المثقف - ترجمات ادبية

زهرة الهيبسكس

زيد الشهيدأو زهرة الخبازى

Hibiscus

بقلم: مايكل أنتوني*

ترجمة: زيد الشهيد

***

- هل أنتَ منفعلٌ؟ بادرتني عمّتي بالسؤال ووجهها رغمَ ابتسامته يبدو أشدَّ سمرةٍ . كان الموقف أشدُّ تأثير عليها منّي .

- نعم ! .. قلتٌ .

- سأٌحضر لكِ كلَّ شيء . لن تحتاج لملابسَ كثيرة، وبحلول عيد الفصح ستكون هناك .

لذتُ بالصمت . لم أكنْ راغباً في الكلام : ولم أكن مبالياً سواء وصلت إلى هناك أم لا . بقيتُ مستلقياً ومصوباً نظري نحو السقف، أو متأملاً عمّتي أحياناً، أو متطلِّعاً لِلابسات البياض وهنَّ يذرعنَ ردهات المستشفى .

- لن يبقوكَ طويلاً، أتعرف ذلك؟ .. تكلّمت عمّتي

- كلاّ ... قلت .

- ألا تريد الذهاب؟

- إذا كنتِ لا تريدينني أن .....

- كلاّ ! يجب أن تذهب . قاطعتني: فالأفضل لكَ لاسيما وأشعةُ الشمس على أحسن ما تكون هناك .

- حسنا .

- تبدو اليوم أفضل من قبل .

رحتُ أٌسمِعُها ما أخبروني به فيما راحت تنصت باهتمام، ثم تُردد: ذلك حسن !! وتسألني سعياً لمعرفة كل ما قالوه . وما أخبرتها عنه تركَ أثراً وانطباعاً شديدين في نفسها ... كان التهاب الرئة الذي لازمني قد ولّى بغضون ثلاثة أسابيع . ألقت عمّتي نظرةً على الساعة المرتكنة على الحائط . ولّما أدركت قرب انتهاء وقت الزيارة شرعت بإخراج ما جلبته من حاجيات . وضعت حقيبة يدها على فراشي، متابعةً تأثير كل حاجة تستلها: ثمرة البناناس، حلوى، عصير البرتقال، عصير العنب . رتَّبتها على المنضدة المنتصِبة عند حافة السرير المجاور لرأسي . كنتُ قد أُطعِمتُ من الحلويات مرةً واحدة خلال إقامتي في المستشفى . أمّا ثمار البناناس فكانت تثير شهيتي بحض الأحيان . حاولت إبداء سروري لكنّي كنتُ من الضعف ما لم أستطع فعل ذلك .

- أتحب عصير العنب؟

- أجلبتِ منه شيئاً؟

- نعم، علبة صغيرة .

في الواقع لم أكن أحب عصير العنب .... حدّقت بي وقالت: إنّه جيد ومناسب لك .

- لا تتعبي نفسك، ولا تجلبي أشياءَ كثيرة بعد الآن .

استمرّت تخرج حاجيات أخرى، بسطتها بعيداً عنّي . وللحقِّ أقول أنها لم تكن تثير اهتمامي لأنّ أفكاري كانت تطوف بعيداً من هنا .

- أتيتُكَ بشيءٍ تقرأهُ .

دسَّت كفّها في جوف الحقيبة مخرجةً كتاباً صغيراً مغلَّفاً بورقٍ أملس وصقيل، رُسمت على غلافه صورة زهرةٍ في زهوِ تفتّحها ": " حكايات من الهنود الحمر " .. رددّت عمّتي .

سرّني ذلك وأنا أهمُّ بتعديل جلستي . أمسكتُ بالكتاب وأنا أبصر عمّتي تُبدي ابتهاجاً:

- أتصدِّق أنْ ثمّة كتباً تحكي قصص عن الهنود في هذه البلاد؟

- كلاّ .

- حسناً .. عندك الآن هذا، تسلّى به ولكن لا تقرأ كثيراً .

