارة وكان شون يحب الدردشة معها. وهو يستند على الطاولة بينما هي تنفخ البخار بوجهه.

وكنت من وراء الكوخ أختلس منه النظر.

كانت ليلى تقول له:”يجب أن تأتي وتلعب معي أحيانا”.

قال شون:” حسنا. ما رأيك بيوم السبت؟. تعالي إلى المرآب”.

 قالت ليلى لتتظاهر بعدم الاهتمام:” سأفكر بالأمر”. ولكنها كانت تنظر لشقيقي باهتمام بالغ.

ابتسم شون ابتسامة حزينة، ابتسامة نجم سينمائي تراجيدي وقال:” يمكنك أن ترافقيني لمكان ما بموعد مسبق”. وقدم لليلى زهرة تيوليب وردية. كان والدي يقول إذا ركز شون، سيكون أفضل مزارع في مجاله لأنه فتى جذاب. وضعت ليلى الوردة خلف أذنها وأخذت ذراع شون. وأخرجت قلما من جزدانها وسجلت رقمها على ذراعه بحروف كبيرة قبل أن تعود لصديقاتها. أومأت برأسي لشون. فقز فوق الطاولة، وأسقط التيوليب الأبيض الذي كنت أصفه، وكشر لي. ثم قال:” لقد وضعت مفتاح خطتنا يا صاحبة الوجه النجس”. ونظر لرقم ليلى المنقوش على ساعده وتابع:” هذه هي بوابتنا للعبور”. 

 بدأ شون يناديني يا صاحبة الوجه النجس منذ كان يطاردني في الحقل في ربيع العام الماضي حينما سقطت على وجهي فوق مخلفات الحيوانات التي نستعملها للتسميد. ومنذ حينها لم يكن يناديني باسمي الحقيقي.

قال شون:”هذا ما نجهز أنفسنا له يا صاحبة الوجه النجس”. كانت الساعة قرابة الخامسة ومخزن برغسون سيغلق أبوابه بغضون نصف ساعة. وكنا في شاحنة شون القوية. وبإمكاني رؤية السيد بيرغسون وهو يمشي خلف المنصة للأمام والخلف، وينبه الزبائن.

قال لي:”ادخلي واشغلي السيدة برغسون. سأدخل إلى الغرفة الخلفية حيث كيس المدخرات”.

“لكنهم   يغلقون الغرفة الخلفية يا عبقري”.

” حصلت ليلى  في وقت سابق هذا اليوم من هناك على زيت للمحرك. وتركته غير مغلق”. وفتح شون الباب وتسلل منه.

” وماذا يفترض بي أن أقول للسيدة بيرغسون؟”.”لا أعلم. فكري بشيء ما”.

قلت وأنا أركل النفايات:” ألا تعتقد أن هذا يا شون خطأ جسيم؟. السرقة غلط”.

أغلق باب الشاحنة وقال:”هل لديك فكرة أفضل؟”.

لم يكن عندي أية فكرة.كنت قد أفرغت مدخراتي وقشطت منها عشر دولارات  تافهة كنت قدمتها لوالدي، ولكنه أعادها لي. وسألت عن عمل في “احمل سلة”، لكنهم كانوا لا يستخدمون من هم بعمر ثلاث عشرة سنة، بسبب قانون عمالة الأطفال.

نظرت إلى حذائي الموحل. لم أكن أجد طريقة مناسبة لدفع فواتير علاج والدي الأخيرة في المستشفى ولا نفقات مكافحة اللفحة. ومنذ إصابة والدي، كانت زهورنا تصاب بمرض غريب تسبب بنمو بقع مبكية على بتلاتها وسيقانها. كان ربع محصولنا قد أزف، وموسم الحصاد بدأ للتو. وكنت أنا وشون نقطف الورود بقدر استطاعتنا، ولكن اللفحة كانت أسرع من كلينا مجتمعين.

 في نفس الوقت، كان والدي يشرب البيرة ويرتب ملجأ العواصف، ويحفر نفقا تحت الأرض، ولا يظهر إلا لتناول الغداء معنا. وأمس مررت الوالدة فوق طاولة الغداء مظروفا حمل اسمه بخط يد السيدة ليمبروس الأنيق. وفي داخله، وجدنا شيكا بخمسائة دولار.

قالت والدتي:” أنا لا أحبها مثلك. ولكن هذا سيساعدنا بدفع نفقات الطبابة”.

“أخبريها شكرا،  لا يوجد ضرورة لذلك”. قال الوالد وهو يغرف ملعقة من الفاصولياء الخضراء المعلبة ويضعها في فمه. وتابع:”لا حاجة بنا لمعونة”. 

وأعاد الشيك للمظروف ثم مزقه لقطعتين باستعمال يده وفمه. ونهض عن الطاولة وذهب للخارج ونحن ننهي طعامنا بصمت، وكان المظروف الذي عليه علامات أسنانه أمامنا. وفي تلك الليلة سمعت والدتي تجادل الوالد في الخارج، معتقدة أنه لا يمكننا سماعها. وبلغني صوتها وهي تناديه ليغادر من ملجأ العواصف، وأن يتصرف، بأي شيء، وأن ينقذ مزرعتنا. كانت الوالدة قلقة جدا على النقود التي طالما حلمت بها. وأتخيل أن ديوننا مثل طيف هائم، أو شيء غير مرئي يتسبب لنا بالآلام.

ما أن ابتعد السيد بيرغسون بالسيارة، دخلت أنا وشون. ورن الجرس فوق الباب ونظرت السيدة بيرغسون من وراء المنصة. كانت تنظف آلة خلط الحليب. وكانت الشمس تتسلل من النافذة المفتوحة وشعرت بالدفء والأمان، كما لو أنني في بيت زجاجي. انحنيت ولاطفت ثورت، وهو كلب أليف أبيض أراه أحيانا يقفز قرب ليلى في تمارينها الصباحية على طول حدود المسكن. وضرب ثورت ذيله على الأرض ونظر لي بعينين رماديتين زرقاوين لهما لون يشبه ماء البركة.

قالت السيدة بيرغسون:”أنت اليوم أطول من السابق يا لاني”. في الحقيقة، أنا لم أتطورمنذ شهور. بلغت الثالثة عشرة ولا أزال بطول أربعة أقدام وعشرة سنتمرات ومضغوطة وبصدر مسطح تماما:متأخرة النضج. تأكدت من طول قامتي وقمت بقياس صدري مرتين يوميا، على أمل أن أسجل تطورا بين الصباح والمساء ولوبمقدار نصف أو ربع بوصة، أو أن أحتاج فجأة لحمالة أثداء حقيقية. ولا أفهم لماذا يتكاسل الإنسان عن النمو بينما التيوليب لدينا يزداد طوله على مدار الساعة.

قال شون:”أنا أبحث عن زيت للمحرك”. وأشار إلى شاحنته، والتي تبدو كأنها على وشك أن تتمزق لمعادن وصفائح صدئة في أي لحظة.

قالت السيدة بيرغسون:”موجودة في الخلف. أنت تعلم أين”.

كان شون يرتدي قبعة البيسبول كأنه راعي البقر، ولكنه بدا بها مدعاة للسخرية، ثم فجأة ظهر بها مثل شخص حكيم. نظر لي شون وهوينسحب إلى الممشى، وابتعدت بدوري عن علبة الموسيقا التي كنت أعبث بها وجلست على المقعد قرب آلة النقود.

” كيف تعيشين الآن يا لاني؟”.

قلت لها:” بصعوبة. وأحاول أن أساعد في البيت”. ابتسمت السيدة بيرغسون وهي تفتح صندوق النقود. وقالت:”وكيف محصولك في هذا العام؟”.

 قلت لها:” على ما يرام. وأنت؟”.

كانت السيدة بيرغسون تعرف الجواب. فهي ترى أزهارنا في كل مكان. ولا بد أنها شاهدت الخدوش السود على أنواع النرجس لدينا. على التيوليب والورود العزيزة. والجميع يعلم باللفحة التي تشل أي مزارع ناجح وماهر. ثم أضفت:”نحن لا بأس”. وبدأت أشد كم قميصي. هذه أكذوبة، والسيدة بيرغسون متأكدة من ذلك. المرض وصل إلى الجذور، إلى التراب. إنه جزء من النظام الآن.

وشعرت بارتفاع حرارة وجهي وبانسداد في الحلق مثلما يحصل دائما حينما أرغب بالبكاء. كنت أفكر بوالدي وهو يجلس في قاع ملجأ العواصف أمس بعد أن دب الخلاف بينه وبين الوالدة، وتذكرت غضب الوالدة منه لأنه يختبئ في البيت طوال الوقت، وكيف أصبحت تعتقد أنه ليس الرجل الذي كانت تحبه.

وتذكرت كيف هبطت على السلالم وجلست قرب الوالد، وقبضت على يده الوحيدة. كان وجهه مغطى بالوحل وجذع ذراعه يرتجف كأنه يبحث عن البقية الضائعة منه. وحينما انخرط بالبكاء، أخفيت ذراعي ورأسي في قميصي وتحولت إلى قوقعة قطنية. 

ربتت السيدة برغسون على كتفي وحملت كأسا من خزانة فوق آلة خلط الحليب. وحينما لمست كتفي، انتابني الشعور بالذنب. كان ذنبي ثقيلا مثل سيل من الماء، انهمر على جوف معدتي.

سألتني:” شوكولا أم فريز؟”.

قلت لها:”فريز”. ومسحت أنفي بكمي. ربما وجد شون كيس النقود الآن. وربما  يضع النقود في جيوبه.

وضعت السيدة برغسون خليط الحيلب على الطاولة وسألتني عن المدرسة وأي مقرر أفضل وإن كان هناك صبيان أحب الاختلاط معهم. وأخرتني عن التفكير بشون، وبالغدر الذي ستشعر به إن اكتشفت الموضوع. كنت أرتاح للكلام معها، وإخبارها عن محبتي للجغرافيا وعلوم الأرض. وأوجزت لها تاريخ تطور الأرض. ولكن كلما هزت رأسها وسألتني المزيد من الأسئلة، كان ثقل الشعور بالذذنب الذي يحل علي يتضاعف.

وكنت قد وصلت لمرحلتي المفضلة، العصر الجليدي - بليستوسين، عندما ظهر شون ومعه علبة زيت. نظرت له وأشار برأسه. وسكبت السيدة بيرغسون خليط الحليب في كوب من الفلين وودعتنا.

ولمس ثورت يدي وتبعني، وللحظة من الوقت تخيلت أنه شم النقود التي حملها شون، ولكنه تكوم في الداخل عندما نادت عليه السيدة بيرغسون.

في السيارة، أفرغ شون جيوبه. وأحصيت مائتي دولار بشكل قطع نقدية وأوراق صغيرة. وابتسم شون ودق على عجلة القيادة.

قال:” لقد فعلناها أيها الوجه النجس. لقد نجحنا”.

أغلقت عيني ووضعت رأسي على المقعد. خارج النافذة، كنت أشاهد أميالا من حقول الورود وهي تمتد بكل اتجاه. طويت الأوراق النقدية طيتين، ثم أربعا. ونظرت من النافذة وبدأت أفكر بالبيت. 

سرقنا أنا وشون النقود من الكيس مرتين إضافيتين. وادخرنا أقل من 800 دولار بقليل، وهو ما يكفي تقريبا لدفع ثمن المبيدات التي نحتاجلها. وتمشيت في حقلنا المأسوف عليه ليلا بحثا عن علامات على نموات جديدة. عن أي شيء.

وأخبر شون والدينا أنه حصل على النقود من عمله في مزرعة الجيران، مثل جر المعشبة وراء المحراث وقطع الأعشاب التي تصل لخصر الإنسان حتى غروب الشمس. لم تكن كذبة تامة. فبعض أوراق العشر والعشرين دولارا مصدرها عمل شون في أرجاء البلدة وتأدية مهام نادرة. ولكن الأوراقالنظيفة والهشة الصغيرة والنقوداللماعة مصدرها آل بيرغسون.

  في الأسبوع الماضي، استعملت أمي بعض تلك الأوراق الصغيرة واشترت زجاجة صباغ شعر أشقر من ماركة إيزي بلاتينوم. وجلست على مقعد في البيت الزجاجي قرب التيوليب، حيث الفوضى أقل، وباشرت بإضافة الصباغ لشعرها. ثم قدمت لي مقص التقليم الذي نستعمله في تشذيب التيوليب قبل بيعها وطلبت مني أن أقص ما بمقدوري. وفي اليوم التالي، غاردت البيت ووجدت عملا لها في متجر الرهونات.

ومع ذلك، رغم عمل الوالدة والنقود التي سرقناها أنا وشون، لم ندخر ما يكفي. أخبر والدي شون أنه عليه أن يتحمل المسؤولية ويجد عملا آخر عوضا عن هدر وقته مع ليلى بيرغسون. ولكن الوالدة اعترضت وطلبت منه أن لا يقسو كثيرا، فشون يبذل ما باستطاعته، غير أن الوالد قال نحن نعتمد على شون، وهكذا يجب أن تسير الأمور. ثم تجادلا حول الوقت الذي ينفقه الوالد في ملجأ العاصفة وكيف أن الوالدة لا تفهم معنى أن يخسر إنسان ذراعه، وأنه عليها أن تكون أكثر تفهما وتعاطفا.

كنت أعاني من ألم مبرح خشية أن يكتشف أحد أمري. وعندما التقيت بالسيدة بيرغسون في مخزن الخضار أخبرتني أنها تفكر بحفر نفق تحت الأرض. وكنت أتذكر السطر الذي تعلمته من شون: ماذا أقول لوالدي إن سألاني عن مصدر النقود. وهو:”أنا لا أعرف عما تتكلمان. ليس عندي أدنى فكرة”.

