 ترجمات أدبية

الزٌائِرُ الثٌقِيلُ

عبد الله هاشيبقلم: أنطون تشيخوف

ترجمة عن الإنجليزية: عبد الله هاشي

في كوخ واطئ منكفئ على الجانب يقطنه حارس للغابات اسمه أرطيم، يجلس رجلان. أحدهما أرطيم نفسه، قروي قصير القامة، نحيل الجسم، قد عبثت بوجهه يد الشيخوخة فراكمت عليه الغضون والتجاعيد، بلحية أطلقها فاستطالت وابتعدت عن عنقه. وأما الآخر، فكان صيادا عابرا في ريعان الشباب، طويل القامة، يرتدي قميصا جديدا وواسعا، ويضع حذاء عالي الساق يتغطى بالطين وبالأوحال.

وخلف النوافذ، حيث يجثم الليل بظلمته الحالكة، كانت الريح تنشر بعزيفها الهادر ألوانا من الصخب المتواصل إيذانا من الطبيعة بقدوم عاصفة رعدية شديدة محملة بالبرق والرعد والمطر. استمرت العاصفة تنفث ما في جوفها من الولولة المبرحة والضوضاء العنيف، فكانت الأشجار من سطوتها تنحني متألمة ومتوجعة في خضوع واستسلام، ولبثت أوراقها المتطايرة، وهي ترتطم بالغطاء الورقي الذي رتق به إطار نافذة مكسر، لا تكف عن الخشخشة والصليل والجلبة.

بعيون جافلة، ونظرات محدقة ومركزة على الصياد، راح أرطيم، بصوته الأجش، يتكلم في ما يشبه البوح بالأسرار من شدة الهمس، فقال:

- أستطيع أن أقول لك، أيها الشاب، بأنني لا أخاف الذئاب ولا الساحرات ولا الوحوش الضارية، لكنني أخاف من بني آدم. أنت بإمكانك أن تحمي نفسك من الحيوانات المفترسة بواسطة السلاح أو بأية وسيلة أخرى. لكنك لا تستطيع أن تضمن لنفسك الحماية من الأنذال والأشرار.

- بطبيعة الحال، لا أحد يستطيع ذلك. فأنت من الممكن أن تطلق النار على الوحش المفترس، أما أن تطلق النار على اللصوص، فستجد نفسك تحت طائلة المساءلة بما سيقضي عليك بالنفي الى سيبيريا.

- لقد انصرمت عليٌ، ها هنا، ما يقارب الثلاثين سنة من العمل كحارس للغابات، عرفت فيها من المشاكل وأسباب الغمٌ والانزعاج مع الأنذال والأشرار ما يجعل لساني عاجزا عن البوح بكلمة واحدة. فقد كانوا يتنزٌلون عليٌ بما يتعذر أن تجد لهم عدٌاً ولا حصراً. وهذا الكوخ يقوم على مضاءة بمحاذاتها تمر طريق لا تكف تأتي بكل بائس وتعيس ومنكود. يأتي فيهم الوغد ينفث من حوله اللؤم والشر، ومن دون حتى أن يجشم نفسه عناء رفع قبعته، يبادر مباغتاً ومستعجلاً، فيأمرني: "اعطني قليلا من الخبز". وأنا، من أين لي بالخبز؟ ومن أين له بالحق في أن يطلب مني خبزاً؟ هل أنا مليونير ملزم بإطعام كل سكٌير تقذف به هذه الطريق؟ ثم إني لا ألبث أن ألمح عينيه تتلألآن بالإجرام وبالخبث وبالضعة، فيبادرني في الحين بلا ترد صائحا بأعلى صوته: "اعطني قليلا من الخبز". فأعطيه بعض الخبز. وليس لي أن أدخل في مقاتلة الهمج وأشباه البهائم، مناكب الواحد منهم عريضة عرض فناء البيوت، وقبضتا كفيه لها حجم فردتي حذائك. وأنا – أنت ترى بأم عينيك ما أكون. تستطيع أن تسحقني بأصبعك الصغير. حسناً. أعطيه ما يطلب من الخبز، فيلتهمه بكل ما في هذه الدنيا من شره المنهومين. ثم يعمد فيتمدد هاجعاً على طول الكوخ وعرضه. أما ما له صلة بالتلفظ بعبارات الامتنان والشكر- فليس هو بالرجل الذي يقول شكراً. ثم يأتي من بعدهم قوم يسألونك أن تعطيهم مالاً. يعمد الواحد منهم فيسألك: " قل لي، أين فلوسك؟ ". ترى، عن أية فلوس يتحدثون بوجودها عندي ؟ ومن أين لي بها ؟

