 ترجمات أدبية

قصيدة غنائية

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: أتيلا جوزيف

ترجمة: عامر كامل السامرائي

مهداة إلى الشاعر المتألق ناصر الثعالبي

الذي غادر بودابست حاملاً مجموعة الشاعر أتيلا جوزيف


جالسٌ هنا على شفى جُرفِ صَخرٍ نيِّرٍ.

نسماتُ صَيفٍ طريٍّ، تضوعتْ

مثلُ وجبة عشاء شهيِّة دافئة.

أُعوِّدُ فؤادي على الصمتِ.

ليس هذا بمُتَعَذّر -

يجيشُ بما مضى،

اليدين واهنة والرأس ينحني

 

أتطلع إلى أعراف الجبال -

تلألؤ جبينك

يومض كل ورقة

لا أحد على الطريق، لا أحد،

أرى، ثوبكِ تُرفرفُ الريح أطرافه.

وتحت الأعراش الغضة

أرى خصلات شعركِ تنضَّلت مهتزة

فأجفلتْ صدركِ الناعم،

- إذ فاض جدولُ "سينڤا*"-

ها أنا أراه مرة أخرى، يتدفق

على الحصى البيضاء المكورة،

كثغركِ الساحر المُتبسم.

***

 

.......................

* "سينڤا" جدول يجري في مدينة ميشكولتس التي تقع شمال المجر، طوله 30 كيلومتراً. (المترجم)

ولد الشاعر أتيلا جوزيف عام 1905 و منتحراً في عام 1936. يعتبر أحد أكثر الشخصيات البارزة في الشعر المجري المعاصر. عاش حياة قاسية جداً، بين الفقر المدقع، والتنازلات الكثيرة التي أدت به العزلة والشعور المستمر بالإحباط.

التحق بجامعة (سَكد)، ولكن تم طرده نتيجة لاحتجاجات اليمينية بسبب قصيدته اليسارية "بقلب نظيف". ثم التحق بالجامعات الغربية: أستمع إلى محاضرات في جامعة ڤينا، ثم درس في جامعة السوربون في باريس وحسن مهاراته اللغوية. في غضون ذلك، تعرف على الشعر الألماني والفرنسي المعاصر، والذي كان ل"فيلون" تأثيراً كبيراً على شعره.

حاز على جوائز عديدة، ولكن كلها كانت بعد وفاته.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (16)

This comment was minimized by the moderator on the site

تصويب !
ولد الشاعر أتيلا جوزيف عام 1905 ومات منتحراً في عام 1936.

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الحبيب عامر السامرائي المترجم القدير
بجزيل من الشكر والامتنان تلقيت هديتك الثمينة جدا لرقي اختيارك ولندرة غزل اتيلا بحياته المثقلة بالعذاب

انظراليه كيف يتعذب


بقلب نقي

ليس لي أب، ولا أم،
لا إله، ولا وطن،
لا مهد، ولا كفن،
لا قبلة، ولا حبيبة.
لليوم الثالث لم آكل،
لا الكثير ولا القليل.
سنواتي العشرون قوتي،
للبيع هي سنواتي.
إن لم يحتجها إنسان،
فليأخذها الشيطان.
بقلبٍ نقي سأنهب،
وإذا ما اضطررت، سأقتل.
سيمسكونني ويشنقونني،
ويهيلون التراب المبارك عليّ
فينمو عشب قاتل
على قلبي الجميل الرائع.

وحين طرد من التعليم قال
سوف اعلم شعبي
ولكن ليس في الثانويه
وحين طرد من الحزب والعمل قال
سأقرفص امام القطار المندفع
وفعلا انتحر تحت عجلات القطار مقرفصا
اخي الاديب الجميل..شكرا لك . زدنا لنتعلم ..ملاحظه ..الشعراء المجريون رحلو مبكرا
شاندور بتوفي (1849 -1823
أندره آدي 1918 -1909
ميكلوش راد نوتي 1944 -1909

ناصر الثعالبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الحبيب ناصر الثعالبي/الشاعر المتألق

أسعدني جداً تعليقك ورضاك عن الأختيار، فكما تعلم من الصعب جداً أن تجد للشاعر أتيلا جوزيف قصيدة غزلية كاملة، من دون أن تتخللها كلمات حزينة و مأساوية، وهذا هو أحد الأسباب الذي يجعلني أتأخر في ترجمة قصائده..