ولم أكن أعلم كيف أمكن شون أن يذهب لمشاهدة السينما والتسكع مع ليلى وفي اليوم التالي يسرق من مخزن والديها. كان شون يقول ما أن تقف المزرعة على قدميها مجددا سيعيد النقود لأصحابها، وسيدعها على الشرفة بشكل تبرعات مجهولة المصدر. وليلا، كنت أفكر بطريقة ملائمة لسداد المبلغ لآل بيرغسون، وهكذا كان ألمي يخف. وبغضون شهور، سأبلغ الرابعة عشرة وأشغل عملا في “احمل سلة”. وسأدخر كل مكاسبي من أجل آل بيرغسون. وبالتعاضد مع شون، ربما يمكننا سداد هذا الدين حتى قبل أن يلاحظا المبلغ الناقص.

بالأمس انتهى والدي من ملجأ العواصف. دخلت إليه ولاحظت أنه أضاف هياكل أسرة ولوازما ليلية ومرايا وخزائن من خشب قديم كان متراكما قرب البيت الزجاجي المهجور. كان كل شيء رطبا ومبلولا، مثل جو الصباح الباكر. جلس الوالد على هيكل أحد الأسرة ولبث في الملجأ لعدة ساعات. أحيانا كان ينام هناك، تحت الأرض. في تلك الليالي، كنت أرقد بسريري وأحدق بالسقف وأتخيل والدي وهو يتحول لشجرة سنديان لها جذور عميقة وقديمة، بحيث لا يمكن لأحد، ولا حتى أصحاب المصارف، أن يقتلعوه من أرضه.  

من موقفي في أعلى السلالم، شاهدت أمي وأبي على الكنبة وهما يتجادلان في الظلام. كانت الوالدة تقرأ النفقات من دفتر الشيكات، وتبحث عن مصدر لمزيد من النقود. وفي حضن الوالد ملاحظة عن الإفلاس وقد رأيتها مسمرة على الباب لدى عودتي من المدرسة.  وكان المصرف ينوي أن يأتي لعقارنا في نهاية الأسبوع لمصادرته. رغبت أن أشترك باجتماع العائلة، ولكن الوالدة ألحت أن أذهب للنوم، وهذا يعني أنها تفكر بالإفصاح عن أشياء لا يفيدني الاستماع لها.

قالت الوالدة:”كيف نتصرف؟”. وأحاطت وجهها بيديها. وخلال دقيقة كانت تبدو لي كأنها صغيرة في طفولتها.

والآن، كل حقلنا تغلبت عليه اللفحة. وحتى بعد أن اشترى شون بعض مضادات اللفحة ورشها على الزهور، واصلت اللفحة الانتشار. وأنفقنا من النقود أكثر مما جنيناه من حصاد هذا العام. مزرعتنا تتعفن. وكل عطلة أسبوع، عوضا عن أن نذهب إلى سوق المزارعين لبيع أزهارنا المريضة، كنا نقف على جانب الطريق، لبيع ممتلكاتنا. كنت أكره البيع في الباحة، أنا وشون نقف قرابة مقبرة ألعابنا، بانتظار شخص ما يقف ويقدم لنا ربع دولار لقاء مصباح إنارة ملون مكسور.

كان الوالد يجلس منتصب القامة في موضعه، ويعقد ذراعه اليتيمة على صدره. كانت له دوائر سود تحت عينيه. ويقول:”آسف”. على ماذا يتأسف: إنفاق نصف نقود قيمة أقساط بيتنا على سيل لا ينقطع من الشراب. فقد سمع صاحب مخزن الشراب بمشكلتنا المالية وأراد أن ندفع له كل شيء قبل أن نفلس.

أسدلت الوالدة يديها من فوق وجهها ونظرت لوالدي، بل نظرت من خلاله. وقالت:” أنا لا أستوعب ماذا جرى لك”.

“لم أخطط لهذه النهاية”. ونفض والدي كتفه الأبتر. وأضاف:” ألا تلاحظين العار الذي يغطيني؟. وكم أنا مضطرب لقلة حيلتي؟. وشعوري أنني قليل الفائدة”. وفكرت أن أصعد إلى الطابق الأعلى حيث همد والدي بكرسيه البسيط. ووددت أن أنطوي على نفسي بقربه حيث يفترض أن تكون ذراعه المفقودة. وأن أملأ المكان الفارغ بسبب هذه العاهة.

وسمعت صوت فتح الباب، ومن حيث كنت أختبئ في أعلى السلالم، رأيت شون يدخل إلى غرفة المعيشة وتفوح منه رائحة الغاردينيا، مثل ليلى.

نهض والدي من كرسيه وقال:”أين كنت؟.آل لانكاستير أتوا وقالوا إنك لم تظهر لتساعد في تعشيب حقولهم”.

قال شون:”أعتقد أن الوقت سرقني”. وتخلى عن سترته.

قال والدي وهو يغمز:“المزرعة ستغلق إن لم نوفر النقود.كنت أتوسل إليهم لتأمين عمل لك”. كان يعلم أن هذا الكلام يؤلم شون.

نظر شون لأمنا وقال:”ماذا يعني إغلاق؟. أمس أحصينا نقودنا. ولدينا ما يكفي”. نظرت الوالدة لمكان وقوف أبي في المطبخ، كان رأسه محنيا في ضوء الثلاجة. وأخبرت شون بجناية الوالد. وانهار وجه شون.

قال الوالد:”آسف يا شون”. كان صوته ناعما مثل تراب يغطي قبرا حديثا. وتابع:” لم يكن أمامي حل آخر”. وأمس شاهدت استمارة طلب عمل مهملة في زاوية ملجأ العواصف وهي بخصوص مخزن الأعمال الشاقة . كان والدي قد بدأ بكتابتها ولكنه توقف لأنه لم يتمكن من تدوين اسمه بيده اليسرى.

قال شون بكلمات متتالية:”لقد قررت. منذ اللفحة، لا تفكر إلا بنفسك. وكنت أتحمل مسؤولية كل شيء وأنت مختبئ في ملجأ العواصف”. وقف شون بجانب أمي، ولبعض الوقت رأيت شون والوالد يتبادلان الإمكانيات العضلية، الوالد ينحدر لصباه وشون ينتصب بقامته ويقف متأهبا.

واحمر وجه والدي كما يحصل دائما إذا شعر بالإحراج. وقال:”آسف”.

“هذا كل ما لديك؟. آسف؟”. وضغط شون قبعته على جبينه. كان وجهه أحمر وتقريبا قرمزيا. كانت ذراعا شون قويتين الآن ولهما عضلات بسبب العمل.  إذا لمسته أشعر بالقسوة التي لم تكن لديه.

استدار شون نحو والدي، ورفع قبضته اليمنى، ولكن الوالد حرك ذراعه السليمة بسرعة ولم يترك لشون فرصة للدفاع عن نفسه. وسقط شون على الأرض، وغطى خده. ونهض على قدميه وألقى والدي على الأرض وبدأ يضربه، وامتلأ بيتنا بصدى اللطمات. وأسرعت نحو أسفل السلالم، ولكن الوالدة وجهتني لأعود إلى مكاني، وأن ألجأ إلى غرفتي. وقفت بظل السلالم، وأنا أنظر لعائلتي.

سألت الوالدة والدي إن كان أحمق أم أنه غبي. وبدأ الوالد يعتذر لشون لأنه ضربه، ولكن شون بصق من فمه الدم وغادر من الباب بسرعة. وشاهدت نور مصابيح شاحنته وهي تنير محصولنا الفاسد، وهرعت الوالدة خلفه، وهي تناديه باسمه. ولأول مرة، أرى وجه أبي الأسود وعينيه المذهولتين وكان ينظر من نافذة المطبخ، ولاحظت أنه رجل مكسور. 

بعد عدة ساعات أغلق شون باب غرفته بقوة وسمعته يبكي. تسللت من سريري إلى سريره. وتسلقت السرير وأصبحت قربه مثلما كنا نفعل بيفاعتنا حينما مرضنا بوقت واحد، واستلقى كلانا على هذا السرير، ونحن نعاني من الحمى والأحلام الكابوسية والنكاف.

قال:”انصرفي يا صاحبة الوجه النجس”. وكان صوته مكتوما، وأنفه يخن. ولكنه اقترب مني وشعرت بحرارة جسمه. كانت الكهرباء مطفأة وكان الليل مثلجا. وأمكنني الشعور بالضربة على وجه شون وهو يلف كتفي بذراعه. وسمعت صوت عراك والدي، وقبضة والدي اليتيمة تضرب الطاولة.

قلت له:”كيف سنتصرف حيال المصادرة يا شون؟. لم يعد لدينا وقت. كيف سنكسب 1000 دولار بغضون ثلاثة أيام”.

تدحرج ليواجهني في الظلام، ولم يكن بمقدوري التعرف عليه. واستغرق وقتا طويلا ليرد. فشرعت بمغادرة  سريره لأعود لغرفتي، وهنا قال:” يمكنني أن أعلم من أين نأتي بمزيد من النقود”.وخارج باب شون، كان الوالد يقف ويطلب الأذن للكلام معه، أو الاعتذار منه، وكان يرجوه أن يستجيب له. ولم أسمع والدي يتوسل لأحد هكذا. لكن شون تابع يقول:” حينما كنت مع ليلى اليوم، أخبرتني عن خزانة حديدية للنقود. وهي في الطابق العلوي، في العلية”.

قلت له ومعدتي تتوتر:”لا يمكننا ذلك يا شون. هذه مخاطرة”.

“ربما يمكننا كسر القفل”.

قلت مجددا:”شون”.

“سنفعلها في الليل. ولن يرانا أحد. وسندفع كل شيء وسيعود الحال لما كان عليه”.

وقبض شون على يدي في الظلام. وتساءلت هل هو يتصرف بهذه الثقة ويخطط بهذه البساطة ليحسن من حالتي النفسية فقط.

وسمعته يقول:”هذه فرصتنا الأخيرة”.

وتصورت حياتنا كما كانت، الوالد يستيقظ في الصباح ويذهب لسقاية الحقل، ويكون وجهه متفتحا، وغير مجهد. هذا قبل أن تحمل والدتي أشياءنا القديمة لمخزن الرهونات وتعرضها للبيع، وهكذا كان بيتنا كل يوم يزداد فراغه. كنا نشعر باللفحة وهي تشق طريقها إلى داخل بيتنا، وها هي تقضم من أطراف حياتنا. لم أكن أود أن أترك التيوليب وحدها، ولا قطرات الندى تحط على العشب وتلمع في الظلام مثل مجرة سماوية سقطت على الأرض، ولا أن أترك اللوحة التي وضعها والدي على حدود المزرعة وعليها الأحرف الأولى من اسم الوالد، هنا ذات يوم سوف تظهر الأحرف الأولى من اسم شون.

قلت له:”حسنا. حسنا”. 

وقفنا أنا وشون بالسيارة في موقف آل بيرغسون المفروش بالحصى. أمام المخزن ، في الليلة السابقة على موعد المصادرة. كان الوقت يقترب من 10:00 مساء، والمخزن معتم. وكان الحقل يمتد بكل اتجاه حولنا وتهب منه رياح حزيران الحارة، وأمكنني أن أشم رائحة آخر زهور التيوليب لهذا الموسم.

قال شون:”تذكري الخطة يا صاحبة الوجه النجس”. وترنحت ساقاه نحو الأعلى والأسفل.

أخبر شون ليلى أن تقابله بالمخزن، حيث يتسكعان بالعادة ويدخنان السجائر فوق السطح. ليلى ستفتح له باب تامخزن وسيدخلان معا. وبعد أن يصعد شون وليلى إلى السطح، سأمر من الباب المفتوح وأصعد على السلالم حيث مكان الخزانة. ولأن شون يمكنه إلهاء ليلى أفضل مني، سأقوم بكسر القفل. وأنفق شون ساعات كل ليلة على تدريبي، وأتقنت العمل بشكل جيد. سأفتح القفل بعشرين دقيقة، وإن لم أتمكن من ذلك، سأغادر وأختبئ بين الشجيرات حتى عودة شون.

 عندما توقفت ليلى بسيارتها، استلقيت في المقعد الخلفي كي لا تراني. وسمعتها تفتح الباب وتخطو إلى الداخل، وتخيلتها تقبض على يد أخي.  سمعت ليلى تكلم شون حين دخلت إلى غرفته ليلا، وأخبرته أنها تعشقه. وأعتقد أن شون يحبها أيضا، ولكنه لن يعترف حتى لو قال ذلك ضمنا. فقد كنت ألاحظ كيف يسترق النظر من الخواتم في نافذة مخزن الرهونات. سمعت الأغنيات التي كتبها عنها. كان يغنيها في غرفة نومه بالعزف على وترين من الغيتار والباب مغلق. قال شون وهو يقودنا في تلك الليلة:”سوف تفهمني”. ولكن يمكنني أن أعلم أنه لا يصدق كلامه. وحينما كان يقود حمل معه آخر زهرتي تيوليب في الموسم، بيضاوين ومريضتين تغطيهما البقع السود، وكان ينوي تقديمهما إلى ليلى.

وانتظرت حتى سمعت صوت ليلى وشون على السطح، ثم دخلت من الباب الأمامي الذي تركه شون مفتوحا. كان المخزن معتما جدا من الداخل، والسلالم التي تقود إلى العلية لها صوت صرير.

كانت الخزانة أصغر مما اعتقدت. رمادية بقفل بسيط يعمل بالأرقام السرية. أخرجت مفك البراغي، وحركت القفل نحو الأمام والخلف كما علمني شون. وكانت الخيالات التي تمر من نافذة العلية الصغيرة تتحرك فوق يدي ووجهي، وشعرت كأنني سجينة بين جدران ضوء القمر. واستعملت رأس مفك البراغي المسطح لتحريك القفل للأمام والخلف كما كان شون يقول. وحاولت أن لا أفكر بآل بيرغسون وليلى. وحاولت أن لا أفكر بالسيدة بيرغسون وكيف تزورنا في البيت قبل رقصات المدرسة لتسريح شعري فالوالدة لا تعرف كيف توضبه مثلها. أو الطريقة التي كانت تساعدني بها للتمرن على الفالس في غرفة المعيشة، حتى إذا حان الوقت، يمكنني أن أشارك الصبيان هذه الرقصة إذا طلب أحد مني ذلك.

