 ترجمات أدبية

الْبُكْمُ

عبد الله هاشيقصة الكاتب الفرنسي: ألبير كامي

ترجمة: عبد الله هاشي

كُنٌا في عز الشتاء، وعلى أوصال المدينة سرت الضوضاء وانتثر الصخب ؛ وأطل جبين النهار متألقا بالنضارة وبالإشراق . وعند منتهى الرصيف، تدفقت السماء على البحر في مزيج فريد يفيض بالروعة وبالبهاء . فات جيفار أن يمد ناظريه للاستمتاع بمناظر السماء والبحر . كان يمتطي دراجته الهوائية، ويتقدم على طول الشوارع المشرفة على الميناء ؛ قد جثمت رجله المعاقة فوق الدواسة الثابتة لا تبرح موضعها، بينما انهمكت رجله الأخرى تواصل جهدها لا تنثني لعبور الشوارع المبلطة التي لم تزل مبللة بنداوة الليل . كان على حجمه البالغ الضآلة فوق الدراجة لا ينفك، ودون الحاجة الى أن يرفع رأسه، يتفادى قضبان سكة الترامواي القديم ؛ مثلما ظل يتنحى، بحركات مقود مباغتة، ليفسح الطريق أمام السيارات التي تتجاوزه الواحدة تلو الأخرى ؛ وبين الحين والحين، لبث يعيد بمرفقه على الظهر مزودة وضعت بها زوجته فيرناندة وجبة غدائه . ولقد انشغل طويلا بمحتوى المزودة بإحساس من الكآبة والغم . فالقطعتان الكبيرتان من الخبز لم تكونا محشوتين لا بعجة البيض الإسبانية المفضلة لديه، ولا بالشريحة من لحم البقر المقلي في الزيت، بل ضمتا بعض الجبن وحسب .

لم يسبق أبداً للطريق الى الورشة أن تبدت في عينيه مسافة على هذه الدرجة من الطول . هي كذلك، قال في نفسه، تغور في الزمن، وتتهاوى على أقدام العمر . ومع أنه، وقد بلغ الأربعين عاماً، هزيل نحيل كضمور عيدان الدوالي، إلا أن عضلاته ظلت عصية على الاستثارة، بطيئة على التسخين . لطالما رفع منكبيه من الاستهزاء حين يتصفح التقارير الرياضية التي تصف رياضيا في الثلاثين من العمر بالرياضي المتمرس، فيتوجه الى فيرناندة يخاطبها : " إذا كان هذا رياضيا متمرساً، فذلك مما يفيد بأني، أنا، قد أصبحت في عداد المطوٌحين بهم على فراش الاسقام " . ومع ذلك، فقد كان في قرارة نفسه يعتقد بأن الصحافي الذي كتب التقرير لم يجانب الصواب كليةً ؛ فالتنفس في سن ٌالثلاثين يكون قد تسرب اليه بعض الوهن والفتور على غفلة من العين . في سن الأربعين، لا يكون المرء في عداد المطروحين على فراش السقم، كلا، لكنه، من الأكيد، في وضعية من شرع يأخذ في التأهب المبكر للأمر . أولم يكن ذلك هو السبب الكامن وراء غفلته لزمن طويل عن مشاهدة البحر وهو يجوب المسار في اتجاه الطرف الآخر من المدينة حيث يوجد مصنع البراميل ؟ حينما كان في العشرين سنة ً، لم يكن أبداً ليدركه الملل من مشاهدته . فقد كانت أمواجه تعده بنهاية أسبوع على الشاطئ مليئة بالمباهج والمسرات . مفتوناً ظل دائما بالسباحة بالرغم، وربما بسبب العرج . ثم توالت الأيام والسنين ؛ وكان أن جاءت فيرناندة، أعقب ذلك ميلاد الولد . ثم كان لا بد، في سبيل قليل من الحياة، من الساعات الإضافية في مصنع البراميل أيام السبت، ومن الارتزاق أيام الأحد مما توفر القيام به على قدر الاستطاعة لدى هذا وذاك . شيئا ً فشيئا ً، لبثت تنفلت من بين يديه ألفة تلك الأيام البالغة السورة والاجتياح ؛ تلك الأيام التي أشبعت نوازعه جميعاً : المياه العميقة الرائقة، الشمس المتوهجة اللافحة، الفتيات، ملذات الجسد، كلها ألوان من السعادة يصعب العثور على مثيلات لها في وطنه . ألوان من السعادة سائرة الى الزوال بانصرام أيام الشباب . ظل جيفار عاشقا للبحر، لكن وحسب حينما يميل النهار الى الغروب، لما تهفو مياه الخليج في تلك الاندفاعات القليلة والناعمة . كانت تقبل على شرفة البيت، حيث تعود على الجلوس بعد يوم من العمل والكدح، لحظات جميلة من الهدوء والطمأنينة، يحس اثناءها بالسرور الغامر للنقاوة الناصعة على قميصه الذي أجادت فيرناندة في معالجته بالمكواة، وأيضاً للقدح بين يديه من شراب الأنيسون تتكدس على جنباته طبقات البخار المتصاعد . ثم ينسدل رداء المساء، فتشمل الكون رقة ولطافة وجمال، يخفض على لمساتها الجيران من أصواتهم، فلا يتكلمون إلا همساً . في تلك اللحظات، تتحير روحه، فتسأله نفسه يا ترى أأنت سعيد، أم تراك تريد أن تبكي . لذلك، في أقل الأحوال، يسلم باستحالة القيام بأي شيء سوى أن ينتظر، بكل الهدوء وبكل اللين، من دون أن يدرك بالضبط ماذا كان ينتظر .