وأود أن اعرف عن مترجم المجموعة التي معك وبأي تأريخ صدرت، فالقصيدة التي وضعتها هنا كانت ترجمتها جيدة جداً.

أما عن شعراء المجر ورحيلهم المبكر فهذه حقيقة للأسف. عدا شاعر أسمه جورج فالودي فقد عاش 96 سنة، وتزوج وهو في التسعين من عمره.

وعن تأريخ وفاة أتيلا جوزيف، فنعم التأريخ الذي ذكرته صحيح، والسهو قد وقع من طرفي.

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الحبيب عامر ..اتيلا مات منتحرا في الثالث من سبتمبر 1937

ناصر الثعالبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع والمترجم الحاذق عامر كامل السامرائي
قصيدة منسابة بمعانيها ومسترسلة في الأسلوب وزاخرة بصور الحبّ الرومانسي
والترجمة ــ رغم عدم معرفتي بالهنغارية ـ تبدو لي جميلة ورائعة باختيار المفردات
لي ملاحظة بسيطة :
نحويا يجب أن تصحح العبارة:
اليدين واهنة والرأس ينحني
إلى:
اليدان واهنتان والرأس ينحني
والسبب أن المثنى في حالة الرفع يرفع بالألف والنون وينصب ويجرّ بالياء والنون
وبما أنّ اليدين هما مبتدا والمبتدأ مرفوع لذا وجب أن تكتب الكلمة على النحو التالي ( اليدان‘)
وأما كلمة واهنة فهي صفة تطلق على المفرد والجمع ، ولا تطلق على المثنى
وبما أنّ الموصوف هو مثنى ، والصفة تتبع الموصوف لذا وجب أن تكون الصفة أيضا مثنى( واهنتان) مطابقة للموصوف وهو هنا ( اليدان )
أرجو أن يتسع صدرك لملاحظتي
فأنا قصدي التصويب فقظ وليس اقتناص الهفوات ، فهذا ليس من عاداتي
ختاما أهدي أجمل التحيات للمُهدي وللمهدى إليه
ودمتما في سرور وصحة وعافية

جميل حسين الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع جميل حسين الساعدي

أشكرك جداً على استحسانك ورضاك عن الترجمة والإختيار.
وشكر خاص لملاحظاتك القيمة، فوالله يسعدني جداً هذا التقويم والتصويب..وكما تعلم أخي الحبيب أثناء الترجمة يتم تغيير مواضع الكلمات، ويفوتني تغيير قواعدها النحوية.. ففي النص الأصلي جاءت كلمتي "الرأس ينحني" قبل "واليدين واهنتين"، ولكنني قدمت الكلمتين ووضعتهما في بداية الجملة ونسيت تغييرهما على قواعد المبدأ والخبر..

ولكن في كل الأحوال فأنا أعترف بقصور معرفتي بكل قواعد اللغة العربية.. وصدري يتسع لكل الملاحظات والتصويبات، فكيف لا وهي تصدر من شاعر قدير وخبير باللغة مثلك..

ودمت أخي الحبيب جميل بصحة وعافية وعطاء دائم

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

ملاحظة سقطت كلمة ( المؤنث) من جملة:
وأما كلمة واهنة فهي صفة تطلق على المفرد والجمع ،
الصحيح:

وأما كلمة واهنة فهي صفة تطلق على المفرد المؤنث والجمع ،
أعتذر عن السهو

جميل حسين الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

عامر السامرائي الأديب الجاد والمترجم المثابر
ودّاً ودّا

شكراً على ما تتحفنا به من الشعر المجري المعاصر أخي عامر .
سبقني الشاعر الساعدي فأشار الى ما كنت اريد الإشارة اليه وبقيت
أشياء صغيرة سأقولها كرأي يحتمل الخطأ والصواب وأولها في
اعتقادي ان المترجم ليس بحاجة الى أن يلجأ في ترجمة الشعر المعاصر
الى مفردة قليلة الإستعمال في العربية المعاصرة منعاً للإلتباس وإذا
وجد المترجم بديلاً معاصراً لها فهذا أفضل وإذا لم يجد فعليه الإشارة
الى معناها في الهامش , أقول هذا وأقصد أرى خصلات شعركِ تنضَّلت مهتزة )
إن ( تنضلت ) غير مألوفة وكان بمقدورك أن تقول برزت أو نتأت أو برزت مع
الإعتذار لأنني لا أعرف كيف استخدمها الشاعر في لغته .
ملاحظة لغوية عابرة تخص صياغة هذا السطر :(على الحصى البيضاء المكورة )
في الحقيقية كان بمقدورك أن تقول : (على الحصباء البيضاء ) وعندها لا تبقى حاجة
للصفة ( مكورة ) لأن الحصباء صغار الحصى وهو مكوّر بطبيعته وكان في مقدورك
أن تقول : على الحصى الأبيض المكوّر وهكذا تستقيم الجملة .
لا أتحدث في تعليقي هذا عن الأصل وملاحظاتي تنصب على الصياغة العربية فقط وقد
أكون مخطئاً .
(أرى، ثوبكِ تُرفرفُ الريح أطرافه.)
في اعتقادي ولا أجزم ان جملة شعرية كهذه الجملة ستكون أجمل في العربية
لو انها جاءت بالصيغة التالية : (أرى ثوبكِ تُرفرفُ أطرافه الريح .) .
الترجمة من أصعب الأنشطة الإبداعية خاصة في تعريب الشعر والمترجم
يُشكر مرتين , مرّة على اختياره وأخرى على ترجمته وهو في جميع الأحوال
صاحب أفضال علىينا جميعاً .
دمت في أحسن حال أخي عامر .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الحبيب والشاعر المبدع وصاحب الخيال الرحب جمال مصطفى

فوالله آنت صاحب الفضل على تقويمك وتصويباتك.. ولا أخفي عليك بأنني عندما أخترت كلمة "تنضلت" كنت متردداً جداً بين تركها أو استبدالها فقد نصحني أخي زياد أيضاً بذلك ولكنني لم أجد أقرب منها بالمعنى للنص الأصلي إلا هذه الكلمة..
ولكن سأخذ بنصيحتك وأتجنب استخدام كلمات نادرة أو قليلة الإستعمال، لكي لا يضطر القارئ للبحث عنها في القواميس..فشكراً لك على هذه النصيحة..

أما جملة (على الحصباء البيضاء) فمعك الحق، ففي اللغة المجرية لا توجد مثل هذه الصورة الجمالية، وكان بإمكاني أن اترجمها هكذا، لولا إلتصاقي بالنص الأصلي ☺️. والجملة (على الحصى الأبيض المكوّر) هي الأقرب للنص الأصلي.

وكذلك هذه الجملة (أرى ثوبكِ تُرفرفُ أطرافه الريح)، فهي أجمل فعلاً وأقوم قيلا..

أشكرك أخي الحبيب جمال على ما تفضلت به ودمت بخير وعافية وعطاء دائم

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
ترجمة شفافة متناسقة في عذوبتها , ودخلت في عمق القصيدة وخوالج الشاعر نفسه . وهذا الشيء الجوهري من الابدع في الترجمة . لا الزروقة اللغوية والبلاغية على حساب النص الشعري , وهذا ما اتحاشاه في الانغمار في الترجمة . لكنك متمكن في الطرفين وفي الاختيار المناسب . في قصيدة تنظر الى العالم وحركة الناس من طرف الصخرة العالية , ويتطلع اليه . ولم تكن حبيبته جنبه , وانما يتطلع في ملامحها في خيال الذي رسمه ذهنه
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والناقد الجاد جمعة عبدالله

أشكرك جدا على استحسان الترجمة وتعليقك الجميل.
هذا الشاعر المجري مات منتحرًا بسبب البؤس والعوز الشديدين اللذين رافقا حياته منذ الطفولة. ورغم كل معاناته كان يكتب عن الحب، وإن كان ما كتبه عن الغرام قليل جداً. هذا المقطع من قصيدة طويلة تتألف من خمسة مقاطع. اخترت للترجمة المقطع الأول كونه جميل وشاعري، ولانه إهداء للشاعر ناصر الثعالبي.

