محمد صالح الغريسيشعر : لويز آكرمان

تعريب : محمد الصالح الغريسي

***

آه ! لو كانت ربّة الشّعر أقلّ خرافيّة بعض الشّيء،

لكان الغناء حقّا وظيف الآلهة؛

و لما استطاع "أورفيوس"   الأصغر قطّ ،

أن يفتح فمه فترى النّاس يتراكضون من كلّ صوب.

بل لكنّا فعلا قد أبدعنا، ولالتقطت الجموع بملء سمعها، شذرات أشعارنا من تحت أقدامنا.

لن يكون الحال أبدا هكذا، لمن تجتذبهم ربّة الشّعر

 إلى عمق خمائلها المهجورة،

صعبة هي الأوقات الّتي تبوح فيها القيثارة، 

لقد ذهب ذلك السّحر الّذي كان يأسر إليها القلوب.

فها أنا إذن في أوقات فراغي، أتلهّى بنظم القوافي،

و لم يكن في حسباني مطلقا،

أنّ انسجامي سيمنحكم عذوبة تحظى باستحسانكم.

ليس أقلّ من ذلك ما يسحرني من الفنّ الإلهيّ؛

 فإن لم يكن للأشعار عليكم سلطان، فهي لدى من ينشدها،

ما يزال منه عليهم بقيّة، وهي الأكثر عذوبة.

**

الحليّ البهيّ، وهذه الأزهار الشّعريّة المنمّقة ،

الّتي أنظمها على طريقتي،

تمضي في دروبها وراء الخيال الجامح،

تردّد في طريقها أغنيتها، قصص عشق لائقة، تتخذ لها منها رفاقا،

تسعدهم بشتّى أقوالي، في مخاتلة جميلة ببيت من الشّعر،

  كلمة عذبة ترنو إليّ بنظرة عشق،   

أليس من الإمتاع، وسط الغاب الحبيب،

أن يطلق العندليب سقسقاته المسترسلة،

هل تراه يسأل إن كان المعجبون من حوله يسمعونه، في هذه القصور الخضراء؟

مثله أنا، سأروي وأنا أغنّي لنفسي في أوقات خلوتي،

لكن بصوت خافت.

بأعلى ثقة ممّا يمكن لصوتي أن يروي به حكاية،

 مهما كانت صادقة في سرد أطوارها.

بل يتّفق أحيانا، أنّ نوتة واحدة من نشيد بسيط لي،

قد تكون أحيت ذاكرة بعض الفطاحل القدامى،

و راقت للإله،

إن حدث ذلك فعلا، فسيكون من قبيل السّحر.

منذ زمن بعيد، لم يعد ثمّة من ضحكات جديدة ولا دموع تحت سمائنا.

حسرة تتردّد! وتغاريد،

ذلك كلّ ما نصنعه، وهو ما يتناغم مع ما نسمعه من أصوات قد عرفناها؛

ما يزال من بين القادمين مؤخّرا، من هم سعداء،

أولئك هم أصحاب النشيد الّذي يشبه شيئا ما.

 

لويز آكرمان

.....................

 

Contes

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Contes et poésies (1863).

***

Ah ! si la Muse était tant soit peu fée,

Chanter, vraiment, serait emploi des dieux ;

Point ne pourrait le plus petit Orphée

La bouche ouvrir, qu'on ne vît de tous lieux

Courir les gens. Oui, nous ferions merveille,

Et sous nos pas la foule toute oreille

Ramasserait les miettes de nos vers.

Il n'en va point ainsi. Pour ceux qu'attire

La Muse au fond de ses bosquets déserts,

Les temps sont durs ; de l'aveu de la lyre,

Ce charme a fui qui lui livrait les cœurs.

Dans mes loisirs j'ai donc à la légère

Rimé ceci, ne comptant point ou guère

Que mes accords offriront des douceurs

Vous agréant. Pas moins ne m'en enchante

Un art divin ; car si les vers pour vous

N'ont plus d'attraits, pour celui qui les chante

Il leur en reste encore, et des plus doux.

De frais atours et fleurs de poésie

Ces miens récits parer à ma façon,

Dans ses sentiers suivre la fantaisie,

Chemin faisant répéter sa chanson,

Amours décents prendre pour camarades,

Les égayer à mes propos divers,

Trouver parfois, au beau détour d'un vers,

Un joli mot qui me fait des œillades,

N'est-ce plaisir ? Quand pousse ses roulades

Le rossignol au sein des bois aimés,

Demande-t-il si ses voisins charmés

L'écouteront en ces vertes demeures ?

Ainsi que lui, pour moi seul, à mes heures,

Je vais chantant, mais très-bas toutefois.

Plus haut qu'un conte il n'est sûr à ma voix

De se lancer; aussi bien se tient-elle

À ces récits. Même il se peut parfois

Qu'en mon chant simple une note rappelle

Quelque vieux maître; et plût à Dieu, vraiment,

Que cela fût, car cela serait charme.

Depuis longtemps il n'est rire ni larme

Qui soient nouveaux sous notre firmament.

Redite, hélas ! et regazouillement,

C'est tout notre œuvre, et qui rime s'expose

À faire ouïr des sons déjà connus ;

Heureux encor, parmi les tard venus,

Ceux dont le chant ressemble à quelque chose.

Louise Ackermann.

 

 

صالح الرزوقبقلم: نعومي ألديرمان*

ترجمة: صالح الرزوق

***

في الحفلة احتفظت بتوانزنك وأنت تتكلمين مع صديق جديد. على الأقل من اعتقدت أنه من بين المعارف الجدد. ودار الكلام عن طفولتك، وعلاقتك الصعبة مع والديك. وتباهيت بأشياء من حياتك كنت ترين ضرورة للتكتم عليها أمام والدك. وها هي الآن تلمع كالنجوم حول رؤوس معارفك الجدد. ثم رنات موسيقا. وضع الضيوف الآخرون بتهذيب شرابهم من أيديهم وحيوا بالتصفيق الحار هذه الإنجازات. وحينما كنت تتكلمين، ضغط صديقك على مربع سطحي في مكان ما ليضيف اسمه إلى لائحة الأصدقاء. ولكنه جاء في المرتبة 5000. فأنت مشهورة. والجميع يعلمون ذلك. وبعد صمت قصير للاحتفال بوضعك الجديد، تابعت الكلام عن المشاكل التي واجهتك في الماضي.

في مكتب طبيبتك النفسية، كان من المستحسن التكتم على كل الشبكة الاجتماعية. لم يكن بمقدور أحد أن يحدد إذا كنت ملتزمة، وطبعا هذا يتضمن الطبيبة، الصديقة المحترفة. كان الكلام يصل إلى الجزء البصري من دماغك، أجهزة استقبال تحت الجلد، وتيار من الأصوات كانت تقرع مباشرة في عصب السمع، ثم تغلقه وتفتحه ببساطة فكرة عابرة. لا أعتقد أنها علمت بذلك. وإذا استمر هذا الحال فهو يشبه الاستلقاء أمام الطبيب. قالت لك: لن تستفيدي هكذا، ويجب أن لا تشعري بأحد معك داخل الغرفة.

كان إغلاقها قليلا يأتي بالهدوء. العديد من الأشخاص أغلقوها لساعات أو لأيام. وليس من الضروري إذاعة كل الأفكار. الناس مغرمون بتكرار هذا الطقس. فهو تصحيح لأخطاء الآخرين. أولئك الناس المتواجدون في تلك الأمكنة. وتأكيد للذات. ولكن الحقيقة أنه لا مهرب من تكرارها، وطبعا، هذا دليل على أنها صعبة على الأفهام. من المريح أن تتذكري أنك وحيدة، أحيانا. وطبيبتك النفسية تصغي لأحلامك - وما يستعصي على ذلك يمكن نشره على الشبكة - أو أنه يصغي لك وأنت تخبرينه بمقدار كراهيتك لنفسك. ولا يوجد أحد يكرهك بمقدار كراهيتك لنفسك. علاوة على ذلك، حينما تبحثين عن شبيه لن تجدي. وعليك استشارة الشبكة. وكي تقنعي نفسك أن لا تفعلي ذلك أنت بحاجة لجهد مضاعف. فمفرداتك قليلة دون شبكة. ومعرفتك تتناقص. وحتى ذاكرتك عن حياتك الشخصية على الشبكة، بالمقارنة مع ما يحققه البشر دونها، تكون أغنى وأكمل.

تقولين: "ألا تعتقدون، في الواقع، أن الشبكة هي أداة لعلاج نفسي؟".

لا أحد يرد.

1093 aldermanوحينما تنظرين لما حولك وتشاهدين المحللة النفسية، تعتقدين أنك شاهدت حركة العين المسعورة وهي تشير إلى أنها تفحصك بمعونة من شبكتها. ولكن إذا وجهت لها السؤال تنكر ذلك. حملت ابن صديقة أيام الطفولة. أنت والأم كنتما على توافق لحوالي عشرين عاما. وكان الطفل يبتسم لك ظاهريا.

قالت أمه: "للتو عصفت به الريح". ولكنك ابتسمت.

سألت: "متى ستستقرين؟". لم تردي.

كان اسم الولد قد ظهر من فترة قريبة على الشبكة، لحجز مكان له حينما ينمو ويكبر. فالأطفال دون أصدقاء. قبل نقطة معينة - ربما 12 أو 18 شهرا- لا يكون الأطفال على دراية بالمسافة التي تفصلهم عن العالم. وفقط حينما ينتبهون أن الآخرين لهم تجارب نفسية خاصة، يبدأ كلامهم عن "أصدقاء". وحالما نفهم أن ما يدور في رؤوسنا له استقلالية وخصوصية، نبدأ بالبحث عن الشريك.

أنت بحاجة لجهد لتحافظ على الحواجز بيننا وبين العالم الخارجي. وهذا هو سبب المشاعر الطيبة التي ترافق الحب. تخفيض ارتفاع الحدود حول "أنفسنا" التي نرعاها بحرص يكون على الأقل مبهجا. ولقد مرت فترة طويلة منذ سقطت في الحب لآخر مرة. بكثير من الشك والخوف وبواسطة الشبكة تتأملين وضع صديقك رقم 5000 وبالاستعانة بالشبكة ولكن يخيب أملك: كل العلامات تدل أنهم جميعا لهم علاقات جدية. ولكن تضيف الشبكة أن شريكا قديما لا يزال أعزب. كلاكما كان بينكما ترتيبات. وحينما شرعت بالاتصال به، تلقاك بحرارة. والتقيتما في بيتك في النصف الثاني من المساء.

ولما حاولت التعبير عن اهتماماتك عن معنى الصداقة، وعن طبيعة العلاقات الاجتماعية، وعن الحاجة للعزلة، كان صديقك مهتما بشكل عام وسطحي، ولذلك لم تجدي نفسك حقا معه.

قال صديقك المفيد ”أصبحنا نوعا جديدا من البشر"، ومد يده نحو فخذك وأضاف: "المرحلة التالية من التطور ستركز على إقامة علاقة مثلية. علينا أن لا ننظر إلى الخلف؟".

سمعت هذه الفكرة من قبل. ولم يكن لدى صديقك شيء جديد يضيفه. و في الختام، لم تكوني راغبة بالكلام.

مع ذلك مرت الأمسية بهدوء. وكنت تشعرين بالعزلة مع أن صديقك يستلقي بجوارك على السرير. هذا مجرد بداية لبث الشبكة، وهدير الثرثرة تعصف بجسدك، وتدفع عزلتك للتراجع.

في اليوم التالي، تكلمت مع أخيك في بوينس آيريس. أو ربما اسطنبول. أو يوكوهاما. من الصعب أن تعلم دائما أين هو الآن. وهذا أمر غير هام. أينما هو، خياله ينعكس في رأسك، ويتمسك بأعصابك. ولكن ليس هناك المزيد من الأصدقاء الغائبين في هذه الأيام.

قال لي: "عليك أن تنسي صديقك حامل قسائم التموين. هذا لا يفيدك. أنت بحاجة لعلاقة حقيقية".

عضلاتك تشعر بالراحة بعد انتهاء الحوار الثقيل. ابتسامتك. تشعرين أنك معروفة، ومفهومة، ومعتنى بك. تشعرين أنك بين زملاء. ولكن أنت وحدك في شقتك، وتبتسمين للفضاء الفارغ.

العلاقة بين العقل والجسم إشكالية. ديكارت فيلسوف القرن السابع عشر اعتقد أنهما كتلتان منفصلتان ومختلفتان. الجسم آلة، والعقل هو المتحكم بها. الفلاسفة الآخرون يدينونه بتخيلات حول الميكنة - رجل صغير في داخل الجمجمة، يفحص الإدخالات التي تتدفق من العينين والأذنين وبقية الحواس، ويضغط على أزرار للاستجابة وتحريك الجسم. هذا الوضع غير مقبول فلسفيا. ولكنها تشير إلى نوع معين من الحقيقة. نحن متأكدون أنه هناك إنسان مدهش وحقيقي داخل جسم كل إنسان بليد نحن نلتقي به هنا وهناك. ونحن نكافح ضد التكبر الذي ينجم من صفات فيزيائية: لون البشرة، الجنوسة، العمر، القامة، العجز، شكل الجسم. وعندما تخيلنا السماء طوال قرون، كنا نتخيل في الحقيقة مكانا أعلى من الظواهر الملموسة، حيث الفكرة والروح هما الحقيقة الوحيدة. وجسم أخيك ليس مهما: فهو عقله، أو روحه، أو أنفاسه، والتي تمنحك العناق المريح. لا شك هذا هو الحلم بالسماء.

