 ترجمات أدبية

أرسطو

عادل صالح الزبيديقصيدة الشاعر: بيلي كولينز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

أرسطو

هذه هي البداية.

يمكن لأي شيء تقريبا أن يحدث.

هذا هو المكان الذي تجد فيه

خـَلقَ الضوء، سمكةً تتلوى فوق اليابسة،

الكلمةَ الأولى من (الفردوس المفقود) على صفحة فارغة.

تأمل بيضةً، أول الحروف

امرأة تكوي الملابس على خشبة مسرح فارغة

بينما ترتفع الستارة الثقيلة.

هذه هي البداية الحقيقية.

الراوي بصيغة المتكلم يقدم نفسه،

يخبرنا عن أصله.

مغنية السوبرانو المتوسط تقف في الكواليس.

هنا يتدارس المتسلقون خريطة

او يرفعون جواربهم الصوفية الطويلة.

هذا في وقت مبكر، سنوات قبل الفـُلك، فجرا.

صورة حيوان يجري تلطيخها

على جدار كهف،

ولم تتعلموا الزحف بعد.

هذه هي البداية، الافتتاحية،

بيدق يتحرك بوصة الى الأمام.

هذه ليلتك الأولى معها،

ليلتك الأولى بدونها.

هذا هو الجزء الأول،

حيث تبدأ العجلات بالدوران،

حيث يبدأ المصعد بالصعود،

قبل أن تتخلع الأبواب.

        ***

هذا هو المنتصف.

كان لدى الأمور وقت كي تتعقد،

تصبح بحالة فوضى، حقا. لم يعد أي شيء بسيطا.

نمت المدن على امتداد الأنهار

يتزاحم فيها الناس متقاطعة غاياتهم—

مليون  من الخطط، مليون من النظرات الغاضبة.

الخيبة تنزل حقيبته عن كاهله هنا

وتنصب خيمته المتهرئة.

هذا هو الجزء الصعب حيث تتقد الحبكة،

حيث ينقلب الحدث بغتة

أو ينحرف باتجاه عنيف.

هنا يخصص الراوي فقرة طويلة

عن سبب عدم رغبة مريم بطفل ادوارد.

احدهم يخفي رسالة تحت وسادة.

هنا يرتفع اللحن نحو ذروة،

أغنية عن الخيانة مطعمة بالانتقام.

وفريق المتسلقين محاصر فوق نتوء صخري

في منتصف سفح الجبل.

هذا هو الجسر، التعديل اللحني المؤلم.

هذا هو معمعان الأحداث.

يحتشد الكثير جدا في المنتصف—

قيثارات اسبانيا، أكوام الأفوكادو الناضجة،

الأزياء الموحدة الروسية، الحفلات الصاخبة،

القبلات على شواطئ البحيرات، منازعات تسمع من وراء جدار—

أكثر مما نستطيع تسميته، أكثر مما نستطيع التفكير فيه.

      ***

وهذه هي النهاية،

السيارة تخرج عن الطريق،

النهر يفقد اسمه في بحر محيط،

الخطم الطويل للحصان الذي التقطت له صورة فوتوغرافية

وهو يلمس شريط النهاية الألكتروني.

هذه هي آخر كلمات المخطوطة، آخر فيل في الاستعراض،

الكرسي المدولب الفارغ،

الحمائم تحلق هابطة في المساء.

هنا يضج المسرح بالجثث،

يقود الراوي الشخصيات نحو زنازينها،

والمتسلقون في قبورهم.

ها أنا أضع النقطة

وأنت تغلق الكتاب.

انها سيلفيا بلاث في المطبخ

والقديس كليمنت والمرساة حول عنقه.

هذه هي الكِـسرة الأخيرة

تتضاءل إلى لاشيء.

هذه هي النهاية، وفقا لأرسطو،

ما كنا نحن جميعا ننتظره،

ما يؤول إليه كل شيء،

المصير الذي لا نستطيع أن نتمالك أنفسنا من تخيله،

بريق ضوء في السماء،

قبعة على مشجب، وخارج الكوخ، الأوراق المتساقطة.

***

 

.........................

بيلي كولينز: شاعر أمیركي من موالید مدینة نیویورك عام ١٩٤١  یتمیز شعره بكسر  جمیع الأشكال والأوزان التقلیدیة فھو یكتب شعرا متحررا من جمیع القیود وله أیضا آراء حول الغموض في الشعر وتعقید الشكل الشعري وفي تأویل القصائد یعبر فیھا عن انحیازه إلى البساطة ووضوح التعبیر والشعر الذي یسھل فھمه معترضا على الشعر الذي یكتبه الشعراء لغیرھم من الشعراء ولیس لجمھور عریض من القراء.  شغل كولينز منصب شاعر الولایات المتحدة بین عامي٢٠٠١ و 2002 وخلال فترة إشغاله ھذا المنصب حرر مختارات شعریة بعنوان (شعر ١٨٠) تتألف من ١٨٠ قصیدة على عدد أیام السنة الدراسیة. وھي مجموعة یسعى كولینز من خلالھا إلى إیصال الشعر إلى أكبر عدد من طلاب المدارس وإشاعته بین الشباب والمراھقین.