ابتسم الصياد وقال له:

- وهل يوجد حارس للغابات تخلو يده من المال؟ أنت تتوصل بمرتبك كل شهر. ومن الضروري، علاوة على ذلك، الإقرار بأنك تتاجر سراً في حطب الغابة.

حدق أرطيم في الصياد بعينين يجتاحهما الرعب. واهتزت من الفزع لحيته فبدا كأنه طائر القعقع يتأرجح ذيله. قال:

- إنك لا تزال بعد شابا صغيرا لكي تقول مثل هذا الكلام. وسوف تكون تحت طائلة المساءلة أمام الله عما بدر منك من ألفاظ. ترى من تكون؟ ومن أية ناحية جئت؟

- أنا ناشيد، نجل حاجب المحكمة، من فياصوفكا.

- أجل. ومن غير أن تستمر في العبث بسلاحك. ولقد كان من عادتي، في شبابي، أنا أيضا، أن تنتزعني نزوة العبث بسلاحي. حسناً. حسناً. أوه. أوه.

تثاءب أرطيم واستطرد يقول:

- إنه لمن نكد الطالع ندرة الأخيار والأفاضل، بينما اللصوص والقتلة لا تستطيع لوفرتهم عدٌاً.

- إنك تتكلم وكأنك خائف مني.

- يا للفكرة. ولم أكون خائفا منك؟ إنني أستطيع أن أرى بأم عينيٌ. كما أني أستطيع أن أحيط بإدراك ما حولي. أنت لم تدخل عليٌ عنوة، بل بكل الدماثة والهدوء، وبكل الاحترام والوقار. ثم إنك قمت بالعبور اليٌ مثلما يفعل كل رجل مستقيم ونزيه. وأعلم أبلغ العلم قيمة ومغزى كل ذلك. ثم إنني لا أبالي إن تركتك تأخذ مما لديٌ من الخبز. فلقد ماتت عنٌي زوجتي، ولم يحصل أبداً أن أوقدت النار في الموقد. وأما الوعاء الذي أحضر فيه الشاي، فقد قمت ببيعه منذ زمن. وترى أنه، الى فقري المدقع وعوزي الشديد، لا يمكن أن توجد لديٌ لحوم أو أشياء من هذا القبيل. أما الخبز – فإني أرحب بك إليه كل الترحيب.

في تلك اللحظة، سمع ما يشبه الهرير من تحت المنضدة، ما لبث أن تلته وشوشة وهسيس، هب على إثرها أرطيم يقفز في مكانه ساحبا قدميه من المباغتة، ولبث يتفحص الصياد بعينيه المتوثبتين. فخاطبه الصياد قائلا:

- إنها كلبتي تشتُمُ قطتك.

ثم إنه صاح في الحيوانين المتواجدين تحت المنضدة:

- يا لكما من عفريتين. اضطجعا، وإلا جلدتكما بسياطي. لماذا، أيها العم؟ ما أشد هزال قطتك. ليست شيئا سوى جلداً على عظم.

- لقد تقدم بها العمر وشاخت. وقد آن الأوان لكي تقتل. هكذا، إذن، أنت من فياصوفكا؟

- أنت لا تقدم لها أي شيء لتأكله. يمكنني أن أرى ذلك. وهي، ولو أنها قطة، فهي مخلوق من المخلوقات الحية. هذا أمر يبعث على الخزي والعار.