ها أنت تغوصين في كآبة خفيفة. لا شيء جدي أو خطير. وتصلك مشاعر جديدة عن حقيقة جسدك من خلال تفعيلها على الشبكة. وحينما تهبط العدادات الكهربائية لما دون عتبة معينة، يدخل النظام في حالة الاسترخاء. وتخبر الشبكة كل أصدقائك أنك "حزينة قليلا" وتقدم لهم عدة أساليب لإدخال السعادة على قلبك.

مطر من الورود المتفتحة والعناق وصور هررة تبدأ بالتدفق إلى علبة الإنترنت أمام عينيك. بعضها يكلف أصدقاءك نقودا حقيقية- ليس بمقدار ثمن الكاباتشينو، ولكن أكثر مما بوسعك إهماله في الشارع إذا سقط منك، وهكذا تشعرين ببعض التحسن. بعض الأصدقاء- غالبا الفئة التي تصنفينها في الشبكة باسم "أصدقاء حقيقيون" - يتصلون للانضمام إليك. وأنت تعترفين بذلك. وهم يخبرونك أن هذا لن يستمر إلى الأبد. وكل إنسان يمر بأوقات عصيبة أحيانا. وذكروا لك كأمثلة والديك وأكدوا لك أنك تقدمت كثيرا وهذا يكفي.

المزاج يعدي. وهذا معنى المزاج. جوزيف جوردانيا، موسيقي متخصص بألحان عرقية وضع نظرية تقترح فناء القدرات البشرية في هوية تراكمية- بالاخص في الرقص والغناء- ولكن من الضروري ان نضحي بأنفسنا للحفاظ على النوع. وبقاء العنصر البشري يعتمد أحيانا على فقدان أنفسنا. وعموما نحن وضعنا حديثا جدا ثقتنا في الهوية الذاتية. وربما أن نكون "نحن" شيء طبيعي أكثر من أن نكون "أنا".

مثلك بدأ مستخدمو الشبكة يتحولون لاستعمال ذاكرة المعلومات للتنبؤ بأحوال الآخرين. وتحولت رسائل وأمزجة أصدقائك إلى مشاعر في جسمك. وارتبط إحساس مثل القشعريرة بالرسائل غير المقروءة، ومعه تدفقت أحاسيس كانت متلازمة مع مزاج أصدقائك الإيجابي. وأصبحنا عضوا واحدا، واشتركنا بأمزجتنا بشعور موحد. يا لها من آلة تزيد من التعاطف.

ولذلك بالضرورة إذا انخفض مزاجك، تخسرين عددا من أصدقائك العاديين. فقط الذين لا يتحملون هذه المشاعر في تلك اللحظة. وقد يعودون لاحقا، إن لم يحتل مواضعهم آخرون بسرعة البرق. أنت لديك 5050 صديقا. ولن تشعري بغياب دستة أو اثنتين ممن هجرك  في وقت الضيق.

على أية حال، هناك أناس معينون ينخفض مزاجهم جدا ويفقدون الأصدقاء بالمئات، أو بالألوف. ولا مجال للشفاء من تلك الأزمة. إنها حالة قصوى. ويتابعون العمل، وربما، يكون لديهم أسرة وهوايات، ولكن خسارة كارثية من هذا النوع، على الشبكة، تشبه التشرد. وعليك أن تبدأ مجددا من الصفر. ومعظم الناس لن يثقوا بك بما فيه الكفاية ليسمحوا لك بانطلاقة ثانية. إن شخصا بعمر 30 عاما ودون أصدقاء على الشبكة أمر عجيب ويدعو للقلق. بعد يوم أو يومين من الحالة السيئة الجديدة، اتصل بك صديقك رقم 5000 من قناة خاصة على الشبكة. تلك العلاقة التي انتبهت إليها على الشبكة، كانت بنظرك منتهية. ودخلت بالحوار بالصدفة. ولاحظت الطبيعة الميسرة. كان الحوار مدروسا، كل منكما حاول أن يكون مضحكا، وكان من دواعي سرور أحدكما أن يضحك الآخر لبداهته. على الأقل، تخيلت أن صديقك الجديد يحاول أن يكون فكاهيا ومرحا، وتصورت أنه مسرور حقا. ولم تكوني متأكدة أن ما تتخيلينه هو حقيقة فعلا. وأنه يحدث فعلا. أخطأت بتفسير الإشارات من قبل وخاب أملك من الصدمة. فقد فهمت أنك كنت تعتقدين وحدك أن تلقي وإرسال الرسائل يكون محدودا. ولو أنه من المفترض أن نستمتع بعزلتنا الداخلية، لماذا يجب أن نقلق من سوء الفهم؟. نحن نريد أن نلمس ماذا في رأس الشخص الآخر.

و الأشكال الإيجابية تتكلم بصيغة المخاطب: "إلى أين تودين الذهاب اليوم؟". "ما هو شعورك حيال أبيك؟".

في الشبكة، أنت دائما مشغولة بالكلام. فهي تخبرك من أنت، وماذا تفعلين. "أنت تتابعين أدريان" "أنت تقتلين الوقت مع أندريا" "دافيد غمز منك". لقد يئست بالتدريج من التحكم بتقديم نفسك، حتى أنك بالكاد تتعرفين عليها. وتشعرين بالاطمئنان من الشبكة. هل لقنك أحدهم ذلك، أم أنها الحقيقة؟. وهل هناك فرق؟.

ها أنت منطوية على نفسك بإحكام. والأسئلة تتخمر عن صديقك رقم 5000. وطبيبتك النفسية في المدينة، كالعادة حينما تكونين بحاجة لها. وعليك الركون لاستشارة الشبكة المزودة ببرنامج خاص.

يقول الإنسان الآلي، صديقك المتخيل: "كيف تشعرين؟".

تقولين: "حزينة. قلقة. خائفة. وحيدة". ولا تقولين: مهجورة. ولكنك كذلك. حتى بوجود أصدقاء كثيرين، أنت مهجورة.

يسألك الصوت:" وكيف تشعرين تجاه هذا الحزن، والقلق، والخوف، والوحدة؟".

لا يمكنها أن تفعل شيئا أكثر من توجيه الأسئلة، ولكن الإجابة تمنحك راحة مؤقتة.

في الختام، الزميل الذي يتحول إلى صديق في الحفلة - صديقك رقم 5000- يصبح عاشقا. وتستكشفين جسم وعقل إنسان آخر. تثملين من خمرة الآخر، تحررين نفسك مثل طفل يفلت بالونا، وتراقبين بهدوء نفسك التي اعتنيت بها وانفصلت عنها وهي تسبح نحو السماء وتختفي.

تغلقين نفسك لعدة أيام متتالية، وتضيعين في شخص آخر. وتنسين من أنت. وترددين نفس الكلام الذي يردده عشيقك وبنفس اللحظة. تصغين، وتشعرين أنك تستمعين لسردك الخاص وهو يفيض منك. وتنتهي الحاجة لتقولي: "أنا أيضا، أنا أيضا". لأنك فهمت كل شيء.

في النهاية، بعد عدة أيام، تبدلين حالة ارتباطك بالشبكة. ويتبع ذلك طوفان من التهاني. وتشعرين أنك محبوبة من حبيبك ومن الشبكة. أنتم معا.

هل الحب فأل طيب، أم أنه علامة سيئة؟. ولكن أنا نفسي، ماذا عنها؟..

 

..................

*روائية بريطانية معاصرة من اسكوتلاندا. أهم أعمالها رواية "السلطة"، و"التمرد"، و"إنجيل الكذاب". تعمل أستاذة الأدب الإبداعي في جامعة باث. وتعيش حاليا في لندن.

  

محمد صالح الغريسيشعر: أليس والكر

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

صار بإمكاني أن أتأمل

و أنا جالسة على كرسيّ

أو مستندة إلى الجدار

برجلين ممدودتين

(أو حتّى وأنا في فراشي)

*

صار بإمكاني أن أرى

ربّما، نصف ما أراه الآن!

(هذا ما غيّر كلّ شيء)

*

صار بإمكاني أن أرقص

مثل رجل عجوز مخمور

كنت معجبة بنفسي وأنا طفلة صغيرة

(لم يكونوا ليتخلّوا عنّي أبدا !)

*

صار بإمكاني أن أختلي مع نفسي بعض الوقت

 متى شئت!

أن أقود دراجة ذات مقودين طويلين!

(وضعي الآن آخذ في التّحسّن)

*

صار بإمكاني أن أنقطع عن تعلّم الإبحار!

أن أدرك أنّني لن أتعلّم تكلّم اللغة الألمانية أبدا!

*

صار بإمكاني أن أحضن كامل الصّباح،

من يروق لي احتضانه:

وأنا أعدّ السّاعات،

بعدد المرات الّتي كنّا ننهض فيها للتّبوّل!

صار بإمكاني أن أختلي مع نفسي بعض الوقت

 متى شئت!

أن آكل الشّوكولاتة

مع السّلطة.

أو حتّى كجولة أولى!

أن أنسى!

صار بإمكاني أن أستعمل في الطّلاء ألوانا

لم أكن أرها قطّ من قبل،

فأخلطها بنفسي.

*

صار بإمكاني أن أنام مع كلبي

وأصلّي من أجل

أن يُعَمَّرَ قطّي طويلا!

صار بإمكاني أن أعزف الموسيقى

دون الحاجة إلى قراءة النّوتة!

أن أختلي مع نفسي بعض الوقت

 متى شئت!

أن أنام في الأرجوحة الشّبكة

تحت نفس النّجوم

أينما حللت!

*

صار بإمكاني أن أضحك

 على كلّ شيء لا أعرفه

ولا أستطيع العثور عليه!

 

صار بإمكاني أن أحيّي

من لا أذكرهم من النّاس

كما لو كنت أعرفهم جيّدا

في النّهاية؛

إلى أية درجة يمكن أن يكونوا مختلفين؟

*

صار بإمكاني أن أزرع

حديقتي بأكملها في أصص!

*

صار بإمكاني أن أختلي مع نفسي بعض الوقت

 متى شئت!

أن أشعر بالحبّ

أكثر ممّا كنت أعتقد بوجوده!

كلّ شيء يبدو

كما لو أنّه صنع

 من أشياء تافهة!

 *

أشعر بذلك

معك أنت بالذّات! رغم أنّي قد أكون لا أذكر بالضّبط

أيّها قد تكون!

كم يريحني هذا!

صار بإمكاني أن أظلّ أختلي مع نفسي بعض الوقت

 متى شئت!

وذلك ليس سوى مجرّد ذوق

كما تعوّد كبار السنّ من النّاس

أن يقولوا هنا في جورجيا

عندما كنت طفلة

عمّا كنتم تفعلونه من أجل أن تكبروا.

 

يذكّروننا وقد كانوا شهودا على فضولنا تجاههم،

أنّ الخسائر ليس مهمّة، فثمّة أشياء رائعة

تحدث في كلّ مرحلة من الحياة،

أشياء نتركها تمرّ، ربّما،

ولكن بالتّأكيد لنصلح شيئا ما قد نحصل عليه!

***

أليس والكر

....................

أليس والكر (من مواليد 9 فبراير 1944) مؤلفة أمريكية، شاعرة، وناشطة. وقد كتبت على حد سواء الخيال والمقالات حول العرق والجنس. وهي معروفة لروايتها التي نالت الانتقادات اللاذعة "اللون الأرجواني The Colour purple ("1982 التي فازت بجائزة الكتاب الوطني[13]،وجائزة بوليتزر.[14]

حياتها[:

ولدت ووكر في Eatonton، جورجيا. وكانت الصغرى من ثمانية أطفال. والدها، الذي كان، في كلماتها، "رائع في الرياضيات ولكنه مزارع فظيع" حقق فقط 300 دولار في السنة من المزارعة وصناعة الألبان. والدتها استكملت دخل الأسرة من خلال العمل كخادمة.[15] عملت 11 ساعة في اليوم مقابل 17 $ في الأسبوع للمساعدة في دفع قسط أليس لحضور الكلية.[16]

في عام 1952، أصيبت ووكر عن طريق الخطأ في العين اليمنى برصاصة من بندقية BB من جانب واحد من أشقائها.[17] ولأن الأسرة ليست لديها سيارة لم تتمكن أن تأخذ ابنتها إلى المستشفى لتلقي العلاج الفوري. في الوقت الذي وصلت إلى الطبيب بعد ذلك بأسبوع، كانت قد أصبحت عمياء بشكل دائم في تلك العين. أصبحت أليس بسبب الندبة التي تكونت على عينها تشعر بالخجل المفرط. شعرت بسبب تحديق الناس إليها كأنها شخص منبوذ، ولم تجد العزاء لنفسها إلاّ في القراءة وكتابة الشعر. وعندما أصبح عمرها 14 عاما، إزالة ذلك الندب. أصبحت في وقت لاحق الطالب المتفوق، وكانت الفتاة الأكثر شعبية، لكنها أدركت أن تلك الصدمة التي أصابتها كان لها بعض القيمة: حيث أن حادثة اصابة عينها أفسحت لها المجال أن تبدأ طريقها الأدبي.