دمت اخي جمعة بصحة وعافية وعطاء مستمر

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

السامرائي اخي

لمحة تاريخية عن الأدب المجري
المجر دولة أوروبية صغيرة، داخلية من دون سواحل، وتسمى عادة هنغاريا. عاصمتها (بودابست) التي تقع على ضفتي نهر (الدانوب) في شمال المجر، وهي تمثل مركز الثقافة والصناعة المجرية. قُسِّمَت المجر إلى (19) إقليماً، و(6) مدن، يحكمها مجلس ينتخب الشعب أعضاءه لأربع سنوات. يُشكِّلُ المجريون (95%) من السكان، أمَّا الأقليات الأخرى فهي: الغجر، والألمان، والسلوفاكيون، والكروات، والصرب، والرومانيون. ويرجع أصل المجريين إلى قبائل هاجرت من الشرق إلى المجر في القرن التاسع الميلادي. أما اللغة الرسمية في البلاد فهي المجرية، وتوجد أيضاً لغات أخرى خاصة بالأقليات. ويتكلم سكان الأقاليم المختلفة اللغة المجرية بلهجات مختلفة[1].

تنتسب اللغة المجرية إلى عائلة اللغات الأورالية القديمة، وفرعها الفنوغوري، وقد نشأت وتطورت في سهوب غربي سيبيريا ومناطق آسيا الداخلية. بدأت اللغة المجرية بالتكون قبل نحو (2500-3000 سنة) عندما اضطرت القبائل المجرية إلى الهجرة جراء ضغط الشعوب التركية التي فقدت مراعيها بسبب الجفاف، وذلك في مناطق ما يسمى بـ (شقيريا) اليوم[2].

حفظ المؤرخون القدامى بعض القصص المجرية البدائية، ومن بين أهم القصص التي وصلت إلينا قصة (الغزال العجيب) و (طير الرخّ) التي تروي أصل المجريين وطريق وصولهم إلى أوروبا. وقد لعب الملوك المجريون الأوائل دوراً مهماً في تشكيل ورعاية الثقافة والأدب، مثل الملك (لاسلو) والملك (كالمان) في أواخر القرن الحادي عشر، والملك (بيلا الثالث) في القرن الثاني عشر، ووصلت المجر إلى الذروة الثقافية في عهد الملك (ماتياش) في القرن الخامس عشر حيث احتلت موقعاً مهماً في أوروبا عصر النهضة. ومن أهم أدباء هذه المرحلة (يانوس بانونيوس) (1434-1472م) الذي كتب نحو أربعمائة قصيدة جذابة متينة البناء، لكن باللغة اللاتينية.

وشهد منتصف القرن السادس عشر ظهور الأدب المكتوب باللغة الوطنية المجرية واحتلال اللغة موقعها الذي تستحق في الأدب. وقد برز في هذه الفترة (بالينت بالاشا) (1554-1594م) وهو أهم الشعراء الذين كتبوا بالمجرية والذين احتلوا مكانة حتى على مستوى الأدب الأوروبي عموماً.

أما في القرن السابع عشر فقد برز من الأدباء المجريين (ميكلوش زريني) (1620-1664م) الشاعر والكاتب والسياسي الذي كتب في معظم الأغراض التي عرفها عصره، حتى الملاحم. ويُلاحَظُ أنَّ شِعْرَهُ تجديديٌّ في بنائه وإيقاعه.

ومن أبرز ممثلي عصر التنوير في المجر (جورج بَشنيَي) (1747-1811م) الذي لعب دوراً أساسياً في تطوير اللغة والثقافة المجريتين، و(فرنتس كازينتسي) (1759-1881م) الكاتب والصحفي واللغوي الكبير، الذي دعم ظهور المسرح المجري واهتم بحركة الترجمة، وأسهم في ترجمة أعمال (شكسبير، وغوته، وليسنغ، وموليير).

