فاتن عبد السلام بلانمرثية مُهداة إلى روح أخي الحبيب أيمن عبدالسلام بلان

 في أربعينه الذي يصادف في ٢٠١٩/٠٢/٢٠م

 

أربعـون غيابـًا

أربعـون وجعـًا

أربعـون جمـرًا

والأحجية الثلاثية الحروف

تتوه في أبخرة الضباب .. !!

فكم يلزمني من العُمر

لأفكَّ شفرة الموت

وأربّت على حدبة حزني

وأيمني* يسافر في أيسري

وفي قلبي مآذان لـ الآه

وكنائس لـ العويل .. ؟؟

كم يلزمني من الوقت

لأضفرَ خصلات ذكرياتك

وأصفّفها في ألبوم صور ؟

كم يلزمني من الوعي

لأنتفضَ صحوة

تحت صفعة رحيلك

وأعبّئ دموعي

في غربال الإنتظار .. ؟؟

وا أيمناااااه

لماذا تعقّني قوافل عناقك ؟

وا أيمناااااه

كيف تبرّني واحات سرابك ؟

 وأحلامي فيك تثكلني

بأكفان الفراق

فيضربني الأرق

عُرض الحرقة إلا صبرًا .. !!

أيرضيك فراغي

إلّا من غيابك

وسوس الفقد

ينخر خافقي

بألدّ غصّات الوحدة .. ؟

فعلى صدر الليل

تبكي أصابعي

 شهقات قصائد

وتمتمات عتاب

وأيمني الموغل في أيسري

يهزّ فنجانه مودّعًا

فتشيخ قاحلة صباحاتي .. !

أربعـون يومـًا

ويمام الأمل نائح

في قفصي الصدريّ

أربعـون خنجـرًا

تنخز شرايين روحي

وأيمني* شحيح الوصال

أبكيه طوابير أشواق

وحشود نداءات

ورمشه عضَّ البريق

تحت أكمام المغيب ونام .. !!

 ***

فاتن عبدالسلام بلان

.......................

* أيمني: أخي الحبيب أيمن رحمه الله

 

 

 

صحيفة المثقفكثيرون هم الذين كانوا يأتون الى محل والدي، ليس فقط زبائن دائميين أوعابري سبيل، بل وايضا اصدقاء وجيران من المحلة التي نسكن فيها، يقضون أوقاتهم في الأحاديث وتبادل المعلومات والآراء. منهم من يرتدي العقال والدشداشة، وهم أكثرية، ومنهم من يرتدي البنطال والسترة، بعضهم يأتون مهندمين بربطة عنق عريضة وطويلة، مختلفة الألوان. مما يبدو انهم موظفون في دوائر الدولة، او معلّمون، هؤلاء يلقبونهم في مدينتنا بالأفندية. وكنت اتسائل في سري:

- لماذا  يخنق هؤلاء انفسهم  بهذه القطعة من القماش؟      

كما يأتي احيانا الى المحل، اشخاص، يرتدون ملابس لم تكن مألوفة، على الاقل بالنسبة لي، فأنا لم ار مثلها سابقاً، فبدلاً عن العقال يضعون على رؤسهم كوفية مكورة، وبدلاً عن الدشداشة يرتدون سروال عريض من الخصر حتى الركبة ثم يبدأ بالتقلص عند القدم، ويتكلمون بلغات ولهجات مختلفة عن اللهجة التي نتحدث بها نحن في مدينتنا. مرة واحدة اتذكر جاء رجل يرتدي قبعة تشبه قارباً مقلوباً، عرفت فيما بعد انها تسمى سدارة، وأن اكثر من يرتديها هم اهل بغداد.  ولهذا الرجل حكاية سأرويها لكم لاحقاً، اذ لها علاقة بمجريات أمور البلد السياسية والاجتماعية ...الخ. 

 اغلب الرجال الذين يأتون الى المحل، لديهم شوارب كثيفة، او خفيفة، تتجمع تحت ارنبة الأنف، أو على امتداد الشفة العليا، بعضهم ملتحون والبعض الآخر حالقوا الذقن.