وحاولت أن أنسى كيف أنه في الأسبوع الماضي، حينما كان شون بالعمل، توقفت ليلى عند بيتنا وعرضت علي مرافقتها للتسوق من أجل رقصات الصف السابع التي سيحين موعدها بعد أسبوعين. وشعرت بالإحراج لأن ليلى اشترت هدية لي. وبعد أن انتهينا من المتجر في الشارع الرئيسي، رافقتني إلى غرفتها وفتحت خزانتها. وبحثت بين ثيابها وبين عشرات من قمصان شون القطنية المفقودة، عن ثوب أخضر طحلبي يلائم لون عيني. وجربته، وسمحت لي ليلى أن أقف أمام مرآة الحمام، وهي تدخن سيجارتها، وأخبرتني أن الجميع سيعجب بي إذا شاركت بالحفلة الراقصة، فأنا أبدو به بغاية الجمال.

سمعت خطوات هادئة من خلفي. توقفت عن تحريك مفك البراغي وبحثت عن موضع أختبئ به. ولكن لم أجد. وانبعث من الأرض صرير مسموع كلما اقتربت الخطوات، ثم شعرت بشيء رطب وبارد على رقبتي، ولفحتني أنفاس دافئة. واستدرت وشاهدت ثورت، وكان يشم ذراعي. ربت على جبينه العريض وأخبرته أنني آسفة. ونظرت بعينيه السوداوين وتظاهرت أنني أعتذر من آل بيرغسون شخصيا، ولا بد أنهم يسمعونني بطريقة ما من خلال أذني ثورت. وتابعت تحريك مفك البراغي للأمام والخلف مجددا، ورمى ثورت رأسه علي. وتوقف عند الباب، وهو يتنفس، قبل أن يعود إلى الأسفل.

وفتح باب الخزانة بصوت قرقعة مرتفعة. ودق قلبي وأنا أفتح الباب وأحمل النقود المحزومة برزم أنيقة. وأحصيتها في الظلام، وأنا أقلب بين الأوراق النقدية. أحصيتها ثلاث مرات. هناك 1200 دولار. إنها لا تكفي لسداد ديوننا، ناهيك عن إدارة  المزرعة لعدة شهور إضافية قبل أن يتعافى الحقل من اللفحة. وسقط حمل ثقيل على كتفي مثل كيس تراب. لكن وضعت النقود في جيوبي وأغلقت باب الخزانة.

هبطت على السلالم. وسمعت أصوات شون وليلى الهامسة تأتي من السطح. كانت النقود ثقيلة في جيوبي. وذكرتني بقول شون: إذا وضعت القاذورات في جيوب ثوبك يمكن أن ينمو ثوب جديد بشكل خيط يخرج من الأرض ومع الوقت يخيط نفسه. وكنت أتجول هنا وهناك والقاذورات في جيوبي ولعدة أسابيع إلى أن اكتشفت الوالدة الموضوع،  وحينها كان ثوبي قد تلف.

وبعد أن انتهيت من السلالم، شاهد ثورت خيالي وبدأ بالنباح. وسمعت صوت ليلى تسأل شون من فوق عن سبب الصوت. وتدحرجت علبة البندورة المعدنية التي وضعها شون على عتبة الباب كي لا يقفل وأغلق الباب. ضغطت على يد الباب، ولحظة أن فعلت ذلك، انطلق جهاز الإنذار. لم نلاحظ أنا وشون وجود جهاز إنذار في المخزن مع أننا أمضينا فيه ساعات طويلة. ولم أعرف كيف أتصرف. وهرع شون برفقة ليلى إلى الأسفل. ونظر لي شون بطريقة جعلتني أشعر كما لو أنني دفنت على قيد الحياة.

قالت ليلى بصوت يعلو على نباح ثورت:”ماذا يجري؟. ماذا يحصل هنا يا شون؟”.

جرني شون من يدي. وقفزنا في سيارته وانطلق بصوت مزمجر ليبتعد عن موقف السيارات، وكانت شاحنته تنثر الحصى تحتها. قلت له:”ماذا تفعل؟. يجب أن نذهب بالاتجاه الآخر”.

“اخرسي يا صاحبة الوجه النجس. اخرسي فقط. أحاول أن أفكر”.

 انعطفنا من الزاوية قبل أن نتجه إلى البيت، وشاهدت ضوء الشرطة في المرآة الصغيرة. انعطف شون فجأة  نحو اليسار، ولكن هاك وجدنا سيارة شرطة أخرى. وقف ضابطا الشرطة على طرفي السيارة. وفتح شون الباب ببطء ويداه مرفوعتان. دفع أحدهما شون نحو الشاحنة، وكبل يديه.  الثاني، شرطية اشترت منا باقة زهور منذ سنوات من أجل تمرينات باليه ابنتها، وقد قادتني من يدي إلى سيارتها. ناديت شون وهي تجرني، ولكنه لم يسمعني.

بعد نصف ساعة، جلست برفقة شون في غرفة التحقيق في مخفر الشرطة. كانت ليلى وأسرتها هناك، وتسجلان إفادة في سجل الشرطة. وهنا سمعت السيد برغسون يقول إنه وضع جهاز الإنذار في الوقت الذي انتبه فيه لسرقة النقود من كيس المدخرات قبل أسابيع. وخلال الاستجواب، تحمل شون المسؤولية. 

قال:”إنها غلطتي. أنا الجاني”. هز شون رأسي وقبض على يدي.  والشرطية التي اشترت الزهور منا حبستنا أنا وشون في النظارة لحين حضور والدينا.

قالت ليلى:”تخيلت أنك تحبني”. وضغطت وجهها على قضبان السجن ونظرت لشون. ابتعد شون عنها وغطى وجهه بيديه. وبدت ليلى محتارة ومتألمة وهي تدخن سيجارتها وتنفخ الدخان، وكان الدخان يتعلق فوق رأسها مثل فقاعة فكرة سخيفة في مجلة مصورة.

وجاء والدانا إلى السجن قرابة منتصف الليل، وكان الإجهاد يعلو محياهما. ولدى رؤية الوالد لنا في الزنزانة، وضع يده الوحيدة على صدره، كان مضطربا من أجلنا ومحتارا من نفسه. هذه أول مرة يغادر بها البيت من حوالي شهر، وذكرني بالأرانب التي تعلق سيقانها في الفخ الذي نضعه كي لا تأكل زهورنا، وكيف تصيح حين تلاحظ قدومنا.

ودخلت شرطية بحوار مع والدينا، ولكن لم أسمع ماذا كانت تقول. وشاهدت والدي يغوص بالأرض في غرفة الانتظار بالمخفر وهو يضغط  بيده الوحيدة على الأرض، وكأنه يحاول أن يغرس جذوره. ومال شون بجبينه على قضبان الزنزانة، وكان وجهه مرهقا ومتهالكا. أما أنوار سيارات الشرطة في الخارج كانت تلمع على وجوهنا، وتنير التعب الذي نسف وجه شون، وفي تلك اللحظة لاحظت كيف أن أخي كان يذبل بشكل رجولي.

تمت إدانة شون بالعقل المدبر للخطة الإجرامية، وبقي في الزنزانة بانتظار المحاكمة. أما باعتبار أنني تحت السن القانونية، كانت عقوبتي تقتصر على العمل بالمجان في متجر آل بيرغسون حتى استعادة بعض النقود التي سرقناها. ولكن سمح لي بالعودة للبيت في هذه الليلة.

قالت الوالدة:“لماذا لم تودي إخباري بما يجري؟”. وقفنا في موقف السيارات قرب شاحنة داتسون الخاصة بالوالد. بينما كان شون يوقع عشرات الأوراق في الداخل. ونظرت أمي لي أما أنا فقد نظرت لما هو أمامي من فراغ باتجاه البيت. أضافت:”ألم أربيك لما هو أفضل من هذا؟”.

لم أعلم إن كانت تسألني أم تسأل نفسها.

في رحلة العودة، خفض الوالد صوت مذياع السيارة وثبت نظراته على ما أمامه. كان صامتا منذ أن حملني من المخفر، وحاول أن يصرف نظراته عني، كلما حاولت أن أنظر في عينيه. قالت الشرطية إن شون سيحصل على عقوبة مخففة على الأغلب بسبب الظروف، ولكن صورة شون في السجن حطت على رأسي مثل وزن ثقيل. ومددت يدي لأقبض على يد والدي قبل أن أتذكر أن ذراعه ليست في مكانها. وفي بقية تلك الليلة ولعدة شهور تالية لاحظت أنني أحاول أن أقبض على شيء غائب وأصبح في عداد العدم.

 

.......................

كايلي ونتروب   CAYLEE WEINTRAUB  كاتبة أمريكية من مواليد بروكلين في فلوريدا. وهذه القصة منشورة في ناراتيف الأمريكية. عدد تشرين الأول 2019.

 

 

صحيفة المثقفثلاثة عشر طرقا لرؤية طائر الشحرور

 نصوص: والاس ستيفنز

ترجمة: سوران محمد

 ***

1

ما بين عشرين جبلا ثلجيا،

هنالك حرکة واحدة فقط

وهي لعين طائر الشحرور.

2

کان لي ثلاث عقول ،

کالشجرة

عليها ثلاث شحارير

3

دار طائر الشحرور في رياح الخريف.

هذا ما كان شيئا يسيرا من البانتوميم(1).

4

رجل و امرأة

واحد.

رجل وامرأة وشحرور

واحد كذلك.

5

لا أعرف أيهما أفضل ،

جمال التصريفات

أو جمال التلميحات ،

يُصَفِّرُ الشحرور...

أم السکون بعد ذلك.

6

غطت رقاقات جليدية النافذة العريضة

ذات الزجاج البربري.

وظل الشحرور

قد مر عليها ، ذهابا و ايابا.

رسم المزاج

في الظل

والسبب غير مفهوم.

7

يا رجال نحاف (هادام)(2) ،

لماذا تتخيلوا الطيور الذهبية؟

هلا رأيتم كيف يمشي الشحرور

ما بين أقدام

النساء ما حولكم؟

8

أعرف لهجات نفيسة

والإيقاعات الواضحة المحتومة ؛

لكنني أعرف  أيضا ،

أن الشحرور يشارك

في ما أعرفه.

9

عندما طار الشحرور بعيدا عن الأنظار ،

ترك علی الحافة

دائرة من الدوائر.

10

في مشهد طار الشحرور

داخل ضوء أخضر ،

جعل غناء المومسات

بکاءا عالية صاخبة.

11

هبط في ولاية كونيتيكت(3)

علی زجاج الحافلة

عندما اخترقه‌ الخوف ،

ظن خطأ

ان ظل الناقلة

شحرور.

12

النهر يجري.

ربما طائر الشحرور يطير.

13

کان مساءا بعد الظهر کله.

تساقط الثلوج

أو كانت على وشك االسقوط.

جلس الشحرور

علی غضن شجرة الارز.

***

بيوجرافي:

ولد الشاعر (والاس ستيفنز) في سنة 1879 بولاية بنسلفانيا ، له‌ عدة دوادين شعرية کما حصل علی جوائز عدة کجائزه‌ بوليتزر الشعرية عام 1955 و في نفس العام وافته المنية، کما يصنف الشاعر من جيل شعراء  الحداثة في أمريكا.

قد قيل حول هذا الشعر ان الشاعر استعمل طائر الشحرور کرمز ذا دلالات مختلفة، ولکن الشحرور في الواقع طائر له صوت عذب و سحري، تغرد بشكل لا مثيل لها وذلك بعکس سواد لونه.

ان الشاعر له‌ کلمة مشهورة  حول عالم الشعر يقول فيها: ان الشاعر ينظر الی الشعر کنظر الرجل الی المرأة.

 

.........................

الهوامش:

pantomime 1. فن التمثيل الإيمائي :

2- هادام: مدينة تابعة لولاية كونيتيكت في الولايات المتحدة.

3- كونيتيكت: ولاية  أمريكية تقع بين ماساتوشست و نيويورك.

1214 الشحرور

النص بالانجليزية:

Thirteen Ways of Looking at a Blackbird

BY WALLACE STEVENS

I

Among twenty snowy mountains,  

The only moving thing  

Was the eye of the blackbird.  

II

I was of three minds,  

Like a tree  

In which there are three blackbirds.  

III

The blackbird whirled in the autumn winds.  

It was a small part of the pantomime.  

IV

A man and a woman  

Are one.  

A man and a woman and a blackbird  

Are one.  

V

I do not know which to prefer,  

The beauty of inflections  

Or the beauty of innuendoes,  

The blackbird whistling  

Or just after.  

VI

Icicles filled the long window  

With barbaric glass.  

The shadow of the blackbird  

Crossed it, to and fro.  

The mood  

Traced in the shadow  

An indecipherable cause.  

VII

O thin men of Haddam,  

Why do you imagine golden birds?  

Do you not see how the blackbird  

Walks around the feet  

Of the women about you?  

VIII

I know noble accents  

And lucid, inescapable rhythms;  

But I know, too,  

That the blackbird is involved  

In what I know.  

IX

When the blackbird flew out of sight,  

It marked the edge  

Of one of many circles.  

X

At the sight of blackbirds  

Flying in a green light,  

Even the bawds of euphony  

Would cry out sharply.  

XI

He rode over Connecticut  

In a glass coach.  

Once, a fear pierced him,  

In that he mistook  

The shadow of his equipage  

For blackbirds.  

XII

The river is moving.  

The blackbird must be flying.  

XIII

It was evening all afternoon.  

It was snowing  

And it was going to snow.  

The blackbird sat  

In the cedar-limbs.

 

....................

المصدر:

 The Collected Poems of Wallace Stevens. Copyright 1954 by Wallace Stevens. Reprinted with the permission of Alfred A. Knopf, a division of Random House, Inc.