انتهت الزيارة لحظة رنَّ من بعيد جرسٌ خافت الصوت فشرع الزائرون ينسلون خارجين فيما نهضت عمّتي من على سريري، قائلةً:

- سأكتب لهم محددِّة موعد إبحارك إليهم . طبعاً ذلك يعتمد على رأي الدكتور .... توقفت قليلاً قبل أن تكمل : بأي زورقٍ تود السفر؟

- هيلدا براند .

انحنت، مقرِّبةً وجهها من وجهي كما لو كانت تبغي تقبيلي:

- ربّما سيكون هيلدا براند مرّةً أخرى .

ضغطت يدي قليلاً ثم غادرت:" سأراك غداً مساءً " ... توقّفت عند الباب . ما لبثت أن غابت خلفه .

وكالعادة ما أن تركتني عمّتي حتى ابتدأت أفكِّر بحسنِ صنيعها رغم أن ذاكرتي لم تكن تسعفني كثيراً إذْ الجو المشبّع بالعقاقير وزرق الابر المتوالي يعكّر عليَّ صفوَ تفكيري . ومع هذا لا اقدِّر كم هي رائعة عمّتي معي، وكم كنت المفضّل لديها في البيت . أتذكّر أنها طلبت حضوري إلى جانبها حالما رحَلَت إلى انكلترا . أمّا الآن وفي حالتي المرضية هذه، ونزولاً عند نصيحة الطبيب ارتأت إرسالي إلى عائلتي مدّة شهرين بينما استمرَّت تزورني هنا يومياً حاملةً الحلوى والبناناس والبرتقال ... سحبتُ الكتاب متطلِّعاً فيه . أدركتُ سرَّ الزهرة المرسومة على غلافه فابتسمت . كان العنوان مثبتاً منحوتاً بكلمات سوداء كبيرة في المساحة العليا من الكتاب " زهرة الهيبسكس " وقصص أخرى . وفي حافته السفلى كان اسم المؤلف سي.سي . ماثيوس . تمعَّنتُ بالزهرة مليّاً فعرفتُ أنها لشجرة الهيبسكس، الشجرة التي تنتشر على امتداد جزيرة " ترينيداد " وعرضها، وفي مقاطعة " مايارو" تحديداً . لم تكن تثير أحد من قبل باستثناء مؤلِف هذا الكتاب كما أظن .

في الصفحة الأولى طالعتني كلمات إهداء إلى " ماريانا "، ودونها عبارات لاتينية مقتبسة " ربّما ماريانا قد درست اللاتينية " قلت في سرّي . أناس كثيرون درسوا هذه اللغة، وكان كرهي لها يفوق كرهي لعصير العنب الأسود . الصفحة التي قلبتها أطلعتني على الفهرست:

1- هيبسكس  2- طريق الشمس الساخنة  3- شجرة البلاتا  4- عُد إلى الجزر  5- أسفل النجوم المدارية  6- طعنة حب كارب

أغلقتُ الكتاب ورحتُ أحدِّق في زهرة الغلاف مجددَّاً . وجدتها تأتلق رائعةً كما لو أنَّ المؤلف صرف وقتاً من قصة: أسفل النجوم المدارية: ليرسمها تحت " شجرة البلاتا " ملوِّناً أوراقها بحمرة الدم الكثيف المأخوذ من " طعنة حب كارب " .

غب مرورها على أسرِّة المرضى تباعاً اقتربت الممرِّضة من سريري ممسكةً بالمحرار كعادتها . أنحيت الكتاب جانباً وأنا أعوم في غمار دهشة أثارتها عناوين القصص في مخيلتي . يداي ترتجفان قليلاً ما جعلتا الممرضة تبتسم وهي تدنو مني، وتدفع المحرار إلى فمي في اللحظة التي ألقت بنظراتها على الكتاب .

- هل تقرأ هذا؟

- نعم . أجبتُ بإحراج لاسيما وهي الممرضة التي اعتادت استفزازي بعبارات مضحكة .

- انظروا إلى هذا الولد الصغير . قالت بسخرية، وأكملت: يقرأ قصص الحب .