لكن احد الاشخاص الذين يترددون على محل والدي وبفترات متباعده هو شيخ حسين، اعرفه لأنه قريب لعائلتنا، ولكن من بعيد، من اطراف العائلة. كان هذا الرجل، وهو شاب ربما يكبرني بعشر سنوات، أو أكثر بقليل، وسبب عدم وجوده الدائم في المدينه هو سفره للدارسة في النجف، في مدرسة تسمى الحوزة. هو متدين، يطلق لحية كثيفة، ويلف على رأسه عمامة بيضاء اللون. اتذكره انه كان محبوبا من قبل ابناء المدينة، خلوقاً وبشوشاً لاتفارقه الابتسامة، ابداً. لم يكن متزمتاً، كما سمعت من احاديث الناس عنه، ان اغلب اصدقائة ليسوا متدينين، فهم لا يؤدون الصلاة وماشابه من الطقوس الدينية، حتى أن بعضهم يشربون الخمر، يبتعاونه من الدكان الصغير الوحيد في المدينة، قرب الشط، وكان هو يحاول تقديم النصائح لهم بضرورة الالتزام بمبادئ الإسلام في الصلاة والصوم ...الخ، ثم يختتم حديثه دون ان يتخلى عن الابتسامة بجملة "الله يشهد انني بلغت" ثم تستمر جلسات السمر مع اصدقائة.

كان جلاّس المحل يقضون اوقات فراغهم في تبادل اخبار المدينة وما يدور في اسواقها، وخلف ابوابها المغلقة، لكن كثيراً ما يكون للوضع السياسي في البلاد مساحة كبيرة من تلك النقاشات، وفي بعض الأحايين تعبر النقاشات في الامور السياسية حدود البلاد الى بلدان اخرى.

- مدينتا ورغم صغرها وقلة عدد نفوسها، لها تاريخ سياسي مهم، وماتذكره الكتب عنها قليل جداً.

هذا ما سمعته، لأول مرة، من أحد الجالسين، بينما اثنى آخر على هذا الكلام..

- اي والله يخوي ابوعمر لا عاب حلكك... تذكر ثورتنا بسنة الخمسه وثلاثين اشسوينا بالانجليز؟".

كان هذا الرجل ولا اتذكر اسمه الآن، يتحدث عن ثورة فلاحي المدينة عام 1935.

كنت كثيراً من الاوقات اجلس في المحل مجبراً، نزولاً عند رغبة ابي، بل بالأحرى هي أوامره التي يجب أن انفّذها كولد صالح. ولكن في بعض الحالات، والشهادة لله، يمنحني حرية اللعب مع اصدقائي، لبضع ساعات، خاصة ايام الجمعة، وهي عطلة المدرسة، والاثنين عطلة الحلاقين.

في أغلب الأحيان كنا نلعب في ساحة المدرسة.. كان الدخول اليها والخروج منها سهلاً، ونادراً ما كنا نستخدم الباب الرئيسي للمدرسة، حيث كانت مفتوحة من الجهة التي تقع فيها غرفة الصف الخامس، وهو الصف الأخير في مدرستنا، في تلك الفترة.. كان سياج المدرسة مهدّم وكأن هزة ارضية اصابت البناية، وباتت مفتوحة لاي كان الدخول اليها.

- صارت خان جغان، قال احد المعلمين ذات مرة.

اتذكر في إحدى المرات هرب ثور من المستوصف البيطري الملاصق للمدرسة ودخل الصف الخامس لاجئاً، لكنه خلق بلبلة وبث الرعب بين التلامذة الذين هربوا من الصف الذي أصبح حطاماً إذ كان مبنياً من القصب.