 

 

عادل صالح الزبيديللشاعر الأمريكي ريتشارد بلانكو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

(مهداة إلى الحالمين بــ"القرار المؤجل للواصلين أطفالا" ولجميع مهاجري امتنا)

***

مثلك/مثلي

... أوردتي لا تنتهي فيّ

بل في الدم الجماعي

لأولئك الذين يناضلون من اجل الحياة

                           روكي دالتون، "مثلك"

**

مثلك، استجوب غشاوة التاريخ في عيني

كلما أقف أمام المرآة. مثل مرآة، انظر محدقا

براحة يدي خارطة مجعدة لا زلت لا استطيع قراءتها،

مسيرة حياتي طريق لا اسم له لا استطيع أن أجده،

لا يمكن تعقبه بالعودة إلى مفترق في طريق والديّ

الذي احتضنني في المهد ها هنا. مثلك، استيقظت على

هذا الحلم عن وطن لم اختره، وطن لم يخترني—

محتجزا في كابوس بهرجاته البغيضة. مثلك،

أنا أيضا جئت من بحيراتِ وحقولِ، من شلالاتِ ومروجِ

وطنٍ آخر لا استطيع أن ادعيه تماما هو أيضا.

مثلك، إما أنني سراب يسكن بين

هذه الوجوه والشوارع التي ترعرعت فيها،

أو إنني لاشيء، ذكرى نسيها جميع

الذين أُخذت منهم ولا استطيع العودة ثانية.

 **

مثل الذكرى، أحيانا أتمنى أن أمحو

موسيقى اسمي بالاسبانية، أحيانا

اعتز به، واحتقر مقاطعه الأخرى

المتنافرة بالانكليزية. مثلك، أريد أن أتكلم

عني بلغتين في آن واحد.

رغم ألسنتي، ما من كلمة تعرّفني. مثل الكلمات،

اقرأ آثار أقدامي كأنها ماضييّ، محته

أمواج الظروف، مستقبلي الملتبس

كالريح. مثل الريح، مثلك، احمل أغنياتي،

عوائي، همساتي، زمجرتي المرعدة. كالرعد،

أنا سحابة أجنبية المولد سيقت إلى هنا،

إنني البرق، وكف المطر. مثلك،

يمطر دمنا من اجل عطش هذه الأرض العاق.

مثل العطش، مثل الجوع، توجعنا الحاجة

إلى أن ننقذ أنفسنا، ووطننا منه.

 

..................

ريتشارد بلانكو: شاعر أميركي من مواليد كوبا لعام 1968 هاجرت والدته به إلى الولايات المتحدة وهو طفل رضيع ولم يصبح مواطنا شرعيا إلا في عمر السابعة عشرة. القصيدة التي نترجمها هنا كتبها الشاعر بمناسبة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيقاف العمل بقراره الخاص بالمهاجرين غير الشرعيين، محاكيا فيها قصيدة "مثلك" بالاسبانية للشاعر والناشط السياسي السلفادوري روكي دالتون، ومعبرا فيها عن تضامنه مع المهاجرين الذين وقعوا تحت وطأة السياسة فوجدوا أنفسهم فجأة ممزقين بين بلدين ولا ينتمون إلى أي منهما.

 

صحيفة المثقفزهرة السيمياء الأليفة

نص: فتحي مهذب

ترجمة: الأديب المغربي

Abdenbi Hader

***

La domestique fleur de la sémiotique

Il n'est pas venu, ni lui, ni son ombre..

Son cheval, non plus, pris dans le traquenard des barbares..

Ni sa voix timbrée de rides..

Et du débit des boudhistes hauts dans les arbres du temps..

Ses yeux mystiques n'ont pas lui derrière les verres de ses lunettes..

Sa voix douce n'a pas plu depuis un peu plus de deux soupirs..

Sa chatte misérable n'a pas surgi de sa colonne vertébrale..

Pour dévorer comme d'habitude les poussins des obsessions..

Il n'a pas traversé le pont..

pour négocier avec des enfants qui n'ont pas encore vu le jour..

Il n'a pas ouvert le feu, traquant les loups de ses antinomies..

Indifférent aux longs ongles du train..

Le train qui pleure comme un veuf au bar..

Dont les passagers sont tombés dans le gouffre aveugle..

Versant des larmes abondantes dans des paniers percés..

Il n'est pas venu tout doux comme un facteur..

Apportant les lettres des créatures de poussière..

Il n'est pas venu comme un mage aux clefs miraculeux..

Pour ouvrir la porte de l'Esprit suprême..

Et guider les aveugles aux sources de la lumière..

Il n'est pas venu pour saper les incendies de la nostalgie

Qui s'enflamment aux jardins de ma souvenance..

Et pourchasser des soucoupes volantes menaçant l'arbre de l'imagination..

Son ombre n'est pas venue comme  un chiot mignon..

Il n'est pas venu pour partager mes cris dans les ténèbres..

Pour railler davantage ce monde à l'allure bancale.

.......................

زهرة السيمياء الأليفة

فتحي مهذب

***

لم يأت لا هو  ولا ظله..

لا حصانه الذي سقط في شرك البرابرة..

لا صوته المليء بالتجاعيد..

بإيقاع البوذيين فوق شجرات الوقت..

لم تلمع عيناه الصوفيتان وراء زجاج نظاراته ..

لم يمطر صوته الناعم منذ زفرتين ونيف..

لم تقفز قطته البائسة من عموده الفقري..

لتلتهم كعادتها صيصان الهواجس..

لم يعبر الجسر ويفاوض أطفالا لم يولدوا بعد..

لم يفتح النار وراء ذئاب متناقضاته..

غير عابىء بأظافر القطار الطويلة..

القطار الذي يبكي مثل أرمل في الحانة ..

الذي سقط راكبوه في الهوة العمياء..

بدموع ثرة في سلال مثقوبة..

لم يأت هادئا مثل ساعي بريد

محملا برسائل مخلوقات الغبار..

لم يأت مثل روحاني بمفاتيح خارقة..

ليفتح باب الروح الأعظم..

ويدل العميان على ينابيع الضوء..

لم يأت ليخمد حرائق النوستالجيا

المشتعلة في حديقة رأسي..

ويطارد صحونا طائرة تهدد شجرة المخيلة..

لم يأت ظله مثل جرو مهذب..

لم يأت ويقاسمني الصراخ في العتمة ..

ومزيد السخرية من مشية العالم العرجاء .

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: ميهاي بالازوفيتش

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

بمنهجية

أُهشمُ نفسي

أدسُ في مِعصرةٍ ذي صَّرَّةٍ

رأسي،

فيوقظني الألم مرةً،

**

وَراءَ جفوني

جداول صافية كالبلورِ

تغتاظُ فيها أوجُهُ الحصى الملساء

تدعوني

لأُحرِّر أصابعي النحيلة من عزلتها

وأكسر من بينها

الصمت الموحش

**

أستيقظ على صيحاتي

وأعود حاشراً رأسي تارةً أخرى

في المِعصَرة

بلا همسٍ ولا طيف

صابراً على ذلي وألمي

ستٌ وثلاثون عمري أو مئة

فليربط قلقي على الإنسان عُقْدَتهُ

فما مرت عليَّ ليلة

إلاّ وكنتُ فيها المُضطَهِدُ والمُضطَهَدُ

**

نلتاعُ، بعضنا عقب بعض 

تُطوِّقُ مخاوفنا

ميادين مفتوحة الأمدِ

حيث الطيور

تتساقط إلى الأعلى

وكم من القذائف السحرية

لصدى انفجاراتها صوت المستحيل

**

أدسُ رأسي في المِعصَرة

وأُعدُ نفسي لأيما غد

باسماً مثل كل حكماء الشرق

 

عبد الله هاشيقصة: أنطون تشيخوف

ترجمة من الإنجليزية:

عبد الله هاشي

***

- رأفةً ورحمةً، أيها السيد الكريم، ولطفاً منك، بهذا الرجل المسكين والجائع. لثلاثة أيام لم آكل شيئاً. ولا أملك خمس كوبيكات أجد بها مكاناً للمبيت. أحلف لك أمام الله. اشتغلت مدرس القرية ثمانية أعوام، لكنني فقدت وظيفتي بسبب المقالب والمكائد. إنني ضحية للافتراءات والاكاذيب. وقد مرت الآن سنة كاملة منذ كان لي شغل.

تطلع المحامي شفورتصوف الى الشخص المتدفق بالابتهالات والتوسلات، متفحصاً معطفه الباهت الممزق، وعينيه المترنحتين الخاليتين من أي بريق، والبقعة الحمراء فوق كل واحدة من وجنتيه، فانتهى الى أنه ربما يكون قد سبق له أن رأى هذا الرجل في مكان ما.

ثم إن المتسول أردف يقول:

-لديٌ الآن عرض لشغل وظيفة في مقاطعة كالوجا، غير أنني لا أملك الفلوس للذهاب الى هناك. هلا ساعدتني، يا سيدي، لطفاً منك وكرماً. أخجل من السؤال. لكن الظروف هي التي أكرهتني على هذا.

وحين وقعت عينا شفورتصوف على الحذاء الفوقي المطاطي للرجل، وعاين انخفاض إحدى فردتيه وعلوٌ الأخرى، انبجس فجأة في ذهنه أمر. فقال:

-أنظر إليٌ. يبدو أنني التقيتك أول أمس في شارع صادوفايا. لكنك قلت لي حينها بأنك كنت طالباً مفصولا من الجامعة، وليس مدرس القرية. فهل تتذكر؟

وتمتم الشحاذ وقد بوغت على حين غرة:

- كلا ثم كلا. لا يمكن للأمر أن يكون كذلك. أنا مدرس القرية. وبإمكاني، إذا شئت، أن أطلعك على أوراق هويتي الشخصية.

- هل انتهيت من الكذب. لقد زعمت بأنك طالب بالجامعة، بل وتطرقت للأسباب التي أدت الى أن تفصل منها. فهل تتذكر؟

اجتاحت شفورتصوف سورة من الانفعال. وبمشاعر مفعمة بالغثيان والقرف، أشاح بوجهه عن المخلوق الملفوف في الأسمال والخرق، صارخاً بكل الغضب:

- هذه قلة أمانة، أيها السيد العزيز. هذا احتيال ونصب وخداع. سوف أبعث بالشرطة في طلبك. اللعنة عليك. وحتى إذا افترضنا بأنك مسكين وجائع، فهذا لا يمنحك الحق لتكذب على الناس بكل هذه الوقاحة والصفاقة المشينة.

ثم إن المتشرد أمسك بمقبض باب المنزل، ومثلما يفعل اللص المتلبس، شرع يسترق نظرات هنا وهناك داخل غرفة الانتظار. وما لبث أن دمدم:

- إنني لا أكذب.. بإمكاني أن أطلعك على أوراقي الشخصية.

لكن شفورتصوف عاد على عقبيه وهو يصرخ في وجهه ساخطاً ناقماً:

- من يا ترى سيصدقك؟ ألا تعلم بأنه من الخسة والدناءة اللجوء الى مثل هذه الخدعة الحقيرة، واستغلال مشاعر العطف في المجتمع تجاه طلاب الجامعات ومدرسي القرية؟ إنه حقاً لأمر يبعث على الاشمئزاز والقرف.

سرعان ما فقد السيطرة على انفعالاته، فراح يكيل للمتسول من التعنيف والتقريع ما لا شفقة فيه ولا رحمة. ولقد أصابت فيه الكذبة الصفيقة للصعلوك أسمى ما يِؤمن به من القيم الأثيرة في نفسه: الفضل والمعروف والكرم. اللطف والحنان والحب. الشفقة والحنو على الكائنات المحرومة والمعذبة. كذبة، كانت محاولة للإفادة من نوازع الرحمة في شخصه. فباتت في نظره، تستهدف تدنيس مشاعر الاحسان وحب الخير التي يحب توصيلها للفقراء والمساكين متدفقة ومنسابة من ينابيع قلبه الطاهر.

في البداية، واصل المتشرد تظاهره بأنه بريء. غير أنه ما لبث أن ركن الى الصمت. أطرق رأسه في حيرة وارتباك، ثم شرع يتكلم واضعاً كفه على فؤاده:

- يا سيدي. الحق أقول، إنني فعلا – كنت أكذب. لم يسبق لي أبداً أن كنت طالباً بالجامعة ولا مدرس القرية. كل هذا لم يكن سوى خيالا في خيال. لقد كنت عضوا في جوقة المنشدين الروسية، لكنهم طردوني بسبب شرب الخمر. لكن، ماذا باستطاعتي أن أفعل غير ذلك؟ ذلك لأني لا أقدر على مواصلة الحياة بدون أن أكذب. لا أحد سيعطيني شيئا عندما سأقول له الحقيقة. إن المرء بقول الحق سيموت من الجوع، أو من البرد للعجز عن إيجاد مكان للمبيت. إن كلامك لهو عين الصواب. وإني لفاهم كل الفهم مقاصدك. لكن، ماذا باستطاعتي أن أفعل؟

وهب شفورتصوف يصرخ في وجهه وهو يقترب منه:

- ماذا باستطاعتك أن تفعل؟ وتسألني ماذا باستطاعتك أن تفعل؟ الشغل. هذا هو ما باستطاعتك أن تفعله. يجب عليك أن تشتغل.

- الشغل. أجل. أعرف هذا بنفسي. لكن، أين يمكن لي أن أجد هذا الشغل؟

- [...]

وصاح الشحاذ وقد علت شفتيه ضحكة ملؤها المرارة:

-بالله عليك. تحكم على الناس بكل هذه القسوة. أين تراني سأعثر على عمل يدوي؟ لقد فات عليٌ الأوان لكي أشتغل بائعا في متجر. فالمرء عليه أن يلج مجال التجارة وهو لا يزال بعد في أول العمر. ولا أحد سيقبل بتشغيلي حمٌالاً، ما دام سيستنكف عن أن يأمرني بالتنقل من مكان الى مكان آخر. ولا يوجد مصنع سيوافق على قبولي. فلكي تقبل بك المصانع، لا بد لك أن تكون ملمٌاً بتقنيات الصناعة و فنياتها. ولست أملك المعرفة بأي واحدة منها.

- سفاسف. أنت دوماً تعثر على الأعذار. وما قولك في أن تشتغل عندي في قطع الأخشاب؟

- لا يمكن لي أن أرفض هذا العمل. وإن كان الحطابون المهرة، في أيامنا هذه، يجدون أنفسهم قاعدين فارغة أياديهم من الخبز.

