المثقف - ترجمات ادبية

امرأة على السطح

saleh alrazukترجمة لقصة الكاتبة الحائزة على نوبل للآداب:

دوريس ليسينغ

 


 

امرأة على السطح / ترجمة: صالح الرزوق

 

حصل ذلك في غضون أسبوع شمسه مشرقة خلال شهر تموز.

كانوا ثلاثة رجال يعملون على السطح، وحينما ارتفعت الحرارة جدا خطر لهم رش الماء لتهدئة أنفسهم. ولكن الماء تبخر، ثم بدأ بالأزيز؛ فتبادلوا النكات واقترحوا لو يطلبون البيض من بعض النساء اللواتي تسكنّ في الشقق تحتهم، وذلك لتهيئتها لغدائهم.

في حوالي الثانية لم يعد بمقدورهم لمس المزراب الذي يستبدلونه، وتساءلوا ماذا يفعل العمال في البلدان الحارة بطبعها. ربما عليهم اقتراض قفازات المطابخ مع البيض؟. كانوا جميعا يشعرون بالدوار الخفيف، فهم غير معتادين على الحرارة المرتفعة، فتخلصوا من معاطفهم ووقفوا جنبا إلى جنب ليضغطوا أنفسهم في بقعة ظليلة عرضها قدم واحد هي من خيال إحدى المداخن. وحاذروا أن يحتفظوا بأقدامهم ذات الجوارب السميكة والأبواط الثقيلة بعيدا عن لهيب الشمس.

كان هناك منظر رائع تراه فوق عدة فدادين من الأسطحة. ليس بعيدا عنهم جلس رجل في كرسي طويل ليقرأ جريدته. ثم وقعت عيونهم عليها، بين المداخن، على مبعدة خمسين ياردة. كانت تستلقي على بطانية بنية ووجهها للأسفل. وكان بوسعهم رؤية الجزء العلوي منها: شعر أسود، ظهر قوي وممشوق، وذراعان مبسوطتان. قال ستانلي بصوت عصبي:"إنها عارية تماما". وقال هاري الأكبر بالسن بينهم والبالغ من العمر خمسة وأربعين عاما:" يبدو الأمر كذلك".

أما الشاب توم، البالغ سبعة عشر عاما، لم ينطق بكلمة. ولكنه كان مستثارا ويقضم أسنانه. قال ستانلي:" سوف يبلغ عنها أحدهم إن لم تحترس من الغرباء".

قال توم:" تعتقد أن أحدا لا يراها". ومد رأسه إلى الأمام ليشاهد المزيد.

سحبت في هذه اللحظة وهي لا تزال مستلقية وعارية يديها لوراء ظهرها، ونهضت. كانت تضع وشاحا أحمر مربوطا حول ثدييها وسروالا من نوع بيكيني. هذا أول يوم مشمس ولذلك كانت بيضاء، وتتلألأ بغطاء أحمر. وقد جلست لتدخن ولم تنظر للأعلى، وهنا أطلق ستانلي صفرة الثعلب.

قال هاري:" الأشياء الصغيرة تدهش العقول الصغيرة". وذهب عائدا إلى مكانهم على السطح، ولكنه كان حارقا. فقال أيضا:" انتظروا، سوف أصنع بعض الظل"، واختفى تحت نافذة تقود إلى المبنى. وبعد تواريه عن الأنظار، تحرك ستانلي وتوم إلى أبعد نقطة يمكنهما النظر منها إلى المرأة. كانت قد ذهبت، وكل ما بوسعهم رؤيته هما ساقان ورديتان ممدودتان على البطانية. أطلقا صفرة وهتفا لها ولكنها لم تسحب ساقيها. وعاد هاري مع بطانية وصاح يقول:" هيا تعالا". كان صوته غاضبا منهما. فعادا إليه. قال لستانلي:" ماذا عن آنستك". كان ستانلي حديث الزواج. اقترن من ثلاثة شهور فقط.