في الصباحات الباكرة التي يلتحق فيها بمقر عمله، لا يحب النظر الى البحر، هذا الباذخ الوفاء على مدى الزمن لكل المواعيد ؛ إذ لا ترنو اليه العين إلا عندما يأتي المساء . أما في هذا الصباح، فقد مكث يسير بدراجته الهوائية خفيض الجبين، ببطء أكثر مما ألف، وبتثاقل أشد مما تعود، وبفؤاد جثمت على جوانحه التصدعات الفادحة . فعلى إثر عودته الى البيت، من الاجتماع، عشية الأمس، وإعلانه خبر استئناف العمل بالمصنع، بادرته فيرناندة هاشٌة باشٌة، تخاطبه : " إذن، فقد وافق رب العمل على الزيادة في الأجور ؟ " . لا زيادة في الأجور ولا أي شيء . لقد فشل الإضراب . أعوزنا حسن التصرف، وتعذرت علينا سبل المناورة والحيلة . يجب علينا أن نعترف بذلك . لم يكن سوى إضراباً من نوبات غضب وفورات هياج . ولقد كانت النقابة محقة تماماً في متابعتها الفاترة للموضوع . وفضلا عن ذلك، فإضراب ما لا يتجاوز عدده خمسة عشر مضرباً، ليس بالأمر الذي يمكن أن يثير الاهتمام ؛ إذ لم يفت النقابة أن تأخذ في الحسبان الإضرابات غير الموفقة للعمال في مصانع البراميل الأخرى . وبالتالي، فليس لنا أن نبالغ في إلقاء اللوم عليها . إن صناعة البراميل، المهددة بمنشآت تشييد السفن وشاحنات الصهاريج، تواجهها العديد من المشاكل والصعوبات . فمع التناقص المتواصل في إنتاج كميات البراميل وأعداد القنينات الكبيرة، أصبح شغلنا يتركز بصورة أساسية على إصلاح البراميل العملاقة الجاهزة . لقد أدرك أرباب الشغل أية حدود من المخاطر والمجازفات أصبحت تواجهها مشروعاتهم ومعاملاتهم التجارية . هذه هي الحقيقة . ومع ذلك، فهم عادة ما يميلون الى الاحتفاظ بهامش يفيدون منه بعض الأرباح والمكاسب . ويبدو أنهم، مرة أخرى، لم يجدوا أسهل من الهامش القائم على فرملة أي زيادة في الأجور، بالرغم من الارتفاع المتفشي في الأسعار . ترى، ماذا سيكون مصير عمال احترفوا صنع البراميل وإصلاحها عندما تختفي صناعة وإصلاح البراميل من الوجود ؟ لا يمكن للمرء أن يغير حرفة أنفق في تعلمها وإتقانها مخزونات العمر كلها من الكد والجهد . وحرفة صناعة البراميل صعبة أشد ما تكون الصعوبة، وهي تتطلب فترات طويلة من التدريب والتلقين . وإنه لمن النادر العثور على صانع متمرس للبراميل، ذلك الذي يرتب ترتيبا دقيقا أضلاعها الخشبية المقوسة، ثم يوثقها الى بعضها بالنار وبالطوق الحديدي، فتنقفل وتنسد، شديد الاقفال، متين السد، دونما حاجة الى الحشو بالمشاقات وألياف الرافية . كان جيفار يدرك هذا تمام الادراك . ولشد ما كانت تجتاح نفسه لمثل هذه الخواطر سورة زهو وإباء . ليس تغيير المهنة بالأمر الجلل الخطير الشأن ؛ لكن التخلي عن صنعة برع المرء في إتقانها، والتنازل عن مهارات اكتسبها، ليعتبر من الأمور البعيدة كل البعد عن أن تكون بالخلية من المشقات والمتيسرة المأخذ . وإن مهنة جميلة ورائعة من دون شغل لهو الإرباك المطبق في شرايين الوجود . لذلك، وجب الخضوع والاستسلام، وأضحى التنازل يفرض نفسه . غير أن الاستسلام لا يكون على الاطلاق بالأمر الهين، ولا التنازل بالقريب المنال أبداً . لهذا كله، يشق على النفس أن تظل أفواهنا مغلقة، وأن يدوم فينا عجزنا عن المناقشة والبحث والاعتراض وتبادل الأفكار والآراء ؛ ليجد المرء نفسه، في كل صباح، يعيد نفس المسار، تتراكم على منكبيه كل ألوان العناء والنصب، في سبيل الحصول، نهاية الأسبوع، فقط على ما يرغب الاخرون في أن يحصل عليه ؛ والذي ما عاد، بكرور الأيام، يكفي لسد بسيط الحاجات .

وإذن، فقد قرٌ قرارهم على الدخول في نوبة غضب وفورة هيجان . كان ثمة اثنان أو ثلاثة عمال ساورتهم الرغبة في التراجع، إلا أن موجة الغضب ما عتمت أن جرفتهم بدورهم بعد اللقاءات الأولية مع رب العمل ؛ والذي قال بالعبارة الصريحة والجافة بعدم وجود منزلة بين المنزلتين، فإما القبول، وإما الرفض . الرجال الحقيقيون لا يتكلمون بهذه الطريقة الباردة والعديمة الإحساس . وكان تعقيب إصبوصيطو : " ما ذا يظننا فاعلين ؟ أن ننزل سراويلنا . " ومع ذلك، يمكن القول بأن رب العمل ليس بالشخص المشاكس الحرون الطبع . فقد خلف والده على رأس المصنع، بالإضافة الى كونه كبر ونشأ في مختلف أوراشه، ومنذ سنوات عديدة، يعرف حق المعرفة كافة العمال تقريباً . ولقد اعتاد، بين الفينة والأخرى، على دعوتهم في رحاب مصنع البراميل الى تناول وجبات طعام خفيفة . فكنا نشوي كميات من السردين أو من النقانق على نار نشعلها من مخلفات النجارة، وبمساعدة النبيذ، كان معدنه يتكشف بحق عن طبع في غاية الود واللطافة . كما ظل دأبه، بصورة مستدامة، عند حلول السنة الميلادية الجديدة، على تزويد عماله، واحداً واحداً، بخمس قنينات من النبيذ الرفيع . وأحياناً، حين ينتهي الى علمه مرض أحدهم، أو ببساطة، مناسبة سعيدة، زواج أو وليمة للصدقة، فقد كان لا يبخل بهدية من المال . ولما رزق ببنت، وفر للجميع، بكل السخاء، خردقات القنص . وكان في مناسبتين اثنتين أو ثلاث قد دعا جيفار للقنص في ضيعته المحاذية للساحل . ومما لا ريب فيه أنه يكن لعماله جميعهم خالص مشاعر الود . وكان أحياناً ما يعيد الى الأذهان أن والده ابتدأ مساره صبياً في محل للنجارة . لكن، لم يسبق له أبداً أن تفضل بزيارة أحدهم أو دخل بيتا من بيوتهم حتى يتأكد بنفسه ويرى بأم عينيه . وذلك لأنه كان لا يفكر إلا في نفسه، وللسبب البسيط أنه لا يعرف إلا نفسه . لذلك يخيرهم اليوم بين القبول أو الرفض . بعبارة أخرى، إنه يصطدم بدوره بعثرة جموح وإصرار ؛ سوى أنه يملك في يده أن يجوٌز لنفسه ذلك، وأن يبيح لها ما يبتغي ويشاء .