- هوه. أنتم طوائف العاطلين والمتسكعين دائما تتكلمون بهذه الطريقة. كلما قدم لكم أحد عرضاً للعمل إلا وترفضونه. هل ترغب في أن تجيئ عندي لتشتغل في قطع الحطب؟

- أجل، يا سيدي. أرغب...

- جيٌد جدٌاً. في أقرب وقت، نتحقق من الأمر. رائع. سوف نرى.

ثم إن شفورتصوف بادر بالتعجيل في المسألة، وهو يفرك يديه بغير قليل من الخبث ونوازع المكر. ونادى على الطباخة أن تغادر المطبخ، وخاطبها:

- تعالي يا أولكا. خذي هذا الرجل النبيل الى سقيفة الحطب، واتركيه هناك يشتغل في القطع.

وما كان من الصعلوك المتهدٌم ذي الأسمال البالية سوى أن هزٌ كتفيه من الاستخفاف واللامبالاة. وكأنما جرفته حيرة مربكة، لبث يسير خلف الطباخة بخطوات مترددة لا يدري من أمره شيئاً. كان بادياً من مشيته بأنه غير موافق تماماً على الذهاب ليشتغل في قطع الأخشاب بداع الجوع وحاجته الى الشغل، ولكن، ببساطة، عن كبرياء واعتداد بالنفس، ولمشاعر الخزي التي اجتاحته لوقوعه في شرك أقواله. وكان بادياً، أيضاً، أن قوته البدنية قد تقوضت بمعاقرة الفودكا، وأنه معتلٌ الصحة قد نالت الأسقام منه، وأنه، الى ذلك، لا تتوفر لديه أدنى رغبة في بذل أي مجهود أو القيام بأي عمل شاق.

وهرع شفورتصوف الى حجرة الطعام التي تمكًن نوافذها من رؤية سقيفة الاخشاب ومعاينة كل ما يجري في فناء البيت. وتابع بنظراته، وهو يقف عند النافذة، الطباخة يتبعها الشحاذ وهما يلجان الفناء عبر البوابة الخلفية، ويشقان طريقهما فوق الثلج المتراكم بكثافة في اتجاه السقيفة. وتطلعت أولكا الى مرافقها، وحدجته بنظرات ملؤها الحنق والغيظ والغضب العارم، وبمرفقها دفعته جانباً، ثم فتحت باب سقيفة الاخشاب، وبغضبة جامحة، أعادت إغلاقها بكل العنف.

فقال شفورتصوف في نفسه:

- من المحتمل أن نكون قد قاطعنا الطباخة وهي منهمكة في تناول قهوتها. يا للمخلوقة الرديئة الطبع.

بعد ذلك مباشرة، شاهد مدرس القرية الكاذب والطالب الجامعي المزيف، وهو يجلس على قطعة من جذع شجرة، يضع وجنتيه الحمراوين في حضن كفيه، ثم يستسلم للخيالات والأفكار والتأملات. وها هي المرأة ترمي بالفأس عند قدميه، في ما يبدو أنه فورة مشاحنة عاصفة، الناظر الى تعابير شفتيها لن يخامره الشك في ما شرعت تكيله للرجل من التقريع والتوبيخ والتعنيف. وها هو الشحاذ يسحب اليه قطعة من الحطب، يضعها ما بين رجليه، وبكل ما فيه من الوهن، ينقرها بالفأس نقرة خفيفة. تذبذبت قطعة الحطب قليلا، ثم انطرحت على الأرض. وها هو الشحاذ يسحب اليه القطعة من جديد، ينفخ نفخة في يديه المتجمدتين من البرد، وبكل ما فيه من الاحتراس والحذر، كأنما يخاف أن ترتطم الفأس بحذائه المطاطي، أو كأنه يخشى أن يقطع أصبعه، ينقر القطعة نقرة خفيفة. وانقلبت الحطبة مرة أخرى على الأرض.

تلاشى الغضب في عيون شفورتصوف، وتسربت اليه مشاعر الندم والخجل من النفس، لاستقدامه هذا الرجل المعطوب، المخمور، وربما المريض، للقيام بعمل حقير في هذا الطقس البارد. وقال في نفسه، وهو يغادر حجرة الطعام صوب مكتبه: حسناً. لا بأس. لقد فعلت ذلك من أجل مصلحته.

بعد ساعة واحدة من الزمن، دخلت عليه أولكا، وأخبرته بأن الشحاذ قد انتهى من قطع الاخشاب جميعاً.

خاطبها شفورتصوف:

- جيٌد. أعطه نصف روبل. وقولي له أن يعود، إذا أراد، في أول يوم من كل شهر ليشتغل في قطع الاخشاب. نستطيع دائماً أن نعثر له على شغل.

وفي اليوم الأول من الشهر، أعلن المتشرد عن حضوره. ولمرة أخرى، يكسب نصف روبل، بالرغم من أنه كان لا يستطيع الوقوف على رجليه إلا بشق النفس. وابتداء من ذلك اليوم، أخذ يعتاد الحضور الى ساحة البيت. وفي كل مرة، يجد في انتظاره شغلا يقوم به. الآن، ستأخذ المجرفة لتزيح هذه الثلوج. الآن، ستضع هذه الاخشاب مرتبة الى بعضها البعض. الآن، ستنفض الغبار عن هذه الافرشة والبطانيات والدثارات. وفي كل مرة، كان يتسلم ما بين عشرين الى أربعين كوبيكاً. بل إنه، ذات مرة، استلم سروالين أرسلهما اليه أحدهم.

وعند رحيل شفورتصوف الى منزله الجديد، استعان به في المساعدة في تعبئة أثاث البيت وحزم الامتعة ورزمها ونقلها الى العربات. في ذلك اليوم، ظهرت على المتشرد علامات موحية بالهدوء والرزانة والاعتدال. كان طيلة الوقت كئيبا قليل الكلام. وقد ظل يسير خلف العربات لا يمد للأمتعة يدا، رأسه متدلية، ولا يبدي أي تظاهر بانشغاله بأمر الرحيل. ولبث وحسب يرتعد من شدة البرد، أو ينزعج من سخرية سائقي العربات مما ينتابه من الوهن والعجز والكسل، أو من معطفه الغريب البالي والممزق.

وعندما تم الانتهاء من أشغال الرحيل، بعث شفورتصوف في طلبه، وخاطبه وهو يضع في يده روبلا:

- أرى أن كلماتي معك قد أتت أكلها. خذ هذا على جهدك وتعبك. إني أجدك عاقلاً ورزيناً وهادئاً، وأنك لا تبدي أي اعتراض على الاعمال المطلوب منك إنجازها. ما إسمك؟

- لوتشكوف.

- حسناً يا لوتشكوف. بإمكاني الآن أن أعرض عليك عملا أنيقاً خاليا من المنغصات. هل تستطيع أن تكتب؟

- أجل، أستطيع.

- إذن، خذ هذه الرسالة، واحملها غداً الى صديق لي، سيعثر لك على أعمال نسخ تقوم بإنجازها. باشر عملك بكل المثابرة والقوة. تجنٌب شرب الخمر. ولا تنس أبداً ما قلته لك. الوداع.

وربت شفورتصوف على كتف لوتشكوف بكل الودً، وقد غمرته سعادة جارفة لوضعه للرجل على الطريق الصحيح. بل ومد له اليد للمصافحة لحظة الانصراف. أخذ لوتشكوف الرسالة، ومنذ ذلك اليوم، لم يعاود الظهور في فناء البيت.

انقضت سنتان كاملتان. وفي ذات مساء، وبينما كان شفورتصوف يستعد لشراء تذكرته بشباك تذاكر المسرح، إذا به ينتبه الى وجود رجل قصير القامة يقف الى جنبه، يرتدي معطفا ذي ياقة من الفرو المعقوص الشعر، وقبعة بالية من جلد عجل البحر. بحياء، طلب الرجل القصير من بائع التذاكر تذكرة مقعد في الشرفة، ثم نقده قطعا نقدية معدنية نحاسية.

وصاح شفورتصوف، وهو يتعرف في الرجل القصير على قاطع الاخشاب السابق عنده:

- لوتشكوف. هل هذا أنت؟ كيف حالك؟ تراك ماذا تفعل الآن؟ وكيف تجري أمورك؟

- كل شيء على ما يرام. أنا الآن موثًق عام. وأتقاضى خمساً وثلاثين روبلاً في الشهر.

- الحمد لله. هذا رائع. أنا مسرور لك. أنا سعيد جداً جداً، يا لوتشكوف. ها أنت ترى، أنت ابني المعمًد، بمعنى ما. لقد محضتك دفعةً سرت بها على الطريق القويم. أليس كذلك. ألست تذكر أية انتقادات قاسية كنت أوجهها لك؟ لقد كنت تكاد، ذلك اليوم، تغرق في التراب عند قدماي. شكراً لك، أيها الرجل العجوز، لأنك لم تنس كلماتي.

ورد عليه لوتشكوف:

- شكراً لك أنت أيضاً. لو لم أتقرب منك، لكنت، الى يومنا هذا، لا أزال أسمي نفسي مدرساً أو طالباً جامعياً. أجل. بفراري الى حماك، جررت نفسي بعيداً عن الخطر المحدق. وإنني حقاً، لفي غاية الابتهاج والسعادة. شكرا لك جزيل الشكر على أقوالك لي وأعمالك من أجلي. فلقد خاطبتني بكلام باهر وعظيم. وإني مقرٌ لك بالفضل، وشاكر لك خالص الشكر. لك ولطباختك. بارك الله في هذه المرأة المخلصة والطيبة والنبيلة. أجل، لقد خاطبتَني بكلمات رائعة في ذلك اليوم، وسوف أبقى مديناً لك بالفضل الى آخر يوم في حياتي. لكن، للأمانة والصدق، أقول لك، طباختك أولكا هي التي أنقذتني.

- كيف ذلك؟

- لقد حصل الأمر كما يلي. عندما كنت أحضر الى منزلك لكي أقطع الاخشاب، كانت تخاطبني قائلة: أوه. أنت أيها السكير. أنت. أوه. أنت أيها المخلوق البئيس. لا شيء من نصيبك سوى الإفلاس والخراب. وتجلس، بعد ذلك، قبالتي، وتستغرق في حزن مريع. وتظل تتأمل وجهي، فتأخذها نوبة بكاء ونحيب، وتخاطبني: أوه. أنت أيها الرجل العديم الحظ. ليس لك أي متعة في هذه الدنيا، وسوف لن تكون لك أي متعة في الآخرة. يا مدمناً على الخمر. ستصلى نار جهنم. أوه. أنت أيها الرجل العديم الحظ. ثم إنها تستمر على هذا المنوال فترة من الزمن. وإني لأعجز أن أصف لك مقدار ما ذرفته عليٌ من الدموع، ومقدار ما ظلت تقاسيه لأجلي من المواجع والآلام. إلا أن المسألة الأساسية في الموضوع برمته، هو أنها كفٌت عني على الدوام مشقة قطع الاخشاب. هل تعلم، يا سيدي، بأني لم أقطع لك ولو عوداً واحداً من الحطب؟ لقد كانت هي التي تقطع الاخشاب كلها. أما لماذا أدى ذلك الى إنقاذي، ولماذا حصل التحول في حياتي، ولماذا، بالنظر الى وجهها، توقفت عن شرب الخمر، فهذا مما لا أستطيع أن أجد له أي تفسير أو تعليل. مجمل ما أعلمه، أنه بفضل ما سمعت منها من أقوال، وما رأيت منها من أعمال، حدث التغيير الذي انشرح فيه قلبي. لقد أعادت اليٌ عنفواني وزينة صحتي ونشاطي، ولن أنساها أبداً. لكن، ها هو الجرس يدق، وقد حان موعد الانصراف.

وبانحناءة من رأسه، ولٌى لوتشكوف واتخذ وجهته صوب شرفة المسرح.

***

 

.....................

Wordsworth Classics – Selected Stories: Anton Chekhov

 www.wordsworth-editions.com 

 

 

 

  

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي بَاري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

في نافذتي أقمتي بدراً نحيلاً

بالأبيض تسلَّقَ جدراناً فاغرة،

عالقاً بظلال الأشجار،

يتدلى مسترخياً فوق أغصانها.

**

الوقتُ قد تأخر،

لا تخرجي إلى المُرج،

فهنالكَ دائماً ما يَحدُث؛

تُشَقِقُ قدميكِ أنيابَ الزهُور.

فيُصبحُ العشبُ دامياً، والطمي دامياً،

ويسحقُكِ

قطيع الغابات الهادرة،

**

توخِزُك أعشابُ - صخرٍ مسعورة الهسيس،

تشعلُ شعركِ نيرانٌ مُتسكعةٌ،

 تَعضَّكِ كلابٌ برِّيةٌ،

أنتِ التي تَلِدُ لي الأسحار

بينما لا أحد يدري أنكِ

في نافذتي أقمتي بدراً نحيلاً.

***

ترجمت بتاريخ

25 /10/ 2019

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور شيك

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

اللهم إني أعوذ بكَ

من غصنٍ لا يزهر، ومن شجرة لا تثمر

وأعوذ بك من العقم، والكسل،

ومن سماء لا شمس فيها ولا تمطر

واحفظني اللهم من الكَدِر.

**

جميل اكليل زهور الشباب مرصعُ،

ولطيف رأس المسنين أبيض،

لفصل الشتاء زهوره، كما للربيع أزهار

فارحمني اللهم من بواكر الهرم.

**

واحفظني من أصحاب المنجمين،

لكيلا أعرف ما الذي فاتني، ولا ما الذي أنتظر،

وخذ بيدي، ولا تجعلني من القانتين.

**

لا تجعلني اللهم ممن قنع بعلمه،

ولا بطيبة عيشه، ولا بسقم ملكه

والّا أطمع بأكثر مما لا أملك

**

وإذا ما حضرتني ساعة،

يكون فيها شوقي قد زاد عن حده،

وما عادت فرحة الآخرين تسعدني

فخذ يدي بيدك باردة،

**

وإذا ما عادت خطايا الآخرين تبكيني

وتوقفت عن الحراك مشاعري

فليكن هذا اليوم اللهم قيامتي:

وخلصني من ذلك الكَدِرِ.