 

.........................

 

A Picture Story For The Curious

 by Alice Walker

***

I get to meditate

in a chair!

Or against the wall

with my legs

stretched out!

)Or even in bed!)

*

I get to see

maybe half

of what I'm looking at!

)This changes everything!)

*

I get to dance

like the tipsy old men

I adored

when I was an infant!

)They never dropped me!)

*

I get to spend time with myself

whenever I want!

I get to ride a bicycle

with tall

handlebars!

)My posture improves!)

*

I get to give up

learning to sail!

I get to know

I will never speak

German!

*

I get to snuggle all

morning

with my snuggler

of choice:

counting the hours

by how many times

we get up

to pee!

*

I get to spend time with myself

whenever I want!

I get to eat chocolate

with my salad.

Or even as a first course!

I get to forget!

I get to paint

with colors

I mix myself!

Colors

I've never seen

before.

*

I get to sleep

with my dog

& pray never to outlive

my cat!

I get to play

music

without reading

a note!

*

I get to spend time with myself

whenever I want!

I get to sleep

in a

hammock

under the same

stars

wherever I am!

I get to spend time with myself

whenever I want!

*

I get to laugh

at all the things

I don't know

& cannot

find!

*

I get to greet

people I don't remember

as if I know them

very well.

After all, how different

can they be?

*

I get to grow

my entire

garden

in a few

pots!

I get to spend time with myself

whenever I want!

*

I get to see

& feel

the suffering

of the whole

world

& to take

a nap

when I feel

like it

anyway!

*

I get to spend time with myself

whenever I want!

*

I get to feel

more love

than I ever thought

existed!

Everything appears to be made

of the stuff!

*

I feel this

especially for You! Though I may not remember

exactly which You

you are!

How cool is this!

Still, I get to spend time with myself

whenever I want!

And that is just a taste

as the old people used to say

down in Georgia

when I was a child

of what you get

for getting old.

***

Reminding us, as they witnessed our curiosity about them, that no matter the losses, there's something fabulous going on at every stage of Life, something to let go of, maybe, but for darn sure, something to get!

Alice Walker

 

 

عادل صالح الزبيدينصيحة الى البلدان المتقدمة والنامية والمنهارة

بقلم: جوي هارجو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

البلد شخص.

.

البلد اسم، يشترى ويباع. لدي عمل.

.

مزاج الحاكم وقراراته تقرر حالة جميع مكوناته.

.

كل ولاية تحكم نفسها دونما اعتبار للأفراد. كل فرد من اجل نفسه.

.

السلطة خطيرة حين تكون بيد شخص واحد. ينبغي ان تكون مشاركة.

.

منحني المكر والمال والجنس والعائلة والرب هذا المنصب. انه يعود لي وليس لأحد غيري.

.

لا يمكننا ان نمتلك اي شخص آخر، الناس، الأرض، او الموارد. نحن هنا من اجل ان نرعى بعضنا بعضا.

.

نحن على حق. نبني جدرانا كي نبعد اي شخص لا يشبهنا من هنا. الرب منحنا هذه الأرض. نحن نعزل الأطفال ونحبسهم في أقفاص لأنهم يخرقون قانون ربنا.

.

كل إضافة على أية فكرة، او فعل، او عمل هي مهمة، وذات عواقب بجميع الاتجاهات.

.

ليس إن كان بمقدورك أن تسن قانونا: ليس إن مر من خلال المحكمة العليا. ليس إن كان بمقدورنا أن ننفق المال من اجله.

.

لن يكون هناك توازن دون أن تكون جميع الأصوات حاضرة في حلقة السلطة.

.

لن تحقق ما تصبو اليه هنا أبدا. أنت الجنس الخطأ، لون البشرة الخطأ، الميول الجنسية الخطأ، لست من ديني، لغتك ليست لغتي.

.

نحن نصنع عالم أحفادنا من كلماتنا. نحن ندرك عالما يجلس فيه الجميع على مائدة معا، عليها ما يكفي الجميع.

.

"سنجعل هذا البلد عظيما مرة أخرى."

 

...............

جوي هارجو: شاعرة أميركية من الهنود الحمر (من قبائل مسكوجي) ولدت عام 1951 في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما. تعد واحدة من ابرز ناشطي وممثلي الموجة الثانية لما يعرف بنهضة سكان أميركا الأصليين خلال أواخر القرن العشرين. حاز شعر هارجو على جوائز عديدة، واختيرت مؤخرا لمنصب شاعر الولايات المتحدة الذي يمنح لأول مرة لشاعر من الهنود الحمر. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (الأغنية الأخيرة) 1975؛ (أي قمر ساقني إلى هذا؟) 1979؛ (المرأة المعلقة من الطابق الثالث عشر) 1983؛ (المرأة التي سقطت من السماء) 1994؛ و(كيف أصبحنا بشرا) 2001. القصيدة التي نترجمها لها هنا كتبتها الشاعرة، كما تخبرنا هي، بأسلوب مختلف عن القصائد التي تنحو عادة إما منحى غنائيا او منحى سرديا. انه شكل شعري غنائي تصفه بكونه: " شكل المناداة والاستجابة، وهو شكل تعود أصوله الى أشكال الغناء في ثقافتنا المسكوجية."

 

عادل صالح الزبيديبقلم الشاعرة: سارة تيزديل*

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

ستأتي أمطار خفيفة

(زمن الحرب)

**

ستأتي أمطار خفيفة ورائحة الأرض،

وطيور السنونو تدور محلقة بأصواتها الوامضة؛

**

والضفادع تغني في البرك ليلا،

وأشجار البرقوق البري ترتدي حلتها البيضاء المرتعشة،

**

وستكتسي طيور أبي الحناء بريشها الناري

وهي تزقزق بأهوائها فوق سياج مشبك خفيض؛

**

ولن يعلم أحد بالحرب،

لا أحد سيكترث أخيرا حين تنتهي.

**

لا أحد سيهتم، لا طير ولا شجرة

وان هلكت البشرية جمعاء؛

**

حتى الربيع نفسه حين يستيقظ عند الفجر،

ما كان ليعلم إننا قد رحلنا.

 

............

سارة تيزديل (1884-1933) شاعرة اميركية من مواليد سانت لويس بولاية ميزوري. نشرت اول مجموعة شعرية في عام 1907 تحت عنوان (سونيتات الى دوز وقصائد أخرى) ثم مجموعة ثانية في 1911 بعنوان (هيلين طروادة وقصائد أخرى) وثالثة في 1915 بعنوان (انهار اتجاه البحر) نالت استحسان النقاد والقراء لتناولها موضوعات الجمال والحب والموت بلغة غنائية شفيفة. ثم حققت المزيد من الشهرة حين فازت رابع مجموعة لها وهي بعنوان (قصائد حب) بجائزة كولومبيا للشعر (التي اصبحت جائزة البوليتزر فيما بعد) لعام 1918. نشرت بعدها ثلاث مجموعات اخرى وهي (لهيب وظل) 1920، (ظلام القمر) 1926، و(النجوم في هذه الليلة) 1930.

قصيدة للشاعرة ايولاندا بيدريغالضياء نافع

 (1916 – 1999) / بوليفيا

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع

***

لا الماء،

ولا الخمر،

ولا الدماء

تروي عطشي.

اريد أنا

الشيء الذي كان،

والشيء الذي

مستحيلا كان،

والشيء الذي

كان يجب ان يكون.

وكل هذا

 لن يكون -

لهذا

 لا انتظر انا

لا الشيء الذي

لا يتكرر،

ولا الشيء الذي

لا يمكن ابدا

ان يكون.

**

أتعطش للخلود أنا،

وأتوق ايضا الى

كأس زجاجي

 ملئ

 بوميض هذي اللحظة

من هذا الزمان..

  

محمد صالح الغريسيماذا عساني أهدي إلى من كانت وما تزال أمّا وأختا وحبيبة ورفيقة درب.. لم أجد أغلى من عقدين ثمينين أزيّن بهما جيد المرأة في عيدها العالمي !

***

1- العقد الأول: إلى النّساء

شعر : لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

إذا حصل يوما في أيّ مكان على ظهر البسيطة،

أن فهمت إحداكنّ حقّا مهمّتها الصّعبة؛

إذا توقّفت هذه الرّوح شيئا ما عن التّفاني

و هي تتقدّم على الدّرب الوعر بأناة؛

إذا كانت الطّيبة الّتي تنزّلت من السّماوات،

تمدّ يد العون لمنكودي الحظّ،

إذا كان الزوج والطّفل قد اغترفا ما طاب لهما، من هذا القلب؛

إذا نزل على الكثير منهنّ الأمل؛

فيا أيّتها النّسوة اغبطنها !

في حين تذهب حياتكنّ هدرا، في شهوات لا طائل من ورائها؛

 ويسبح القلب منجرّا وراء الصّدفة،

فهي تملك إيمانها، وهدفها، وما أوتيت من عمل.

اغبطنها ! فإن عانى الرّجل أو كافح فهو من يملك نجدتها،

يَنْشُدُ باستمرار سعادتها ورجاءها وشعاعها من تحت السّماوات،

وهو الّذي كان يستشعر بالرّوح ، ويبحث بالنّظر،

عن الحمامة المطوّقة بالبياض الّتي تأتي بها الرّياح

إلى هذه السّفينة المهدّدة بالخطر من قِبَلِ الأسرة البشريّة،

و الّتي جلبت الحبّ من المرتفعات المقدّسة،

 إلى هذه الإقامة المؤقّتة البائسة، ممثّلا في غصن الزّيتون.

 

لويز آكرمان

.....................

Aux femmes

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Premières poésies (1871).

S'il arrivait un jour, en quelque lieu sur terre,

Qu'une entre vous vraiment comprit sa tâche austère ;

Si, dans le sentier rude avançant lentement,

Cette âme s'arrêtait à quelque dévouement ;

Si c'était la bonté sous les cieux descendue,

Vers les infortunés la main toujours tendue ;

Si l'époux et l'enfant à ce cœur ont puisé ;

Si l'espoir de plusieurs sur elle est déposé ;

Femmes, enviez-la ! Tandis que dans la foule

Votre vie inutile en vains plaisirs s'écoule

Et que votre cœur flotte, au hasard entraîné,

Elle a sa foi, son but et son labeur donné.

Enviez-la ! Qu'il souffre ou combatte, c'est Elle

Que l'homme à son secours incessamment appelle,

Sa joie et son espoir, son rayon sous les cieux,

Qu'il pressentait de l'âme et qu'il cherchait des yeux,

La colombe au cou blanc qu'un vent du ciel ramène

Vers cette arche en danger de la famille humaine,

Qui, des saintes hauteurs en ce morne séjour,

Pour branche d'olivier a rapporté l'amour.

Louise Ackermann.

.....................

2- العقد الثّاني: لم يكن الأمر يحتاج...

شعر : لويس آراغون

تعريب : محمد الصالح الغريسي

***

لم يكن الأمر يحتاج،

سوى برهة إضافيّة من الزّمن،

ثمّ يأتي الموت،

غير أنّ يدا عارية قد أتت بَعْدُ،

فأمسكت بيدي

وهي الّتي أعادت للأيّام..

والأسابيع، ألوانهما المفقودة،

ولجسامة المسائل الإنسانيّة، حقيقتها

أنا من كنت دوما-لست أدري-

تعتريني القشعريرة لأبسط غضب..

كانت يدان اثنتان كافيتين،

كي تصنعا لحياتي عِقْدًا كبيرا من نسيم

هي حركة واحدة لا غير،

هذه الحركة الخفيفة،

 الّتي تداعبني أثناء النّوم،

تحطّ قاب قطرة من النّدى أو أدنى،

نسمةً على كتفي..

جبينٌ يتّكئ عليّ في جنح اللّيل،

عينانِ واسعتان مفتوحتان،

وإذا كلّ شيء في هذا الكون،

 قد بدا لي،

كحقل قمح

حديقةً غنّاء،

سرعان ما ينمو فيها "رعي الحمام"

فتدبّ الحياة في قلبي الْمَوَاتِ، من جديد،

مع عطور تضوع، فتجعل الظلّ لطيفا مستطابا

لويس أراغون : رواية لم تكتمل ( فرنسا 1956)

- 1رعي الحمام : نبتة عطريّة يُشرب ماؤها بعد تغليتها. تسمّى في تونس '' ترنجيّة'' وبالفرنسيّة verveine. .

.................