وبمبادرة من الكونت (إشتفان سَيْتشَني) رائد حركة تحديث المجر تشكلت أكاديمية العلوم المجرية في عام 1830م التي رعت الأدب واتجاهات تطوره اللاحق، وتعزز دور المسارح الناطقة باللغة المجرية في مدن الأقاليم، وكذلك في (بشت) العاصمة قبل توحيد المدن الثلاثة (بشت، وبودا، وبودا القديمة) لتشكيل (بودابست) المعاصرة عام 1873م. كما تعزز موقع الصحافة اليومية والدورية في الحياة الأدبية والسياسية للبلاد، ومن أبرز ممثلي هذا العصر (ميهاي فُرشُمارتي) (1800-1855م) الشاعر الإنساني الكبير، وأحد أفصح الشعراء المجريين لغة، و(يوجيف كاتونا) (1791-1830م) الأديب والمترجم والمخرج والممثل المسرحي الشهير، و(كاروي كِشفالودي) (1788-1830م) رائد المسرح الكوميدي والشخصية الأدبية التي تحلق الأدباء حولها. أما (فرنتس كُلتشَي) (1790-1838م) فقد كتب شعر النشيد الوطني المجري[3].

ومنذ أربعينيات القرن التاسع عشر، تعزز الاتجاه الشعبي في الأدب، وحافظ الشعر الغنائي الوجداني على موقعه في الصدارة، متمثلاً بعمالقة الأدب المجري الذين خرجوا من محيطهم المحلي ليشتهروا في أنحاء أوروبا والعالم، وفي مقدمتهم (شاندور بتوفي) الشاعر الثوري، و(يانوش أران) أمين عام الأكاديمية المجرية، و(إمره مَداتش) (1823-1864م) صاحب (تراجيديا الإنسان) أشهر دراما مجرية، ويعد (موريوكاي) (1825-1904م) أهم كاتب قصة رومانتيكي مجري، صاحب (الماسات السوداء) و(الأرض تدور مع ذلك).

وفي مطلع القرن العشرين تعاظم النقد الاجتماعي الذي وجهه الأدباء في خضم ظهور مختلف التيارات الفلسفية السياسية المتصارعة في أوروبا، وتشكلت خلال هذه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى المدرسة الواقعية في الأدب. ومثَّلَ الكاتبان القصصيان (كالمان مِكسات) (1847-1910م) و(غيزا غاردوني) (1863-1922م) هذه المرحلة أفضل تمثيل. أما العصر الذهبي للأدب المجري فقد بُني على أيدي مجموعة من الكتاب والشعراء الكبار ممن يعرفون بجيل الغرب (نيوغات) وهو عنوان مجلة أدبية ثقافية استمرت في أداء دورها الريادي لعقود. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت تجمعات مختلفة من الأدباء وعدد كبير من المنابر والمجلات، مثل (المجريون، القمر الجديد، الجواب، المنبر، الحقيقة، النجمة, وغيرها).

وفي الستينيات من القرن العشرين ظهر عدد من الدوريات الراقية مثل (الحياة والأدب) التي لا تزال في الصدارة إلى اليوم، و (المعاصر) التي تصدر عن اتحاد الكتاب المجريين الذي تأسس عام 1949م، و(العالم الفسيح)، و(الكتابة الجديدة)، و(العصر الحالي)، وغيرها. ومن أبرز أدباء تلك الفترة (يانوش بلينسكي) (1921-1981م)، و(فرنتس يوهاس) (1927م)، و(شاندور تشوري) (1930م)، و(إشتفان أركين) (1912-1979م) وهو الذي كتب قصة (عائلة توت) التي اشتهرت أوروبياً وعالمياً[4].



يوجيف اتيلا
(1905-1937م)
كان الشاعر الفرنسي (جيلفيك) يصف (يوجيف اتيلا) بأنه شاعر الصراحة والعنف والأسلوب المباشر والدقة والنغم الصادق. فَصُوَرُهُ تنطلق كما لو كانت تتدفق من حياته القاسية، لأنها تنبع من تجربته كبائس وشرير ومكافح مدموغ بالطابع المميز لبلده. وهو يتمتع بموهبة السمو والقُدْرَة على الارتفاع بكل شيء إلى المستوى الذي يجعل الهزيمة الشخصية انتصاراً على الشقاء.