مع اشتداد الضغوط التي مارسوها على النقابة، وإكراههم لها على إعلان الاضراب، وجد رب العمل نفسه مضطرا الى إغلاق المعمل . ثم إنه خاطبهم قائلا : " لا تتعبوا أنفسكم في السهر على متابعة تنفيذ الاضراب . ذلك لأن إغلاق المعمل، بالنسبة لي، يشكل فرصة جيدة لتوفير قدر معتبر من المال " . لم يكن ذلك صحيحا على الاطلاق ؛ ولكنه، في نفس الوقت، لا يسعف في حل المشكلة ؛ خصوصا حينما قذف في وجوههم بكلمته التي صرح فيها بأنه لا يمنحهم الشغل في المعمل سوى من باب الشفقة والإحسان . حينها غضب إصبوصيطو غضبا شديدا، وانتابته نوبة جنون عاصفة، فرد عليه بأنه ليس رجلا . فاستشاط الاخر من الغيظ واستعرت أعصابه . وكان لا بد من التدخل للتفريق بين الرجلين الهائجين . والذي لا جدال فيه أن المواجهة تركت انطباعات قوية في نفوس العمال ارتجت لها الضمائر والأفكار . ثم انصرمت الأيام العشرون من الاضراب ؛ وشملت الكآبة والحزن أفئدة النساء في البيوت ؛ وتسرب اليأس الى اثنين أو ثلاثة من بين المضربين، وانهار ما تبقى فيهم من العزم والصمود . ثم كانت القشة التي قصمت ظهر الأمر برمته عندما أقدمت النقابة على الإشارة للعمال بالاستسلام وإنهاء الاضراب ؛ وذلك على أساس وعود بالتدخل للتحكيم، وبالحصول على التعويض عن أيام الاضراب بتمكينهم من عدد الساعات الإضافية المطلوب . هكذا تقررت العودة لاستئناف العمل . وطبيعي أن ذلك لم يكن ليخلو من عبارات الفخر ودلائل الاعتزاز والشعور بالعظمة، كقولهم إن المسألة ليست فشلا بالمرة، وبأن الأمر برمته منذور للمراجعة ومعاودة الفحص والنظر . لكن، مع قدوم الصباح، تهطلت زخة العياء على المناكب كأنها كابوس الانكسار . ثم، هذا الجبن عوضاً عن اللحم . لقد انقشع السراب، ولم يعد ثمة مجال للأوهام . عبثاً أشرقت الشمس تملأ الكون بالدفء وبالبهاء . أما ما دأبت على النطق به شفاه البحر من معسول الوعود، فقد ذهب مع الريح ولن يعود . ومكث جيفار يواصل الضغط على الدواسة الوحيدة لدراجته الهوائية، كلما أكملت العجلة دورة، شعر في قرارة نفسه بأنه يسيخ في الهرم أكثر . وظل كلما لاح في خياله طيف عابر من أطياف المعمل، وتتابعت حياله وجوه الرفاق وصورة رب العمل، وإقباله عليهم بعد حين، إلا واشتدت عليه قبضة الغمة، وضاق صدره من الأسى والحزن . سألته فيرناندة بنبرة ملؤها الانشغال والقلق : " - ما ذا ستقولون له ؟ " . " - لا شيء " . امتطى جيفار دراجته، وانصرف عنها، ورأسه يهتز ويرتج . ولبثت أسنانه تصرف صريفا ؛ وكانت ترين على وجهه الصغير الأسمر، المليء بالغضون وبالحروف الدقيقة، ألوان ثخينة من الصمت والوجوم المكين . وظل يطوي الطريق ؛ وظلت الاسنان منه لا تكف عن الصريف ؛ وظلت تمور بين جوانحه فورة غضب بئيسة لا شيء يرجع لها صدى، قد انسكبت من جنباتها دفقات الاكفهرار والعبوس، فعمت أركان الأرض من حوله والسماء جميعا .

انعطف عن الشارع العريض ثم دلف، وهو يبتعد عن البحر، ليخترق الازقة الغارقة في الرطوبة للحي الاسباني العتيق، والمفضية الى منطقة مشغولة وحسب بالمرائب والمخازن ومستودعات الحديد الهالك . هنالك ترتفع بناية المعمل . وهي عبارة عن مرأب بجدران متوسطة الارتفاع، مغطاة بالزجاج الى حدود السقف المتشكل من مطيلة متموجة من الحديد . وهي، الى ذلك، تشرف على المصنع القديم لإنتاج البراميل، والذي تحول الى ساحة محاطة بباحات عتيقة تقرر التخلي عنها عندما توسعت أنشطة المقاولة، فأضحت مع توالي السنين مستودعا للآليات البالية وأكوام البراميل المهجورة . وتمتد في ما وراء الساحة حديقة رب العمل، تفصل بينهما طريق مفروشة بقطع القرميد العتيق عند نهايتها يقوم البيت، مقر سكنه . دار عالية البنيان، بشعة تنفر لمرآها الابصار، إلا ما كان من دالية غضة لم تعرف الاغلال، وما يشبه باقة من قليل زهر العسل تنكفئ على الدرج الخارجي التأمت هنالك فأسبغت على الإقامة مسحة محببة الى النفس، تنجذب لها العيون .

في الحين، لاحظ جيفار بأن أبواب المعمل ما تزال مقفلة ؛ وإزاءها تقف كوكبة من العمال يسود من حولهم السكون والصمت . هذه أول مرة، طيلة مدة اشتغاله هنا، يجد عند وصوله أبواب المعمل مغلقة . لعل رب العمل يقصد من ذلك الإعلان عن نفسه، وتذكيرهم بأهمية ما وراءه من شأن . واتجه جيفار يساراً ليرتب دراجته الهوائية أسفل السقيفة الصغيرة الملحقة بالمرأب، ثم تقدم قاصدا المدخل . من بعيد، تعرف الى إصبوصيطو، بقامته الفارعة وبنيته القوية، وبسمرته وشعره الغزير، وكان يشتغل بمحاذاته في المعمل . كما تعرف الى ماركو، المندوب النقابي، الشبيه بالمغنية الفاشلة، لا زين، لا طرب . ثم سعيد، العربي الوحيد في المعمل ؛ يليه ما تبقى من العمال ؛ وقد مكثوا جميعا ينظرون اليه في صمت وهو يقترب منهم . بيد أنهم، فجأة، بضع لحظات قبل أن ينضم اليهم، تحولوا بأنظارهم جهة أبواب المعمل التي ابتدأت تنفتح تباعاً . وظهر حيالهم، يوليهم ظهره، بالاصطار، رئيس العمال، واقفاً عند فرجة إحدى البوابات الثقيلة، يحاول معالجتها ودفعها بتؤدة، فتتحرك بين يديه منسابة على السكة بطيئة متمهلة .

وكان بالاصطار، ويكبر في السن جميع العمال، قد تعرض للإضراب بالانتقاد والاستهجان ؛ لكنه سرعان ما أمسك عن عبارات الشجب حينما وضح له إصبوصيطو بأن كلامه محمٌل بالانحياز الى جانب رب العمل وتزكية مصلحته . وها هو، في هذه اللحظة، يقف بالقرب من الباب بقده الجسيم القصير، وفي سترته المسرودة من النسيج الكحلي اللون . وليس بالأمر المستجد أنه حافي القدمين، فقد كان بالإضافة الى سعيد الوحيدين اللذين اعتادا على العمل من دون أن يضعا في قدميهما أي شيء . وهكذا، راح يتابع دخول العمال الى الورشة، الواحد يتلو الآخر، بعينيه الفائقتي الصفاء لحد ما خبا فيهما البريق، فذوت نضارة لونهما على أديم وجهه البرونزي المتهدم بثقل الزمن وتراكم السنين ؛ بينما انكشف ثغره أسفل شاربه الكثيف المتهدل معتم الملمح تعلوه كربة وغمة . وأما العمال فقد لزموا الصمت وخلدوا الى عدم النطق، تعلو وجوههم دلائل مذلة وخزي على حالهم الناطق بالهزيمة، ناقمين على أنفسهم من الصمت ومن العجز عن التعبير و الكلام، يكاد يجهز عليهم الخبل لاستفحال إحساسهم بفقدان القدرة على كسر جدار هذا الوجوم الذي يزداد هولا واستعصاء . وانشغلوا بالعبور الى الورشة دون أن يلقي أي منهم بنظرة على بالاصطار . وكانوا جميعا يعلمون كل العلم بأنه، بهذه الطريقة في التعامل مع إقبالهم على الالتحاق بالعمل، إنما كان ينفذ بالحرف ما تناهى اليه من التلميحات و الأوامر؛ مثلما أنهم يفيدون تمام الإفادة من الشعور الذي يوحي به مظهره المكروب بما كان يمور بين جوانحه من الانطباعات السلبية والأفكار المزعجة . أما ما كان من جيفار، فقد رفع اليه عينيه، وألقى عليه بنظرة، عمد على إثرها بالاصطار، وكان يكن له غير قليل من المودة، فحرك رأسه حركة خفيفة من دون أن ينطق بكلمة .