قال ستانلي بسخرية:" ماذا عن آنستي؟". كان يريد أن يحتفظ بخصوصياته. لم يرد توم، ولكن خياله كان مشغولا بالمرأة العارية تقريبا. مد هاري البطانية، التي اقترضها من امرأة ودودة تعيش في الأسفل، وربطها بهوائي تلفزيون وبصف من المداخن. وسقط الظل على جزء من الميزاب الذي عليهم استبداله. ولكن الظل لم يكن ثابتا، وتوجب عليهم ضبط البطانية، وعملوا على ذلك بسرعة، للاستفادة من الوقت الضائع. ومع ذلك اغتنم ستانلي الفرصة أولا وذهب إلى نهاية السطح لرؤية المرأة وتبعه توم. قال ستانلي:" إنها تستلقي على ظهرها". وأضاف تنهيدة دفعت توم لاستراق النظر، وابتسم الرجل الأكبر بالعمر بصبر.

أكد توم إنها لم تتحرك قيد أنملة، ولكن هذا غير صحيح. لقد رغب بالاحتفاظ بما رأى لنفسه: لقد شاهدها وهي تسحب سروالها الصغير الأحمر لما تحت وركيها. حتى أصبح بحجم مثلث صغير الحجم جدا. كانت تستلقي على ظهرها، مكشوفة للأنظار، وتلمع بالزيت.

في الصباح التالي ما أن تابعوا عملهم، أسرعوا ليأخذوا نظرة. كانت هناك قبلهم، الوجه للأسفل، والذراعان مبسوطتان، وعارية باستثناء السروال القصير الصغير الحجم. كانت قد أصبحت سمراء قليلا بعد يوم أمس. أمس كانت امرأة قرمزية يشوبها اللون الأبيض، واليوم هي امرأة برونزية.

أطلق ستانلي صفرة. فرفعت رأسها، كما لو أنها كانت تغط بالنوم، ونظرت لهم مباشرة. كانت الشمس تلمع بعينيها، فرمشت وحدقت بهم. ثم أسقطت رأسها مجددا. بعد هذه الحركة اللامبالية، أطلق ثلاثتهم، ستانلي وتوم وهاري الكبير، الصفير والنداءات. كان هاري يقلد الأصغر منه سنا، ويسخر منهما، ولكنه كان حانقا أيضا. كانوا جميعا حانقين من لامبالاتها المبالغ بها. فهي لم تهتم بالرجال الثلاثة الذين ينظرون لها باهتمام.

قال ستانلي:"عاهرة".

قال توم بحذر:" كان عليها أن تدعونا".

واستعاد هاري رباطة جأشه وذكر ستانلي قائلا: "لو أنها متزوجة، لن يحب زوجها ما نفعل".

قال ستانلي بعفاف:"يا للمسيح. لو أن زوجتي استلقت علنا هكذا، وأصبحت عرضة للأنظار، سأمنعها مباشرة".

قال هاري مبتسما:"كيف سيصلك خبرها. ربما تتشمس. في هذه اللحظة".

"خسئت. ليس على هذا السطح بكل حال". ونفخت فيه هذه المشاعر عن مناعة زوجته روحه المرحة، وعادوا جميعا للعمل. ولكن اليوم كان أشد حرارة من الأمس. وفي عدة مرات تداولوا الرأي هل يجب إخبار ماثيو، رئيس العمال، أنهم يجب أن يتوقفوا عن العمل، حتى ترتدع الموجة الحارة. ولكنهم لم يقرروا. فهناك عمل يجب إنجازه في قبو الشقق الكبيرة. ولكن هنا يشعرون بالحرية، بعيدا عن مستوى البشرية العادي المنتشرين في الشارع أو المحبوسين في داخل البناء. لقد صعد عدد أكبر من الأشخاص على السطح في ذلك اليوم، لحوالي ساعة في منتصف اليوم. بعض الأزواج جلسوا جنبا إلى جنب على الكراسي الثابتة، وكانت سيقان النساء بلا جوارب وقرمزية لوحتها الشمس بلونها، والرجال بصدريات وإكتافهم محمرة.

