 ترجمات أدبية

خوفنا

صالح الرزوقمختارات من الشاعر البولوني الطليعي

 زبيجنيف هيربرت

من قصائد مجموعته: التجربة  البولونية

إعداد وترجمة: صالح الرزوق

***

*خوفنا  (Our Fear)

خوفنا

لا يرتدي قميص النوم وليس له عيون البوم

لا يرفع قبعة عن رأسه

لا يطفئ شمعة

وكذلك ليس له وجه الرجل الميت

خوفنا

قصاصة ورق تجدها في جيبك وتقول :

" نبّه فويسكي: البيت في شارع دلوغا ساخن "

خوفنا

لا يرتفع بأجنحة العاصفة

ولا يجلس على برج الكنيسة إنه واقعي جدا

وله صورة حزمة تتشكل في السراب

بفعل مؤونة من الثياب الحارة

والذخائر

خوفنا

ليس له وجه الرجل الميت

فالأموات متعاطفون معنا

نحن نحملهم على أكتافنا

وننام معهم تحت غطاء سرير واحد

ثم نغمض أعينهم

ونطبق شفاههم

ونختار أرضا جافة

ثم ندفنهم فيها.

ليس على أعماق بعيدة

وليس على مسافات قريبة من سطح الأرض.

**

* المطر (The Rain)

 

حينما عاد أخي الأكبر من الحرب

كانت له على جبينه نجمة فضية صغيرة

وتحت النجمة

حفرة

قسط من شظية أصابته في فيردون

أو ربما في غرونفولد

(لقد نسي التفاصيل)

أصبح من عاداته أن يتكلم كثيرا بلغات متعددة

ولكن عشق من بينها لغة التاريخ

حتى انقطعت أنفاسه

كان يطلب من رفاق السلاح الذين ماتوا أن يسرعوا

رونالد كوفاليسكي هانيبال

هكذا قال بصوت مرتفع

هنا الحملة الصليبية الأخيرة

وإن قرطاجنة على وشك السقوط

ثم اعترف وهو يبكي

إن نابليون لا يحبه

نظرنا إليه كان يسقط في الإغماء

وحواسه تتخلى عنه

كان يتحول تدريجيا إلى تمثال

إلى أذن تشبه قواقع موسيقية

ولكن وسط غابة من الحجارة

وكانت قشرة وجهه

مقفلة تحت عيون عمياء ومتيبسة كالبراعم

ولم يتبق فيه غير لمسة سريعة ..

القصص التي رواها بيديه..

رومنسيات باليمنى

وذكريات الجنود باليسرى

لقد أخذوا شقيقي وحملوه إلى خارج المدينة

كان يعود في كل خريف

نحيفا وبالغ الهدوء

(لم يرغب بالدخول)

كان يقرع النافذة لينبهني

ثم نسير معا في الشوارع

ويروي لي حكايات بليدة

ويلمس وجهي بأنامل المطر الضريرة

**

* مدينة عارية  (A Naked Town)

في السهول

تلك المدينة

مبسوطة مثل صفائح من الحديد

بيد مبتورة من كاتدرائيتها

مخلب ممدود

بأرصفة هي لون الأمعاء

بيوت محرومة

من جلدها

المدينة

تحت موجة صفراء من الشمس

وموجة طبشورية من القمر

أيتها المدينة

أي مدينة

أخبرني

ما اسم تلك المدينة

تحت أية نجمة هي

على أي درب

أما الشعب:

هم يعملون في المسلخ

في مبنى شاسع

من طوابق إسمنتية خشنة

تحيط بهم

روائح الدم

وصلوات حيوانات مؤمنة وبلا خطايا

هل هناك شعراء

(شعراء صامتون)

هناك أرتال من الجيوش

وثكنة صاخبة واسعة

في الضواحي

في يوم الأحد

وخلف الجسر

في غابات كثيفة فوق

رمال متجمدة

فوق أعشاب ميتة

البنات تستقبلن الجنود

هناك أيضا بعض الأماكن

الخاصة بالأحلام

السينما

بجدار أبيض

وعليها ينعكس ظل الغائبين

قاعات صغيرة

حيث ينسكب الكحول في أكواب

رقيقة أو سميكة

وأخيرا هناك كلاب

كلاب تتضور من الجوع وتنبح

وهذا السلوك يدل

أننا عند حدود المدينة

آمين

أنت لا تزال تسأل

ما اسم تلك المدينة

التي تستحق كل هذا الغضب

أين هي تلك المدينة

على أية حبال للريح هي

تحت أي عمود من الريح

ومن يقطن هناك

هل هم شعب لهم نفس لون بشرتنا

أم شعب لهم نفس وجوهنا ، أم...

 

.....................