- كلا !

- أنتَ قلتَ لي ذلك . نصوص تعجُّ بقصص الحب ... هتفت بأسلوب مخادع .

- كلا... كلا ..!

كانت عيناها سوداوين وواسعتين تطلقان نظرة حاقدة، وتبعثان وقاحة ظاهرة . سدرت تقلّب الصفحات . اندفعت في محاولة شرح الأمر لكنها لم تتح لي فرصةً لذلك واضعةً إصبعها على شفتيها طالبةً عدم فتح فمي خشية سقوط المحرار . ألقت لمحةً على ساعتها قبل أن تسحب المحرار، محاولةً معرفة ردَّ فعلي .

مالت هامسةً في أذني:

- هلاّ أعرتني إيّاه؟

دسسّتُ رأسي أسفل الوسادة وانفجرت ضاحكاً من دون أن تراني .

وحالما عمَّ الردهةَ الهدوء وتركتني الممرضة لإتمام دورتها شرعتُ أطالع الكتاب . ولشد ما غمرتني الدهشة وأنا أقرأ قصة " هيبسكس " عندما وجدتُ أحداثها ومشاهدها تدور في قرية " ماريانا "، قريتي أنا بالذات . القصة تحكي عن فتاة صغيرة يانعة اعتادت المجيء لملئ دلوها من عيون ماء صافية عبر أرض معشوشبة، مطلقةً صوتها الرخيم بغناءٍ عذب لصديقاتها زهيرات الهيبسكس اللاتي يبادلنها الحب وهي تصف جمالهنّ الساحر . وكان غناؤها كافياً لجعل الزهور أكثر احمراراً، أمّا بسبب خجلهنّ أو لفرط سرورهنَّ . وحالما تقترب الطيور الطنّانة ** الساعية لامتصاص الرحيق تُعلمها الزهور بما غنَّت الفتاة . عندها يطلبنَ من الطيور مقابل إهدائهنَّ الرحيق إظهار المودَّة لها ، في حين تقدّم الطيور وعداً للفتاة بجعل الزهور أشد احمراراً وأكثر نصاعة بفعل هفهفة أجنحتها على أن تستمر الفتاة بأغانيها المؤثِّرة الجميلة .

تركت القصةُ بعد قراءتها أثراً عميقاً في نفسي . عادت بي الذكرى للأرض الخضراء والطريق الممتد عبر أشجار الهيبسكس، المنحدر صوب ينابيع المياه الصافية . إنَّ الطريق الذي كتب عنه المؤلف ماثيوس جعلني أقرَّ أنّه لا بدَّ وأن يكون قد عاش في قرية " مايارو "، وأنّه يعرف تفاصيل المكان عن كثب . جهدتُ في محاولة تذكُّر شخصاً بهذا الاسم أو فتاة تدعى " ماريانا " . لا بدَّ وأن تكون هناك فتاة قد مرّت مراراً من أمام بيتنا، حاملةً دلوها الصغير نازلةً باتجاه الينابيع . حاولت استذكار ولو واحدة من أغانيها ففشلت . لم أكن قادراً على تذكّر أية أغنية . ينبغي مقابلة ماثيوس والتحدث معه حول أزهار الهيبسكس الحمراء، وأظنها ستزداد احمرارً لسماع حديثنا .

قرأتُ القصة أكثر من مرّة، وبشعور سعيد وغامر واصلتُ مطالعة بقية القصص فأعجبتٌ بأسلوبها الجميل ولغتها المثيرة رغم الغرابة التي تغلفها . فقصة " أسفل النجوم المدارية " تعكس شعوراً غير مألوف للأنوار المتلألئة في حلكة السماء وارتفاع أشجار النخيل المنشغلة أوراقه بالحفيف الهامس على امتداد الشاطئ المزبد . وحين قرأتُ " عُد إلى الجزر " بدت لي كما لو أن جميع هذه الأشياء تدعوني للعودة ! " سأعود لا محال ! لم أعد قادراً على الامتناع عن العودة . وما أن تحضر عمّتي حتى أبوح لها برغبتي في الزيارة . " لكن بعد قراءة قصة " طعنة حب كارب " اعترتني حالة ارتباك وخجل . اكتشفتٌ أنّي أقرأ عن الحب فعلاً ولم تكن الممرضة كاذبة .