وتابعت المرأة الارتماء على البطانية، وهي تتقلب من طرف لآخر، وقد تجاهلتهم، مهما فعلوا. وحينما ذهب هاري ليأتي بالمزيد من البراغي قال ستانلي:"هيا بنا".

كان سطحها ينتمي لنظام آخر من الأسطح، إنه منفصل عن سواه في نقطة ما بحوالي عشرين قدما. وهذا يعني أن الوصول لها يتطلب التسلق العشوائي والقفز من مستوى لآخر، من حافة لحافة، مع الإستعانة بالمداخن، بينما كانت أبواطهم الكبيرة تنزلق. ولكن وقفوا أخيرا على مربع صغير من سطح بارز للأمام، ومن هناك نظروا إليها مباشرة. من على مقربة. كانت تجلس وتدخن، وتقرأ في كتاب. واعتقد توم أنها تشبه لوحة إعلانات، أو غلاف مجلة، فالسماء الزرقاء خلفها، بينما ساقاها ممدوتان للأمام. ووراءها رافعة عملاقة تعمل لإنجاز بناء جديد في أكسفورد ستريت وكانت تؤرجح ذراعها السوداء فوق الأسطح بشكل قوس واسع. وتخيل توم نفسه يعمل بالرافعة، ويوائم الذراع لتتأرجح فوق المرأة ثم تلتقطها للأعلى قبل أن تمررها عبر الفضاء وتفلتها بقربه.

أطلقا صفرة، فنظرت إليهما، بثقة وبرود، ثم تابعت القراءة. ومجددا، شعرا بالحنق. أو ستانلي من شعر بالسخط العارم. أما وجهه الملفوح بالشمس فقد تحول لصفيحة من الغضب وهو يكرر الصفير مرة بإثر أخرى، باذلا جهده ليلفت انتباهها. أما توم الشاب فقد أحجم عن متابعة الصفير. ووقف بجانب ستانلي، مستثارا، وهو يضحك. ولكن كان يبدو كأنه يقول للمرأة: لا تنظري لي كما تنظرين له، فضحكته كانت تشبه الاعتذار. في الليلة الماضية فكر بالمرأة المجهولة قبل أن يخلد للنوم، وكانت لطيفة معه.

وها هو يتذكر الآن تلك اللطافة بينما هو ينقل قدميه قرب ستانلي المتهتك الذي يواصل صفراته ويراقب المرأة السمراء غير المهتمة والمعافاة والجالسة على مبعدة ياردات قليلة، بينما الهوة تفصل بينهما على امتداد الشارع، وخطر لتوم أن هذا رومنسي، كأنه يقف على رأس هضبتين. وهنا صاح هاري، فعادا أدراجهما. كان وجه ستانلي قاسيا وحانقا حقا. وواصل الصبي النظر إليه وهو يتساءل لماذا كره المرأة لهذه الدرجة، ولكنه الآن يشعر بميل حقيقي حيالها.

عبثا قليلا بالبطانية، في محاولة جاهدة لاحتجاز قليل من الظل ليعملا تحته، ولكن مجددا ليس قبل الرابعة تقريبا أمكنهم العمل بجدية، وكانوا قد أجهدوا، ثلاثتهم جميعا. وكانوا يسخطون على الجو. كان ستانلي بأخلاق عصبية. وحينما قاموا برحلتهم الروتينية نحو المرأة قبل أن يحزموا أمرهم لهذا اليوم، كانت من الواضح تغط بالنوم، ظهرها عار باستثناء المثلث القرمزي على مؤخرتها. قال ستانلي:"لدي نية مبيتة بتقديم شكوى ضدها للشرطة" وقال هاري:"ماذا يزعجك منها؟ هل تلحق بك الضرر؟".