وهاهم جميعاً، في هذه اللحظة، داخل المستودع الصغير لتغيير الملابس، القائم الى اليمين من المدخل، والمتكون من شقق صغيرة مكشوفة كتلك المخصصة عادة للأفراس، منفصلة عن بعضها بألواح من الخشب الأبيض التي علق بها من كل جانب خزانة صغيرة الحجم تفتح وتغلق بواسطة مفتاح . وكانت الشقة الأخيرة، انطلاقا من المدخل، عند نقطة التقاء الجدران بالمرأب، قد تحولت الى مقصورة مرشات بعد تغييرات أدخلت عليها لهذا الغرض ؛ وقد حفر من تحتها مجرى لتصريف المياه يخترق الأرض المطروقة . وكانت تتوسط المرأب أعداد من البراميل العملاقة الجاهزة التي يمكن للعمال رؤيتها حسب موقع الاشتغال بالمعمل، قد برزت الحلقات منها رخوة ومهلهلة و تستلزم المعالجة المكثفة بالنار . وكانت بالمرأب كذلك منضدات سميكة مجوفة بشقوق طويلة، منها قطع خشبية دائرية الشكل مدسوسة في ثناياها ما تزال تنتظر المعالجة بالمنجر . كما ضم المرأب أيضا مواقد نار متشحة بالسواد . وعلى طول الجدار، الى اليسار من المدخل، تراصفت مناضد العمل، تتكوم إزاءها عرم كبيرة من أضلاع البراميل التي تنتظر السحج والصقل . والى الجدار الأيمن، غير بعيد من مستودع الملابس، جثم منشاران ميكانيكيان مدهونان بالزيت أحسن ما يكون الدهن، يشع بريقهما في الأعين، وتملأ سطوتهما المتدفقة وصمتهما المتفشي أركان الفضاء والأفئدة .

ولقد اتضح منذ فترة طويلة بأن سعة المرأب قد أضحت كبيرة جدا على المجموعة الصغيرة من العمال . والحق أنه كانت لهذه السعة الباذخة عليهم فوائد جمة في أيام الحر الكبرى، لكنها تنقلب في زمن القر بشرور شتى . وها هو المرأب اليوم، وقد استقر العمل في جنباته على امتداد فضائه الفسيح، تجثم براميله الجانحة في كل الأركان، قد أطبقت حلقاتها الفريدة على أضلاع تتهلل بالنضارة، يحسبها الناظر زخرفات رديئة نحتتها على الخشب أنامل عامل مبتدئ ؛ بينما أسدلت نشارته أكواما ثقيلة من الغبار على المنضدات والآلات وصناديق الأدوات ؛ مما أضفى على المعمل هيئة مكان مهجور طالته حوافر الإهمال والنسيان . وظلت عيونهم لا تكف عن التطواف والجولان عبر كل زاوية وناحية فيه، وهم يرتدون ستراتهم المسرودة الصارخة بالرثاثة، وسراويل مرقعة امحت ألوانها من البلى . وبانت في ملامح وجوههم أمارات الحيرة واشتداد التردد . ولم يزل بالاصطار يتتبعهم بعينه الرقيبة . وانتهى الى مخاطبتهم، قال : " – وإذن، هلموا بنا، لنبدأ " . وشرعوا جميعا، واحداً واحداً، في الالتحاق بأماكن أعمالهم من دون أن ينبسوا ببنت شفة . وقد لبث بالاصطار يتنقل بينهم، من هذا الموقع الى ذاك، وبكل ما قل ودل من الحروف والكلمات، يعيد الى الاذهان طبيعة الاعمال المطلوب إنجازها أو تلك التي تنتظر الاتمام . ولم يكن لرجع ما يذكرهم به صوت أو صدى . بعد لحظات، سيرتفع في الجو رنين أول مطرقة تدق قطعة خشبية مصفحة بالحديد لتغريز حلقة على جبين منتفخة من برميل . وسُمع نواح المنجر يمخر مفاصل قطعة خشب . وأطلق إصبوصيطو واحدا من المنشارين، فتحركت نصاله القواضم في هدير شديد وكاسح . أما سعيد، فقد تكلف بجلب أضلاع البراميل عند الحاجة اليها، أو إعداد النار بمخلفات الاخشاب المنشورة، ووضع البراميل عليها لكي تأخذ ضخامتها الاحجام المطلوبة في إطار مشدٌ من النصال المصفحة بالحديد . وعندما ينتهي من تلبية كل الطلبات، يتخذ له مكانا بجنب المنضدات، ثم ينقض بالمطرقة على الحلقات العريضة الصدئة يكيل لها الضربات الموجعة . وتظل البراميل الموضوعة على النار تجود على ألسنة اللهب بالروائح التي تملأ كل ناحية من المرأب . وتشنفت خياشيم جيفار بشذى العطر القديم، ووقعت في أعماق روحه أصداء العبير القادم من غابر الأيام، فهبت على جوانحه نسمات رقيقة من الانشراح والسرور ؛ فواصل عمله في معالجة أضلاع البراميل التي كان يمده بها إصبوصيطو مقددة ومشذبة، ينجرها ويسحجها بالمنجر تارة، ويسويها ويركبها أحسن ما يكون التركيب تارة أخرى . ولبثوا جميعهم يشتغلون في سكون شامل وصمت مطبق . ومع ذلك، فقد طفقت تشرئب الى سماء المعمل أوصال دفينة من الحركة والنشاط والهمة . وابتدأت تنسكب على منابض الورشة الهامدة دفق مسترسلة من أمواه الحياة المتجددة . ومن خلال الحواجز الزجاجية، انسدلت على فضاء المرأب أضواء تفيض بالألق، واتشحت أدراج الأدخنة السابحة في الهواء المذهب بالإزرقاق . وعلى مسامع جيفار، تواثبت بقايا من طنين حشرة شاردة في مكان قريب .