ويقول الدكتور محمد مندور إن الشاعر (يوجيف اتيلا) يُعد ممن يمكن أن نسميهم شعراءَ البؤس الثائر، أولئك الذين لاحقتهم الحياة بشتى المحن فتألموا واشتكوا وتمردوا وثاروا، فاستجابت لهم نفوس البشر في معظم بقاع العالم، حتى رأينا (يوجيف اتيلا) يحظى بشعبية واسعة لا في المجر وطنه الأصلي فحسب، بل وتمتد شهرته إلى معظم بلاد العالم فتنقل أشعاره إلى لغاتها ويتداولها الناس.

وقد احتفظ (اتيلا) بذكريات مؤلمة مريرة عن أمه التي ربته يتيماً وإخوته، وعن المهنة الشاقة التي كانت تزاولها، فقد كانت تعمل غسالة ملابس بالأجرة، وصاغ تلك الذكريات في عدة قصائد تحت عنوان (ماما) أو (أمي). ففي إحدى تلك القصائد يحدثنا عن ذكرى أمه التي تلاحقه وتستبد به فيروي كيف كانت تصعد إلى السطح حاملة سلة الغسيل الثقيلة وهي تئز معلقة في ذراعها بينما (اتيلا) الطفل يبكي ويصرخ ويضرب الأرض بقدميه طالباً إليها أن تحمله هو بدلاً من أن تحمل السلة.



(أُمِّيْ)


طَوالَ الأُسْبُوعِ كُلِّه
جَذَبتْني فِكرةٌ واحدة.
إنني أُفكِّرُ بلا انْقِطاعٍ في أُمِّي
خَيالي يَسْتَحْضِرُها وهِيَ تَصْعَدُ في سُرْعَةٍ نَحْوَ السَّطْح
والسَّلَّةُ الثقيلةُ مُعلَّقةٌ في ذِراعِها

• • •

وأنا الفتى الصغيرُ عِنْدَئِذٍ في البَراءَة
أصْرُخُ في أسْفَلَ، وأضْرِبُ الأرضَ بِقَدَمَيّ
فَلْيَحْمِلْ غَيْرُها فوقَ أذْرُعِهِمْ هذا الحِمْلَ الكبيرَ مِنَ الملابِسِ المغسولة
وأنا الذي يَجِبُ أن تَحْمِلَهُ إلى السَّطْح

• • •

صَعدَتْ وصَعدَتْ ونَشَرَتْ غَسِيلَها
في غيرِ ضجرٍ ولا تَلَفُّتٍ، وفي صَمْت
والغسيلُ النَّاصعُ الذي يَلْمَعُ ويَجِفّ
يَتطايَرُ ويُوْشِكُ أن يَتناثَرَ في الفَضاء..[5]





(على الدانوب)[6]


على أوَّلِ حِجارَةِ المرفأِ جَلَسْت
أبصرتُ كيفَ يَطْفُو قِشْرُ البِطِّيْخ
سَمِعْتُ ما يكفي, واسْتَغْرَقَني التفكيرُ في مصيري..
عندما يُثَرْثِرُ السَّطْحُ تَسْكُتُ الأعماق.
خابِطاً حكيماً عظيماً كانَ الدَّانوب
كما لو أنهُ جرى من قلبي أبعدَ فأبعد
مِثْلَ العَضَلاتِ, إذا ما كانَ الإنسانُ يَعْمَلُ، يَطْرُقُ, يَبْرُدُ, يَحْفِر
هكذا انْطَلقْتُ, هكذا أنْشَدْت,
وهكذا ارْتَخَتْ كُلُّ موجةٍ وكُلُّ حَرَكَة.
ومِثْلَ أُمِّي الطَّيِّبَة
غَسَلْتُ كُلَّ أقذارِ المدينة..
هكذا أنا, كما لو أنني مُنْذُ مائةِ ألفِ سَنَة
أُبْصِرُ الذي أراهُ فَجْأة
لحظةً واحدةً ويَكْتَمِلُ الزمنُ كُلُّه
الزَّمنُ الذي يَرْقُبُهُ مَعِي مائةِ ألفٍ مِنْ أسْلافي..[7]





ــــــــــــــــــــــــ
[1] الموسوعة العربية العالمية.
[2] مجلة الآداب الأجنبية، العدد: 112، خريف 2002م، السنة: 27، اتحاد الكتاب العرب بدمشق. (بتصرف).
[3] مجلة الآداب الأجنبية، العدد: 112، خريف 2002م، السنة: 27 (بتصرف).
[4] مجلة الآداب الأجنبية، العدد: 112، خريف 2002م، السنة: 27 (بتصرف).
[5] مجلة الآداب الأجنبية، العدد: 112، خريف 2002م، السنة: 27.
[6] الدانوب: النهر الذي تقع عاصمة المجر (بودابست) على ضفتيه.
[7] ترجمها عن المجرية نبيل ياسين.