مررتُ عبر قصص المجموعة بيد أن " هيبسكس " ظلّت عالقة في مخيلتي، وجعلتني أعود لقراءتها كلّما انتهيت منها، وباتت " ماريانا " وسي. سي ماثيوس يحتلان حيّزاً كبيراً في رأسي حتى غدوت سعيداً لعودتي إلى الوطن عبر البحر مرّةً أخرى . تساءلتُ: هل عبرت ماريانا البحر مرّةً؟ " .. ربّما . وربّما هو الذي دفع ماثيوس لكتابة " عٌد إلى الجزر " . شعَّ ضوءٌ مباغت في رأسي . غدوتُ متلهفاً لحضور عمّتي . لا بدَّ ستتذكّر شخصاً في قرية " مايارو " بإسم ماثيوس أو فتاة باسم ماريانا . غير أنَّ خيبة الأمل أصابتني عندما أخبرتني عمّتي أنها غير متأكدة من معرفة رجل يحمل اسم ماثيوس، أمّا ماريانا فربما تكون موجودة حقّاً . إنَّ أربعة أعوام بعيدةً عن القرية كافية لأن تٌنسِيها الكثير من الأسماء . انشغلت بإعلامي أن أهلي متشوقون لعودتي، وقد وعدوا بأن لا يجبروني على البقاء عندهم بل سيتركونني أعود إلى انكلترا . كانت عمّتي واثقة بهم إذ أبرزت أمام وجهي تذكرة العودة مثلما أخبرتني بتفاهمها مع الدكتور لإجراء ترتيبات خروجي من المستشفى .

بشعور مفعم بالقوَّة أدركتٌ أنني مقبل على رحلة بحرية طويلة . كل أفكاري تطلعت للوصول إلى قريتي، هناك ! سأسير على طول الطريق المحفوف بأشجار الهيبسكس. لم يأخذ منّي التفكير بأبي وأمي الكثير، ولم أكن أحس بالحنين والوحشة لبعدهم عنّي أبداً لأنَّ عمّتي عوضّتني حنانهم وعنايتهم وزادت . لم يكن للشمس المشرقة تأثير على رغبتي بالعودة إلا عندما قرأت قصة " عد إلى الجزر " ، فهي كافية لتذكيري بالدفء وملامسة الأشعة لبشرتي واسترجاع نسيم الجزيرة المنعش الطري . وللحق أقول أنَّ فاعلية الدواء والمزايا الجميلة لقصة " هيبسكس " والقصص الأخرى هي ما جعلت صحتي تعود والعافية تدخل إلى جسدي .

في الجزر احتفلنا بعيد الفصح ..

وعيد الفصح هو نفسه وقت تفتّح زهور الهيبسكس وتألقها . كنتُ كلَّ أسبوع أكتب إلى عمّتي في لندن من دائرة البريد الذي أصله بعد اجتاز طريق مشجّر .. وأكتب:

" عمّتي العزيزة:

كم أود لو كنتِ معي هنا . لقد حدثت تغيرات عديدة في القرية . دكاكين جديدة أنشئت، وبيوت حديثة شيّدت، والقار ! حتى القار ما زال جديداً على أعمدة الكهرباء . المحطة القديمة عند التل هُدِّمت، والحكومة عازمة على بناء مدرسة جديدة . بيدَ أنَّ التغيير لم يزحف على طريق أشجار الهيبسكس، ولا حتى ينابيع المياه . الأرض المتاخمة للينابيع هي .. هي ! خضراء يانعة تجاورها برك ماء صافٍ وعذب . والمياه جعلت من أزهار الهيبسكس أشد احمراراً وبهاء .