Il n’aurait fallu

 Louis Aragon

Il n'aurait fallu

Qu'un moment de plus

Pour que la mort vienne

Mais une main nue

Alors est venue

Qui a pris la mienne

Qui donc a rendu

Leurs couleurs perdues

Aux jours aux semaines

Sa réalité

A l'immensité

Des choses humaines

Moi qui frémissais

Toujours je ne sais

De quelle colère

Deux bras ont suffi

Pour faire à ma vie

Un grand collier d'air

Rien qu'un mouvement

Ce geste en dormant

Léger qui me frôle

Un souffle posé

Moins une rosée

Contre mon épaule

Un front qui s'appuie

A moi dans la nuit

Deux grands yeux ouverts

Et tout m'a semblé

Comme un champ de blé

Dans cet univers

Un tendre jardin

Dans l'herbe où soudain

La verveine pousse

Et mon cœur défunt

Renaît au parfum

Qui fait l'ombre douce

Louis Aragon : Le Roman Inachevé (1956)

France      

 

محمد صالح الغريسيبقلم: فتحي مهذب

ترجمة للفرنسية:

محمد الصالح الغريسي

 

Texte d'origine en Arabe.Ecrit par Fathi M’hadheb

Traduit par : Mohamed salah Gherissi

***

Quand les hachent, sous un ton de tueurs,

Déclenchent avec les arbres leur dialogue,

Les arbres eux ne versent point des pleurs

Et, qu’alors sonnent les glas de pragmatisme

Dans le sang des bucherons…

Quand leur ombre se brisent, tels les débris de verre,

Des souvenirs amers…

Faisant face à leur sort, en riant aux éclats

Traitant le vent avec la sagesse des philosophes…

Les arbres eux, n’ont jamais été agressifs,

N’ont jamais détruit la tombe d’un poète talentueux,

N’ont tiré aucune balle

Pour tuer une fleur en pleine manifestation

Ou une cigogne, qu’on a fauché son salaire mensuel

 Ils n’ont jamais dépensé de l’argent pour commettre un génocide…

Ils n’ont pas à leur possession des avions d’espionnage,

Ou de l’artillerie lourde…

Ils n’ont pas tué le moindre moineau

Ou pourchassé un aigle opposant…

Jamais, ils n’ont insulté la loi de la gravité

Ou jeté des pierres sur les passants.

Equipés de jolis appartements pour les oiseaux,  

Des fruits assai frais,

De vêtements verts brodés par des doigts divins ?

Appelant par leurs noms, les jolis papillons,

Sans cacher leur argent dans les sources d’eaux…

Seuls les arbres, sont à connaitre le langage de la pluie,

Ainsi que les chansons de tonnerre fuyant les soldats mongols.

Dieu en effet, aime les arbres,

C’est pour cela qu’ils vivent longtemps,

Heureux et optimistes au point de l’extravagance

Enraciné au sein de la terre…

Occupés par l’orchestre matinal de ses oiseaux…

Ne pense plus, toi homme, à faire du mal aux autres.

Gloire soit aux arbres riches en cadence de sagesse éternelle.

***

Fathi M’hadheb

..................

 

الأشجار أكثر نبلا من الانسان

شعر: فتحي مهذب

***

الأشجار لا تذرف الدموع..

حين تحاورها الفؤوس بنبرة القتلة..

وترن أجراس البرقماتيزم

في دم الحطابين..

حين تتكسر ظلالها مثل زجاج الذكريات المريرة..

تواجه مصيرها بضحكة مجلجلة..

تعامل الريح بحكمة الفلاسفة..

الأشجار لم تك عدوانية بالمرة..

لم تهدم ضريح شاعر موهوب..

لم تطلق رصاصة واحدة

لقتل زهرة متظاهرة..

أو لقلق اختلسوا راتبه الشهري..

لم تنفق أموالا طائلة لارتكاب ابادة جماعية..

لا تملك طائرات تجسس..

أو أسلحة ثقيلة ..

لم تقتل عصفورا واحدا أو تطارد نسرا معارضا ..

لم ترم قذيفة باتجاه بستاني..

لم تشتم قانون الجاذبية..

أو تقذف العابرين بالحجارة..

مجهزة بشقق جميلة للطيور..

وفواكه طازجة جدا..

ملابس خضراء مطرزة بأصابع الله

تنادي الفراشات بأسمائها ..

لا تخفي نقودها في الينابيع..

وحدها الأشجار تعي لغة المطر..

وأغاني الرعد الهارب من جند المغول...

فعلا الله يحب الأشجار..

لذلك فهي معمرة جدا..

وسعيدة ومتفائلة حد البذخ..

متجذرة في رحم الأرض..

مشغولة بأوركسترا عصافيرها الصباحي..

لا تفكر في إيذاء الآخرين.

المجد للأشجار المليئة بايقاع الحكمة الأبدي .

***

فتحي مهذب

...................

رابط القصيدة في المثقف

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/938774

 

 

 

محمد حسين النجمبقلم: ماثيو ليبمان **

ترجمة د. محمد حسين النجم

من المحتمل ان ذلك لم يكن ليحدث لو لم تأخذ هاري سنة من النوم في درس العلوم ذلك اليوم . حسنا، انه لم ينم حقا . فقط ان فكره قد سرح . المدرس، السيد برادلي كان يتكلم عن النظام الشمسي، وكيف ان جميع الكواكب تدور حول الشمس، حين توقف اصغاء هاري، ما استغرقه هو صورة الشمس الملتهبة العظيمة، وجميع الكواكب الصغيرة التي تدور حولها بشكل ثابت .

فجأة، عرف هاري ان السيد برادلي ينظر اليه مباشرة:

"ما هو ذاك الذي له ذيل طويل، ويدور حول الشمس كل 77 سنة؟".

حاول هاري ان بستعيد تفكيره ليمكنه الانتباه الى كلمات السؤال .

ادرك هاري ان ليس لديه فكرة عن الاجابة التي يتوقعها السيد برادلي . ذيل طويل؟. حاول لدقائق ان يراوغ بفكرة القول: "نجم الكلب" (كان قد قرأ للتو في دائرة المعارف ان " سيريوس "كان يسمى" نجم الكلب")، ولكنه خشي ان لا يجد السيد برادلي في هذه الاجابة ما يُغني .

لم يكن السيد برادلي حسن المزاج كثيرا، بل كان نافد الصبر . عرف هاري بان لديه دقائق قليلة بمكن ان تكون زمنا كافيا لتشخيص شيء ما للقول .

استعاد قول السيد برادلي "جميع الكواكب تدور حول الشمس"، وهذا الشيء ذو الذيل، مهما يكن، يدور حول الشمس ايضا . أ يمكن ان يكون كوكبا كذلك؟ . يبدو انها محاولة ثمينة .

"كوكب؟"

اجاب دون ان يخامره الشك .

لم يكن متهيئا لضحك اقرانه .

 لو انه كان متنبها لكان قد سمع السد برادلي حين اشار الى الجسم المعني  (المذنب) هالي، وان تلك المذنبات تدور حول الشمس مثلها مثل الكواكب الا انها ليست كذلك على وجه الدقة .

لحسن الحظ رن الجرس، معلنا انتهاء الدوام المدرسي لذلك اليوم .ولكن بينما كان هاري يمضي الى البيت كان يغمره الشعور بالحزن لعدم قدرته على اجابة السيد برادلي حين سأله .

كذلك كان مرتبكا : لماذا اخطأ؟

استعاد الطريقة التي حاول فيها الاجابة: كان السيد برادلي قد قال بوضوح " جميع الكواكب تدور حول الشمس". وهذا الشيء ذو الذيل الطويل، كذلك يدور حول الشمس الا انه ليس كوكبا .

" اذن هناك اشياء تدور حول الشمس الا انها ليست كواكب " . وواصل يحدث نفسه:" كل الكواكب تدور حول الشمس، ولكن ليس كل ما يدور حول الشمس كوكبا ".

بعدها توصل هاري الى فكرة . "العبارة لا يمكن قلبها . اذا ما وضعت الجزء الاخير من العبارة في البداية، فلن تبقى صادقة . مثلا، خذ عبارة " كل الزيتون شجر، اذا قلبتها تصبح " جميع (كل) الاشجار زيتون "، الا ان هذه خاطئة . والآن، من الصحيح ان " كل الكواكب تدور حول الشمس ". ولكن اذا قلبت العبارة وقلت " كل الاشياء التي تدور حول الشمس كواكب " فلن تبقى صحيحة، انها خاطئة .

ابهرته فكرته وعليه قرر ان بجربها مع بعض الامثلة .

في البداية فكر بعبارة " كل نماذج الطائرات دمى ". تمعن في الامر، اعتقد هذا صحيح . الآن دعنا نقلبها " كل الدمى نماذج طائرات ". عندما نقلبها، تكون العبارة خطأ! . ابتهج هاري .

جرب عبارة اخرى: " كل الخيار خضروات " (هاري كان من المغرمين بالخيار على الخصوص) .الا ان قلبها لا يصح على الاطلاق . كل الخضروات خيار؟ بالطبع لا .

غمرت هاري السعادة على اكتشافه . لو انه فقط عرف ذلك هذا المساء، لكان قد تجنب ذلك الارتباك الشنيع .

بعدها رأى ليزا .

ليزا كانت ايضا في صفه بالمدرسة، ولكن لسبب ما لم يعتقد بانها كانت واحدة من الاطفال الذين ضحكوا عليه . وبدى له انه ان اخبرها بما وجد فانها ستكون قادرة على الفهم .

صاح هاري بصوت عالي:" ليزا، وجدت للتو فكرة رائعة ! "

ابتسمت ليزا له ونظرت له بترقب .

قال هاري:" عندما تقلبين عبارة، فلن تبقى صحيحة ! " .

هرشت ليزا انفها، وسألت: " وما العجيب في ذلك؟ "

قال هاري " حسنا، اعطني عبارة، اي عبارة، وسأريك "

بدت ليزا في شك " ولكن اي نوع من العبارات؟ لا استطيع التفكير باي عبارة ثابتة في ذهني "

"حسنا " قال هاري " عبارة فيها نوعان من الاشياء، مثل كلاب وقطط، او مثلجات وطعام، او رواد فضاء وبشر ".

فكرت ليزا .بعدها وفي اللحظة التي اوشكت ان تقول شيئا، وهاري ينتظر بفارغ الصبر ان تقول ذلك، ضربت راسها وفكرت بما هو اكثر .

استعطفها هاري:" هيا، شيآن، اي شيئين ".

اخيرا احكمت ليزا فكرها وقالت:" ليست النسور اسود ".

انقض هاري على العبارة كانها قطته ماريو حين تنقض على كرة خيوط تتدحرج امامها . وبلحظة قلب هاري العبارة: " ليست الاسود نسور ". لقد أُذهل .

العبارة الاولى التي تقول " ليست النسور اسود " صحيحة، ولكن كذلك هي العبارة عندما تُقلب، لأنه من الصحيح كذلك " ليست الاسود نسور " .

لم يستطع هاري ان يفهم لماذا لم تنجح طريقته . " لقد نجحت من قبل ....." اراد قول ذلك بصوت عال، الا انه لم يستطع اكمال العبارة .

نظرت ليزا اليه مندهشة .

فكر هاري باستياء ظاهر لماذا اعطته مثل هذه العبارة السخيفة؟. لكن ظهر له بانه اذا ما كان قد استطاع تشخيص قاعدة حقيقية، فإنها لابد ان تنجح مع العبارات السخيفة مثلما تنجح مع غير السخيفة . اذن، من الحق انها ليست غلطة ليزا .

للمرة الثانية يشعر هاري بانه، الى حد ما، قد فشل . ما اسعده هو ان ليزا لم تضحك عليه .

- " في الواقع اعتقدت انني وجدتها " قال لها " فكرت حقيقة انني وجدتها "

- "هل جربتها؟ " سالته .

كانت عيونها الرمادية واضحة وجادة، وهي تفتحها باتساع .

- " بالطبع . لقد اخذت عبارة مثل " كل الكواكب تدور حول الشمس " و" كل نماذج الطائرات دمى " و" كل الخيار خضروات " ووجدت اننا حينما نضع الجزء الاخير في البداية، لا تبقى العبارة صحيحة "

ليزا ردت عليه بسرعة: " ولكن العبارة التي اعطيتك اياها لا تشبه عباراتك " " كل واحدة من عباراتك تبدأ بكلمة " كل ". لكن عبارتي تبدأ بكلمة " ليس ".

ليزا على حق !

- ولكن هل يمكن لهذا ان يخلق اختلافا؟

- هناك شيء واحد تفعله فقط : جرب عبارات اكثر تبدأ بكلمة " ليس "

-ان كان صحيحا ان " ليست الغواصات كناغر " فما الامر مع " ليست الكناغر غواصات "؟

 ردت ليزا: " صحيحة كذلك " واذا " ليس البعوض مصاصة سكر " اذن يكون صحيحا " ليس مصاصة سكر بعوض ".

رد هاري باندهاش " هكذا الامر !" " هكذا الامر ! اذا بدأت العبارة الصحيحة بكلمة " ليس "، اذن فمقلوبها يكون صحيحا كذلك . ولكن اذا بدأت بكلمة " كل "، يكون مقلوبها خاطئا " .

كان هاري ممتنا كثيرا لليزا لمساعدتها الى الحد الذي صعب عليه ان يعرف ماذا يقول . اراد ان يشكرها، ولكنه بدلا من ذلك غمغم بشيء ما، واكمل طريقه الى البيت .