واستطرد أرطيم متظاهرا بعدم الانصات لكلام الصياد:

فياصوفكا مكان رهيب محفوف بالخطر وبالأذى. الكنيسة هناك تعرضت هذا العام للسرقة مرتين متتاليتين. وكيف للمرء أن يصدق حصول مثل هذه الأفعال الهمجية؟ ليس وحسب أنهم لا يخافون من الناس، بل إنهم لا يخافون حتى من الله. سرقة ممتلكات الله. أن تصدر الاحكام بالشنق في مثل هذه الحال ليعتبر أقل من القليل بكثير. وكان القائمون بالحكم عليها في سالف الازمان قد دأبوا على ضرب أعناق المجرمين والاوغاد.

- تستطيع أن تقسو عليهم بالعقاب الذي تريد، أن تجلدهم وتضربهم وتسحقهم، أو تنزل بهم الاحكام القضائية الزجرية التي تعجبك، فإنك لا تفعل سوى أنك تضيع وقتك. ذلك لأنك لا تستطيع أن تستأصل الطالح والفاسد من رأس إنسان معتاد على الشر والأذى.

تنهد حارس الغابات وقال بصوت مرتعش:

- العذراء المقدسة تسبغ علينا شآبيب الرحمة وتجنبنا كل مكروه. تحفظنا من شرور الأعادي، وتنقذنا من هسهسة المصائب وحفيف كل جائحة. خلال الأسبوع الذي مضى، في بولوفيتش، قام عامل في التبن بتوجيه ضربة في الصدر لعامل آخر. وواصل ضربه حتى قضى عليه. ما تشاء، يا الله، أن يكون، يكون. وما كان مبتدأ الواقعة في نظرك؟ عامل التبن غادر الحانة سكراناً، فالتقى عاملا آخر سكراناً أيضا –

فجأة، مدٌ الصياد عنقه قليلا الى الامام، وشرع يصوب أذنه في عملية إصاخة مركزة لالتقاط بقية من صوت أو صدى. يقاطع حارس الغابات ثم يخاطبه:

- توقف. أعتقد أني سمعت مناد ينادي.

اتجهت العيون المحدقة للرجلين صوب النافذة المظلمة، وأصاخا السمع في انتباه عميق. وتمكنا خلال الضوضاء المنبعث من غصون الشجر من تمييز الأصوات التي عادة ما تدركها الأذن زمن هبوب العواصف. وبدا من الصعب عليهما أن يتبينا في ما إذا كان الامر حقيقة يتعلق بمناداة إنسان أم بعصف من عصوف الريح في المستوقد. في تلك اللحظة، هبت الريح هبوبا شديدا تمزقت له أطراف السقف وتصلصل له الغطاء الورقي للنافذة. وكانت هبٌة حملت بين ثناياها صرخة واضحة لا مراء فيها: " النجدة ".

صاح الصياد، وهبٌ واقفا، وقد شمله الشحوب:

- لا تكف تأتي على ذكر المجرمين والقتلة. ها هم قد حضروا. هناك إنسان يتعرض، الآن، للسلب والنهب.

ونهض حارس الغابات يقف على رجليه وقد اجتاحه الشحوب بدوره، ثم همس:

- الله يحفظنا.

ألقى الصياد عبر النافذة نظرات غير مميٌزة هنا ونظرات أخرى هناك، ثم تقدم بخطوات واسعة الى خارج الكوخ مدمدماً:

- يا لها من ليلة. يا لها من ليلة. قد اسودٌت كأنما قدٌت من قطران خالص. وإنها لبكل مواصفات الليالي المواتية للإقدام على السلب والنهب. هل بلغ سمعك هذا؟ إنها صرخة ثانية.

تأمل حارس الغابات منظر الأيقونة إزاءه، ثم نقل بصره الى الصياد، فاجتاحته موجة من الوهن خرٌ على إثرها متمددا على طول المقعد الطويل مثلما يفعل المصدوم المباغت بالخبر المفجع. قال في ما يشبه النحيب:

- آه، يا بنيٌ. انطلق الى ردهة البيت، وقم بإحكام غلق الباب الخارجي بالمزلاج. ومن الضروري نقل الإضاءة لتشمل الجانب الخارجي للكوخ.