ما أن شرعت الشمس بإشراقها النضِر حتى أدركت زوال " ذات الرئة " ومضاعفاته . طفقتُ أتساءل في سرّي عمّا إذا كان سي. سي ماثيوس قد كتب حول هذا المرض . كم راودتني السعادة لعودتي إلى الجزر رغم الألم الذي يداهمني لعدم سماعي ومعرفتي بـ سي. سي ماثيوس . لا أحد من الذين سألتهم سمع عنه . وحين قلت بأنّه كاتب ولديه مؤلفات أطلقوا ضحكاتهم، قائلين لا وجود لكاتب يقطن قرية " مايارو " . سألوني إن كنت في انكلترا حقّاً ,. أقسمتُ لهم مراراً، ولمّا أيقنوا صدق قولي قالوا: من المحتمل أن يكون ماثيوس هذا في انكلترا، لأنَّ الانكليز مولعون بتأليف الكتب .. كان جوابهم باعثاً على الألم ! فالإنكليز ليسوا وحدهم الذين يؤلفون ... تساءلتُ: كيف يكون ماثيوس انكليزياً ويكتب بهذا الإحساس المميز عن الهيبسكس؟! . هكذا، ورغم بهجتي وارتياحي لدفء الشمس وغرابة الليالي فقد ولَّت السعادة هاربة منّي، إذ لا أحد يعرف ماثيوس . بل أنَّ أٌناساً قليلون تذكروني أنا .

رحتُ أتمشّى منحدراً صوب ينابيع الماء . لم أر ثمة فتاة صغيرة تشدو بصوتها العذب لزهور الهيبسكس، والطيور الطنّانة ألفيتها هناك جوار البرك اللامعة نائيةً عن الزهور . حين أدركت دائرة البريد ابتعتُ نموذج رسالة، كتبت:

" عمّتي العزيزة:

أنا الآن في الأسبوع السادس وسعيد جداً لأنّي سأعودُ إليكِ . "

لم تبقَّ سوى أيام قليلة وأغادر الجزر . كان والديَّ في غاية الانفعال بسببي، وحتّى أصدقائي قراتُ في عيونهم حزن عودتي إلى انكلترا . فكّرتُ كم كنت مسروراً لو أنّي رأيتُ ماثيوس أو التقيت " ماريانا " ، أو أني لم أعرف عنهما شيئاً على الإطلاق .

وهكذا .. وفي ليلةٍ تركتُ البيتَ يلفّني الحزن والأسى، منحدراً رحتُ باتجاه درب الهيبسكس . التقيتُ رجلاً عجوزاً عائداً بأبقاره . توقفت فادليت بسؤالي إليه .

- ماثيوس؟ ... قال متأملاً لبعض الوقت . لاكَ الاسم بطرف لسانه .

- كان معتاداً على الكتابة ... قلتُ بشيء من الأمل .

- معتاداً على الكتابة؟! ..إيه ... طفق العجوز يتمتم، وطفقتُ أنا أتابع عينيه الراحلتين بعيدا ً .

أعرف شخصاً باسم ماثيوس . كان قارع ناقوس الكنيسة وحفّار قبور أيضاً .

- كلا، لا يمكن أن يكون هو . لقد كتبَ حول الـ....

كبّلني الحرج . أردتُ أن أقول أنه كان يكتب عن الحب، فتوقّفتُ مترددِّاً .

- ماذا؟ ... تساءل الرجل، وأكمل: حولَ ماذا كان يكتب؟

لمحتُ شيئاً غريباً يترقرق في عينيه فيما كانت أصابعهُ ترتعش . لم أكن أبغي تضليله فقلت:

- لقد كتب حول الحب ... وخفضت بصري نحو العشب خجلاً .

- وماذا عن الحب ؟

صمتُّ فلم أُجِب ...

 

- ما اسمكَ؟ ... سألني .

- روي .

- حسناً، يا روي . الحب هو كل شيء . فالحياة حب، والله حب .

كان المكان يلفّهٌ الهدوء تماماً إلى درجة كنتُ أسمع الأبقار تمضغ العشب والسلاسل تجلجل بفعل تحرّكها خطوة فخطوة .