نوى ان يتخذ طريقه مباشرة الى المطبخ، ولكن حين وصل، وجد امه تقف امام الثلاجة، تتحدث مع جارتها، السيدة اولسن . لم يشأ هاري ان يقاطعهما، لهذا وقف بعيدا لدقائق، مصغيا لمحادثتهما .

كانت السيدة اولسن تقول: " دعيني اخبرك بشيء ما، سيدة سوتلهاير . ان السيدة بيتس، التي التحقت للتو بـ (PTA)، كل الذي تتحدث عنه هو مساعدة الفقراء . حسنا، بالطبع انا اؤمن بذلك ايضا، ولكن ما افكر به هو ان كل الشيوعيين يكررون القول ينبغي علينا مساعدة الفقراء، وهذا ما يجعلني أتساءل ما اذا كانت السيدة بيتس، حسنا، تعرفين ...."

- ما اذا كانت السيدة بيتس شيوعية؟ تساءلت ام هاري بأدب .

اومأت السيدة اولسن برأسها .

بشكل مفاجئ انقدح شيء ما في ذهن هاري .

قال: " سيدة اولسن ! "

 " بسبب ما تبنين عليه، بان (كل) الشيوعيين أُناس يقولون بانهم يريدون مساعدة الفقراء، لا يعني بان (كل) الناس الذين يقولون بانهم يريدون مساعدة الفقراء هم شيوعيون " .

" هاري،" قالت امه:" هذا ليس شأنك، بالإضافة لذلك، انت تقاطعنا".

الا ان هاري استطاع من خلال تعابير وجه امه الاحساس انها كانت سعيدة بما قال . لذا اخذ بهدوء كأسا من الحليب، وجلس يشربه، وهو يشعر بسعادة اكثر مما شعر بها طيلة يومه .

 

.......................

* تم التصرف بعنوان القصة لتقريب الغرض منها .

** كاتب امريكي يهتم بالفلسفة للاطفال، وضع منهجا للفلسفة بالمدارس بجميع مراحلها تم اعتماده في الولايات المتحدة واوربا وبعض الدول العربية .

 

ضياء نافعقصيدة للشاعرة الروسية المعاصرة:

فالنتينا بوروفيتسكايا

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع

***

 اصوات اخرى.

اوقات اخرى.

وروحي 

 في هذا اليوم الصيفي -

هادئة

ومتكاملة.

**

لكن،

 ما ان أتذكر للحظة

انك موجود في مكان ما

من هذا العالم -

فان موجة برد قارس

تخترق قلبي..

 

......................

من ديوان الشاعرة الروسية فالنتينا بوروفيتسكايا الموسوم: (شعر)، الصادر بموسكو العام 2009 . القصيدة في الاصل بلا عنوان، وعنوانها هنا من وضعنا .

 ض.ن.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب المجري: دَجو كوستولاني

(Kosztolányi Dezső)

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

پالي* يبلغ من العمر اثنتي عشر عاماً، في الصف الثالث الثانوي. مدعواً عندهم للعشاء.

بعد العشاء، بينما كان الضيوف في الصالة يشربون ويدخنون، وفي حوالي الساعة الحادية عشر أرى ضوء في غرفة الطالب. أتلَصَّصُ عبر الباب الزجاجي.

الطالب الصغير يجلس هناك، إلى طاولة مغطاة بشرشف أخضر من الكتان المشمع. بيده قلم وأمامه ورقة. مغضناً جبينه، يتأفف ويعضض نصل قلمه، يغمره في المحبرة بين الفينة والأخرى، ولكن لا يكتب.

هكذا تمضي خمسة دقائق.

عندئذٍ أفتح عليه الباب. فيحييني قائلاً:

أُقبّلُ يَدَكْ.

مرحباً. ما هذا، أنت لَمْ تنم بعد؟

عليَّ كتابة إنشاء ليوم غد.

عن ماذا؟

عن والدي.

أوه! - أقول. - عن والدك؟

عنه! - يقول - ويدفع نحوي كراسته.

العنوان: والدي.

ترتيب إنشاء الوالد كالتالي:

 أ) كتابة مقدمة

 ب) حديث عن: صفاته، عاداته

 ت) خاتمة: بماذا نحن مدينون لوالدنا؟

أجلس إلى طاولتهِ، قبالته، وأُراقبه. وجهه منزعج، عيناه محمومتان، شعره الأشقر منفوش، كأنه نابغة مضطرب، يعذبه ألم الابتكار. على أنفه حبر.

ماذا كتب لحد الآن؟ - استجوبته - أريني.

هذه فقط مسودة - مبرراً.

“المسودة” كانت فعلاً متسخة. كل ما عليها عبارة عن بقع، وصورة ملطخة لحيوان - كلب أو خنزير -، علامات استفهام وتعجب وكلمة وحيدة: “والدي”. ولكن حتى هذه الأخيرة شطبها، مسحها، بل كاد يطمسها تماماً. فبالتالي لم ينجز شيئاً يذكر.

أرجعت له الورقة بصمت.

إذن، أكمل - أشجعه. أنت تدري عن ماذا ستكتب. والدك في البداية ينبغي علينا تجزئته إلى ثلاثة أقسام.

أنتظر بصبر.

أعرفه جيداً: صبيُ فطن، طالب متفوق، ذو معرفة تفوق عمره، واسع الأفق.

مرة أخرى ينظر شاخصاً أمامه، مغضناً جبينه، يتأوه.

لا يخطر ببالي شيء - يتذمر.

أهز رأسي.

أتحب والدك؟

بلى - قال متبسماً.

أو لا تحبه؟

كيف لا - قال وتبسم مرة أخرى.

الآن أشعر بتعاطف معه، ولكن مع قليل من الحسد ايضاً، وبلا شفقة وخباثة تُمَتِعُني حيرته، بالطبع متذكراً منازعاتي عندما كنت صبياً والتي قلما أو لطالما تخطيتها. أصمت.

أفكر بهذا.

“ماذا كنت سأكتب عن والدي وأنا في الثانية عشر من عمري؟ كنت أنظر إليه وكأنه سلسلة جبال. غابة بدائية معتمة، صوته كالرعد، كنت أحبه بشغف. حدث وأن وقفت متحيراً، ثائراً، تاركاً منضدة الطعام، حين لاحظت أنه وبطريقة لبقة يَتَشممُ قطع اللحم، هارباً إلى الغرفة الثانية، ومن هناك صرخت بصوت عالٍ، لكيلا أنتبه لأفكاري المفزعة. خفت حينها من أن يطلق على رأسه رصاصة”.

مثل هذه العبارات لا يمكن أن يحتويها إطار إنشاء مدرسي.

بعدها فكرت:

“لو أن پالي الآن يستطيع كتابة ما يكنه في صدره، فسيصبح أفضل كاتباً في العالم، وسيكون شكسپير قياساً به عبارة عن لا شيء. وتولستوي طفل بائس، بشخصيته المتفردة واللامحدودة، التي لا تقيدها صلابة الشكل. لكن، ولهذا السبب بالذات لا يستطيع أن يكون شخصانياً. يجفل من الحياة الجامحة الساكنة في داخله.  خواف، خجول. ما قيمة كل ذلك اللهب الذي يتأجج في داخله؟ فلم يسبق لأحد أن أشعل سيجارة من فوهة بركان حامية.”

في تلك الأثناء كان پالي قد شرب كأساً من الماء، عطس، سعل، وعاود كتابة “والدي”، ثم شطبها مرة أخرى. أخرج ورقة جديدة، والتي راح يحملق باتهام في نصاعتها التي لا توصف. يرمش بوسن. تأخذني الشفقة عليه.

هكذا لن ننتهي أبداً - أحثه. - لنبدأ بكتابته، بُنَي. أيُّ رجل والدك؟ لنكتبه.

أُمل عليه، في البداية بتحفظ، وبطء شديدين:

“والدي عمره أربعون عاماً. طويل القامة، مفتول العضلات، شجاع. شعره الأسود بدأ يشيب عند صدغيه، جبينه ملأته السنين حفراً من التجاعيد…”

پالي يكتب بسرعة وبدون أخطاء، ينظر إلي بعد كل جملة، يترقب كلماتي المنقذة، وأنا ايضاً تأخذني معه الحمية، أتشجع، ودون حتى أن أفكر، صرت أمُلّيه بوقاحة وجسارة.

“وجهه لطيف”. ما هو الجزء الثاني؟  ما هو الجزء الثاني؟، آه، صفاته. لنقل ببساطة: “خلوق. دائماً مستقيم وحازم. الصرامة يَزنها بحكمة مع الحق. إذا تعب في حربه مع الحياة، يجد في الأماسي المواساة وهو بين عائلته، وعندها في دائرة ذلك الضوء ينتشي…”

النهاية سأتركها لك. هنا أستخدم معه طريقة سُقراط.

أتمنى - أقول له -، لو أنك تعرف الآن بماذا تدين لوالدك؟

بالشكر - يرد پالي قائلاً بطريقة آلية.

وهو كذلك - أومئ برأسي -، بالشكر “وبذلك الحب الكبير، وبتِلك التضحيات الكثيرة، واللامحدودة …”

انتصف الليل، حالما انتهينا.

عندها أخرج إلى الصالة نحو أصدقائي.

وأنت أين كنت؟ يسألني والد پالي.

عند ولدك.

ماذا فعلت؟

ربيته، روضته على الحياة. علمته كيف يكذب.

 

................................

 * پالي هو اسم الدلع لاسم پال باللغة المجرية و Pall بالإنكليزية

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: أليس اوزوالد

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

إنها قصة المطر المتساقط

كي يتحول الى ورقة ويسقط ثانية

 

انه سرُّ وابلِ صيف

ليسرق الضوء ويخبئه في زهرة

 

وكلُّ زهرةٍ رافدٌ صغير

يجري من الأرض اخضر وخاطفا

 

إحدى أمنيات الماء وهذه الحكاية

تتدلى في تويج زهرة اصغر من إبهامي

 

لو استطاع عابر سبيل ان يمرًّ فقط

صافيا صفاء الماء من خلال ريشة عشب

 

ليجد ضوء الشمس مختبئا في طرفها المستدق

متجها ليبذر قطرات مطر صاعدة من نوع ما

 

بعدها قد اعرف مثل الماء كيف أوازن

بين ثقل الأمل وضوء الصبر

 

الماء الذي هو خامٌ للغاية وقويٌ قوةَ الأرض

ويتوارى في صهاريج من حديد ويتسرب

 

مسحوبا بفعل الجاذبية نحو لساني

كي يبرد ويملأ شبكة أنابيب هذه الأغنية

 

التي هي قصة المطر المتساقط

الذي يصعد نحو الضوء ويسقط ثانية

.........................

أليس اوزوالد: شاعرة بريطانية من مواليد مدينة ردنغ بمقاطعة بيركشر لعام 1966. تلقت تعليمها في جامعة اوكسفورد ونشرت أول مجموعة شعرية لها في عام 1996 بعنوان (الشيء الموجود في السلم الحجري) رشحت لجائزة فوروورد وجائزة ت. س. اليوت في عام 1997. في عام 2002 فازت مجموعتها الثاني المعنونة (دارْت) بجائزة ت. س. اليوت، تلتها بعد ذلك عدة مجموعات رشحت أو فازت بهذه الجائزة وجوائز مرموقة أخرى. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (الرعد يدمدم: 101 قصيدة الى الكوكب) 2005؛ (الغابة الخ)) 2005؛ (أعشاب ضارة وأزهار برية) 2009 و(غلبه الاستيقاظ) 2016. تعد اوزوالد من اكبر شعراء بريطانيا الأحياء وقد ترجمنا قصيدتها هذه بمناسبة اختيارها لإشغال كرسي الشعر بجامعة اوكسفورد خلفا للشاعر سايمن آرميتاج وهو منصب ستشغله شاعرة لأول مرة بعد أن كان حكرا على الرجال منذ تأسيسه في عام 1708. 

 

ضياء نافع قصيدة للشاعرة الروسية المعاصرة

 فالنتينا بوروفيتسكايا

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع

 


 

وهكذا،

كل شئ

قد انتهى.

انهارت حلقة الايادي

وعناق الايادي.

أمّا أنا،

فما زلت

كما كنت -

احب وجهك.

**

اريد ان انساك،

ولكنك

في الليالي

تأتي اليّ،

ومبتسما

-في عتمة الليالي -

تنظر اليّ..

 

.......................

من ديوان فالنتينا بوروفيتسكايا بعنوان: (شعر)، الصادر في موسكو العام 2009، والقصيدة في الاصل بلا عنوان، والعنوان هنا من وضعنا ... ض.ن.

 

 

عامر كامل السامرائيتأليف: Lie Zi Lie Yokou

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

الرَيّبة

لم يجد الرجل فأسه في مكانها. كان واثقاً من أن السارق هو أبن جاره. راح يَرقُبُ الشاب في ذهابه وإيابه: كانت مشيته تدل على إنه لص. رَصَدَ تعابير وجهه: كانت تشبه تعابير اللص. أَصْغى إلى كلامه: وكأنه يصغي إلى لص تماماً. باختصار شديد، كل تصرفات الشاب كانت تدل على أنه لا يمكن أن يكون إلا لصاً، ولا شيء آخرَ سواه.

