المثقف - ترجمات ادبية

مخيم اللاعودة

عادل صالح الزبيديبقلم: جيمز تيت

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

جلست في أرجوحة الشجرة القديمة دون أن أتأرجح. كان حذائي قد سقط مني فتركته على الأرض. جاءت أختي تركض خارجة من البيت لتخبرني شيئا. قالت: "سأقوم بالتخييم غدا." قلت: " لا أصدقك." قالت: "اجل، إنها حقيقة. أمي أخبرتني." لم نتحدث لما تبقى من اليوم. غضبت منها لأنها فعلت شيئا لم افعله. عند الغداء سألت أمي أي نوع من المخيمات هو. قالت: أوه، انه مخيم كأي مخيم غيره." لم اعرف حقا ما الذي كان يعنيه ذلك. في اليوم التالي، جهزوها للرحيل ومن ثم انطلقوا بسيارتهم، تاركين إياي عند الجيران. حين عادوا كان كل شيء عاديا ما عدا إنني اشتقت إلى مايسي. واشتقت إليها أكثر كلما يمر يوم. لم أكن اعلم كم كانت تعني لي قبل ذلك. سألت والديّ مرارا وتكرارا كم سيستغرق ذلك. كل الذي قالوه: قريبا. أخبرت بعض الأطفال في المدرسة كم مضى على ذهاب أختي. قال احدهم: "لن تعود أبدا. ذلك مخيم الموت." حين عدت إلى المنزل أخبرت والدي ما قاله ذلك الفتى، فقال والدي: "انه لا يعلم ما الذي يتحدث عنه." ولكن بعد أسبوعين أو أكثر من اختفائها بدأت أتساءل. كان ذلك حين بدأوا بتنظيف غرفة مايسي. قلت: "ما الذي تفعلونه؟ قلتم إن مايسي ستعود قريبا." قالت أمي: "مايسي لن تعود. تفضل البقاء هناك اكثر من أن تكون هنا." قلت: "ليس ذلك صحيحا. لا أصدقكم." رمقني والدي بنظرة جعلتني أدرك إنني سأكون التالي إن لم أحسن التصرف. لم انبس ببنت شفة عن مايسي مرة ثانية.

 

..................

جيمز تيت (1943- 2015 ) شاعر أميركي من مواليد مدينة كانسس بولاية ميزوري. ارتبط اسمه بحركتي ما بعد الحداثة والسريالية الجديدة في أميركا. بدأ مسيرته الشعرية عندما رشحت أول مجموعة شعرية له لجائزة ييل للشعراء الشباب، وهي المجموعة التي نشرها عام 1967 بعنوان (الطيار الضائع) وكان لا يزال طالبا في ورشة كتاب جامعة أيوا. لقيت مجموعته هذه استحسانا كبيرا وتأثر بها جيل من الشعراء خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لاستخدامه فيها منطق الحلم والتلاعب السيكولوجي. يصف الناقد الأدبي دانا جويا تأثيره هذا ودوره في الحداثة الشعرية عموما بقوله إن تيت حول السريالية من أسلوب كان يعد أجنبيا وغريبا بعض الشيء على التراث الشعري الأنكلو-أميركي—حتى بالنسبة لأكثر ممارسيها موهبة في أميركا مثل تشارلز سيميك ودونالد جاستس— إلى أسلوب بدا محليا ووطنيا متأصلا. فاز شعره بعدة جوائز لعل أهمها جائزة البوليتزر عام 1992 . من عناوين مجموعاته الشعرية: (المشاعل)1968، (غيابات)1972، (المدافع الثابت)1983، (مصفي الحساب)1986، (مسافة عن الأحبة)1990، (كفن القزم الخرافي))1998، (العودة إلى مدينة القردة البيض) 2004 و(الجنود الأشباح)2008. عمل تيت أستاذا للشعر في جامعات عديدة وشغل منصب عميد أكاديمية الشعراء الأميركيين منذ عام 2001 حتى وفاته.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحمل هذه القصيدة الحكائية علامات منعطف الحداثة في امريكا. فهي حوار اغترابي مع الذات و الطبيعة.
و لكن اهم شيء طريقة الترجمة و التقديم و التعريف.

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لمتابعتك وتعليقاتك واشاراتك الوجيزة لكن المكثفة والمضيئة.
دمت مبدعا قديرا ...