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/literature_language/0/7133/#ixzz6ENpN7ktP

ناصر الثعالبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الحبيب ناصر الثعالبي

جزيل الشكر والإمتنان على نشر هذه المعلومات القيمة هنا. تفاجأت جداً عندما قرأت بأن الدكتور محمد مندور كتب عن أتيلا جوزيف، ولم أتوقع أيضاً أن الصديق نبيل ياسين قد ترجم قصائد له. سبق وأن قمت والشاعر نبيل ياسين بتأسيس أول جمعية أدبية في بودابست عام 1984 على ما أذكر، وكان معنا الصديق القاص ابراهيم أحمد. ولكن للأسف لم نستمر فقد غادر ابراهيم مع عائلته للسويد وذهب نبيل ياسين إلى لندن، وبقيت أنا وحدي في المجر.. كنت قد كُلفت وقتها من قبل (استوديو نانون) عن طريق المخرج ثامر الزبيدي بترجمة القصص الفلوكلورية المجرية للأطفال (على شكل أفلام كارتون) لأحدى محطات التلفزيون العربية..فترجمتها مع العديد من افلام الكارتون المجرية..

كما نشرت لي آنذات مجلة الثقافة الجديدة التي كانت تصدر من دمشق قصص مجرية للكاتب إشتفان أوركين الذي جاء ذكر إسمه في المنشور أعلاه، والذي تجد له قصتين في منشوراتي على صفحة المثقف الغراء. وكذلك للكاتب ديجو كوستولاني والشاعر الغجري الصديق كاروي باري.

آخر مرة كتب لي فيها إبراهيم أحمد عام 1985 يشكو من صعوبة تعلمه للغة المجرية بسبب عدم صفاء ذهنه وأنشغاله بكتابة روايته التي صدرت بعد عامين أو أكثر.. عشنا سوية لمدة سنة وكنت أنا أترجم له عند الحاجة. كان يوصيني دائما بعدم ترك الترجمة..وهو أول من حثني على ترجمة الأدب المجري وترك ما سواه..لكن عملي المستمر والركض وراء لقمة العيش حال دون الإستمرارعلى الكتابة والترجمة..

ودمت بكل خير مع خالص مودتي

عامر السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز المترجم المثابر الدؤوب

عامر السامرّائي

نعم هكذا نصوص تستحقُّ. عناء الترجمة و شجونها

أغنيةٌ رائقةٌ تقطرُ عذوبةً. و جمال.

الترجمةُ بديعةٌ. ويزيدها إبداعاً ان تفتحَ صدرك

لمّا أجاد به القرّاء الأعزّاء من. تصويبات لغويّة

و نحويّة .

أحببْتُ هذا النص الجميل.

خالص الود

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المتألق العزيز مصطفى على

أسعدني جداً رضاك عن الترجمة وإعجابك بالنص.. فيما يخص الهفوات اللغوية أو النحوية، فصدري يتسع لكثر من النقد.. أظن ليس من معصوم من الخطأ في اللغة العربية، إلا من رحم ربي. ولكن هناك أخطاء كبيرة وهناك هفوات صغيرة تغتفر..أحاول أن أكون من الفريق الثاني..

سأحاول أن شاء الله التركيز على الشعراء المجريين..

دمت بصحة وعافية وعطاء مستمر مع خالص ودي

عامر السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الاديب عامر السامرائي
شكرا لك اخي الحبيب على الدعوة الكريمه ،ويؤسفني جدا عدم استطاعتي الحضور للقائكم بسبب ارتابط سابق لم استطع تغيره
مودتي الخالصه
رقم تلفوني 0031
642755176

ناصر الثعالبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4913 المصادف: 2020-02-17 02:35:50