بعد مدة خرج رجلنا هذا ليحرث حقله فوجد فأسه هناك. وعندما عاد يتطلع من جديد إلى تصرفات الشاب لم يلحظ عليه شيئاً من تصرفات اللصوص.

**

سُبل متعددة

شَرَدَ حَملُ جار المُعلم يانغ زي، فأرسل في البحث عنه جميع خَدَمِهِ، بل طلب من خادم يانغ زي أيضاً أن يذهب معهم.

- ما الذي تقوله؟ - صاح يانغ زي. – أأنت بحاجة إلى كل هؤلاء الرجال للبحث عن حملٍ صغير؟

- ماذا عساي أن أفعل وسُبل الحقل هنا كثيرة، من يدري بأي اتجاه ذهب؟ – وضح الجار.

عندما رجع الخادم سأله يانغ زي:

- ها، هل عثرتم على الحمل؟

أجابه الخادم بالنفي، فسأله يانغ زي، كيف لا تستطيعون العثور عليه.

- سُبُل الحقول متشعبة – ردَّ الخادم. – ومتداخلة مع بعضها البعض، ولم نستطع أن نقرر أيَّ سبيل نقصد، فرجعنا.

أستغرق يانغ زي في التفكير، والتزم الصمت لوقت طويل، بل حتى إنه لم يتبسم طوال النهار. أثار سلوكه هذا استغراب تلاميذه. وراحوا يُواسوهُ

- حَملٌ صغير لا قيمة له، ثم إنه لم يكن لك، فلمَ هذا الصمت وهذا الغم؟

ظل يانغ زي صامتاً، فأصابت تلاميذه الحيرة. حاول أحدهم وهو مينغ شنغ يانغ، أن يعرف سر اللغز الذي استغرق معلمه، فقال:

- إذا كانت السُبُل كثيرة – وهذا هو ما يفكر به معلمي-، فسوف لن يستطع أحد من الرجال أن يجد الحمل الشارد. يعني لو كانت رغبات التلميذ في تحصيل المعرفة كثيرة التشعب، فسوف يفرط في وقته دون طائل. لكل روافد العلم منبع واحد، والوصول إلى المعرفة له طرق متعددة، وإذا ما أخطأت في أن تطأ الصراط المستقيم، فعليك أن تعود إلى المنبع الأصيل لكي تصحح مسارك، تعود إلى منبع الحق، وبما أنك تلميذ يانغ زي، وتريد طلب المعرفة منه، فعليك أن تمنحه نفسك تماماً، وإلا فسوف لن تتمكن من فهمِه أبداً.

**

الهدية حَمْام

في مقاطعة هندان، وقبل حلول عيد رأس السنة، جرت العادة على الإمساك بالحَمْام وتقديمه للأمير كهدية. ومن شدة غبطة الأمير وفرحه بالحَمْام صار يكرم من يهديه بسخاء.

في إحدى المرات طلب أحد الرعية من الأمير أن يبين له الحكمة في تصرفه هذا فأجابه:

- من علامات طيبة طبعي أن أطلق سراح كل الحَمْام في يوم العيد.

- مادام رعيتك يعلمون بذلك، فلا بد وأنهم سيحرصون على جمع أكبر عدد ممكن من الحَمْام طمعاً بكرمك – حاججه السائل. – وسيهلك الكثير منه لهذا السبب. فإذا كنت غير راغب في إيذاء الحَمْام، فالأوجه لك أن تمنع رعيتك من فعل ذلك، وإذا لم يكن مقصدك في إمساك الحَمْام إلا أن تطلق سراحه بعد ذلك، فسوف لن تستطيع بطيبة طبعك أن تعيد ما قد أفسدت.

فاقتنع الأمير بذلك وامتنع.

**

طريقة تحضير لحم الوَزّة

رَمَقَ رجلٌ وَزَّةً بريةً، فوضع سهماً في قوسه ومطه مستهدفها.

- لو أصبتها، فسأسلقها!

فرد عليه أخوه

- بل الأفضل لو نشويها.

فاختلفا ولم يستطع أحدهما أن يقنع الآخر، فقصدا شيخ القرية الذي أشار عليهما بأن يسلقا نصفها ويشويا النصف الآخر.

لكنهما عندما عادا إلى حيث كانت الوَزَّة البرية لم يجداها.

**

ما الذي يُشبه الشمس؟

أراد الرجل الضرير معرفة ماهي الشمس. فطلب من الناس أن يشرحوا له ذلك.

- دائرية كمِضْراب النحاس. - فضرب بالناقوس أحدهم.

بعد ذلك، وحينما سمع الضرير صوت الناقوس سأل:

- أهذه هي الشمس؟

فقال له شخص آخر:

- للشمس أشعة، كما لهذه الشمعة – ووضع في يده شمعة لكي يتلمسها.

بعد عدة أيام، وقع في يد الأعمى مزمار، فراح يهتف:

- ها هي الشمس حقاً!

لكن الشمس لا تُشبه لا الناقوس ولا المزمار، وأن الأعمى لا يستطيع أن يميز بينهما وبين الشمس، لأنه لم يراهما، وإنما عَوّلَ على شرح الناس.

**

قَطْعُ شجرة الجُميز

في حديقة أحد الرجل، يبست شجرة الجميز. فقال له جاره:

- الشجرة اليابسة تجلب النحس. فأفضل ما تفعله هو أن تقوم بقطعها.

وحالما قطع الرجل الشجرة، راح جاره يتوسل إليه لمنحه بعض الحطب.

فكر صاحب الشجرة اليابسة بغضب: "يحتاج جاري إلى الحطب". "ولهذا السبب جعلني أقطع الشجرة. لقد كنا جارين جيدين حتى الآن، لكنه الآن غلبني، ولسوف أنتقم منه".

**

العثور على ورقة الملكية لعقارات

عثر رجل من مقاطعة سونج أثناء سيره على ورقة الملكية لعقارات فقدها صاحبها على قارعة الطريق، فحملها وعاد بها إلى داره وخبأها هناك. وكان بين الحين والآخر يخرجها ويحسب سراً قيمة العقارات المدرجة فيها.

- لو تدري كم أصبحت غنياً! – هكذا صار يتباها أمام جاره.

**

الرجل الذي لم يرَ أحدا

في مقاطعة كوي، عاش رجلٌ كان تواقاً لأن يمتلك قطعة من الذهب. في إحدى الأيام ارتدى ملابسه والتحف معطفاً وخرج إلى السوق. فوقف عند تاجر الذهب الذي وضع تواً قطعة من الذهب في ميزانه، فأخذها هذا الرجل ودسها في جيبه دون أي كلمة ومضى.

وبعد أن القى الشرطي القبض عليه سأله:

- كيف سولت لك نفسك أن تسرق أمام أعين كل هؤلاء الناس؟

- عندما رأيت الذهب، لم أرَ أحدا، لم أرَ أحدا. ما رأيت شيئاً غيره قط – أجاب الرجل.

**

الحُوذِيّ المتكبر

جلس يان زي رئيس وزراء مقاطعة كوي في عربته الفارهة وأخذ يتجول في المدينة. كانت زوجة حوذي العربة واقفة في الباب تتطلع إلى زوجها وهو جالس في مقعده الأمامي ممسكاً بعنان الخيول الأربعة بكبر.

عندما عاد الحوذي إلى بيته أخبرته زوجته إنها ستهجره. فسألها الزوج عن السبب فقالت:

- السيد يان زي رئيس الوزراء يعرفه كل الناس في المعمورة. وعندما كان يتجول، شاهدته غارقاً في التفكير ولم تبدو عليه علامات الغطرسة. وأنت حوذي لا غير، ورغم ذلك فأنت معتد بنفسك ومتغطرس، لذلك سأدعك وأذهب.

ومنذ ذلك الحين أصبح الحوذي أكثر تواضعاً. وعندما سأله يان زي في إحدى المرات عن سبب تبدله المفاجئ هذا، أخبره الحوذي بالحقيقة. فقام يان زي ومنحه وساماً حكومياً.

**

مَثلٌ عن التعَلم

تأليف: بينغ تونغ

قال الأمير "ين" لعازف السيد "بيك"، الموسيقي الضرير" شي كوانك":

- ها قد بلغت الستين من عمري، ولازال هناك ما ينبغي عليَّ تعلمه، وكم أرغب في قراءة العديد من الكتب! ولكنني أظن أن الأوان قد فات.

- وهل الشمعة لا تضئ؟ - سأل شي كوانك.

فغضب الأمير وقال:

- وكيف يسمح لنفسه من هو أدنى أن يمزح مع سيده؟

- أنا الموسيقي الضرير كيف اسمح لنفسي بمثل هذا؟ - اعترض شي كوانك.- كان مقصدي فقط، هو أن من يكرس شبابه للتعلم، فسيكون مستقبله متألقاً كالشمس المشرقة، وإذا ما انغمر في التعلم حتى صار رجلاً، فمثله كمثل الشمس في الضحى، وأما من يتعلم في الكبر، فهو كضوء الشمعة. صحيح إن ضوئها غير ذي بريق، ولكنه أفضل من أن تتخبط في الظلمة.

 

.....................

من مجموعة قصص الحكمة الصينية القديمة

هذه بعض القصص من المجموعة التي قمت بترجمتها عن المجرية والتي تحتوي على مائة وواحد وعشرين قصة قصيرة. تعتبر من أجمل القصص الصينية وأعمقها حكمة. كُتبتْ في الفترة ما بين القرن الثالث والرابع قبل الميلاد، والقرن السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد. تميزت الفترتان بحقيقة أن تلك القصص والحكم تتجلى فيها الصوفية في اعلى مستوياتها.

في القرنين الثالث والرابع، قبل الميلاد بدأت القوة الإقطاعية لسلالة تشو تتراجع: ناضلت المقاطعات لغزو واحتلال بعضها للآخر. وعندما فقد الإقطاعيون ممتلكاتهم من الأراضي؛ بدأ المواطن العادي في العودة والاستحواذ على الثقافة، وعندما لم تعد السلطة قادرة على تأمين امتيازات الأرستقراطيين. شجعت روح العصر ظهور وازدهار العديد من المدارس والتعاليم. وراح مثقفو العصر، وعلماء التاريخ الذين يجيدون القراءة والكتابة، يجوبون البلاد بشكل منهجي، ومع نزولهم إلى الطبقات الفقيرة من الناس، قابلوا حكاياتهم. فاستخدم الكتبة هذه الحكايات للتحدث ضد السلطة، أو للجدل مع علماء من مدارس التفكير الأخرى، أو لصياغة مبادئهم ووجهات نظرهم بمساعدة تلك الحكايات، وفي وقت لاحق استخدمت لكتابة كتبهم. قام هان فاي زي و تشوانغ زي و لاي زي (Han Fei Zi, Zhuang Zi, Lie Zi) بعمل رائع في هذا المجال. لقرون، تم تسليم حكاياتهم إلى الأجيال من خلال إثراء الثقافة الصينية.

بعد إعادة توحيد الصين خلال عهد أسرة هان (القرن الثاني قبل الميلاد)، تعززت الدولة الإقطاعية. وأصبحت الكونفوشيوسية هي السائدة، وسقطت مدارس التفكير الأخرى وتراجعت تماماً. ولم يكن ملء مكاتب الدولة ممكناً إلا لمتعلمي الكونفوشيوسية. ومن الظريف بمكان أن الناس العاديون راحوا يستخدمون الحكايات للنيل من زبانية الدولة والاستهزاء بهم، وكذلك في انتقاد المجتمع، في حين اعتبر الكتبة مثل هذه القصص نوعاً من الثرثرة والأحاديث الملفقة ورفضها تماماً على ان تكون أدباً. ونتيجة لذلك، تم تسجيل عدد قليل من الحكايات وتم تجزئة وتفكيك جزء كبير منها. ومع ذلك، ينبغي هنا ذكر اسمين مهمين وهما: ليو زونغيوان مؤلف سلسلة من حكاية القرن الثامن، و سو شي الذي سجل أعمال آي زي في القرن الحادي عشر. على الرغم من أن أيا من الكتاب لم يشتهر في حياته، إلا أن حكاياتهم - بسبب كتابتهم الاجتماعية الساخرة - تحتل مكانة بارزة في التاريخ الثقافي الصيني.

(المترجم)

 

حسين علي خضيربقلم: يوسف برودسكي

ترجمة : حسين علي خضير

***

ما هو الجميل في تموز؟

ما هو الجميل في تموز؟

الحر الشديد.

الدبابير تلسع كالرصاص.

وأزيز البعوض.

المطر يتهرب بعناد

من الأرصفة والسقوف.

وفأر الحقل

أنهكه الحفر.

الهواء خانق للأغنام في الحقل

وأكثر خنقاً للموظ**.

طوال تموز اِسبح في النهر

بدلاً من سمك الشبوط.

 

.......................