 

......................

عن الشاعر:

ولد الشاعر شاندور شيك عام 1889 وتوفي في عام 1963. كان أديباً شاعراً وكاتباً مسرحياً، ومترجماً، كم عمل أستاذاً وكاهناً. أصدر 15 مجموعة شعرية ما بين عام 1910 وعام 1963. كما صدرت له 7 أعمال مسرحية و كتب دينية.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب المجري إشتفان أوركين

ترجمة عامر السامرائي

***

لا أتكلم الألمانية.

توجب على بودجونيي والكسايافكا التعاون لإيصال عدة صناديق من الذخيرة الى قمة التل، فقد انغمرا ومعداتهما في الوحل.

عندما جاءت نوبتي للمرة الثالة بدأ مدفع الفرقة ثقيل الوزن ينزلق منحدرا من وسط التل تقريبا. تظاهرت وكأنني أريد الذهاب لقضاء حاجتي وحسب. فهربت..

كنت اعرف الإتجاه الى موقعنا. فقطعت عابرا واحة عريضة مزروعة بزهور دوار الشمس حتى بلغت أرض جذامة. كانت الأرض السوداء الدهنية تلتصق في جزمتي، كأن أكواما من الرصاص – كالذي ينزل بالغواصين إلى اعماق البحر-  قد شُدت إلى قدمي.  استطعت السير حوالي عشرين دقيقة كما يبدو لي حينما تقابلت وجها لوجه مع أحد العرفاء المجريين وعسكري ألماني، لم أعرف رتبته لأنني أجهل نظام الرتب الألمانية.

 

لم يكفي حظي العاثر أن أوصلني إلى أرض جرداء، بل زاد على ذلك لقائي بهذين.

كان العريف المجري واقفا يدخن سكارة، وكان الألماني جالسا على كرسي صغير فارج الفخذين يتناول الطعام طاليا بالجبن قطعة خبز من عصارة تشبه عصارة معجون الأسنان، وقد أشار لي بعينيه على أن أقف. وسأل بالألمانية:-

- ماذا تفعل هنا ؟ (ترجم العريف)

- لقد اضعت فصيلي.

وحالما أكملت عبارتي هذه ترجم له العريف ما قلت.

سأل الألماني:

- أين بندقيتك ؟

- أنا لست جنديا، وإنما استدعيت للجيش كمستخدم مدني.

قال العريف للألماني:-

- هذا يهودي.

أنا أيضا فهمت معنى الكلمة، ورحت أوضح له بأنني لست يهوديا، وإنما دعيت كموزع لجريدة صوت الشعب في مدينة (جور) للإلتحاق بفصيل خاص بالعمال المدنيين.

 

سأل الألماني:

- ماذا ؟

أجاب العريف:-

- يهودي.

نهض الألماني ونفض معطفه من فتات الخبز وتكلم بالألمانية.

فترجم لي العريف:-

- سيقتلك السيد فلدويبل رميا بالرصاص.

شعرت بقطرات العرق تتصبب مني، وأخذت معدتي بالإنقباض. وضع الألماني السداد على رأس العصارة ولفه ثم شهر بندقيته.

لو أنني أتكلم الألمانية، لكنت أستطعت ان افهمه بأنني لا يمكن أن اكون يهوديا لأنني لا احمل شريطا أصفر، ولسارت الأمور بشكل آخر.

- إبتعد عشرة خطوات. (قال الألماني، وترجم لي العريف)

إبتعدت عشرة خطوات، وقد انغمرت في الوحل حتى كاحلي.

- حسنا.  قال الألماني.

توقفت، وقد صوب فلدويبل البندقية نحوي. لا أتذكر سوى أن رأسي أصبح ثقيلا بشكل مفزع، وكادت أحشائي أن تنفجر. أنزل فلدويبل بندقيته وسأل:-

- ماهي امنيتك الأخيرة ؟ ترجم العريف

- اريد قضاء حاجتي.

- حسنا.  قال الألماني.

كان فلدويبل منكسا بندقيته على ثقلها بأتجاهي طوال الوقت الذي كنت فيه مقرفصا أقضي حاجتي، وحالما نهضت رفع ابندقية وسأل:

- إنتهيت ؟ سألني العريف.

قلت:

- إنتهيت.

إتضح لي فيما بعد أن بندقية فلدويبل لم تكن مضبوطة التصويب، فقد كان موصوبا بإتجاه صرتي، وبقيت واقفا على هذا النحو حوالي دقيقة أو دقيقة ونصف. بعدها أضاف فلدويبل وهو لا يزال مصوبا نحوي:-

- نط كما ينط الضفدع.

تبع النط زحف، ومن ثم خمسة عشرة مرة (ضغط الصدر على الأرض)، وفي آخر المطاف قال لي فلدويبل إلى الوراء در.

استدرت إلى الوراء.

- مشية استعراضية. ترجم العريف.

تبعه فلدويبل فقال:-

- إنصرف.

- إلى الأمام سر.

بدأت السير. لم يكن بالإمكان حتى السير، فما بالك بمشية استعراضية. كانت كتل الوحل تتطاير فوق رأسي، ولم استطع السير إلا ببطء رهيب، وفي أثناء ذلك كنت أحس أن فلدويبل كان مصوبا في منتصف ظهري تماما، وبإمكاني حتى الآن أن أشير إلى النقطة التي كانت تصوب إليها فوهة البندقية. لولا ذلك الوحل، لما استغرق رعبي إلا خمسة دقائق فقط. بيد أن نصف ساعة قد مضت على ما يبدو، ريثما تجرأة على الإنبطاح على بطني والإلتفات إلى الخلف.

حتى الإيطالية لا أتكلمها، للأسف لا أملك موهبة لغوية. العام الماضي، عندما كنت اصطاف مع رحلة جماعية نظمتها إحدى الشركات السياحية إلى مدينة ريميني لمدة عشرة ايام، وفي احدى الأماسي، وأمام فندق باذخ إسمه ريجينا بالاس رأيت فلدويبل، ولو أنني وصلت إلى هناك قبل نصف دقيقة لأهلكته ضرباً. ولكن حتى هو لم يلحظني، وراح يرتقي مع مجموعة من الأشخاص سلم حافلة حمراء اللون ذات سقف زجاجي، بينما أخذت أنا اصرخ بالمجرية لافتقاري إلى لغة أخرى:

- لا تتحركوا... إنزلوا هذا الفاشي القذر.

كان الحاجب أطول مني بقليل، سوداني، ذو بشرة سمراء، وراح يتوعدني بسبابته، ثم أشار لي بالمضي من هناك، فما استطعت أن اشرح حتى لهذا الإنسان ما الذي حدث آنذاك، في حين على ما يبدو أنه يتكلم بالإضافة إلى اللغة الإيطالية الفرنسية، والإنكليزية أيضا. بينما انا للأسف عدا المجرية لا اتكلم لغة أخرى.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: حيان شرارة

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

صحيح، إنني أتحدث إليك،

ليس إليه أو إليها.

2

لقد تم اختيارك عشوائيا

لإجراء تدقيق امني.

 

لا علاقة للأمر بك،

بصفاتك البدنية، أو اسمك.

3

هل تنتمي حاليا

أو هل انتميت سابقا

 

الى منظمة سياسية متطرفة؟

هل تتدرب على الأسلحة؟

 

هل زرت يوما معسكرا تدريبيا؟

هل قمت برزم حقائبك؟

4

انتم أيها الناس ترسلون أبناءكم وبناتكم

في مهمات انتحارية.

 

انتم حيوانات، انتم!

5

لو سمحت تنح جانبا.

لو سمحت اخلع حذاءك.

 

لو سمحت تعال معي.

لو سمحت غادر المبنى.

 

لو سمحت لا تؤذنا.

6

عسى ان تعيش في زمن مثير للاهتمام؟

7

نحن كأميركيين، تعرفون بالضبط

ما الذي نتحدث عنه.

 

كأميركيين، يمكن أن تتعرض لهذا.

كأميركيين، عليك أن تشعر  بالقلق.

8

أ هو أنت من يقع عليه اللوم؟

9

لا يمكننا مساعدك

ليس ثمة شيء يمكننا أن نفعله من أجلك.

10

جاء العملاء يبحثون عنك،

في منزل والدك.

11

أرادوا أن يسألوك أسئلة.

12

سمعت عن كونك

مشتبها به.

 

احتجزوك، استجوبوك،

سجنوك دونما تهم.

 

حاكموك بأدلة سرية،

وجدوك غير مذنب.

 

لا معنى لأن تقوم

بإحداث جلبة—

 

دعـَـوْك تذهب طليقا، أ ليس كذلك؟

13

ما أن تبدأ بالنظر الى نفسك

بشكل مختلف، منفصلا

 

عنك، مختلفا تماما

عنك،

 

حينها بإمكانك أن تصبح مثلنا.

14

ما الذي صنعه التاريخ بك؟

15

فلنأت إلى صميم الموضوع:

كان الأمر دائما

 

مثل النظر في المرآة—

ذلك الوجه هو أنت. أنا هو أنت.

***

شاعر أميركي عربي من مواليد مدينة ديترويت لعام 1972 من أبوين هاجرا من لبنان. درس علوم الحياة والكيمياء في جامعة وين ستيت ونال شهادة الماجستير من جامعة نيويورك، إلا انه انتقل الى تكساس عام 2006 ليحول تخصصه الى الأدب فنال شهادة الدكتوراه في الأدب والكتابة الإبداعية من جامعة هيوستن. نشر ثلاث مجموعات شعرية هي (يوميات الكيميائي) 2001، (حزن الآخرين) 2006، و(شيء مشؤوم) 2016.

 

صالح الرزوقبقلك: هاغيت غروسمان

ترجمة: صالح الرزوق

***

أراد أن يتقمص الحياة

في سطور طويلة، وغرف فارغة

وكتب على سطح ثلاجة قديمة. 

الروح الشاردة  أشرقت من صباه

واشترت أمه  فندقا

ولم يجد لنفسه مكانا.

دون ملاءات تجول بين الممرات

وفي كل غرفة وجد  فرشات عديدة

وفي الليل، سقط على إحداها بالنوم

وفي الصباح  لامست أنفه أنفاس غريبة.

مرتجفا استيقظ  على أرض سوداء

وهناك كان أخوه مغشيا عليه من الإنفلونزا الإسبانية.

وهكذا كتب على سطح الثلاجة القديمة

في غرفة مستأجرة، بقايا حياته المتجلدة.

................................

Thomas Wolfe

Hagit Grossman

***

He wanted to incarnate life

In long lines, in rented rooms

On the roof of an old refrigerator, he wrote.

The wandering spirit arose in his youth

His mother bought a pension

There he had no room

With no sheets he wandered through the corridors,

In each room he saw several mattresses

At night, He fell asleep on one of them

And in the morning a strange breath cuddled his nose

Trembling he rose to the dark floor

There his brother faded from the Spanish flu

And he wrote on the roof of an old refrigerator

In a rented room, freezing remains of life.

 

..........................

هاغيت غروسمان شاعرة تكتب باللغتين العبرية والإنكليزية. تنشر قصائدها في أمريكا ولندن. وصدرت لها عام 2016 مجموعتها (ارتعاشات المدينة)، ولها مجموعة ثانية قيد الطباعة. تركز في قصائدها على مسائل وجودية عامة، وفي المقدمة: الحنين إلى شيء مجهول يصعب تسميته، والخوف من العزلة، والتفكير الدائم بالموت والملل. وربما تعتبر أن الاثنين هما واحد. ودون تردد يمكن أن تنظر لشعر غروسمان أنه صدى لتأقلم الإنسان مع العادات الرتيبة والممجوجة التي تلقينا في وسطها الأقدار. ولا تخلو لها قصيدة من إحساسين طالما أشار إليهما كامو: العبث والعدمية. السيدة غروسمان متزوجة من الناقد الأدبي (يوناتان دايان). وهي أم لولدين.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب اليوناني: ميتروپولو كوستولا

ترجمها عن الإنكليزية: عامر كامل السامرّائي

***

جاءت الفتاة الشابة يوم الأحد مرة أخرى. أما هو فقد فتح المحل في وقت مبكر جداً من الصباح دون أي سبب مُعَيّن، كان يغني ويتطلع إلى الشارع. لقد حضرت بثوب شفاف من النسيج الأحمر الفاقع، التف على جسدها بطريقة بدت فيه وكأنها عارية تماماً.

"ما الذي تريد بيعه في يوم الأحد؟" سألته بسذاجة الفتيات في سنها ونظرت إليه بشكل استفزازي وأكملت "ألا تريد تقبيلي، يا أبي؟ لقد قطعت مسافة طويلة".

 دفع الباب خلفها بصخب وترك ذراعه مفتوحة. "احترس، أنت تفسد مكياجي، لا تكن فظاً، لقد التهمت أحد اقراطي مع أذني..، تمهل، قلت لك..، هذا لباس ثمين للغاية..، هل يعجبك؟ كلا..، أنا لا أرتدي أي ملابس داخلية، هذا يجعلك متوحشاً أيها العجوز، أليس كذلك؟ كلا..، لن أخلعه، أنا أشعر بالبرد، أريد كوباً ساخناً جداً من الشاي، هل ما زال لديك شيءٌ من هذا القبيل هنا؟ أشعر وكأنه مضى على غيابي أكثر من شهر، ما رأيك؟ لماذا تتطلع في وجهي هكذا، عن ماذا تبحث؟ هذه أنا، لقد جئت لرؤيتك، اشتقت إليك، والآن الشاي بسرعة. سأقفل المحل، ثم سأخبرك بقصة“.