في تلك اللحظة، انفتح الباب الذي يفضي الى داخل مصنع البراميل السابق، فانكشف الجدار الخلفي، وبرز السيد لاصال، رب العمل، منتصباً بقامته الهيفاء على عتبة المدخل، أسمر اللون، لم يتجاوز الثلاثين الا بقليل . كان يرتدي قميصا ناصع البياض، منفتح كلية على بذلة من نسيج غبردين، فاتحة الدكنة، أسدلت على هيئته دلائل النعمة، وعلى ملامحه آيات الهناء ورغد العيش . وبالرغم من العظام البارزة في تقاسيم وجهه المقدد كنصل السكين، فقد كان يوحي، في المجمل، بانطباعات لا تخلو من الاستئناس والمودة، تماماً مثلما يحصل مع غالبية الذين حررتهم ممارسة الرياضة من كل ما قد يعيق فيهم سبيل الحركة المريحة، أو ينغص انسياب المسلك وحرية التصرف . ومع ذلك، فقد وشت ملامحه، وهو يهم بتجاوز الباب، بمسحة من الانزعاج والقلق . واتسمت تحيته الصباحية للعمال بافتقارها الى تلك الدرجة من الرنين التي عهدوها فيها . مهما كان الحال، فقد اندثرت تحيته دون أن يرد عليها أحد . تراجعت قليلا أصداء ضربات المطارق وشملها بعض التنافر، إلا أنها سرعان ما عادت لتنتظم من جديد في إيقاعاتها الطبيعية المألوفة . خطا السيد لاصال خطوات معدودة مشوبة بالتردد، ثم دلف الى فاليري الصغير، والذي التحق بالمعمل منذ سنة واحدة فحسب . كان يشتغل بالقرب من المنشار الميكانيكي، على بعد بضع خطوات من جيفار، منهمكا في تركيب القاع لإحدى البراميل العملاقة . فراح رب العمل يتابعه بنظراته وهو مستغرق في إتمام مهمته . وكان أن واصل فاليري الصغير ما هو بصدده من دون أن ينطق بكلمة واحدة . فبادر السيد لاصال الى مخاطبته قائلا : " – وإذن، يا بنيٌ، كيف حالك ؟ " . مما أوقع الفتى توٌاً في حالة ارتباك شديد ضاعت على إثرها الحركات الرشيقة بين أنامله التي اعتراها الخرق . وتطلع بعينيه الى إصبوصيطو المنهمك الى القريب منه في تكديس عرمة من أضلاع البراميل على ذراعه المفتول والهائل، بقصد إمداد جيفار بها . وقد رد اصبوصيطو على نظرة الفتى بنظرة مثلها ألقى إليه بها دون أن يتوقف عن مواصلة عمله ؛ سرعان ما عاد فاليري لاستئناف معالجته للبرميل العملاق من غير أن يقدم على الإجابة على سؤال رب العمل . وللحظة قصيرة، توقف لاصال متسمرا في مكانه إزاء الفتى في ذهول ؛ ثم إنه بعد ذلك هز كتفيه إمعانا في اللامبالاة والاستخفاف، وحول ناظريه صوب ماركو، الذي كان يجلس منفرج الساقين فوق دكته، منهمكا يبري في ضربات خفيفة، متزنة ودقيقة، حافة قاع إحدى البراميل . فخاطبه لاصال بلهجة قد تسرب اليها بعض الجفاء : " – عمت صباحاً، يا ماركو " . لا يرد ماركو التحية . فقد ركز كل انتباهه كي لا يسحب من القطعة الخشبية التي كان بصدد معالجتها سوى شرائح من النشارة بالغة الرقة . وما كان من لاصال سوى أن التفت، هذه المرة، الى باقي العمال، فتوجه اليهم جميعا بالكلام بصوت جهوري قوي تردد عاليا في أرجاء المكان : " ماذا دهاكم ؟ لم نتوفق في الوصول الى اتفاق . هذا واضح ومفهوم . لكن، من غير المعقول أن يمنعنا ذلك من أن نشتغل معاً، بعضنا الى جانب بعض . وإذن، لأي غرض مفيد كل هذا الوجوم ؟ " . وانتصب ماركو واقفاً على قدميه، ورفع اليه قاع البرميل، وبراحة يده شرع يجس حافته المستديرة، وتغضنت عيناه الذابلتان، مما وشى بشعوره بالارتياح والرضى . وبكل أثقال الصمت الجاثم، قصد لاصال عاملا آخر ينشغل في تجميع برميل عملاق، بينما عم الضجيج في المعمل وارتفعت الى عنان الفضاء منه أصداء ضربات المطارق والهدير الكاسح للمنشار الميكانيكي . ثم إن لاصال خاطبهم يقول : " طيب . عندما تذهب عنكم هذه الحالة، أخبروني بذلك عن طريق بالاصطار " . وبكل الهدوء سارت به خطواته، وغادر المعمل .

بعدئذ، وفي أقل من رمشة العين، انطلق رنين الصفارة لمرتين متتابعتين واخترق فضاء المعمل الصاخب . متثاقلا، نهض بالاصطار ؛ وكان قد اقتعد الأرض ينوي لف سيجارة، واتجه قاصداً البوابة الخلفية الصغيرة . وخفتت على إثر ذهابه ضربات المطارق قليلا ؛ بل وتوقف أحد العمال وأمسك عن الضرب حينما لمح بالاصطار عائدا . كل ما نطق به هذا الأخير وهو يقف عند الباب أن قال: " – ماركو، جيفار، رب العمل يطلبكما " . كانت أول حركة قام بها جيفار، حينئذ، ذهابه ينوي غسل يديه ؛ لكن ماركو أمسك بساعده لدى مروره بمحاذاته ؛ فما كان منه إلا أن سار وراء الرجل بمشيته العرجاء المختلة .

في الساحة، خارج المعمل، انسدل ضياء النهار بليلا كالينابيع الندية، فانتعش جيفار لملمسه اللذيذ على وجهه وعلى ساعديه المكشوفين . وطفق العاملان يصعدان الدرج الخارجي لبيت رب العمل، تترامى عليهما بعض ظلال زهر العسل الذي ابتدأت تزهر فيه ورود أولى . ولما اجتازا الباب و دلفا عبر الممر المزين بالدبلومات، تناهى الى سمعهما بكاء أطفال أعقبه صوت السيد لاصال يقول : " - تحملينها لكي تنام بعد تناول طعام الغداء . سنقوم بدعوة الطبيب في حالة ما إذا استمرت وضعيتها، ولم يطرأ عليها أي تحسن " . ثم يظهر حيالهما في الممر، ويدعوهما لدخول المكتب الصغير الذي يعرفانه تمام المعرفة، تؤثثه قطع من الأثاث البسيط، وتزخرف جدرانه تذكارات رياضية . وخاطبهما لاصال، وهو يأخذ مجلسه خلف المكتب، قائلا : " - اجلسا " . لكن الرجلين ظلا واقفين . واستأنف كلامه يخاطبهما : " لقد استقدمتكما، أنتما، بصفتك أنت، يا ماركو، المندوب النقابي ؛ وأنت، يا جيفار، بصفتك أقدم مستخدم في المعمل بعد بالاصطار . وليس في نيتي أن أعود الى نقاشات منتهية . كما وليس بمستطاعي، إطلاقاً، أن أعطيكم شيئا من الذي تطلبونه مني . لقد انتهينا من ترتيبات المسألة برمتها، وتوصلنا جميعا الى القرار النهائي بلزوم العودة لاستئناف العمل . وإنه ليصعب عليٌ أن أحتمل ما بدا منكم تجاهي من علامات النفور والكراهية . إنني أخبركم بذلك تماماً كما أشعر به في صدري . وأود، بكل بساطة، أن أضيف ما يلي : إن ما ليس باستطاعتي القيام به اليوم، ربما ستتاح لي فرصة القيام به في المستقبل، حينما تنتعش الاعمال، وتتحسن الأوضاع . وإذا تأكدت لي إمكانية فعل شيء ما في هذا السبيل، فسأفعل حتى قبل أن تشيروا عليٌ . إلى ذلك الحين، تعالوا نستأنف العمل في جو يسوده الوئام والتفاهم والود " . وأمسك عن الكلام، واستغرق في ما يشبه التفكر والسعي للإمساك بخيوط أفكار متلبٌسة . ثم رفع بصره الى العاملين وخاطبهما : " - وإذن ؟ " . كان ماركو سارحا ينظر خارج المكتب . أما جيفار، فقد اجتاحته رغبة عارمة في الكلام، إلا أنه، والاضراس فيه تصرف صريفا مستعرا، ظل غير قادر على أن يتفوه بأي شيء . فهب لاصال يقول لهما : " - اسمعا . إنكم حقاً لعنيدون . أنتم لا تريدون أن تتزحزحوا عن موقفكم قيد أنملة . ستذهب عنكم هذه الفورة من الجموح والعناد . لكن، عندما تعودون الى رشدكم، وتنفتح في صدوركم عين العقل، لا يغيبنٌ عن بالكم كلامي، ولا تنسوا الذي قلته لكم " . ثم إنه نهض من مكانه، وقصد ماركو مادٌاً إليه يده يريد مصافحته، وهو يقول : " - مع السلامة " . وفجأة، تمتقع الألوان على جبين ماركو، وتجتاح محياه موجة شحوب كاسحة . انقلبت ملامح وجهه المفعمة بالنغم الوجداني الرقيق الى تضاريس متيبسة يجتاحها التصحر . وفي أقل من ثانية واحدة من الزمن، استغرقه الغضب، وبانت على رموش عينيه أمارات شرٌ مستطير . وإذا به يتململ في مكانه مبتعدا عن اليد الممدودة، ويقصد الباب خارجاً . لبث لاصال، بدوره، تتقلب الألوان على صفحة وجهه الذي استحكم عليه الشحوب . ثم حانت منه التفاتة الى جيفار، ومن دون أن يمد يده، هذه المرة، للمصافحة، صرخ فيه بكل ما أوتي من قوة : " سحقاً لكم جميعاً من أضحوكة على الأفواه " .