* يوسف برودسكي: شاعر وكاتب روسي حاصل على جائزة نوبل في عام 1978. (المترجم)

** الموظ : نوع من أكبر الأيائل . (قاموس المعاصر الكبير/ روسي - عربي)، (المترجم).

 

صالح الرزوقللشاعرة: هاغيت غروسمان

ترجمة: صالح الرزوق

***

في أواخر الليل أفتح باب

البناء. أفكر بالتهام بعض البندورة. كنت جائعة

ولا أعلم من أين آتي بالبندورة. الصور الفوتوغرافية المعلقة على الجدار

تشبه البندورة وهكذا قفزت من البوابة وتسللت في صورة

لماريان المخلصة، كان خداها مثل بندورتين

وعيناها مثل هيئة مالك الحزين الأبيض، ورغبت أن

أغوص في عينيها وأتعلم فلسفة

أولئك الذين تخطوا محنة الموت الأبيض.

في هذه المرة لم تنطق ماريان ولم تنشد،

فقط ألقت نفسها في الماء الحار

وساقاها البيضاوان تبعتا خطا صاعدا بشكل دوائر أحلام قرمزية

وأردت أن أدخل في الحوض الممتلئ بالسيادة،

وأمزق بأظافري المسافة الفاصلة بيننا

وأهمس لها بلطف  بالغ أن لوسي جوردان لا يجب

أن تقفز من السطح، حتى لو أن عائلتها لم تشاهد

كم نزف  جسدها من حياته.

ثم أسكب لها البيرة وأريح رأسي على كتفها.

 

...................

* من مجموعتها (رعشات المدينة) الصادرة في لندن عام 2016

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جوي هارجو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

(1) منزلي هو الأرض الحمراء

منزلي هو الأرض الحمراء؛ يمكن أن يكون مركز العالم. لقد سمعت عن تسمية  نيويورك او باريس او طوكيو بمركز الأرض، لكنني أقول انه متواضع على نحو فخم. قد تجتازه في سيارتك ولا تلاحظه. يمكن للأمواج اللاسلكية أن تحجبه. لا يمكن للكلمات أن تشيده لأن هناك بعض الأصوات تركت للشكل المقدس عديم الكلمات. مثلا: ذلك الغراب الأحمق، الذي يفتش في القمامة قرب الزريبة، يفهم مركز العالم على انه عروق شحم دهنية. اسألوه فقط. ليس عليه أن يقول إن الأرض استحالت قرمزية بفعل المعتقد المفترس، بعد قرون من الفجيعة والضحك—انه يحط على زبدية السماء الزرقاء ويضحك.

***

(2)  لا تزعج روح الأرض

لا تزعج روح الأرض التي تسكن هنا. إنها تعمل على قصة. إنها أقدم قصة في العالم، وهي مرهفة ومتغيرة. إن رأتك تنظر فستدعوك لتناول القهوة، تعطيك خبزا حارا، وستكون ملزما بالبقاء والاستماع. لكن هذه ليست قصة عادية. عليك أن تتحمل الزلازل والبرق وموت من تحبهم جميعا، واشد الجمال إبهارا. إنها قصة آسرة إلى حد قد يجعلك لا ترغب بالمغادرة أبدا؛ هكذا توقعك في الفخ. أ ترى ذلك الإصبع الحجري هناك؟ ذلك هو الوحيد الذي هرب على الإطلاق.

***

(3) سمك غير مرئي

يسبح السمك غير المرئي في محيط الأشباح هذا الذي ترسمه الآن أمواج الرمل والصخر الذي تآكل بفعل الماء. قريبا سوف يتعلم السمك الكلام. ثم سيأتي البشر إلى الشاطئ ويرسمون الأحلام على الحصى المحتضر. ثم بعد ذلك، بعد ذلك بكثير، ستنتشر الشاحنات الصغيرة مثل علامات الترقيم على قاع المحيط، حاملة ذرية الحالمين وهم يذهبون إلى المتجر.

 

.....................

جوي هارجو: شاعرة أميركية من الهنود الحمر (من قبائل مسكوجي) ولدت عام 1951 في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما. تعد واحدة من ابرز ناشطي وممثلي الموجة الثانية لما يعرف بنهضة سكان أميركا الأصليين خلال أواخر القرن العشرين. حاز شعر هارجو على جوائز عديدة، ومن عناوين مجموعاتها الشعرية: (الأغنية الأخيرة) 1975؛ (أي قمر ساقني إلى هذا؟)) 1979؛ (المرأة المعلقة من الطابق الثالث عشر) 1983؛ (المرأة التي سقطت من السماء) 1994؛ و((كيف أصبحنا بشرا)) 2001. نترجم لها هذه القصائد بمناسبة اختيارها مؤخرا لمنصب شاعر الولايات المتحدة الأميركية وهو منصب يمنح لأول مرة لشاعر من الهنود الحمر.

 

ضياء نافعقصيدة للشاعر المكسيكي اوكتافيو باس

(1914 – 1998)

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع


جسدان

يلتقيان

بعض الاحيان –

موجتان

في مياه البحر

ليلا..

**

جسدان يلتقيان

بعض الاحيان –

جذران متشابكان

في اعماق الارض

ليلا..

**

وفي بعض الاحيان

هما –

حجران باردان

في الصحراء

ليلا..

**

وبعض الاحيان -

سكيّنتان

حادتان،

يتلامعان

ليلا..

**

وبعض الاحيان -

نجمان

من السماء

يسقطان،

وفي الفضاء

يتلاشيان

ليلا..

 

 

عادل صالح الزبيديللشاعر: إي. إي. كمنغز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

بعد الله طبعا يا أميركا

احبك با أرض الهجرة والى آخره

هيا قولوا أ يمكنكم ان تروا في الفجر الباكر

وطني... قرون تأتي وتروح

وما عادت وليس علينا ان نقلق عما صار وما هو صائر

بكل اللغات حتى بلغة الصم–بكم

يهتف أبناؤك تمجيدا لاسمك ببركات

الرب الأب الابن الدم والشعارات الوطنية

لماذا نتحدث عن الجمال ما الذي يمكنه ان يكون

 أجمل من الأبطال السعداء الأموات

الذين اندفعوا كالأسود نحو زئير المجزرة الهادر

لم يقفوا ليفكروا بدلا من ذلك ماتوا 

فإذاً هل سيصمت صوت الحرية؟"

خطب وشرب على عجل قدح الماء.

 

.....................

إي. إي. كمنغز (1894-1962) شاعر أميركي من مواليد ماساتشوسيتس. نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان (زهور تولب ومداخن) عام 1923 تلتها إحدى عشر مجموعة من الشعر الذي يتراوح بين التقليدي كالسونيتات التي كتب العديد منها وبين الشعر التجريبي الطليعي الذي يتميز بانزياحات وخروقات لغوية عنيفة سواء في النحو أو في المفردة الشعرية أو في طريقة تنقيط الجمل. ويحظى شعر كمنغز رغم تفرده بشعبية كبيرة كواحد من أهم شعراء الحداثة في القرن العشرين. القصيدة التي نترجمها هنا كتبها الشاعر بصيغة السونيتة الا انه تصرف بهذا الشكل الشعري الصارم ليوظفه توظيفا يخدم غرض القصيدة الأساس وهو هجاء الوطنية الزائفة والتوجهات العدوانية للسياسة الأميركية والسخرية من القادة السياسيين من خلال محاكاة ما يرددونه في خطاباتهم من كليشيهات وعبارات مكررة ومبتذلة او محرفة او مجتزأة يقتطعونها او يقتبسونها من نصوص الأغاني الوطنية او عبارات من النشيد الوطني الأميركي او من عموم قاموس الوطنية الذي نسجه هؤلاء الساسة ليصبح جزءا من الثقافة السياسية في الولايات المتحدة. يرد نص القصيدة كله على انه خطاب سياسي مفعم بالمشاعر الوطنية على لسان احد السياسيين فيما عدا السطر الأخير الذي يعلق  فيه الشاعر بتهكم وسخرية على هذا الخطاب المفترض.

 

 

محمد صالح الغريسيشعر: لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

"اضربني مجدّدا "جوبيتير"، أخزني،

شوّه العدوّ المجندل الضّعيف الّذي تعلم !

أن تسحقني لا يعني أنّك تنتصر،

و الصّاعقة الّتي لا طائل من ورائها،

سوف تنطفئ في دمي،

*

قبل أن تتمكّن من ترويض الفكرة البطوليّة،

الّتي تجعل من رجل " التّيتان" الشّيخ، ثائرا إلهيّا،

فهي الّتي شجّعتك، أنت وغيظك الأحمق؛

لم ترسخ فوق تلك الجبال سوى صورة زائفة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

سوف لن تسلّط ضرباتك إلاّ على قليل من الطّين؛

ستفلت من غضبك روح "بروميثيوس"

حرّة من روابط هذا الجسد الهشّ.

*

تحت مخلب نسر ما فتئ ينهشني بلا توقّف،

ثمّة حبّ خفيّ ما يزال يخفق في أشلاء قلبي الممزّق.

*

إذا كانت هذه القمم المعزولة الّتي تحاصرها العاصفة،

قد شهدت على معطفها الثّلجيّ دموعا لم تكن عيناي أحيانا قادرة على كبحها،

و أنت تعرف ذلك، فرغم الصخور الرّاسية والأسوار الرّاسخة، لم أشعر إلاّ وأنا أرتجف من الرّعب.

كانت دموعي تصدر من أحشائي، والإشفاق هو ما كان يدفعها إلى التّدفق.

*

لم يكن مجرّد استشهادي كافيا على الإطلاق، فهذان الجنبان العاريان، وهذا الصّدر الّذي مزّقته ذراع إلهيّة، هو ممتلئ شفقة على آخرين تعساء.

إنّي لأراهم ينخرطون في صراع أبديّ؛ فالصّورة المرعبة تكمن هنا؛ والشّرور الّتي ستنصبّ فوقهم، ماثلة رؤيتها أمام بؤبؤ العين.

هذا المشهد المفجع يلازمني وما ينفكّ يزعجني.

عذاب لا يغتفر يتوالد باستمرار، فنسري الحقيقيّ والوحيد هو التّفكير المرير، تفكير لا شيء يمكن أن يقتلعه من أصله البائس إلاّ حقدك المزروع في جسدهم وفي دمهم.

*

و مع ذلك فأنت من خلقت الإنسان يا "جوبيتير"؛

أنت من صوّرته .. أنت من شكّلته،

هذا الكائن الضعيف، العاجز، الأعزل الّذي

يرى الخطر والرّعب والعذاب في كلّ ما حوله،

و يغلق على نفسه في دائرة أيّامه الضيّقة،

يكبت نفسه ثمّ يجادل، ويجرح نفسه ثم يبكي حظّه.

كنت تعرف أيّ المصائب ستحلّ به حتما،

و تعرف أنّه كان ثمّة من ينازعه مكانه ومصدر رزقه،

و أنّ نفخة واحدة كانت كفيلة بقتله،

و أنّ الطّبيعة العمياء كانت ستدفنه في فتوره وعدم اكتراثه.

لقد عثرتُ عليه محشورا تحت بعض الصّخور الرّطبة،

أو زاحفا في الغابات، شبحا هزيلا خجولا،

لم يكن يسمع أينما حلّ، سوى الهدير والزّئير،

كان الجائع الوحيد، الحزين الوحيد في مأدبة الكائنات،

في أعماق المياه، في أعماق الأرياف دائم الارتجاف مخافة أن يطلع عليه أحد الأعداء.

*

لكن ما الأمر! بسبب هذا الشيء من حقدك الّذي لا يبلى،

فها أنا ذا برغم طيشي وحمقي ألين.

كنت أقدح الفكرة ثمّ ألقي الشّرارة في الظّلام الموحل الّذي عجنتَه.

فما من عمل كنتَ تصمّمُه، إلاّ وأَنْجَزْتُهُ.

كان عليّ وأنا ممتلئ أملا وجرأة في تطلّعاتي الرّحبة، أن أنهب السّماوات،

لأمنحه من ثمرات ما سرقته.

كنتُ كلّما أنجزتَ فتحا اختطفت منك النّار

و انتزعت من يديك طيفك الّذي كنت تجلّه.

أيّها الإله العظيم ! لقد انفجرت صاعقتك على رأسي في الوقت المناسب؛

 كانت محاولةُ اغتيال أخرى كافيةً ليتحرّر الإنسان !

*

هذا إذا هو ذنبي الفظيع العظيم.

المواساة، يا لها من جناية ! الإخلاص يا له من جريمة !

ما الأمر ! أكان عليّ أن أفتح للمضطهدين ذراعيّ المحرِّرَتين؟

كم أنا أحمق ! حين أندهش عندما تكفّر الرّحمة عن خطئها !

و مع ذلك فــ"بروميثيوس" .. نعم، هو نفس المذنب

الّذي لم يمض زمن طويل مذ كان يساعدك في الانتصار على " التّيتان".

لقد كنت إلى جانبك في هذا العراك السّاخن، ففي حين كانت نصائحي تقود المحاربين،

كانت ضرباتي تربك البيت المكلّل بالنّجوم.