"أخبرتك لو أنها زوجتي...".

"ولكنها ليست زوجتك".

كان توم يعلم أن هاري مثله ليس مرتاحا لتصرفات ستانلي. فهو بشكل تلقائي شاب عصبي المزاج، وسريع بأداء واجباته، وله بديهة مرحة، وصحبته طيبة.

قال هاري:"ربما يكون الجو ألطف في الغد".

ولكن لم يحصل ذلك. كان اليوم أكثر حرارة، وذكرت الأحوال الجوية أن الجو الصاحي سيستمر. وما أن صعدوا إلى السطح، حتى ذهب هاري لينظر هل المرأة هناك، وفهم توم أنه يجب إشغال ستانلي، ليحتوي مزاجه المتعكر. كان لهاري أولاد كبار، ولد بعمر توم، وكان هذا الشاب يثق به ويتبع تعليماته.

وعاد هاري أدراجه وقال:" إنها ليست في مكانها".

قال ستانلي:"أراهن إن زوجها تدخل في الموضوع". وتبادل توم وهاري النظرات وابتسما من وراء ظهر الرجل المتزوج. واقترح هاري إنه عليهم الحصول على إذن للعمل في القبو، وفعلوا ذلك في نفس اليوم.

ولكن قبل أن يحزموا أمتعتهم قال ستانلي:" دعنا نستنشق الهواء العليل". ومجددا تبادل هاري وتوم الابتسامات وهما يتبعان ستانلي إلى السطح، وكان توم يعتقد مخلصا إنه موجود لحماية تلك المرأة من ستانلي. كانت الساعة حوالي الخامسة والنصف. الجو هادئ. والشمس المشرقة تستلقي على السطح. والرافعة العملاقة لا تزال تتأرجح بذراعها السوداء بين أوكسفورد ستريت وحتى ما فوق رؤوسهم. ولكنها لم تكن هناك. ثم خفقت ثياب بيض من خلف الحاجز. وظهرت أمامهم. وكانت برداء أبيض وله حزام.

لربما كانت هناك طوال الوقت، ولكن فوق بقعة أخرى من السطح. لتتوارى عن أنظارهم. لم يطلق ستانلي صفرته. ولم يتفوه بكلمة. ولكن نظر للمرأة وهي تنحني وتلم بعض الأوراق، والكتب، والسجائر، ثم تطوي البطانية حول ذراعها.

وذهبت أفكار توم بالاتجاه التالي: لو أنهم ليسوا هنا، سوف أذهب لهناك وأقول... ماذا؟. ولكنه يعلم من أحلامه الليلية عنها أنها لطيفة واجتماعية. وربما تدعوه لشقتها؟ ربما... وقف يراقبها وهي تتوارى في منفذ الضوء. وبينما هي تختفي، أطلق ستانلي صوتا حادا ويثير القشعريرة؛ فنظرت لهم. ويبدو أنها أوشكت على السقوط. وتمسكت بشيء لتنقذ نفسها. وكان بوسعهم سماع صوت أشياء تتساقط. ونظرت بعيونهم مباشرة، والغضب يستفزها.

قال ستانلي: "فليهطل القليل من المطر". قالها بمرارة، وهو ينظر للسماء الصافية الزرقاء في هذه الأمسية.

كان اليوم التالي بلا غيوم، وقرروا الانتهاء من أعمالهم في القبو. وشعروا أنهم سجناء في هذا القبو الرمادي الإسمنتي، ولا عمل لهم غير توضيب الأنابيب، بعيدا عن أجواء العطلة في لندن التي يكتسحها تيار حار.

وفي اليوم اللاحق في موعد الغداء، صعدوا بحثا عن بعض الهواء المنعش، وكان هناك الزوجان، رجلان بقمصان لها أكمام أو صدريات، ولكنها لم تكن موجودة، لا في مكانها الاعتيادي على سطح بيتها، ولا حيثما كانت بالأمس. وتسكع ثلاثتهم بما فيهم هاري، بين المداخن، وفوق الأفاريز، وكان النتوء الحار يلسع أصابعهم. ولم يجدوا إشارة واحدة تدل عليها.