تحدثت إليه وهي تتنقل بين ذراعيه ومنتصف المحل، حامت حول الأثاث والتحف المثقلة بغبار السنين، "أنا أحب هذا المكان، كما لو أنني في رحلة، تنقصني فقط حقيبة سفر"، وأفاضت ضحكتها الدمع في عينيه، بينما كان يعد لها الشاي، وكلمة "اشتقت إليك" أسكنت في ذهنه شيئاً قد يعني الحب. هراء، هل تستطيع فتاة شابة أن تحب رجلاً بعمر والدها لمجرد إنها تعاشره جنسياً؟ ومع ذلك عادت إليه، وهذا يعني إنها اختارته. بحق الجنة، كيف يمكنه تحمل هذه السعادة؟

"الشاي جاهز" فبَصُر بها من خلف الخزانة. كانت قد تعرت ولفت نفسها بغطاء الأريكة، ووضعت فستانها الأحمر البهيج على كرسي معطوب. ركع أمامها وراح يَلثم أصابع قدميها، والرصعات في ركبتيها، وبطنها، ونهديها الورديين، ومنكبيها، وعينيها، وفمها. "الآن وقد رجعتِ، ستعود لي الحياة "، وأراح خده بلطف على بطنها. "ابقي معي" فأثارتها دموعه الساخنة.

ما هذه التصرفات الغريبة يا أبي؟ أنت تبكي؟ أنا هنا، لن أذهب بعيداً، سأكون لك، يا له من شاي لذيذ! هل هذا من افريقيا ايضاً؟ أتعلم؟ لقد بدأت التعود عليك، رغم أن ذلك لا يعجبني كثيراً. فقد كنت دائماً حرة، فهمت؟ مهلا، انتظر، ماذا تفعل هناك؟ أنت تقودني إلى الجنون. لا تتوقف.

كان قد دفع رأسه بين ساقيها المنفرجتين وراح يمص ذلك الندى الدافئ، شاعراً بها ترتعش كالطير، لكنه بقيَ يمص ويبتلع نضيحها الملتهب، ويشم عبق جسدها وكأنه في مرج من الزهور، "أنتَ رائع"، قالتها وعيناها نصف مغمضتين، فأثارت تلك الكلمة وحشيته، فأنقض على جسدها العاري كئيباً، يائساً، وأولجه فيها عميقاً، فصدرت منها "آه" واهنة جعلته مذهولاً، فراح يكرر من جديد كلمة "أحبكِ"، فانكمش وجهها بعبوس كما يحدث في كل مرة وبدا عليها الامتعاض. لملمت نفسها في منتصف الأريكة فبدت وكأنها كرة حمراء، فحضنها وقال "أحبكِ"، وأخذ يقبلها من كل مكان كالمفتون.

ناولته سيكارة من علبتها. "كنتَ رائعاً، لذا لم أشأ أن أزجرك بسبب تلك الكلمة التي ما دمتَ تكررها" فأغمضت عينيها وقالت:" أشعر بالبرد"، فضمها بين ذراعيه ثم غطاها بشرشف قديم مطّرَز، وراح يقبلها مرة أخرى من كل مكان، فبدى عليها الضجر "كفى" أنا متعبة، وكف عن التفوه مرة أخرى بتلك الكلمات المثير للاشمئزاز. ما الذي تعنيه كلمة "أحبكِ"؟ كلمة بالية لا تعني شيئاً قط، أسمعها منك فقط "أحبكِ"، تعني بعبارة أخرى "رتابة". دثرني، أشعر بالبرد. كم الساعة الآن؟

كان يشعر بالرعب في كل مرة يخطر بباله أنها ستختفي فجأة ولن يراها أبداً مرة أخرى. "ما زال الوقت مبكراً، أريد سماع تلك القصة التي ستخبرينني بها".

جلس على الأرض وأرخى رأسه على ساقيها وقال: "سأسميك الخراب، أو الهاوية، أو أكرون*. سأدعوك نجمة الجنوب، مد البحر أو جزره. أخبريني كيف تريدينني أن أناديك لتأتي عندي، تسمعي ندائي وتأتي، وكل ما أستطيع أن امنحك إياه هو بقية حياتي الخاوية هذه، ولكنني سأبقى أحبكِ بوفاء. حسناً، لا بأس، لن أقول تلك الكلمة مرة أخرى، بيد أني سأكون وفياً لكِ وفاء الكلب، حتى وأن طردتني سأكون سعيداً. هل تريدين أن اتظاهر لك بأنني كلب، أترغبين أن تشاهدي ذلك؟"

فانحنى وراح يحبو على أربع، ونبح بنبرة حزينة، وحَّكَ نفسه بها، فانفجرت ضاحكة، "سأطلق عليكَ اسم (بلاكي)، لقد كان لدي كلب نَفَقَ منذ مدة، وستكون أنت بدله، تعال يا بلاكي، أركض دعني أرى ذلك، ولكن على أربع، ودون مخادعة"

تعب وراح يلهث فبدا وكأنه قد استنفد قواه تماماً" لقد هرمت ياصاحبي، تعال إلى هنا الآن، خذ هذا العظم لك، إلعقه، توسل، امسكْ به، يا لكَ من شاطر".

لفت ساقيها العاريتين حول عنقه، فحشرج مثل كلب "شكراً"، ثم كررها كبشر "شكراً". لقد استجمع كل حواسه لكي يبقي هذا الشعور بالسعادة لوقت لاحق، فيما لو رحلت عنه. ذكَّره صوتها بالموسيقى، فنهض مشدوهاً. "الآن سأقص عليكَ حكايتي. كنت قد ذهبتُ في رحلة دون أن أستعين بقارب، أو بقطار أو بسيارة أو حتى بطيارة، لا شيء من هذا القبيل. دعاني لها أحد أصدقائي الذي نشأت معه. كان عمرنا آنذاك تسعة عشر عاماً، قال لي حينها: "هل ترغبين برحلة؟". لم أفهم قصده، فأجبته: "لمَ لا؟" فذهبت معه. لماذا تنظر إليّ بهذه الطريقة، لم نمارس الجنس أيها العجوز، يا صاحب الغيرة القذرة. لقد قدم لي "الحشيش" ورحنا ندخنه ليل نهار ثمانية أيام متواصلة. لا أدري ما الذي فعلناه، وما الذي حدث في تلك الغرفة، غير أني في أحد الأيام شعرت بالملل، وبينما كان هو في الحمام، هربت. أتدري؟ لقد خدعته. لم أكن أتعاطى الجرعة التي كان يعطيني إياها، وإنما كنت انتظره ينتشي أولاً، ومن ثم أجرب من باب الفضول فقط. عار أليس كذلك؟ لقد علمت فيما بعد أن صديقي قد لطع إصبعه!، فقد تم العثور عليه ميتاً في الحمام. لحسن حظي أنني هربت، وإلا لكنت سأنفجر، ها؟ هل افزعتك؟ حدث مريب! لقد مررت ببعض الأحداث الغريبة في تلك الرحلة وأعتقد أنني وصلت إلى إفريقيا، تخيل!

 

.............................

* نهر في جهنم حسب الأساطير اليونانية (المعرب)

 

صحيفة المثقفللشاعر التشيكي الكبير:

 ميروسلاف هولوب*

ترجمة: حسين السوداني

***

بنى بيته،

أساساته،

حيطانه،

سقفه فوق رأسه،

مدخنته،  دخانه،

إطلالته من الشباك،

**

بنى حديقته

سياجه

زعتره

دوده الأرضي

ندى مساءه

 **

قص قطعته من السماء العالية

لف الحديقة بقطعة السماء

ولف البيت بالحديقة

ولف كل شيء بالمنديل

وذهب

كثعلب القطب وحيدا

في المطر

البارد

الذي لا نهاية له

نحو العالم

***

براغ في  16.10.2019

................

- من مجموعته الشعرية (إذهب وافتح الباب) الصادرة عام 1961

...........................

النص التشيكي

 

Pohádka

Postavil si svůj domek ,

své základy ,

své zdi ,

svou střechu nad hlavou ,

svůj komín , svůj kouř ,

svůj vyhlídku z okna.

**

Postavil si svou zahradu ,

svůj plot ,

svůj tymián ,

svůj žížalu,

svou rosu večer.

 **

uřízel si svůj kousek nebe nahoře.

A zbalil zahradu do nebe

a domek zabalil do zahrady

a všechno zabalil do kapesníku

a šel

sám jako polární liška

chládným ,

nekonečným

deštèm

do světa.

 

محمد صالح الغريسيشعر: لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

(إلـى السيّــد رونشو)

***

1

انظروا إلى هؤلاء الأزواج الّذين لم يصمد زواجهم، وهم يمرّون!

بعضهم في أحضان بعض، في عناق طويل،

جميعهم، قبل أن يختلط الحابل بالنّابل إلى الأبد،

يطلقون نفس القسم:

**

دائما ! كلمة جريئة، تسمع السّماوات المعمّرة ذكرها باندهاش،

و تجرؤ على تكرارها شفاه يصيبها الشّحوب

ثمّ تمسي باردة كالثّلج.

**

أنتم ..يا من أعماركم قصيرة،

لماذا هذا الوعد الّذي ينتزعه أمل متّقد من قلبكم،

تحدّيا عقيما، تطلقونه من لحظة سعادة وانتشاء إلى العدم؟

**

يا أيّها العشّاق، ثمّة صوت من حولكم لا يلين،

يصرخ لكلّ من يولد: » أَحِبَّ في هذه الدّنيا ثم مُتْ «!

فالموت عنيد والسماء فاقدة للإحساس؛

و ليس لك من مفرّ.

**

حسنا ! بما أنّ الأمر ضروريّ

دون إزعاج أو همهمة

فلتحبّوا، ثمّ فلتموتوا!

أقوياء بنفس هذا الحبّ الّذي به تنتشون

وسط الطّبيعة الرّحبة.

2

لا، لا، لم يُقَلْ كلّ شيء للجمال الرّقيق،

عندما يجرف الرّغبةَ سحرٌ لا يُقْهَرُ..

عندما يرتجف طيننا المسكين اشتهاء،

تحت نار قبلة.

**

إنّ قَسَمَنَا ينطلق من روح خالدة؛

و هي الّتي تقلق حين يرتجف الجسد،

فنسمع صوتها وحفيف جناحيها

حتّى في تنقّلاتنا.

**

 نحن إذن، نكرّر هذه الكلمة بما فيها من شهوة،

هذه الكلمة الّتي تصيب الكواكب المشعّة في قبة السّماء بالشّحوب،

كلمة تصل القلوب ببعضها، ومع بدء الحياة،

 تصبح همزة وصل لهم مع السّماء.

**

في نشوة عناق سرمديّ،

يمرّ هؤلاء الأزواج المتحابّون،

و من شدّة خوفهم، لا يتوقّفون

لينظروا إلى ما حولهم.

 **

حين ينهار كلّ شيء ويسقط؛ تراهم يحافظون على صفائهم،

أملهم هو سعادتهم، والقوّة الإلهيّة الّتي يتوكّلون عليها؛

و في الطّريق، حين ترتطم أرجلهم بقبر،

لا يترنّحون أبدا.

**

أنت نفسك أيّتها الطبيعة، حين تصبح غاباتك حاضرة في هذيانهم،

حين تكسين بالأزهار والظلّ دروبهم،

هل ستكون لك وأنت أمّهم، هذه الابتسامة

لو ماتوا عن بكرة أبيهم؟

**

أن نعثر على الرّوح الّتي نبحث عنها

تحت الوشاح الخفيف من الجمال الفاني،

هو لنا بمثابة الخروج إلى الحياة،

و عندما نرى بعضنا البعض، نصيح: » إنّها هي «

ثمّ نفقدها بعد ذلك.

 **

أن نفقدها إلى الأبد! هذه الفكرة الوحيدة،

تحوّل صورة الحبّ في نظرنا إلى شبح.

ما ! هذه الأماني الّتي لا تنتهي، هذا الحماس الّذي لا معنى له

في نظر كائن عمره يوم واحد!

**

و أنت يا أيّها الإله العظيم في العلا،

 يا من تسمع وترى كلّ شيء،

هل ستكون جبانا إلى هذا الحدّ،

حتّى أنّ كلّ مواقف التّشييع المحزنة هذه، وكلّ الجنائز

لا يمكنها أن تؤثّر فيك،

 **

و أنّ بهذا القبر المظلم، حيث تضعنا،

تقول لنا:» دعهم يحتفظون بصرخاتهم غير المجدية.

من العبث البكاء بمرارة على رمادهم؛

فأنت لن تعيدهم إلى الحياة   «!

**

لكن لا ! يا إلهي يا من يقال عنك أنّك طيّب،

أنت تفتح لنا باب الأمل، كي نلتقي لنفترق،

هذا لم يعد قرارك.

كلّ محبوب كان يوما ما على وجه الأرض،

سيكون محبوبا في رحابك.

3

إنّ خلود الإنسان وهم! أضغاث أحلام!

الحبّ كذبة وكبرياء بشريّ!

لم يكن ثمّة أمس، هذا الشّبح العابر

يحتاج إلى غد !

**

لأجل هذه الومضة من الحياة،

 لأجل هذه الشّرارة الّتي تحترق دقيقة في قلوبكم الحائرة،

نسيتم فجأة حمأة الأمومة،

 وأقداركم المحدودة.

**

يا أيّها الحالمون المتهوّرون،

ستفلتون إذن لوحدكم من سلطان القدر،

الّذي يحطّم إذ يَخْلُقُ؟

تخلّوا عن مثل هذا الأمل،

فكلّ الأوحال تتشابه

في مواجهة العدم.

**

أنتم تقولون للّيل الّذي يمضي في حجبه:

"أنا أحبّ، وأرجو أن أرى مشاعلك تنطفئ" .

 اللّيل لم يجب بشيء،

لكنّ نجوم الغد سوف تتألّق فوق قبوركم.

**

تعتقدون أنّ الحبّ الّذي يضغط عليكم بناره الموقدة،

قد أعدّ لكم سعيره وأشعّته؛

و الزّهرة الّتي تكسرونها، تئنّ ثملة:

"نخن أيضا نحبّ" !