كان العمال منهمكين في تناول طعام الغداء حين عودتهما الى المعمل ؛ سوى ما كان من بالاصطار الذي خرج قبيل مجيئهما . كل ما نطق به لسان ماركو قوله وهو يلتحق بمكان عمله : " - جرٌة خاوية، وعبث بلا طائل " . وتوقف إصبوصيطو عن الأكل من قطعة الخبز بين يديه ليستخبر عن ردودهما على رب العمل . فأعلمه جيفار بأنهما لم يجيبا بأي شيء ؛ ثم ذهب وأحضر مزودته، وعاد ليقتعد الدكة حيث يعمل . ولقد شرع في الأكل حينما لمح سعيداً، غير بعيد عنه، مستلقيا على ظهره وسط كومة من النشارة، شارد النظرات يحدق عبر الكوات الزجاجية المزرقٌة في تلك الساعة بفعل السماء التي خبت فيها قليلا أضواء النهار . فسأله إن كان قد انتهى من تناول غدائه . أجابه سعيد بأنه فعلا قد أتى على كل حبات التين التي جلبها معه . فتوقف جيفار عن الأكل . كانت مشاعر الانزعاج والكدر التي تسببت فيها المواجهة مع لاصال قد اختفت تماما وفسحت المجال واسعا لموجات الود الدفئة . نهض من مكانه وهو يقسم قطعة الخبز بيديه الى شطرين، ثم حاول أن يفهم سعيد، الذي عبر عن رفضه وعدم حاجته، بأن القادم من الأيام سيشهد زوال الغمة ونهاية زمن العسر . واستطرد : " - لسوف يأتي دورك فتدعوني " . ابتسم سعيد . وها هو الآن، يتناول قطعة من شطيرة جيفار، بكل التمهل، وبكل الرفق، يحسبه الناظر خليٌاً من الجوع .

وقام إصبوصيطو فأتى بطنجرة قديمة ؛ وبقليل من النشارة وبعض الاعواد، أشعل ناراً خفيفة يروم تسخين مقدار من القهوة جلبها معه في قارورة من الزجاج، قال بأنها هدية للمعمل من البقال الذي يتعامل معه حينما علم بفشل الاضراب . وشرعت كأس بلون الخردل تتناقلها الأيادي، كلما أفرغت من القهوة المحلاة بالسكر، راح إصبوصيطو يسكب فيها، المرة بعد المرة . ووجد سعيد في كأسه من السعادة و المتعة ما لا يمكن بحال أن ترقى اليه الأكلة التي انتهى منها ؛ بينما استغرق إصبوصيطو في الإجهاز على ما تبقى من القهوة، مباشرة من الطنجرة الملتهبة، تتناثر من شفتيه شرارات صاعقة من السب والشتم والبقبقة . في تلك اللحظة، دخل بالاصطار، وأعلن بأن وقت استئناف العمل قد أزف .

وبينما هم منشغلون بمغادرة أماكنهم، يضمون الى بعضها في الاكياس والمزودات ما تناثر من الأوراق والاواني، تقدم بالاصطار حتى توسطهم، ثم باغتهم بالقول، وهو يخاطبهم، بأن الامر، بحق، ليشكل صدمة بالغة الألم، للعمال جميعا، وله هو أيضا . ومع ذلك، فليس في المسألة برمتها ما يمكن أن يعتبر مبررا كافيا للانفعال والاقدام على تصرفات غير جديرة سوى بالأطفال . إذ لا جدوى من عبارات التبرم والاستياء وضيق الصدر، ولا نفع يرجى من العبوس والامتناع عن الكلام . وفي الحال، حانت التفاتة اليه من إصبوصيطو، وكان ما يزال ممسكا بالطنجرة، فتورد وجهه الثخين الطويل . كان جيفار يعلم تمام العلم ما الذي يود إصبوصيطو أن يرد به ؛ ويعلم كذلك بأنهم جميعا، في الوقت نفسه، يعتقدون مثله بأن القضية لا علاقة لها لا بالعبوس والاستياء، ولا بالتمنع عن الكلام . كل ما في الامر أنهم عندما خيروا بين القبول أو الرفض، فكأنما سدٌت أفواههم سدٌاً . وفي بعض الأحيان، حينما تنضاف طبقات من فورات الغضب على ركام من الإحساس بالعجز وقلة الحيلة، يكبر الألم، ويصعب احتمال الغمٌة لحد فقدان القدرة حتى على التعبير عما يجيش في الصدر بصرخة واحدة . رجال ؛ هذا كل ما في الامر ؛ وليس لهم أن يُقبلوا على رب المعمل هاشٌين باشٌين، ينثرون الابتسامات هنا وهناك . غير أن إصبوصيطو لم يقدم على البوح بأي شيء من هذا . فقد انسحبت، في الأخير، من صفحة وجهه كل أمارة للتوتر ؛ وبينما شرع باقي العمال في الالتحاق بأماكن أعمالهم، عمد فمدٌ يده يربت بكل اللطف على منكب بالاصطار . وصعد من جديد الى عنان الفضاء رنين ضربات المطارق ؛ واحتشدت في مختلف أركان المرأب الكبير سحب الضوضاء المعتادة، وروائح النشارة، والاثواب البالية التي بللها العرق . وبكل الرفق والتؤدة، راح إصبوصيطو يدفع أمامه قطعة طرية العود من ضلع برميل قد أوغل فيها المنشار الهادر يقضمها مرغياً ومزبداً . وظلت تنبجس من مكان القضم نشارة بليلة أسدلت مثل رداء من بقايا الخبز المقلي فوق اليدين البدينتين المشعرتين والمشدودتين بإحكام الى الحطبة من كلا الجانبين من الشفرة المزمجرة . ولما بلغ تقطيع ضلع البرميل منتهاه، لم يعد يسمع في المكان سوى ضجيج المحرك وجعجعته .