تخلصوا من قمصانهم، وصدرياتهم، وعروا صدورهم، وشعروا بالعرق ينقط من أقدامهم الحارة. ولم يذكروا حرفا عن المرأة. ولكن شعر توم بالعزلة. في الليلة الماضية استقبلته في شقتها وهو نائم يحلم. كانت لديها سجادة كبيرة وبيضاء وسرير برأس منجد بالجلد الأبيض، وترتدي ثوبا رقيقا أسود وكانت ودودة معه حتى أنه شعر بالاختناق وهو يتذكرها. لقد خامره شعور انها تغدر به بعدم حضورها. ومجددا بعد العمل تسلقوا للأعلى، وكانت إيضا غير موجودة.

وتابع ستانلي يكرر قائلا لو أنها ستكون حارة مثل هذا الغد فهو لن يتورط بالعمل وهذا كل ما لديه. ولكنهم اجتمعوا في اليوم التالي. وفي العاشرة وصلت الحرارة للسبعينات. وأصبحت بالثمانينات قبل الظهيرة بفترة طويلة. وذهب هاري للمشرف على العمال وقال له من المستحيل العمل على الشرفة في هذه الحرارة. ولكن الملاحظ قال لا يوجد لديه عمل آخر، وعليهم أن يتمسكوا بنصيبهم. وفي منتصف اليوم وقفوا صامتين، يراقبون منفذ الضوء المفتوح الموجود على سطحها. ثم ظهرت ببطء بردائها الأبيض. وبيدها حزمة من البطانيات، نظرت لهم، بجرأة، ثم توجهت لجزء من السطح حيث بمقدورها أن تتوارى عن أنظارهم. وشعر توم بالسرور لذلك. فهي كأنها له لأن رفيقيه لا يريانها.

كانوا قد تخلصوا من قمصانهم وصدرياتهم، وفي التو واللحظة ارتدوها مجددا، لأنه واتاهم الإحساس أن الشمس تحرق بشراتهم. قال ستانلي وهو يتمسك بميزاب ويشتم:"لديها مغارة وحيد القرن". وتوقفوا عن العمل، وجلسوا في الظل. وكانوا يتحركون حول قامات المداخن. وظهرت امرأة قبالتهم لتروي حوض مزروعات أصفر على النافذة. كانت متوسطة العمر، وترتدي ثوبا صيفيا مزهرا.

قال لها ستانلي:"نحن بحاجة للماء أكثر من مزروعاتك". ابتسمت وقالت:"من الأفضل أن تسرعوا للبار، فموعد إغلاقه يقترب". وتبادلوا الغمزات، ولكنها ابتعدت عنهم مع ابتسامة وتلويحة من يدها.

قال ستانلي: "إنها لا تشبه السيدة غوديفا، يمكنها أن تتبادل معنا بعض الكلمات والابتسامات.".

قال توم ليذكره: "ولكنك لم تصفر لها".

قال ستانلي:"أصغ له. لماذا لم تصفر؟".

وشعر الصبي أنه لا يريد الصفير. هذا شأن ستانلي وهاري فقط. كان يرسم الخطط، حينما يحين الوقت للتوقف عن العمل، حينما يترك العمل وراء ظهره، سيذهب للمرأة ويلتقي بها.

كانت الأخبار الجوية تؤكد أن الفترة الحارة ستنكسر، ولذلك عليه التصرف بأسرع ما يمكن. ولكن لم تسنح الفرصة ليكون حرا طليقا وحده.