- ولأيٌ غرض مفيد؟

- لا بد أنهم قادمون لكي يدخلوا علينا. من يدري؟ نحن جميعا أصحاب آثام بائسين.

- إن المطلوب منا هو أن نخرج، وهذا أنت تسألني أن أحكم إغلاق الباب الخارجي بالمزلاج. تعال. هل سننطلق؟

رمى الصياد ببندقيته على منكبه،وأمسك بقبعته وهو يخاطب حارس الغابات:

- تدثٌر بمعطفك، وهات معك سلاحك. 

ثم إنه صاح في كلبته:

- تعالي معي يا فليركا.. تعالي.. فليركا..

ومن تحت المنضدة هبٌت الكلبة، وهي مزاوجة ما بين نوعي الساطر والدرواس، وتقدمت مستلقية عند قدمي سيدها يتهادى ذيلها ويهتز.

وصرخ الصياد في حارس الغابات:

- أراك لا ترغب في الوقوف. أولست تأتي معي؟

- إلى أين؟

- لتقديم المساعدة.

وبدرت من حارس الغابات حركة تنم عن الاستخفاف واللامبالاة، شرع بعدها يتكور بلا انقطاع حول نفسه. وإذا به يقول:

- وما الذي يلزمني بالذهاب؟ أتركه لوحده.

- وما يكون السبب الذي يدفعك الى عدم المجيء؟

- بعد كل هذه الحكايات الدموية المفزعة التي ذكرناها، أرفض أن أخطو خطوة واحدة في قلب هذا الظلام الدامس. أتركه لوحده. لقد رأت عيناي في هذه الحراج أشياء توقع الرهبة في النفس.

- وما الذي يخيفك؟ أوليس لديك سلاح؟ هيا بنا. إنه لمن الجبن أن أذهب وحدي. معاً، نحن الاثنين، سوف يكون الأمر رائعاً. هل سمعت هذا؟ إنها صرخة أخرى. انهض.

ارتفعت آهات حارس الغابات، وما لبث أن قال:

- هل تحسب أنني طفل صغير. هل تعتقد بأني سأقبل الذهاب الى هناك كالمغفل لكي أعرض نفسي للقتل؟

- إذن، سوف لن تأتي؟

صمت حارس الغابات ولم ينبس ببنت شفة. ثم إن الكلبة، ربما لسماعها الصرخات الآدمية المستغيثة، شرعت ترفع الى السماء نباحاً مفعما بالكآبة والوحشة والغمٌ.

حملق الصياد غاضباٌ في حارس الغابات ثم صاح فيه:

- هل ستأتي.. إني أسألك؟

وبوجه عابس اتشحت قسماته بالتجهم قال حارس الغابات:

- إنك تقلقني. لك أن تذهب أنت.

غمغم الصياد: " أنت.. أيتها البهيمة القذرة ". ثم وهو يتجه قاصدا الباب: " فليركا.. تعالي.. ".

وانطلق الصياد الى خارج الكوخ وقد ترك وراءه الباب مشرعا. فهبت الريح تجرف أوصال الكوخ. وأومضت الشمعة ثم خبت. ثم أومضت ثانية وتوهجت أضواؤها بالإشراق. ثم لم تلبث أن انطفأت.

وحالما أغلق حارس الغابات الباب من وراء الصياد، راحت عيناه تجوب برك الماء المتناثرة عبر المضاءة، وتستعرض أشجار الصنوبر وهيئة ضيفه تتكشف بين الفينة والأخرى في ومضات البرق، بينما واصل الرعد قصفه المدوي في أطراف قصية وآماد بعيدة.

وبكل العجالة، قذف بالمزلاج في موضعه وهو يهمس:

- رهيب. رهيب. رهيب. يا لها من عاصفة سلطها الله علينا.