وابتدأ جيفار يكابد الآلام والاوجاع تنثال نصالها الكاسرة على ظهره المحني على المنجر . كان قد اعتاد المواعيد مع العياء في ساعة متأخرة من النهار . ورأى أنه من البديهي أن تضيع منه حصص الترويض البدنية على امتداد هذه الأسابيع الطويلة من البطالة والتوقف عن كل نشاط . ومع ذلك، فقد نزع به الفكر الى عوامل العمر التي تحيل الاعمال اليدوية الى سلسلة مزعجة من الوجع والعذاب ؛ لاسيما تلك الاعمال التي تنعدم فيها مقومات الدقة والوضوح والضبط . هذه الآلام التي تتكسر منها العظام في ظهره، إنما هي إعلان واضح بمقدم الشيخوخة . فحينما يتسرب الاضطراب الى عضلات البدن، وتضعف فيها روابط الالتحام والتماسك، يضحى كل عمل يدوي مشمولا بشتى نوازع الكدر والغم والانزعاج، ويتحول الى مقدمة تمهد للفناء المؤكد . وليست الأماسي التي تعقب الفواصل القوية من المجهود العضلي وتبعاته من البذل والتعب، سوى تمهيدا حقيقيا لليلة من الرقاد أشبه بالموت أو هو الموت بعينه . لشد ما صدق الولد في رغبته أن يصبح، عندما يكبر، رجل تعليم . والذي لا مراء فيه، أن الذين يلهجون بالخطابات وكل الكلام في موضوع العمل اليدوي، لا يفقهون شيئا في ما يقولون .

وبينما كان جيفار يهم بالنهوض من مكانه لاسترجاع أنفاسه وإبعاد هذه الأفكار البئيسة من سماء ذهنه، انطلقت الصفارة من جديد في فضاء المعمل، بإلحاح واضح، هذه المرة، يستثير الفضول، تتخللها انقطاعات وجيزة في الزمن، لا تلبث بعدها أن تصدح برنين غامر تملِؤه العبارة الحاسمة التي لا تقبل التأجيل . وتوقف جميع العمال عن العمل . ولقد مكث بالاصطار يصيخ السمع الى ذلك الرنين مشدوها، مداهما ؛ غير أنه ما عتم أن بدا عليه التصميم، فقام وقصد الباب بطيء الخطوة، متمهل الحركة . كانت قد انصرمت لحظات معدودة على اختفائه وراء الباب، عندما توقفت الصفارة في نهاية المطاف . استأنف العمال نشاطهم، وابتدأ العمل يأخذ ايقاعه المألوف المتجدد . وبعنف شديد ينفتح الباب لمرة ثانية على بالاصطار يهرع في اتجاه مستودع الملابس . لا يلبث أن يخرج منه وقد انتعل حذاءه الرياضي، وسترته بين يديه ينشغل بارتدائها . وخاطب جيفار وهو يمر بمحاذاته : " – تعرضت البنت الصغيرة لنوبة مباغتة . وإني ذاهب لإحضار جيرمان " . ثم مضى مهرولا في اتجاه البوابة الضخمة . والدكتور جيرمان من سكان الضاحية، ويشتغل في المعمل كطبيب . وأعاد جيفار الخبر على الاسماع بدون زيادة أو تعليق، فتحلق الآخرون من حوله، وطفقوا ينظرون الى بعضهم البعض في حالة من الحيرة والدهشة والارتباك . ولم يعد يسمع في فضاء المعمل غير محرك المنشار الميكانيكي الذي راح يطوي المدارات طليقاً لا توقفه الموانع . وسُمع أحد العمال يقول : " – لعل البنت تكون بخير " . ثم إنهم التحقوا جميعهم كل بمكان عمله، واكتسحت أركان المعمل لفائف الضوضاء والصخب المتجدد . وبدا أن وتيرة أياديهم قد أدركها ما ينم عن بعض التبطيء وعن نوايا عابرة في بعض التمهل، فلبثوا كأنما تسود أذهانهم هواجس ترقب بقرب حدوث أمر ما .

ستنصرم ما يقارب ربع الساعة حينما عاد بالاصطار من جديد، يتخلص من سترته، ثم يعاود الخروج من البوابة الصغيرة دون أن ينبس ببنت شفة . وعلى صفحة الكوات الزجاجية للمعمل استسلمت أضواء النهار للذبول، فذوت فيها كل بارقة . بعد لحظات قليلة، تسربت الى الفواصل التي ينتكس خلالها المنشار في قضم الخشب ما يشبه جرساً مكتوماً أنبأ عن مقدم سيارة اسعاف، بعيدة الصدى في البدء، ولما دنت، جثم حضورها المكين على الكون . سرعان ما خمد فيها الهدير، فاستكانت الى الصمت . مع قدوم بالاصطار مرة أخرى، التأم من حوله كل العمال . كان إصبوصيطو قد قطع التيار عن المحرك فهمد . أخبر بالاصطار بأن الطفلة كانت في غرفتها، وحينما همت بخلع ثيابها، سقطت على الأرض سقطة مفاجئة كأنما احتشت بضربة محش . فقال ماركو : " – يا للأمر الرهيب " . وحرك بالاصطار رأسه في حيرة، وندت عنه التفاتة غامضة التعبير في اتجاه المعمل . وكانت واضحة على محياه أمارات البلبلة والقلق . ومن جديد، خرق عباب السكون رنين سيارة الإسعاف . ولبث العمال ملتئمين على بعضهم البعض في قلب المعمل يشملهم هدوؤه المقيم، تتدفق على مناكبهم من الكوات الزجاجية أمواج من الأضواء الباهتة . و قد تدلت على طول سراويلهم البالية المغطاة بالنشارة أياديهم الغليظة الحرشاء التي عبث بها الشعور بالعجز، فمضت لا تهتدي لأي سبيل .