وقرر الآخران أن يتوقفا عن العمل في الرابعة، لأنهما شعرا بالإعياء. وما إن هبطوا حتى عاد توم أدراجه للسطح وارتفع قليلا بتسلق مدخنة، فلمح قليلا منها وهي تستلقي على قفاها. ركبتاها للأعلى، عيناها مغمضتان، يا لها من امرأة برونزية تنام تحت الشمس. ثم هبط للأسفل بشيء من الضجيج، وهنا نظر إليه ستانلي وسأله عما لديه من أخبار سارة. لكن قال له: "لقد رحلت". كان يشعر كأنه يحميها منه، وعليها أن تكون ممتنة لذلك. وأصبح بمقدوره أن يشعر بالرابطة المتينة التي تشد وثاقهما معا، هو والمرأة.

في اليوم التالي وقفوا على الرصيف تحت السطح. ولم يكونوا يرغبون بالصعود بسبب الحر.

وجاءت المرأة التي أقرضت هاري البطانية وقدمت لهم كوبا من الشاي. وقبلوا الضيافة بحبور، وجلسوا قرب مطبخ السيدة بريتشيت حوالي ساعة، وهم يتحادثون. كانت متزوجة من قبطان طيارة، وهي شقراء متناسقة في حوالي الثلاثين، وقد أعجبت بقسمات ستانلي الوسيم واللافت للنظر.

تبادل الإثنان الآخران الكلام المثير للأعصاب وجلس هاري بركن المكان وحيدا، يراقب بفضول وقد ذكرت قسماته ستانلي أنه متزوج. وشعر توم الشاب بالحنق من موقف ستانلي اللامبالي. وغلبه الشعور أيضا أن ستانلي يمعن بالتقرب من السيدة بريتشيت ويتناسى رومنسياته مع المرأة التي تجلس الآن على السطح بأمان ووحدها.

قال ستانلي بعناد والوقت يمر: "فهمت أنهم قالوا أن موجة الحر تنحسر".

وحينما توجب عليهم الصعود ليكونوا تحت الشمس سألت السيدة بريتشيت: "لا تحبون هذا العمل كما يبدو؟".

قال ستانلي: "إنه يلائم غيرنا. من لا يفعل شيئا ويستلقي ببلادة وكأنه على الشاطئ".

"هل لديك فكرة عن السطح؟".

قالت السيدة بريتشيت:" صعدت مرة واحدة. يا له من مكان قذر وحار جدا".

قال ستانلي:"هذا صحيح مائة بالمائة".

ثم صعدوا للأعلى وتركوا الشقة المرتبة الصغيرة واللطيفة والسيدة الودودة بريتشيت.

وهناك شاهدوها مباشرة. نظر الرجال الثلاثة لها، بامتعاض لأنها لا تهتم لهذه الشمس المعذبة الحارقة. ثم قال هاري بسبب التعابير المرسومة على وجه ستانلي:"هيا، تعال، علينا أن نتطاهر أننا منهمكون بالعمل. هذا على الأقل".

وتوجب فك الميزاب الذي يمر من الواجهة إلى الأمام لاستبداله. قبض عليه ستانلي بيديه، وتمسك به، وهو يشتم، ثم نهض على قدميه.

قال وهو يجلس تحت المدخنة:"اللعنة". ثم أشعل سيجارة، وقال:"اللعنة عليهم. ماذا يحسبون، هل نحن زواحف شمسية؟ لقد أحرقت كلتا يدي". ثم نهض وتسلق السطح ووقف وظهره لهما. وضع أصابعه على طرفي فمه وأطلق صفيرا حادا. قرفص توم وهاري، ولم يتبادلا النظر، وركزا عيونهما عليه. كان بمقدورهما رؤية رأس المرأة، وأطراف كتفيها البرونزيين. صفر ستانلي مجددا. ثم بدأ يقرع الأرض بقدمه، ويصفر ويصيح ويصرخ بالمرأة، ولكنها لم تتحرك. لم تحرك عضلة واحدة،.

قال توم:"هذا مخجل".

وقال هاري:"نعم. هذا غير مقبول".