أكثر وسائل اللهو التي كنا نقضي فيها اوقات ما بعد المدرسة كانت لعبة كرة القدم. أنا كنت العب في اغلب المرات اما دفاع او يختاروني مراقب خط. لكننا كنا نلعب "الكعاب" و "الدعبل"، وغيرها. كانت المدرسة قريبة من بيوتنا، فنحن زملاء في المدرسة وجيران واصدقاء في المحلة. وكنت عندما أجد نفسي مجبراً على الجلوس في المحل، بعد المدرسة، احاول التهرب بحجج كثيرة، وفي بعض الاحيان كنت انسحب، بهدوء، دون أن يلحظ ابي خروجي من المحل، حيث يكون هو منهمكا في قص شعر زبون.

لكن حدث شئ ما، لا اتذكر تماماً ما هو، جعلني انشد الى الجلوس في المحل، فبعد أن كنت في البداية اشعر بالضجر، بدأت استمتع بأحاديث الجالسين. وخاصة ابي..

نعم، لقد تذكرت الآن، الشئ الذي جعلني أحب كثيراً الجلوس في المحل، فقد قرأنا في المدرسة قصة "الحلاق الثرثار".

كنت أتابع بنظراتي ابي وهو يحرك المقص مع المشط بالتوالي في شعر الزبون وباتجاهات مختلفة، وايقاع متواصل، وفي ذات الوقت يتحدث الى الآخرين، واقول في نفسي.." هنا بور آرثر وهنا انكسر كروباتكين وهنا انتصر يوهاما وهنا اندحر ..كنت اشعر بالخوف احيانا من ان ياخذ الحديث ابي ويلهيه عن عمله وهو يقص شعر الزبون، خاصة اذا كان يمسك بموسى الحلاقة، فتحدث الكارثة. كما في تلك القصة الخيالية للكاتب المصري احمد المنفلوطي، لكن لم يحصل شئ من هذا القبيل، فكل شئ كان تحت السيطرة. أو تحت موس الحلاق.

قصة الحلاق الثرثار تلك، كانت الطُعم الذي فتح شهيتي على القراءة بنهم.

مواقف واحداث كثيرة مرت وانا اتابعها واعيش تفاصيلها من خلال جلوسي في المحل، الا ان امرا واحدا ظل عالقاً في ذاكرتي بشكل راسخ، وهو حكاية احد اولئك الذين كانوا ياتون الى المحل لقضاء الوقت.

كان ذلك رجلاً في متوسط العمر، وعلى ما اتذكر يعمل موظفا في البلدية. كان هو الوحيد الذي يجلس مرتديا معطفا بياقة واقفة يغطي بها اذنيه. صحيح الطقس في الشتاء عندنا بارد جداً لكن هذا خارج المحل، واما في الداخل فهنالك "صوبة علاء الدين" التي تنشر في المحل حرارة تجعلني مضطرا لأتحرر من سترتي التي كنت ارتديها على دشداشة البازة المقلمة.

كنت اتابع حديث هذا الرجل الذي يبدأ رزيناً ينطق الكلمات والحروف وكأنه استاذ امام تلامذة، لكن وبعد برهة من الوقت، يبدأ حديثه يتباطئ، ويلوك الكلمات بطريقة لم افهمها، ثم تتهدل شفتيه ويظل ينطق مخارج الحروف بصعوبة شديدة.

في بداية الامر لم انتبه الى تلك الحالة فقد كنت مشغولاً بالاصغاء الى النقاشات التي كانت تدور على السنة الجالسين بشكل دائم، دون نقاط او فوارز، حتى بعد مجئ خلف القهوجي وهو يحمل صينية سطرت فوقها استكانات الشاي. فهم يواصلون الأحاديث مع ايقاعات الملاعق الصغيرة التي يحركون بها السكر الذي يحتل نصف الاستكان ويذوبونه بها في الشاي.