ولد زبيجنيف هيربرت عام 1924. وكان أسلوبه يتسم بالطليعية والتهكم ولكن مع التمسك باللغة المعتدلة من ناحية التراكيب. نشر قسطا يسيرا من كتاباته تحت تأثير النظرية الواقعية التي تبناها النظام الشيوعي في بداية الخمسينات. وفي عام 1956 ظهرت أول مجموعاته تحت عنوان (حبل الضياء). وفي عام 1957 نشرمجموعته (هيرمس: كلب ونجم). ثم في 1961 : (دراسة الشيء). له أيضا عدد من المسرحيات الإذاعية. من أهم أشعاره الأخرى: (السيد كوجيتو). رشح لنيل جائزة نوبل وتوفي عام 1998 قبل الحصول عليها.عاش في المنفى الاختياري  لفترة قصيرة قبل العودة إلى البلاد أثناء انهيار النظام العسكري  والدخول في مرحلة من الفوضى  والغموض.

المصدر:

The Polish Experience, by: Zbigniew Herbert, translated by Stanislaw Baranczak and Claire Cavanagh, Polish Literature, Krakow, 2001.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

الرائع دكتور صالح
صباحك جوري
اختيار جملّته ترجمتك الرصينة
وأقول:
وخوفنا محطات ألم عالقة بالذاكرة ..
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الدكتور صالح الرزوق
نحن نخاف إذن نحن موجودون
اختيار ممتاز لمعنى يخص الخوف او يخص الحزن والأسف عن طريق الخوف
تحياتي
قصي

قُصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا، شكرا. ننتظر قصائدك الجميلة و الحزينة.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

هيربيرت ناقد ممتاز لأخطاء البيروقراطية و الديماغوجية. و هو الممهد لسكوت ماينار في مجموعته الصادرة عن المثقف و ليندا بعنوان عديف النحاسيات. كلاهما يوجه سهام نقده لمجتمع مقلوب يسير نحو للخلف و يخاف المستقبل و يكره التفاؤل مع ان من بديهيات الواقعية ان تكون ايجابيا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
ياروعتك في الاختيار في الترجمة . في مواضيع حساسة وقضايا ملتهبة , التي يواجهها الانسان في حياته اليومية ( الخوف . الحرب , المدينة العارية ) وقد ابدعت بهذا التدفق الشفاف في الترجمة , وقد توغلت في اعماق روحية النص , بكل قدرة وذائقة رفيعة في الادب والرؤية ..... حقاً ان هذا غول الخوف , ليس له مظهر او شكل او لون , لكنه يعيش في اعماقنا , وحتى يورقنا في المنام , حينما تكون هناك رياح صفراء تسعر في هبوبها ..... الحرب مهما تبجح المنتصر في انتصاره في الحرب , فأن هناك جرح عميق لا يندمل , مثل هذا الجندي العائد من الانتصار في الحرب و يحمل نجمة فضية , وتحتها حفرة عميقة , يهرشها بالمرارة العلقمية . يعني لا يوجد انتصار في الحرب , بل خسارات روحية ومادية لكلا الطرفين , الغالب والمغلوب .......... الطبيعة جميلة في بهائها وفتنتها , ولكن من يشوهها هو الانسان , من يدنس جمالها ويخربها ويطعن براءتها هو الانسان لا غيره , في زمن الصمت تحت ارتال الجيوش والثكنات العسكرية . لا اقدم شيئاً جديداً , اذا قلت , انت تملك بحق ذوق رفيع في الترجمة , ابداع ورؤية , في اختيار مواضيع تتلائم مع واقعنا بصوره واشباحه
ودمت بخير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

انا مدين لك بهذه المراجعة المؤثرة لقليل من نتاج شاعر بولوندا الاشهر و الاهم زبيجنيف هيربرت. و ستصدر له في مصر لاحقا مختارات هامة بترجمة الشاعر العراقي هاتف الجنابي.
و لكن من ناحيتي ما ينلمني هو صورة عودة البطل من الحرب. منتصرا لكنه مثقوب برصاصة تشبه نجمة حمراء.
من ايام كتب الفنان العراقي علي رشيد قصيدة قصيرة جدا عن عودة اخيه من جلهة ايران شهيدا و قتيلا. لانه كان بقاتل في سبيل وطن لا يحكمه و لا يساهم بصنع قراراته.
شكرا لك و لهذه الكلمة المطولة و الملهمة.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

يمكنني القول : ان هذه القصائد المختارة من شعر زبيجنيف هيربرت هي نماذج مهمة ورائعة
وتُمثّل إسلوبه الذي يتسم بالطليعية والتهكم ...

وأود الاشارة الى ماقام الشاعر والمترجم " هاتف جنابي " من اشعار لهيربرت ، وهي الاخرى
قد اتسمت بالسخرية والتهكم ، ومنها قصيدته هذه :

( الشاعرُ ليسَ ملاكاً
الشاعرُ شاعرٌ
لا يملكُ أجنحةً
فقط يدهُ اليُمنى
ذات ريشٍ.
يضربُ الهواءَ بها
يحلّقُ بعلوّ ثلاثةِ أشبارٍ
ليسقطَ فوراً )

احييك اخي الرزوق على ترجمة هذه المختارات
تحياتي ومحبتي

سعد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك على الاهتمام و التنويه بترجمات الجنابي. اذا توفرت هنا لاقتنيت نسخة، لدي اهتام بالاداب العالمية دائما.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4746 المصادف: 2019-09-03 03:18:58