وفجأة قرر الرجل أن يتصرف. كان توم يفهم أنه عليه أن يتحاشى فضيحة أو مشكلة حقيقية قد تثيرها المرأة. وقف ستانلي وحزم الأدوات في قطعة قماش أغرقها الزيت. وقال بلهجة آمرة:"هيا يا ستانلي". ولم ينتبه له ستانلي أول الأمر، ولكن هاري قال له:"هيا يا ستانلي. نحن نحزم أشياءنا. وسأخبر ماثيو بما يجري".

عاد ستانلي، وخداه منتبجان، وعيناه تلمعان.

قال هاري:"لا يمكن أن نتواصل بهذه الطريقة. ذات يوم سوف ننهار. سأخبر ماثيو أننا تلقينا ضربة شمس. ولو لم يتعاطف معنا، ستكون العواقب وخيمة". وانتبه توم أنه حتى نبرة هاري حزينة وثكلى. هذا الرجل الصغير الواثق بنفسه الملتزم بعائلة والذي يكلل رأسه المشيب، الذي لم يخسر طوال حياته، له نبرة غير متوازنة. قال بغضب:"هيا". واقترب من المربع المفتوح فوق السطح، وهبط منه للأسفل. وهو يراقب موطء قدميه على السلالم. ثم تبعه ستانلي دون إلقاء نظرة وداع على المرأة. وبعدهما توم، كانت حنجرته تنبض بإثارة وينظر للخلف نحوها كأنه يقول: انتظريني. انتظري. سأعود.

على الرصيف قال ستانلي:"سأنصرف للبيت". كان وجهه شاحبا، وكأنه تلقى ضربة شمس فعلا. وذهب هاري يبحث عن ملاحظ العمال، الذي يعمل بالصرف الصحي في بعض الشقق عند نهاية الشارع. وانسحب توم عائدا، ليس للبناء الذي عملوا فيه، ولكن للبناء الذي تستلقي المرأة على سطحه. وصعد للأعلى فورا، ولم يعترض طريقه أحد.

كان المنور مفتوحا، وسلالم معدنية تمر منه. وصعد على السطح من على مبعدة ياردين منها. فجلست ومشطت شعرها الأسود للخلف بيديها. والوشاح الذي وضعته على صدرها قد أحكم وثاق ثدييها، وحوله جسمها العاري البرونزي. كانت ساقاها مسمرتين وناعمتين. وحدقت به بصمت. ووقف الصبي مكتئبا بشكل أخرق بانتظار أن تتصرف معه بدماثة خلق يتوقعه منها.

سألته:"ماذا تريد؟".

تلعثم بقوله وهو يعبس بتوسل واضح:"أنا... أنت أتيت.. لأطلب صداقتك".

وتبادلا النظرات، الصبي المستثار بوجهه النحيف ووجهه القرمزي، والمرأة المتجهمة العارية تقريبا. ثم، بلا كلمة واحدة، استلقت على بطانيتها البنية، وتجاهلته.

سألها وهو ينظر لظهرها الذي يلتمع:"تحبين الشمس؟ أليس كذلك؟". لم ترد. شعر بالخوف. وتخيل كيف كانت تمسكه من ذراعه وتربت على شعره وتأتي به لسريرها ليتسنم عليه كملك وتقدم له كأسا من شراب منعش لم يتذوق مثله في حياته كلها. وتصور لو أنه ركع على ركبتيه وربت على كتفيها وشعرها سوف تنتبه له وتعانقه بذراعيها.

قال لها:"الشمس تناسبك أليس كذلك؟".

رفعت رأسها، ووضعت ذقنها على قبضتيها الصغيرتين وقالت:"انصرف فورا".

ولكنه لم يتحرك.

فقالت بصوت متماسك ومحسوب وبطيء وهي تنظر إليه :"اسمع". كان الغضب يتوهج في وجنتيها، مع شيء من العنجهية، ووجهها يلتهب بالعصبية، ثم أضافت:"لو أنك تأثرت برؤية نساء ترتدين البيكيني أنصحك أن تقبل منهن ستة بنسات وتستقل الحافلة إلى ليدو؟. سترى هناك دزينات منهن دون عناء الصعود للسطح".