لا اريد الاسترسال بالوصف حتى لا افقد تسلسل الحدث في ذاكرتي، اعود الى حكاية الرجل. قلت اني لم اكن مهتماً به في البداية، لكن ما اثار انتباهي هو عندما كان يهم بمغادرة المحل، فهو ينهض من كرسيه بحذر وبطء كمن يحاول استرجاع توازنه. حسبته بادئ الامر يعاني من مرض ما، يجعله هكذا، وكدت ان اسأله ان كان يحتاج الى مساعدة، لكنني انتبهت الى  امر آخر انه كان بين فينة واخرى يخرج من جيب معطفه قطعة خيار يلوكها دون ان يسمع لها صوت وهو يطحنها بين اسنانه.. هذا الاكتشاف اثار فضولي اكثر وجعلني اتابع كل حركاته بإهتمام شديد..

في احدى المرات فطن الى انني انظر اليه فابتسم وطلب مني ان اجلب له ماء من الصنبور المنصوب في زاوية المحل:

- عمي ما تجيب لي أمّية يرحم موتاك.

- إي عمي صار.

حملت له كاس ماء بارد من الصنبور حيث أراد أن اتركه مفتوحا ليتخلص من الشوائب التي تأتي مع الماء عند فتحه ثم ينساب بارداً صافياً.. شكرني وكرع الكأس دفعة واحدة. في تلك اللحظة وبينما كان يرفع رأسه لارتشاف الماء رأيت امراً غريباً، شيئاً لم اعرف سبب وجوده. كان ذلك يشبه انبوبة رفيعة سوداء كما لو كانت سلكاً كهربائيا مقطوعاً ومفرغاً من محتواه، بانت من تحت اليشماغ الذي كان يلف به رأسه وعنقه. اردت ان اسأله عن ذلك الشئ، لكني لسبب ما لم افعل ذلك، فلربما اعتقدت انه مريض، وتلك الانبوبة من لوازم العلاج.. لكنني وعندما قلت لأبي ما شاهدت، ابتسم الوالد، بعد أن طرق يفكر، وكان قد اخذته الدهشة قليلاً بادئ الامر، ثم قال:

- هو يشرب دوه على شكل سائل، فقلت:

- يجوز، لكن ليش الخيارة كل ساع ياكل شوية منّهه؟

اجابني والابتسامة لاتفارقه.

- لأن الدوه اللي يشربه الرجل مر  ما ينجرع، فيحتاج الى شئ يزيل المرورة. 

 

طالب عبد الأمير

 