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عادل صالح الزبيدي صيّاد الفرائد
ودّاً ودّا

هذه القصيدة قصيدة نثرٍ بامتياز , ينطلق شاعرها من السرد مستعيناً به بعد تصعيده
على رسم المشهد من الخارج كمرئيات ومن الداخل بالتوازي مع الخارج كهواجس وحدوس وانفعالات .

كل شيء ها هنا نثرٌ في الظاهر وكلُّ شيء ها هنا شعرٌ في الباطن .
أقول (قصيدة نثر ) ولا أقول : (نصٌ شعريٌّ مكتوبٌ نثراً ) والفرق بين الإثنين كبير فها
هنا في هذه القصيدة يتضح مبنى النص : بدايةً ومتناً وخاتمة وكل نص نثري على
هذه الشاكلة فهو قصيدة لأنه ببساطة عالم ٌ مُكتفٍ بذاته ذو تشكيل خاصٍ به بينما
النص النثري الخالي من هذه السمات مفتوح بلا بناء واضح يمكن التلاعب بصوره
وسطوره تأخيراً وتقديماً مع عدم اكتمال يُغري بالإضافة والحذف .

قد يجادل البعض بأن هذا اللون الشعري أقرب الى القصة وهذا صحيح ولكنّ هذه القصيدة
مثلاً لا حصراً أشد تكثيفاً من السرد القصصي ومعناها لا يكمن في ما تنقله حرفياً بل
في ما وراء ذلك , إنّ لها (إضافةً إلى معناها ) معنى المعنى ومعنى المعنى من خصائص
الشعر دون غيره , إذ أن السرد في القصة والرواية وغيرهما إخباري بينما يصبح في
الشعر الجيد سرداً (إيقاعياً وإخبارياً وتشكيلياً معاً ) وبهذه المواصفات كلها تظهر البنية الشعرية .

القصة القصيرة جداً أو بعض نماذجها الأرقى قصائد نثر أكثر من كونها قَـصّاً لأن القص بحاجة
الى امتداد في الزمن وإلى كتلة كبيرة من السطور على الورق حتى يؤدي دوره الحكائي وفي غياب
ذلك يتحول الى سرد برقي وهنا ينقلب من النثر الى الشعر لأن القصيدة تتعامل بالبرقي صوراً وموحيات
وعلى العكس من ذلك يتعامل النثر , النثر استغراق .
دمت في صحة وأمان واصطياد فرائد يا استاذ عادل .

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والناقد الكبير الأستاذ جمال مصطفى
نعم كما تفضلت هذه قصيدة نثر وقد كان الشاعر يكتب هذا النوع الشعري على انه قصيدة نثر وليس شيئا آخر.
توصيفاتك وتحليلاتك هي دائما توصيفات وتحليلات العارف بأسرار الصنعة الشعرية...
دمت مبدعا كبيرا استاذ جمال...

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
قصيدة نثرية في شفافية سردها المتدفق , الذي يخلط بين الواقعية والسريالية , ولكن تصاعد الفعل الدرامي السريالي اكثر وتيرة في التوجس والقلق . الذي يساور مخيلة الطفلة , في مسألة ذهاب اختها الى مخيم اللاعودة . وانها لن تعود ابداً , كأن مخيم الموت الداخلين لا يعودون الى ابداً , ولا يمكن الخروج منه ابداً . اعتقد هنا السريالية الغرائبية تغلبت على منصات الواقع . بالتهديد الطفلة , التي اخترقها القلق والشك والتوجس , في هالة الخوف . بتهديدها بالذهاب الى مخيم اللاعودة , إن ظلت تلوك الاسئلة الحائرة عن رحيل اختها الى المخيم . كأنه الرحيل الى الموت . لاشك ان المغزى التعبيري لهذا مخيم اللاعودة او مخيم الموت , يحمل عدة تفسيرات وتأويلات متنوعة , وهي تدل عن الفعل السريالي الغرائبي تغلب على الواقع , بواسطة هذا الغول او الكابوس مخيم اللاعودة
ودمت بخير وعافية

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والناقد القدير جمعة عبدالله
شكرا جزيلا على قراءاتك وتعليقك الذي يلقي الضوء على بعض جوانب النص وخصوصا غلبة البعد السريالي الغرائبي على البعد الواقعي فيه مما يستدعي كما تفضلت تعددية التأويلات والتفسيرات.
دمت قارئا وناقدا مبدعا

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4606 المصادف: 2019-04-16 08:39:13