حين عودته الى الغرفة، تحسس طريقه الى الموقد، ثم صعد فوقه الى مضجعه، وأسدل الغطاء على رأسه. في انحشاره داخل معطفه المصنوع من جلود الغنم، مكث يصيخ السمع بغية التقاط كل ما يمكن الاصاخة اليه. كانت الصرخات قد توقفت. لكن الرعد عاود هجمته بصخبها الهادر أكثر فأكثر، يقصف القصفة ثم لا يلبث أن يتبعها بقصفة أكبر. وهطل المطر سيولا جارفة ظلت تشتد ضراوة ارتطامها بزجاج النافذة وبلوحة اطارها الورقية.

قال حارس الغابات في نفسه: " يا لها من عاصفة ". وشرع يرسم في خياله صورة للصياد وقد تبلٌل من قمة رأسه الى أخمص قدميه، وقدماه لا تنفكان تزلان به في اصطدامهما ببقايا جذوع الشجر وبالأخشاب المقطعة، ففكر: " لا بد أن أسنانه تصطك من الخوف ". 

لم تنصرم بعد أكثر من عشر دقائق، حين نمى الى سمعه وقع خطوات تلتها دقات قوية على الباب، فصاح:

- من هناك؟

وجاءه صوت الصياد:

- أنا، افتح الباب.

ونزل حارس الغابات من فوق الموقد، وتحسس الطريق الى الشمعة فأضاءها، ثم اتجه الى الباب يفتحه. كان الصياد وكلبته مبتلٌين حتى الجلد. فقد باغتتهما زخات المطر في أوج ضراوتها الجارفة، فأصبحا من فرط ما كان يتصبب منهما كأنهما خرقتان من الاسمال الرثة تفيضان بسيول المطر فيضاً.

وعمد حارس الغابات فسأل:

- ماذا جرى هنالك في الخارج؟

رد عليه الصياد وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه:

- امرأة على متن عربتها خرجت عن الطريق، وسقطت في حفرة.

- يا لها من بلهاء. ثم إنها خافت، على ما أفترض. وهل قمت بإعادتها الى وضعها على الطريق؟

- أرفض أن أجيب جباناً مثلك.

ثم إن الصياد رمى بقبعته المبتلة فوق المنضدة، وواصل كلامه:

- الآن، أعرف بأنك جبان، وبأنك حثالة البشر على هذه الأرض. ولقد كان من المفترض فيك أن تضطلع بمهمتك باعتبارك حارساً، لاسيما وأنك تتوصل بأجرتك الشهرية من أجل القيام بذلك. أنت يا كومة من القمامة، يا عديم النفع، و يا حقير.

وبشعور مقيم بالإثم، زحف حارس الغابات في اتجاه الموقد، ثم استلقى في مضجعه والأنين يتصاعد منه. أما الصياد، فقد جلس فوق المنضدة، وأخذته سنة من التفكير والتأمل، وما لبث، على ابتلاله، أن ارتمى متمددا عليها. وقفز، في اللحظة الموالية، وانتصب. أطفأ الشمعة، وعاد ليتمدد من جديد على طول المنضدة. وما إن ضج الرعد يملأ الدنيا بهزيمه المدوي الفريد حتى دار وانقلب على نفسه، فهب كزخات المطر ينفث الدمدمات:

- وهكذا، فالرجل خائف – وماذا لو كانت المرأة تتعرض لمحاولة القتل؟ من تراه المعني بتقديم يد العون لها وإغاثتها؟ وفضلا عن ذلك، فالرجل متقدم في السنٌ، ويدين بالديانة المسيحية... خنزير قذر.. هذا ما يكون. وإنه كذلك.

ظل حارس الغابات لا ينفك يطلق الزفرات الثقيلة المشمولة بعبارات الضجر والتأفف. بينما لبثت الكلبة فليركا ترجٌ نفسها في الظلام رجٌاً شديدا كيما تتخلص من البلل، فكانت تتناثر عنها قطرات الماء في شتى الاتجاهات والأماكن.