السيد الزرقانيكانت السماء غائمة، في نهار شتوي عاصف، تصفر فيه الرياح الباردة فتنال من أجساد نحيفة نيل الأسود من فريستها، كانت الصغيرة تدفن جسدها الضعيف بين ضلوع أمها التي توسدت تلك الكنبة العتيقة التي ورثتها عن أبيها الذي رحل منذ عده سنوات بعد أن زوجها من جار له عائد من بلاد النفط العربي معوج اللسان منفوخ البنيان، تاركا عقلة رهن ملذاته الدؤبة في مقاهي العاصمة ونواديها الليلة، حين زغلل أعينه بتلك الأوراق الخضراء التي حصدها من ترحاله في تلك البلاد البعيدة عن هويتنا وحضارتنا، لم تنسي ابد حين زفت أمها خبر خطبتها لرجل ثري سوف ينتشل فقرهما إلي كينونة أخري كانت مجرد أحلام اليقظة تراودهم كلما ضاق بابيها الخناق من قلة الحيلة في كسب العيش، كانت ذو جمال أخاذ يشد كل الناظرين في تلك القرية الفقيرة في البنيات حيث كسا فيها الحزن وجوه خرت مهمومة من عوذ الحاجة، كانت رغم ملابسها البسيطة تبدو وكأنها (سندريﻻ) في خطواتها الرنانة في تلك الحارة العتيقة تمنحها حالة من الانبهار الداخلي بعد ظهور أنوثتها البكر وهي لم تزل تخطو خطواتها الأولي في المدرسة الاعداية الكائنة عند الطرف البحري من قريتهم، نهداها مشدودان خلف تلك البلوزة الضيقة التي حصلت عليها والدتها من تلك السيدة التي كانت تمسح لها شقتها في كل أسبوع حيث منحتها بعض من ملابس أبنائها البنين والبنات، كانت كلما خلت إلي نفسها جلست تقيس تلك الملابس سواء الخارجية أو الداخلية وتمارس أمام تلك المرأة لعبة البروفات المنزلية فتلك تمنحها زهوا بجمال صدرها وخسرها وذاك يطير بها من تلك الحارة المتربة إلي مصاف نجمات السينما في بهاء الخطوات وجمال البشرة البيضاء، كانت تمتلك نظرات ساحرة تبهر بها كل ناظر إليها وتمتلك من الحديث أعذبه ولديها لسان ذواق لجمال لغتها وثراء مداركها العلمية، كانت تمنح نفسها دائما فرصة القراءة والاطلاع الواسع في مناهل الأدب كانت تعيش ليال طويلة مع حكايات" نجيب محفوظ"فتسبع في حواري الجمالية وباب الخلق وتعيش مع بطالاته وشرودهن العاطفي ومغامراتهن مع أولاد حارتهن، وكانت روايات" إحسان عبد القدوس " لها مفعول السحر عليها بما يملكه من جمال الأسلوب وسحر الحوارات العاطفية حتي تنبه إليها مدرس اللغة العربية فمنحها شهادة تقدير وتوعد لها بمستقبل باهر وسطت المتفوقات من أقرانها وأبناء عمرها، توسمت في نفسها احدي المذيعات الفضلاء اللاتي ينتظرهن السود الأعظم من جمهور المشاهدين كل مساء، تذكرت تلك المساءات التي ولت وكانت تحتضن أحلامها الخيالية في تلك الحجرة ذات الحوائط الطينية التي تحتويها هي وإخوتها وكم كتبت في دفاترها المدرسية عن طموح لم يتحقق منه شيء، حيث جئتها أمها لتخبرها بأن أبيها قد قبض ثمن زفافها إلي رجل يكبرها بثلاثين عاما ﻻ تعرفه ولكنه فقط ساوم أبيها علي ثمنها، ضمتها أمها في تلك الليلة وقلبها يصرح في فضاءات العالم دون ان يسمعه احد، كانت ذبيحة اللسان حين نظرت دموعها أمها في الحجرة الأخرى ونظرات أخواتها الصغار (والله وكبرتي) كانت أغنيات الجيران وهم يودعونها إلي المقصلة ترانيم حزن علي الزهرة التي قطفها هذا الكهل ليلقي بها في محراب متعته المجنونة التي تهرب من حين يغيب منشطه الطبي فلم يطل بها الوقت حتي هربت منه لتعود وفي أحشائها حلم ليس أوانه ورحل الجميع وهاهي مازالت ترتب ملامحها في مرآة الشتاء العاصف في انتظار المطر كي يغسل عنها ما علق بها من دنس تلك الزيجة البالية، الصغيرة تتقلب في أحضانها تبحث عن الدفيء وهي تبحث في كنف السقف المعروق بالأخشاب عن سند يحميها من سيل المواجع التي ترسبت في براءة قلبها الصغير .

***

قصة السيد الزرقاني - كاتب مصري

 