نال كولينز جوائز عديدة على مجموعاته الشعرية وفيما يأتي بعض عناوينها: (قصائد فيديو) 1980؛ (التفاحة التي أدهشت باريس) 1988؛ (فن الغرق) 1995؛ (الإبحار وحيدا حول الغرفة) 2001؛ (تسعة خيول) 2002؛ و(المتاعب التي يثيرها الشعر وقصائد أخرى)) 2005.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عادل صالح
ودّاً ودّا

كما عوّدْتَنا دائماً يا استاذ عادل فأنت في ترجمة الشعر صيّاد فرائد .
مفتاح هذه القصيدة في عنوانها .
إذن هناك نظرة فلسفية غير مباشرة تجمع هذا الفيض من التفاصيل التي أكتظت
بها القصيدة , تفاصيل من الحياة العادية , إشارات الى كتب , مشاهد طبيعية , مفردات
تُحيل الى المسرح , الى الأوبرا باختصار هذه القصيدة تحتوي على تاريخ الحضارة الغربية
من الإغريق حتى الولايات المتحدة الأمريكية ولا تنسى قراءة المكان الأوري ايضا .
ولكن كيف يندرج كل هذا ليصنع قصيدة ؟
يشير الشاعر الى النهايات دون تفاؤل بل يكاد يصرح باختلاط القيم حدّ الإنفراط .
في القصيدة إشارات أدق من أن يدركها قارىء بعيد عن مسرح القصيدة الثقافي الحضاري
والمكاني ومع ذلك فهذه ليست قصيدة يستوعبها قارىء غير متخصص ولهذا أثار دهشتي
رأي الشاعر في الهامش كما ترجمه الأستاذ عادل :
(یعبر فیھا عن انحیازه إلى البساطة ووضوح التعبیر والشعر الذي یسھل فھمه معترضا
على الشعر الذي یكتبه الشعراء لغیرھم من الشعراء ولیس لجمھور عریض من القراء. )
قارىء هذه القصيدة على الأقل بحاجة الى اطلاع على التاريخ الأوربي والى بعض المتابعة
لمبادىْ الفلسفة ومعرفة بالأوبرا والموسيقى والمسرح أو باختصار هذه القصيدة بحاجة الى قارىء شبه
ناقد وهذا يناقض تماماً موقف الشاعر من الشعر الذي يكتبه الشاعر لشعراء وليس لجمهور عريض .
أمّا إذا كان الشاعر لا يناقض نفسه في موقفه من الشعر وانحيازه الى البساطة وان هذه القصيدة
يخاطب بها الشاعر جمهوراً عريضاً حقاً ويفهمها تماما ذلك الجمهور , فما أرقى بساطتهم
قياساً ببساطتنا وما أكبر الفرق بين تلاميذهم الذي يفهمون شعراً كهذه القصيدة وتلاميذنا الذين لا يفهمون
المومس العمياء للسياب .

دمت في صحة واصطياد فرائد يا استاذ عادل .

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والناقد الأستاذ جمال مصطفى
تحية ود واعتزاز

اتفق معك تماما ان هناك تناقضا ظاهريا بين رأي الشاعر عن البساطة والوضوح في الشعر وبين قصيدته هذه التي تحتوي العديد من الإشارات والتلميحات والأصداء والاقتباسات غير المباشرة مما يجعلها فعلا عصية على فهم الكثير من قرائه ان لم يكونوا مطلعين على الارث الثقافي الأوربي والغربي عموما. الا ان ما يزيل هذا التناقض شيئان: اولهما ان الاقتباس الذي اوردته عن الشاعر والذي ذكرته انا في مقدمتي عنه ورد في سياق مشروعه المعنون ((شعر 180)) الذي اطلقه حين كان يشغل منصب شاعر الولايات المتحدة (وهو منصب فخري ورسمي ايضا يقابل منصب شاعر البلاط - Poet Laureate- في بريطانيا يستوجب من الشاعر اطلاق مشروع ثقافي شعبي/قومي يرتبط بتخصصه الابداعي) الذي يبرره كون الفئة المستهدفة من المشروع هم تلاميذ شباب ومراهقون، والثاني هو كما تفضلت واشرت الى الفارق الكبير بين تلاميذنا الذين لا يفهمون السياب وتلاميذهم الذين يعلم الشاعر ان احالاته في االقصيدة الى مثلا (الفردوس المفقود) او القديس كليمنت او سيلفيا بلاث وغيرها فضلا عما يتضمنه العنوان انما هي امور مألوفة لدى قرائه.

دمت قارئا دقيقا وذواقا ايها المبدع الكبير...

This comment was minimized by the moderator on the site

قصيدة رائعة تتحدث عن شخصيات وصور كثيرة في التاريخ. القصيدة مليئة بالصور الحية التي تحاكي الواقع الذي يعيشه الشاعر آنذاك والى يومنا هذا.تشمل المحاكاة عدة انواع منها المكانيةوالزمانيةوالزمكانية.
تحياتي...

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا عزيزي عباس على متابعتك واهتمامك. تقبل تقديري واعتزازي...

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4544 المصادف: 2019-02-13 08:58:44