لم تفهمه كما يبدو. وشعر بظلم فادح شحب له وجهه، فتلعثم يقول:"ولكنني معجب بك. كنت أراقبك وأنت،،".

قالت له :"شكرا". ودفنت وجهها بالبطانية مجددا، وتجاهلته تماما. استلقت بمكانها. ووقف هو بمكانه. ولم تتفوه بكلمة. لقد تناسته بكل بساطة. وتريث حيث هو. ولم يفتح فمه بكلمة على الإطلاق ولعدة دقائق. وفكر كما يلي: لا بد أنها ستقول لي شيئا لو انتظرت قليلا.

ولكن مرت الدقائق ولم تشعر بشيء باستثناء أنه لاحظ تشنج ظهرها وفخذيها وذراعيها - إنه التشنج الناجم عن توقعاتها بضرورة أن ينصرف.

نظر للسماء، حيث يبدو أن الشمس تدور في دائرة من الحرارة الفاحشة، وفوق السطح حيث كان هو ورفاقه قبل قليل. ولاحظ الحرارة تشع حيث كانوا يعملون. إنهم يطلبون منا العمل في هذه الظروف! هكذا فكر. وهو يشعر بكرامته تتفاقم في صدره.

وتابعت المرأة رقادها. وهبت نسمة هواء حار على شعرها الأسود الناعم. فالتمع وكان مشعا.

وتذكر كيف لمسه عليه ليلة أمس في أحلامه.

ثم دفعته لامبالاتها أخيرا للحركة بعيدا والهبوط على السلالم. ثم غادر البناء إلى الشارع. وشعر بالمهانة من كراهيتها له.

في اليوم التالي حينما استيقظ كانت السماء رمادية. نظر للغيوم الرمادية وفكر بحنق: حسنا، هذا ينهي موضوعك، أليس كذلك؟. هذا يضع لك خاتمة مناسبة.

ثم ذهب الرجال الثلاثة باكرا للعمل وكانت الشرفة باردة. ويحيط بها أسطح يغطيها الرذاذ الرطب حيث لا تجد أحدا يتمدد تحت الشمس غير المشرقة، إنها أسطح سوداء ورقيقة وبلا أمطار. ولأن الطقس بارد الآن سوف ينهون عملهم في هذا اليوم، لو أسرعوا بالأداء قليلا.

 

* دوريس ليسنغ Doris Lessing: كاتبة بريطانية مولودة في إيران عام 1919. عاشت مع عائلتها في روديسيا الجنوبية. عادت إلى إنكلترا عام 1949. لها ما ينوف على عشرين كتابا في الرواية والقصة والمقالة والشعر والمسرح. حائزة على نوبل في الآداب. والترجمة من مجموعتها (قصص) الصادرة عن نوبف دابلداي.

 

ترجمة صالح الرزوق / 2014

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

ترجمة رائقة وراقية استطاع المترجم أن ينقل من خلالها إسلوب دوريس لسنغ المعروف بالتتابع الإنثيالي الذي استخدمته في رائعتها المشهورة ((مذكرات من نجا)) تلك الرواية التي كتبتها بإسلوب الواقعية السحرية وهدم الحواجز بين الواقعي والمتخيل لأيصال رسالتها ، شكرا لك أستاذنا على هذه الترجمة الموفقة

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لسعة صدرك فالقصة طويلة و تحتاج لوقت و ذهن متفتح و لكن ما باليد حيلة،

This comment was minimized by the moderator on the site

جميلة اختياراتك أخي المبدع الدكتور صالح الرزوق
تتألق دائما في شعرك ونثرك ونقدك وترجماتك وكل لإبداعك
خالص مودتي ودعواتي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لاهتمامك.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2722 المصادف: 2014-02-17 15:02:25