**

أنتم تتوقون في سعادة، إلى الرّوح الخفيّة

الّتي تملأ كلّ شيء بنشاطها، الغابات والحقول؛

و تبتسم الطّبيعة، لكنّها جامدة بلا إحساس:

فماذا عساها تسفيد من سعادتكم؟

**

الأمّ السيئة الّتي لا تموت، ليس لها سوى رغبة واحدة،

أن تنجب المزيد والمزيد، دون انقطاع ولا هدنة.

أمّ نهمة، قد استأثرت بالخلود لنفسها،

 وخلّفت لكم الموت.

**

كلّ ما لديها من حرص وتبصّر، هما لمن سيولد لاحقا؛

ما تبقّى، فهو غامض يكتنفه النّسيان في قمّته.

أنتم أحببتم، ويمكنكم أن تضمحلّوا:

أمّا هي فقد تحقّقت أمنيتها.

**

عندما تخترق صدوركم نفحة من الحبّ،

على أمواج من السّعادة

فتجعلكم معلّقين عند أقدام الجمال

بينما تلقي بكم أيد إلهيّة مضطربة؛

 **

و باعتصار هذا القلب الّذي تكاد جذوته تنطفئ؛

تتشكل في هذه الدّنيا صورة أخرى تتألم،

فيتهيّأ لكم أيّها الفانون، أنّكم

ستطفؤون اللانهاية في أحضانكم؛

**

هذه الأوهام المقدّسة، هذه الرّغبات غير الموزونة،

المنفلتة من بين ضلوعكم كأسراب طيور ناشطة،

هذه الأنقال، تعني أنّ الإنسانيّة القادمة قد تحقّقت بعد،

و تفاعلت في صدوركم.

**

سوف يتحلّل هذا الطّين الهشّ

الّذي يتأثّر للحظة بالفرح والألم؛

سوف تبعثر الرّياح هذا الغبار النّبيل

الّذي كان قلبا من قبل.

 **

لكنّ قلوبا أخرى ستولد

هي الّتي ستصل لحمة آمالكم المكسورة، وحبّكم الخامد،

فتديم دموعكم، وأحلامكم، وشعلتكم،

 في العصور البعيدة القادمة.

**

كلّ الكائنات الّتي تشكّل سلسلة أزليّة،

تسارع على التّوالي، في تمرير مشعل الحبّ إلى بعضها البعض.

فيسارع كلّ واحد إلى أخذ المشعل الخالد،

ثم يعيده بدوره.

**

و في اللّيل حيث أَلْقَى بكم القدرُ،

و أَعْمَاكُمْ بريقُ ضوئه التّائهِ، ،

أقسمتم أن تتشبّثوا به دوما:

فإذا هو قد أفلت بعد من يدكم الفانية.

**

عندها، ستكونون على الأقلّ، قد رأيتم برقه المهيب؛

و سيكون قد ترك أثره في حياتكم لفترة ما؛

فيكون بإمكانكم أن تحملوا معكم انبهاركم،

 وأنتم تهوون إلى الحضيض.

**

و عندما يسود في أعماق السّماء الهادئة لاحقا،

كائن بلا رحمة، يشاهد بأمّ عينه،

إذا كانت عينه الأزليّة تعتبر ألم الولادة والموت،

أمرا لا يحرك المشاعر

**

على حافة القبر،  وأنه بنفس هذه النّظرة

 تكون حركة الحبّ هي ذاتها وداعك!

نعم، بيّنوا إلى أيّ حدّ هو الإنسان عظيم حين يحبّ،

و سامحوا في سبيل الله ! 

***

لويز آكرمان

.......................

 

L'amour et la mort

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Poésies philosophiques (1871).

(À M. Louis de Ronchaud).

I

Regardez-les passer, ces couples éphémères !

Dans les bras l'un de l'autre enlacés un moment,

Tous, avant de mêler à jamais leurs poussières,

Font le même serment :

**

Toujours ! Un mot hardi que les cieux qui vieillissent

Avec étonnement entendent prononcer,

Et qu'osent répéter des lèvres qui pâlissent

Et qui vont se glacer.

**

Vous qui vivez si peu, pourquoi cette promesse

Qu'un élan d'espérance arrache à votre cœur,

Vain défi qu'au néant vous jetez, dans l'ivresse

D'un instant de bonheur ?

**

Amants, autour de vous une voix inflexible

Crie à tout ce qui naît : « Aime et meurs ici-bas ! »

La mort est implacable et le ciel insensible ;

Vous n'échapperez pas.

**

Eh bien ! puisqu'il le faut, sans trouble et sans murmure,

Forts de ce même amour dont vous vous enivrez

Et perdus dans le sein de l'immense Nature,

Aimez donc, et mourez !

 

II

 

Non, non, tout n'est pas dit, vers la beauté fragile

Quand un charme invincible emporte le désir,

Sous le feu d'un baiser quand notre pauvre argile

A frémi de plaisir.

**

Notre serment sacré part d'une âme immortelle ;

C'est elle qui s'émeut quand frissonne le corps ;

Nous entendons sa voix et le bruit de son aile

Jusque dans nos transports.

**

Nous le répétons donc, ce mot qui fait d'envie

Pâlir au firmament les astres radieux,

Ce mot qui joint les cœurs et devient, dès la vie,

Leur lien pour les cieux.

**

Dans le ravissement d'une éternelle étreinte

Ils passent entraînés, ces couples amoureux,

Et ne s'arrêtent pas pour jeter avec crainte

Un regard autour d'eux.

**

Ils demeurent sereins quand tout s'écroule et tombe ;

Leur espoir est leur joie et leur appui divin ;

Ils ne trébuchent point lorsque contre une tombe

Leur pied heurte en chemin.

**

Toi-même, quand tes bois abritent leur délire,

Quand tu couvres de fleurs et d'ombre leurs sentiers,

Nature, toi leur mère, aurais-tu ce sourire

S'ils mouraient tout entiers ?

**

Sous le voile léger de la beauté mortelle

Trouver l'âme qu'on cherche et qui pour nous éclôt,

Le temps de l'entrevoir, de s'écrier : « C'est Elle ! »

Et la perdre aussitôt,

**

Et la perdre à jamais ! Cette seule pensée

Change en spectre à nos yeux l'image de l'amour.

Quoi ! ces vœux infinis, cette ardeur insensée

Pour un être d'un jour !

**

Et toi, serais-tu donc à ce point sans entrailles,

Grand Dieu qui dois d'en haut tout entendre et tout voir,

Que tant d'adieux navrants et tant de funérailles

Ne puissent t'émouvoir,

**

Qu'à cette tombe obscure où tu nous fais descendre

Tu dises : « Garde-les, leurs cris sont superflus.

Amèrement en vain l'on pleure sur leur cendre ;

Tu ne les rendras plus ! »

**

Mais non ! Dieu qu'on dit bon, tu permets qu'on espère ;

Unir pour séparer, ce n'est point ton dessein.

Tout ce qui s'est aimé, fût-ce un jour, sur la terre,

Va s'aimer dans ton sein.

 

III

 

Eternité de l'homme, illusion ! chimère !

Mensonge de l'amour et de l'orgueil humain !

Il n'a point eu d'hier, ce fantôme éphémère,

Il lui faut un demain !

**

Pour cet éclair de vie et pour cette étincelle

Qui brûle une minute en vos cœurs étonnés,

Vous oubliez soudain la fange maternelle

Et vos destins bornés.

**

Vous échapperiez donc, ô rêveurs téméraires

Seuls au Pouvoir fatal qui détruit en créant ?

Quittez un tel espoir ; tous les limons sont frères

En face du néant.

**

Vous dites à la Nuit qui passe dans ses voiles :

« J'aime, et j'espère voir expirer tes flambeaux. »

La Nuit ne répond rien, mais demain ses étoiles

Luiront sur vos tombeaux.

**

Vous croyez que l'amour dont l'âpre feu vous presse

A réservé pour vous sa flamme et ses rayons ;

La fleur que vous brisez soupire avec ivresse :

« Nous aussi nous aimons ! »

**

Heureux, vous aspirez la grande âme invisible

Qui remplit tout, les bois, les champs de ses ardeurs ;

La Nature sourit, mais elle est insensible :

Que lui font vos bonheurs ?

**

Elle n'a qu'un désir, la marâtre immortelle,

C'est d'enfanter toujours, sans fin, sans trêve, encor.

Mère avide, elle a pris l'éternité pour elle,

Et vous laisse la mort.

**

Toute sa prévoyance est pour ce qui va naître ;

Le reste est confondu dans un suprême oubli.

Vous, vous avez aimé, vous pouvez disparaître :

Son vœu s'est accompli.

**

Quand un souffle d'amour traverse vos poitrines,

Sur des flots de bonheur vous tenant suspendus,

Aux pieds de la Beauté lorsque des mains divines

Vous jettent éperdus ;

**

Quand, pressant sur ce cœur qui va bientôt s'éteindre

Un autre objet souffrant, forme vaine ici-bas,

Il vous semble, mortels, que vous allez étreindre

L'Infini dans vos bras ;

**

Ces délires sacrés, ces désirs sans mesure

Déchaînés dans vos flancs comme d'ardents essaims,

Ces transports, c'est déjà l'Humanité future

Qui s'agite en vos seins.

**

Elle se dissoudra, cette argile légère

Qu'ont émue un instant la joie et la douleur ;

Les vents vont disperser cette noble poussière

Qui fut jadis un cœur.

**

Mais d'autres cœurs naîtront qui renoueront la trame

De vos espoirs brisés, de vos amours éteints,

Perpétuant vos pleurs, vos rêves, votre flamme,

Dans les âges lointains.

**

Tous les êtres, formant une chaîne éternelle,

Se passent, en courant, le flambeau de l'amour.

Chacun rapidement prend la torche immortelle

Et la rend à son tour.

**

Aveuglés par l'éclat de sa lumière errante,

Vous jurez, dans la nuit où le sort vous plongea,

De la tenir toujours : à votre main mourante

Elle échappe déjà.

**

Du moins vous aurez vu luire un éclair sublime ;

Il aura sillonné votre vie un moment ;

En tombant vous pourrez emporter dans l'abîme

Votre éblouissement.

**

Et quand il régnerait au fond du ciel paisible

Un être sans pitié qui contemplât souffrir,

Si son œil éternel considère, impassible,

Le naître et le mourir,

**

Sur le bord de la tombe, et sous ce regard même,

Qu'un mouvement d'amour soit encor votre adieu !

Oui, faites voir combien l'homme est grand lorsqu'il aime,

Et pardonnez à Dieu !

Louise Ackermann.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: يانوش پيلينسكي

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي

***

نتخبط في شبكة نجمية النسج

كأسماك جُرت إلى الساحل،

أفواهنا فاغرة في الخواء،

تقضم فضاء يابساً.

**

عبثٌ ينادينا همساً

 جمعنا الذي انفرط،

لزامٌ منخنقين

بين وخز الحصى والحجارة

**

نحيا بعضنا ضد بعض!

قلوبنا ترتجف.

لوعتنا تُدمي

أُخُوَتنا، تخنقها.

**

صراخ أحدنا يعلو على صوت الآخر

ولا من صدى يجيب؛

نتنازع ونتقاتل

بلا سببٍ، مرغمين،

نتوب، لكن توبتنا

ليست كالعقاب،

لا تخرجنا من هذا الجحيم

بلا عذاب.

**

نحن نتخبط في شبكة هائلة

وربما في منتصف الليل

سنكون وجبة أكل

فوق منضدة صياد ضخمة

***

 

عادل صالح الزبيديبقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

كان اسم الوحش فرانكنشتاين.

ليس ثمة شيء كالتغير المناخي.

السوليرو نوع من أنواع القبعات.

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

**

السادسة العمر القانوني لتناول المشروبات.

تحصل النساء أجورا متساوية.

الفيس عزف على لوحات المفاتيح في أغنية (خذ ذاك).

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

**

كان لأخيل كعب مخادع.

الإرهاب يأتي من اللاجئين.

الأرق يصيب أكثر القطط.

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

**

ليس هناك فاشيون في تزايد وانتشار.

رئيس الوزراء لا يكذب أبدا.

من الممكن ان تغير حقيقة ما.

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

 

......................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له اول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار)2016 ثم مجموعة أخرى في هذا العام بعنوان (يوميات احدهم).

 

 

صالح الرزوقبقلم: نعومي شهاب ناي*

ترجمة: صالح الرزوق

-إلى جانا

***

الصحافية الناعمة

ستخبرنا ماذا ترى.

ستكتب عن الأفعال والغبار

والجنود الذين يسدون الطريق.

**

نعم، هي تعلم كيف تأخذ صورة

بالهاتف النقال. ترفعه عاليا

مثل بالون. نعم، وتشتهي

أن ترقص وتلهو،

وتفضل أن يكون العالم

ورديا. ومن واجبها أن تنقل

ما ترى، و ما يجري.

من زاوية فهمها كل شيء

ضخم- ولكن لا تقلل منها.

فهي أكبر مما أنت عليه.

وإذا دخلت إلى حديقتها

كل ورقة تضيف شيئا للمنظر.

لا تخبئ ما تفعل.

فهي تراك في الساعة 2 صباحا وأنت تلبس

درعك المضاد للرصاص.

ماذا عندها

وأنت تريده؟. كنوزها،

الأزرار اللماعة التي تحبها جدتها.

وابن عمها، وعمها.

ربما هناك قميص...

**

الصحافية الناعمة لاحظت

تحركات على طرقات بعيدة

أبعد حتى من القرية التالية.

وهي تستشير الذباب و

لذلك تصل إليها هبة الغبار أولا.

هل يمكن أن يكون ذلك صديقا؟..

هم يتظاهرون أنهم لا يروننا.

ويأتون في الليل مع أسلحتهم.

ماذا كانت جريمتنا؟. أننا نحب

الحياة مثلهم؟ أنه لدينا كرامة؟.

**

ها هي تنظر من ثقب في السور،

حاجز من الكلمات والأسلاك،

وتشعر بالنار اللاهبة

قبل أن يشعل أي إنسان عود ثقاب.

لكن عندها فكرة أفضل.

 

..................

2019 / من كتابها: الصحافية الناعمة The Tiny Journalist

* شاعرة أمريكية من أصل فلسطيني.