واستطرد الصياد:

- لا يمكن أن أزعم بأنك كنت ستظهر ذرة صغيرة من الاهتمام لو تعرضت المرأة العجوز للقتل. وبعون الله، لم أكن أعرف بأنك رجل مثل هكذا.

أطبق الصمت وساد، وهدأت العاصفة، وابتعدت قعقعة الرعود، لكن تواصل نزول المطر.

واندفع الصياد فجأة يتكلم على نحو عنيف:

- ما ذا لو كنت أنت الذي كان يصرخ طلبا للنجدة وليس المرأة؟ ماذا كان سيكون شعورك، يا بهيمة، إذا لم يسارع أحد لإغاثتك؟ إنك، بتصرفاتك الجبانة، تدفع بي الى حافة الجنون. اللعنة عليك.

عندئذ، وكان قد مر فاصل من الزمن، عاد الصياد يقول:

- إذا كنت تخاف الناس، مثلما هو واضح عليك، فلا بد أن لديك فلوسا تخبئها في مكان ما. ذلك لأن المرء على هذه الدرجة من الفقر المدقع، لا يمكن أن تتملكه مثل هذه الرهبة والخوف.

ومن الموقد جاء صوت أرطيم كنقيق الضفادع:

- ستسأل عن كلامك هذا أمام الله. لست أملك سنتاً واحداً.

- هراء. الجبناء دائما يكون لديهم الكثير من الفلوس. وأرى بأني سوف أنتزعها منك بالقوة، حتى ألقنك درساً.

وبكل الصمت، نزل أرطيم ينسلٌ انسلالا من فوق الموقد، ثم أشعل الشمعة، واقتعد مكانا أسفل الايقونة. كان الشحوب باديا عليه، ولبثت عيناه محدقتين في الصياد، لا ترغبان في الانتهاء من النظر فيه.

واستأنف الصياد كلامه قائلا:

- أجل. من المؤكد أنني سأسلبك فلوسك. ماذا كنت تعتقد؟ أوليس من الواجب على المرء أن يلقن أخاه بعض الدروس؟ قل لي، إذن، أين تخبئ الفلوس؟

سحب أرطيم رجليه اليه ووضعهما أسفل منه، ثم مكث يطرف بعينيه. وخاطبه الصياد:

- بأي شيء تحاول أن تتشبث؟ هل تراك فقدت لسانك؟ يا مهرج و يا تافه. لماذا لا تجيب عن سؤالي؟

وهبٌ الصياد واقفاً، وبخطوة واسعة، تقدم صوب حارس الغابات، ثم خاطبه:

- الرجل قاعد هاهنا وعيناه تجحظان بالنار، تكادان تخرجان من محجريهما، مثل البومة. حسناً. هات الفلوس وإلا فإني سأطلق عليك النار من سلاحي هذا.

وانفجر حارس الغابات في النشيج والانين، وتدحرجت على وجنتيه سلسلة دمعات كبيرة. قال:

- لماذا تعذبني؟ ماذا فعلت لك؟ الله شاهد على كل شيء. ستسأل عن كلماتك هذه أمام الله. ولست تملك الحق أن تسألني أن أعطيك فلوسي.

نظر الصياد الى وجه أرطيم يتقطر بالعبرات، فاجتاح العبوس والتجهم محياه. وفي عدة خطوات، جاب الكوخ، ثم، بغضب، أطبق على قبعته، ووضع يده على سلاحه، ومن بين أسنانه، راح يدمدم:

- إن منظرك ليثير التقزز في النفس. وإني عاجز عن تحمل مواصلة النظر اليك.. ولا يمكن، بأي حال، أن أقضي الليل هنا. الوداع. تعالي يا فليركا.

غادر الزائر الثقيل خارجاً تصحبه كلبته، وانصفق الباب من ورائه بضجة مدوية. ونهض أرطيم وأحكم إغلاقه بالمزلاج. وعمد فرسم على نفسه إشارة الصليب، ثم تمدد في مضجعه.

Wordsworth Classics – Selected Stories: Anton Chekhov

www.wordsworth-editions.com

     

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4888 المصادف: 2020-01-23 02:23:57