- لا يبدو أنَّ أحداً يعرف ماثيوس ... قلتٌ مخاطباً العجوز .

- أظنَّ ........ وتوقف قليلاً . ثم قال: أظنَّ أنهم كانوا يدعونه بغير هذا الاسم .

- ربّما لا يكون هو الرجل نفسه . لكنّي أعتقد بوجود فتاة .. نعم فتاة صغيرة .

- ماريانا؟ ... بادرني الرجل العجوز متسائلاٍ .

انتفضتُ كالمصعوق !

- نعم، كان هو الرجل المقصود ! هل تعرف ماريانا؟

-اعتدتٌ أن ........ توقَّفَ فجأةً . بدا كأنه يروم تغيير أفكارِه، غير أنّه أكمل: لا أعرف الكثير بالرغم من ذلك سوى أنها رحلت إلى انكلترا للدراسة .. افتقدها ثم سقط أسير الهواجس والأحزان . لقد تأسى كثيراً عليها . كتب لها راجياً العودة فلم تلبِّ رجاءه حتى هذا اليوم .

- لماذا؟! ... صرختٌ بقلبٍ يختلج . تفرَّستٌ في وجهه فقرأتُ بواعث يأس وألم تمور في عينيه .

قال كأنّه يكلّم نفسه: أنتَ لا تفهم الكثير .. أنت .. أنتَ لا زلتَ صغيراً لا تفقه ماذا يعني مرض ذات الرئة .

آآآآه .. لقد ذويت أنا أيضاَ . أحسستُ بالضعف فلم أقدر على الرد . الحقيقة أنّي ما زلتً صغيراً فعلاً، لكن يعلم الله أنّي فهمتُ كلَّ ما قاله . اتَّضح لي الآن لماذا لم تعُد ماريانا، ولماذا أجهش الرجلُ العجوز بالبكاء .. تذكَّرتٌ " عٌد إلى الجزر " . أدركتُ أنَّ مرضَهُ لم تقدر كثرةُ العقاقير القضاءَ عليه .

داهمتني ابتداءات إغماء . شعرت كما لو أنَّ الحمّى عادت إلى جسدي من جديد ... نظرتُ واهناً إلى الرجل العجوز فأبصرته يتطلَّع بعيداً .. قال:

- أنا أبكي .. أحيانا يحدث مثل هذا .

كانت كلماته تخرج بصعوبةٍ بالغة من بين شفتيه:

- أنا لا أبكي، ولكن الكلمات القليلة ليست كافية ولا تعطي الحقيقةَ كاملةً . ولو كان لديك شيءٌ منها وليس لديك غيرها فإنَّها الشقاء بعينه .

 

ترجمة: زيد الشهيد

..................

(*) ولد مايكل انتوني في ترينيداد إحدى دول الكومنويلث القريبة من سواحل فنزويلا . رحل في بداية شبابه إلى انكلترا . مارس أعمالاً عديدة منها عامل طباعة في وكالة رويترز، وعامل في دائرة البريد العامة GPO . كما عمل في المركز الثقافي البريطاني بعد عودته إلى موطنه . استعين به في وضع المناهج التعليمية في بلاده . وقد عالج في أعماله عالم الطفولة وبيئة وعادات الهنود الحمر . قصته هذه التي نترجمها مأخوذة من مجموعته " كريكت في الطريق "

له ثلاث روايات منشورة:

1- عودة المسافات عام 1963

2- أيام السنة في فرناندو عام 1965

3- الأيام الخضراء عند النهر عام 1967

(**) الطيور الطنّانة طيور تصدر أجنحتها المهفهفة صوتاً كالطنين . وهب إذ تأتي لامتصاص رحيق الأزهار بمناقيرها الطويلة المستدقة فإنها بهفهفة أجنحتها تزيل الغبار العالق بالوريقات فتجعل الزهور أكثر رونقاً وأبهى .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4580 المصادف: 2019-03-21 09:14:58