لقد كان الأمر في تقديري يتعلّق بمصير الكون:

كنت أريد أن أقطع نهائيّا مع الآلهة المنحرفة.

*

كانت فترة سلطانك على وشك أن تفتح لي هذا العهد الهادئ الآمن،

الّذي كان قلبي هذا الّذي أحمله في صدري، يحيّيه بأمنياته.

 لم يكن للشّمس الرّائعة أثناء مرورها الأثيريّ، أن تضيء إلاّ على الكائنات السّعيدة.

لقد كان الرّعب يفرّ هاربا، مزيحا حجب العتمة الّتي كانت توشح ابتسامتك العطوف الغنيّة عن الذّكر،

و شبكة الحاجيات البائسة من البرونز، كانت تنكسر من تلقاء نفسها تحت أقدام سيّد محبّ عطوف.

كان كلّ شيء متوفّرا، من فرح وحبّ ونهضة وازدهار؛

فالله ذاته لم يكن سوى إشعاع من الطّيبة الخالصة ضمن القوّة المحضة.

*

يا أيّتها الشّهوات الخدّاعة ! يا حلما تبدّد !

إنّ العين ما تزال بعد مبهورة بمثل روائع هذا الحلم،

أن أجد نفسي أمام ظلم السّماء.

أمام إله أعمته الغرة، يضرب ويحقد،

فأقول في يأسي من الفزع :

 » من كان على كل شيء قدير، هو من أراد لنا الألم ! « 

*

لكن لا تنخدع قطّ بنفسك! فلن تراني مطلقا، أخضع على هذه الصخرة المنعزلة.

لقد غير الفكر الثّائر وجه الأرض،

و ها أنا منذ اليوم، قد اخترت من يرثني.

و سيواصل إنجاز ما بدأته، بالسّير على أثري،

ما دام مثلي، قد ولد ليضلّ ويشقى.

إنّي لأوصي من بعدي، بجرأتي لمن تحرّر من البشر،

ميراثا مقدّسا لا يبلى أبدا.

فالعقل يزداد متانة ورسوخا، والشكّ جاهز ليرى نور الحياة.

و البشر الفانون يقفون أمامهما، وقد يلغوا من الجرأة ما يجعلهم يسائلون أسيادهم،

و سيقولون لك على سبيل المثال:

لماذا يعانون هذا الشّقاء؟ ولماذا هذا الصّلف منك وهذا الحقد؟

نعم، إنّ القاضي الّذي سيحاكمك - ألا وهو الضمير الإنسانيّ؛ هو بانتظارك،

و لا يمكنه أن يغفر لك، ولكنّه قرّر أن يلغيك.

*

ها هو ذا المنتقم الموعود لنجدتي عند الضّيق !

آه ! يا له من نَفَسٍ قد وهبه الحبُّ نقاءً ومرحا،

سوف ينشرح قلبي يوم يكون أقلّ جرأة من كريم شهم،

فعوض أن يُوَجَّهَ إليه إصبع الاتّهام، فإنّ ضحيّتَك الموقّرةَ

سو ف تتبرّأ من مضطهدها!

و سوف ينبذ الإنسانُ طغاة البشر

و هو الّذي تحرّر من الإيمان كما لو كان حلما ثقيلا،

سوف لن يكون أبدا فريسة لرعب لا يهادن،

يتلوّى عند أعتاب مذابحك.

سوف يعتقد أنّ السّماء خاوية، وقد أنهكه أن يجد نفسه أصمّ.

إنّ الطّبيعة وهي تلقي عليك حجابا أبديّا رائعا،

قد حجبتك بعد عن نظره؛

و حين يتعلّق الأمر في المستقبل بأيّ إله، فسوف لن يكتشف في هذا الكون الّذي لا حدود له،

، سوى ثنائيّ أعمى كئيب، هما القوّة والصّدفة.

*

هيّا اظهر " جوبيتير"، ولتنفجر إذا وتتشظّ في وجه هذا الهارب الّذي أفلت من نيرك !

و هو يتخبّط في شقائه رافضا أن يرى يدك الإلهيّة، فسوف يدّعي أنّ سلطان القدر قد أصابه.

سوف يسقط دون خوف، دون شكوى، دون صلاة؛

و حين تمنح نسرك ورعدك؛

لتسمعه يو هو يطلق صرخة واحدة تنطق لك بالسبّ والتّجديف،

سوف يتمسّك بالصّمت: هذا الصّمت الهائل سوف يكون عقابا لك.

*

لن يتبقّى لك في امبراطوريّتك سواي، كي تثق في نفسك أكثر أيّها الإله المؤذي.

بل لتتيرّأْ من النّهار والهواء الّذي أتنفّسه،

 فما من قوّة وحيدة سوى قسوتك.

*

في هذه السّماء الصّافية، على هذه الارتفاغات الشّاهقة،

آه ! رأيت عن الفظائع والجرائم كثب ؛

لقد مضى عليّ زمن تحت ضرباتك، تألّمت فيه ونزفت كثيرا،

إنّ الشكّ لمستحيل في قلبي هذا المهان.

نعم ! ففي حين أنّ شيئا من الشرّ، من منجزات غضبك،

         سيتخلّى مستقبلا عن سبر المجهول،

يرسل شعلته بعيدا عن العقل البشريّ،

و حدي أنا، سأعلم كلمة سرّ هذا اللّغز الغامض،

و سأكون تحت وطأة التّعذيب، قد اعترفت أنّ إلها قد حلّ في جلاّدي.

 

لويز آكرمان

..........................

 

Prométhée

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Poésies philosophiques (1871(.

***

Frappe encor, Jupiter, accable-moi, mutile

L'ennemi terrassé que tu sais impuissant !

Écraser n'est pas vaincre, et ta foudre inutile

S'éteindra dans mon sang,

*

Avant d'avoir dompté l'héroïque pensée

Qui fait du vieux Titan un révolté divin ;

C'est elle qui te brave, et ta rage insensée

N'a cloué sur ces monts qu'un simulacre vain.

Tes coups n'auront porté que sur un peu d'argile ;

Libre dans les liens de cette chair fragile,

L'âme de Prométhée échappe à ta fureur.

Sous l'ongle du vautour qui sans fin me dévore,

Un invisible amour fait palpiter encore

Les lambeaux de mon cœur.

*

Si ces pics désolés que la tempête assiège

Ont vu couler parfois sur leur manteau de neige

Des larmes que mes yeux ne pouvaient retenir,

Vous le savez, rochers, immuables murailles

Que d'horreur cependant je sentais tressaillir,

La source de mes pleurs était dans mes entrailles ;

C'est la compassion qui les a fait jaillir.

*

Ce n'était point assez de mon propre martyre ;

Ces flancs ouverts, ce sein qu'un bras divin déchire

Est rempli de pitié pour d'autres malheureux.

Je les vois engager une lutte éternelle ;

L'image horrible est là ; j'ai devant la prunelle

La vision des maux qui vont fondre sur eux.

Ce spectacle navrant m'obsède et m'exaspère.

Supplice intolérable et toujours renaissant,

Mon vrai, mon seul vautour, c'est la pensée amère

Que rien n'arrachera ces germes de misère

Que ta haine a semés dans leur chair et leur sang.

*

Pourtant, ô Jupiter, l'homme est ta créature ;

C'est toi qui l'as conçu, c'est toi qui l'as formé,

Cet être déplorable, infirme, désarmé,

Pour qui tout est danger, épouvante, torture,

Qui, dans le cercle étroit de ses jours enfermé,

Étouffe et se débat, se blesse et se lamente.

Ah ! quand tu le jetas sur la terre inclémente,

Tu savais quels fléaux l'y devaient assaillir,

Qu'on lui disputerait sa place et sa pâture,

Qu'un souffle l'abattrait, que l'aveugle Nature

Dans son indifférence allait l'ensevelir.

Je l'ai trouvé blotti sous quelque roche humide,

Ou rampant dans les bois, spectre hâve et timide

Qui n'entendait partout que gronder et rugir,

Seul affamé, seul triste au grand banquet des êtres,

Du fond des eaux, du sein des profondeurs champêtres

Tremblant toujours de voir un ennemi surgir.

*

Mais quoi ! sur cet objet de ta haine immortelle,

Imprudent que j'étais, je me suis attendri ;

J'allumai la pensée et jetai l'étincelle

Dans cet obscur limon dont tu l'avais pétri.

Il n'était qu'ébauché, j'achevai ton ouvrage.

Plein d'espoir et d'audace, en mes vastes desseins

J'aurais sans hésiter mis les cieux au pillage,

Pour le doter après du fruit de mes larcins.

Je t'ai ravi le feu ; de conquête en conquête

J'arrachais de tes mains ton sceptre révéré.

Grand Dieu ! ta foudre à temps éclata sur ma tête ;

Encore un attentat, l'homme était délivré !

*

La voici donc ma faute, exécrable et sublime.

Compatir, quel forfait ! Se dévouer, quel crime !

Quoi ! j'aurais, impuni, défiant tes rigueurs,

Ouvert aux opprimés mes bras libérateurs ?

Insensé ! m'être ému quand la pitié s'expie !

Pourtant c'est Prométhée, oui, c'est ce même impie

Qui naguère t'aidait à vaincre les Titans.

J'étais à tes côtés dans l'ardente mêlée ;

Tandis que mes conseils guidaient les combattants,

Mes coups faisaient trembler la demeure étoilée.

Il s'agissait pour moi du sort de l'univers :

Je voulais en finir avec les dieux pervers.

*

Ton règne allait m'ouvrir cette ère pacifique

Que mon cœur transporté saluait de ses vœux.

En son cours éthéré le soleil magnifique

N'aurait plus éclairé que des êtres heureux.

La Terreur s'enfuyait en écartant les ombres

Qui voilaient ton sourire ineffable et clément,

Et le réseau d'airain des Nécessités sombres

Se brisait de lui-même aux pieds d'un maître aimant.

Tout était joie, amour, essor, efflorescence ;

Lui-même Dieu n'était que le rayonnement

De la toute-bonté dans la toute-puissance.

*

Ô mes désirs trompés ! Ô songe évanoui !

Des splendeurs d'un tel rêve, encor l'œil ébloui,

Me retrouver devant l'iniquité céleste.

Devant un Dieu jaloux qui frappe et qui déteste,

Et dans mon désespoir me dire avec horreur :

« Celui qui pouvait tout a voulu la douleur ! »

*

Mais ne t'abuse point ! Sur ce roc solitaire

Tu ne me verras pas succomber en entier.

Un esprit de révolte a transformé la terre,

Et j'ai dès aujourd'hui choisi mon héritier.

Il poursuivra mon œuvre en marchant sur ma trace,

Né qu'il est comme moi pour tenter et souffrir.

Aux humains affranchis je lègue mon audace,

Héritage sacré qui ne peut plus périr.

La raison s'affermit, le doute est prêt à naître.

Enhardis à ce point d'interroger leur maître,

Des mortels devant eux oseront te citer :

Pourquoi leurs maux ? Pourquoi ton caprice et ta haine ?

Oui, ton juge t'attend, — la conscience humaine ;

Elle ne peut t'absoudre et va te rejeter.

*

Le voilà, ce vengeur promis à ma détresse !

Ah ! quel souffle épuré d'amour et d'allégresse

En traversant le monde enivrera mon cœur

Le jour où, moins hardie encor que magnanime,

Au lieu de l'accuser, ton auguste victime

Niera son oppresseur !

 

Délivré de la Foi comme d'un mauvais rêve,

L'homme répudiera les tyrans immortels,

Et n'ira plus, en proie à des terreurs sans trêve,

Se courber lâchement au pied de tes autels.

Las de le trouver sourd, il croira le ciel vide.

Jetant sur toi son voile éternel et splendide,

La Nature déjà te cache à son regard ;

Il ne découvrira dans l'univers sans borne,

Pour tout Dieu désormais, qu'un couple aveugle et morne,

La Force et le Hasard.

*

Montre-toi, Jupiter, éclate alors, fulmine,

Contre ce fugitif à ton joug échappé !

Refusant dans ses maux de voir ta main divine,

Par un pouvoir fatal il se dira frappé.

Il tombera sans peur, sans plainte, sans prière ;

Et quand tu donnerais ton aigle et ton tonnerre

Pour l'entendre pousser, au fort de son tourment,

Un seul cri qui t'atteste, une injure, un blasphème,

Il restera muet : ce silence suprême

Sera ton châtiment.

*

Tu n'auras plus que moi dans ton immense empire

Pour croire encore en toi, funeste Déité.

Plutôt nier le jour ou l'air que je respire

Que ta puissance inique et que ta cruauté.

Perdu dans cet azur, sur ces hauteurs sublimes,

Ah ! j'ai vu de trop près tes fureurs et tes crimes ;

J'ai sous tes coups déjà trop souffert, trop saigné ;

Le doute est impossible à mon cœur indigné.

Oui ! tandis que du Mal, œuvre de ta colère,

Renonçant désormais à sonder le mystère,

L'esprit humain ailleurs portera son flambeau,

Seul je saurai le mot de cette énigme obscure,

Et j'aurai reconnu, pour comble de torture,

Un Dieu dans mon bourreau.

Louise Ackermann.