تجرجرت بقايا ما بعد الظهيرة في غير هدى، وزحفت ظلالها على النفوس بالسأم . وبين جوانح جيفار، ارتدت كل العواطف عن ضفاف الروح إلا ما كان من شعور عميق بالعياء، وانقباض موصول في الفؤاد . لشد ما كان يود التعبير عن بعض المكنونات الجاثمة في الصدر. لكنه لا يعثر على أي شيء ليقوله . ولم يكن الآخرون بأحسن منه حالا فينطقون، أو يعبرون عما في دواخلهم من شوارد الخاطر . وحدها الغمة وسيف العناد هو كل ما يرتسم متوهجا على صفحات وجوههم المصمتة . وبين الحين والحين، لبثت تتشكل في ذهنه كلمة الشؤم، غير أن حروفها لا تكاد تتجمع في الفكر إلا لتعاود الاختفاء مثلما الفقاعات لا تظهر إلا لتتفرقع مرتدة للعدم . واجتاحته الرغبة في العودة الى البيت، والجلوس الى فيرناندة والى الولد، وتجديد الموعد مع الشرفة . وهو بالضبط ما حصل في تلك اللحظة ؛ حيث قام بالاصطار بإعلان نهاية اليوم، وأزوف موعد اقفال المعمل . في الحين، هجعت الآلات وخمد فيها الهدير . وبدون ما يمكن أن يوحي بالاستعجال، شرع العمال يطفئون مواقد النار، ويرتبون أماكن عملهم، وليأخذوا، الواحد بعد الآخر، سبيلهم صوب مستودع الملابس . وكان سعيد آخر الملتحقين لالتزامه بتنظيف المكان، ورش الأرض المغبرة بالماء . عندما وصل جيفار الى مستودع الملابس، كان إصبوصيطو، ببنيته الجسمانية الضخمة والمكسوة بالشعر، منهمكا بالاغتسال تحت المرشة ؛ قد ولاهم بالظهر، ويداه تغطيان بزبد الصابون كل موضع من البدن في حركات رشيقة صاخبة . ولقد كان من المألوف أن يمازحه العمال في حرمات الجسد، وأن يتعرضوا له بشذرات الفكاهة في مواطن الحياء . وبالفعل، فقد دأب هذا الدب الكبير على أن يحرص بكل ما أوتي من الإصرار على إخفاء مكارم أعضائه التليدة . ومع ذلك، لم يكن يبدو على أي واحد منهم، في هذا اليوم، أنه لمح شيئا . غادر إصبوصيطو مقصورة المرشة وهو يرجع القهقرى، ثم لف حول وركيه فوطة شبيهة بالتنورة . وتتابع الآخرون يلجون للاغتسال كل حسب دوره . وبينما كان ماركو يصفق خاصرتيه صفقاً شديداً، تناهى الى الاسماع ضجيج البوابة الكبيرة للمعمل في سيرها البطيء على الدولاب . ودخل لاصال .

كان ما يزال يرتدي الثياب نفسها التي حضر بها أثناء زيارته الأولى، إلا أن شعره فَقَد بعضاً من تسريحته فتشعث واغبرٌ . انتصب فوق عتبة الباب وراح يتأمل الفضاء الفسيح للمعمل بعد أن انسحبت عنه مجموعة العمال ؛ ثم خطا بضع خطوات وتوقف مرة ثانية وألقى نظرة على مستودع الملابس . التفت اليه إصبوصيطو، وكان ما يزال ملفوفا في فوطته، فتمايل بعض الميل على قدميه من الارتباك لتجرده من الثياب . وخطر في ذهن جيفار بأن الأمر يعود لماركو لكي يقول كلمة . إلا أن ماركو واصل اختباءه عن الأنظار في سيول المياه المتدفقة عليه من المرشة . وكان إصبوصيطو قد تمكن من الوصول الى قميصه فلبسه مسرعاً . وقبل أن يتقدم لاصال خطوات معدودة صوب البوابة الصغيرة، خاطب العمال بصوت افتقد الرنين وضاع عنه الصدى : " – عمتم مساءاً " . وبينما خطرت ببال جيفار فكرة المناداة عليه، كان الباب قد انقفل من جديد وراءه .

دلف جيفار الى ثيابه فأعاد ارتداءها من دون أن يغتسل، وبدوره خاطبهم، وبكل ما في جوانح القلب من الود، أن عمتم مساءاً، فردوا تحيته بأحسن منها مودةً وعطفاً . وبخطو رشيق خرج يقصد دراجته الهوائية التي، بعودته مرة أخرى اليها، تعود اليه، وهو يقفز على متنها، أوجاع الجسد المنهك وأنات المفاصل المتمزقة . وها هو الآن يتقدم على الطريق محفوفا بعبير المساء، يخترق زحمة المدينة وحركة سيرها الزاخرة . لبثت الدراجة تطوي المسافات مسرعة ومبادرة . لشد ما كان يهفو للعودة الى البيت العتيق وتأصيل الوفاء الذي يجمعه بالشرفة . سيكون عليه في البدء أن يلج مغسل الثياب للاستحمام قبل الجلوس لمشاهدة البحر، الذي يسير بصحبته الآن، حيث تبدت صفحته على أرصفة الشارع الطويل فاحمة اللون شديدة القتمة أكثر مما كانت عند الصباح . وكانت تسير بصحبته أيضا صورة البنت الصغيرة، والتي لا تكف عن مداهمته واقتحام أفكاره المتزاحمة والمتراكمة .

حينما وصل الى البيت، كان الولد قد عاد من المدرسة، وينهمك في مطالعة مطبوعات مزينة بالرسوم . وسألته فيرناندة في ما إذا كانت كل الأمور قد سارت على أحسن ما يرام . لكنه لم ينطق بأية كلمة، وواصل الاغتسال في موضع غسل الثياب . ولما انتهى، جلس على الدكة وأسند ظهره الى جدار الشرفة الصغير . كانت تتدلى من فوق رأسه أقمشة تنتشر عليها المرتقعات وثياب تخترقها خياطة ورتوق . وشرعت السماء تبين عن شفافية أديمها الأصيل الرائق . وهناك الى البعيد، في ما يلوح من خلف الجدار، تراءى البحر يحتضنه المساء المشمول بالصمت وبالسكون . وجاءت فيرناندة تحمل في يديها قدحين من شراب الأنيسون وقُلٌة صغيرة من الماء البارد ؛ ثم اتخذت لنفسها مكانا بالقرب من زوجها . ومثلما كان يحصل في الأيام الأولى من زواجهما، أمسك بيدها وحكى لها عن كل شيء . ولما انتهى الى آخر الحكاية، تجمدت أوصاله واعتراه الهمود، وطفق يحدق جهة البحر حيث تراقصت أمام عينيه على امتداد الأفق أطياف الشفق العابر . وقال : " – آه . هو من يتحمل المسؤولية عن كل الذي جرى " . وتمنى لو كان في عز الشباب، وفيرناندة كذلك، لما كانا ليترددا لحظة واحدة في الرحيل عن هذه الأرض، والمغادرة صوب كل تلك الأماكن البعيدة والمترامية في ما وراء هذا البحر .

***

 

......................

 - Albert Camus : L ’ Exil et Le Royaume . Editions Gallimard . 1957 .

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ عبد الله هاشي
حياك الله
لقد قمت بعمل جبار تشكر عليه
ترجمة رائعة
دمت متالقا دوما

بن يونس ماجن
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الكريم ، الأستاذ بن يونس ماجن . تحياتي وسلامي اليك . شكرا جزيلا لك على قراءتك هذه الترجمة . وبارك الله فيك على كلمتك الطيبة . إن كل أملي أن يجد القارىء العربي بعض الفائدة في هذه الكتابة ، وأن يرزقنا الله الصحة والسلامة ، فنواصل على هذا المسار . شكرا لك ، أخي الكريم بن يونس ، مرة أخرى ، والسلام عليكم ورحمة الله .
عبد الله هاشي

عبد الله هاشي
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز المترجم الأديب الأستاذ عبد الله هاشي
تحياتي الحارة لك بمناسبة هذه الترجمة البارعة لإحدى روائع الراحل البير كامي.
تمنياتي لك بمزيد من العطاء والتألق.
علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5061 المصادف: 2020-07-14 08:28:35