محمد صالح الجبوريوقفت سلمى امام المرآة تنظر الى صورتها، وقد تسلل الشيب الى شعرها الأسود، وكأنه جناح غراب، وقد بدات التجاعيد تهاجم وجهها القمري الجميل، لنكها لازالت محافظة على رشاقتها وأناقتها، رغم مرور السنين، وهي تتذكر كيف كتب الشباب في محاولاتهم الشعرية عندما كانت طالبة تسير في ازقة المحلة، وعن تلك الايام التي أحبها شاب من المنطقة لكن لم تحقق، امها ترفص جميع الشباب المتقدمين للزواج منها، هي تحلم ان يكون لهابيت وزوج واولاد،وهي طلبات تبحث عنها اي فتاة،أرهقتها الوظيفة والروتين، هي تعلم ان احلامها مؤجلة،ادركت انها وصلت الى طريق مسدود،ولا تريد أن تغضب والدتها التي تحب المال، حتى أن كان على حساب راحتها، اتعبها السهر والتفكير، وهي تعيش في حالة من عدم الاستقرار، وهي تدرك ان مشكلتها صعبة الحل، فهي صابرة، وأحيانا تقول في نفسها (انما للصبر حدود)، وهي تعلم ان احلامها مؤجلة، وان جميع الذين تقدموا لطلب يدها، هم شباب وأخلاقهم عالية وامكانياتهم جيدة،كانت تجلس في غرفتها، وهي تفكر في حل لمشكلتها، راودتها فكرة ان تجمع مصوغاتها الذهبية والنقود التي تملكها، وكتبت طلبا بالاستقالة من دائرتها، دخلت الغرفة الى والدتها، وقدمت الاستقالة  الذهب والمال الى والدتها، وقالت لامها اعذريني ياماما، وغادرت البيت.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - العراق

فتحي مهذبالذين رقصوا

ثم اختفوا مثل صحون طائرة..

الذين فكروا في ماهية الذات..

في بلاغة الضوء الزارب من أصابع الصيرورة..

في متواليات الليل والنهار..

في مكر الحواس..

في الندوب الزرقاء التي تكسو

جسد العقل..

واشتهوا مقاعد فاخرة في الجنة..

مناطيد لغزو ذكريات هائمة في الفضاء..

أنهارا تتدفق  بالنساء الجميلات..

واقيات صدرية ضد قناصة مفترضين..

نقودا لا تحصى لشن مغامرة

في جزر هاواي..

وافتراس سمك سلمون مقلي

وشطائر البيتزا..

مثل دببة مهذبة جدا..

الذين أقاموا مدنا من زئبق..

ومشوا فوق فوهة بركان..

الذين هاجمهم ذئب الليل

في غابة المحو..

الذين أفرغوا مياه أعمارهم

في دوارق مثقوبة..

شيعوا موتاهم الى كهف المخيلة..

ناموا مثل اوز بري آمن..

الذين دحضت براهينهم

لعبة الحتميات..

واحتموا طويلا بظل البدهي..

الذين ركبوا البحر

وطاردوا قوارب المستقبل..

الذين تقاتلوا في أزقة مظلمة..

هشموا مصابيح الملائكة بالحجارة

ثم طاروا مثل حمام زاجل

نحو اللامكان..

الذين اختفوا سريعا تحت الأرض

لم يرقهم تأبين القس في ساحة المقبرة..

وتساقط دموع كاذبة من محاجر الأصدقاء..

همهمة عربة الأموات..

ضحكة القبار المريبة..

الذين سقطوا في الغياب..

سأراهم لاحقا في دار الأوبرا .

***

فتحي مهذب

 

اطياق رشيدالبدايات

نقطة حبر موجعة

تحتاج الى سطر جديد

وحبل غسيل فارغ.

(٢)

ها انا

منذ عام

اقف عند نافذة

احدق بالعالم

نافذتي عارية وقلبي زجاج

وها الاصحاب

يمرون كشرر متطاير

من جمر العطش حينا

وحينا من الغدر

نبال الموت تمطرها حروب اسكرها الدم.

عند حافة عالمين

اترنح من شدة الظلام

اغني من شدة الصمت

اشتهي الرقص،

شفتاك وذراع اللهفة.

عند حافة عالمين

لا يصح التفكير

اعتدل في جلستي

ابدل لون الشال على احلامي

اغير قناة الراديو

واغفو باكرا

(٣)

تقول احبكِ،

وترسمني شجرة عند منحدر

تقول احبكِ

وترسم جدارا ...

وتقول:

كم انت جميلة

خلف الجدار.

وأنا ....

حلم

ضوء جنان غافلة

ورق الخيال

اعبث

بسيمياء الحقيقة

فتتلوني السطور قصائد حضور

 ***

أطياف رشيد - كاتبة وناقدة مسرحية وشاعرة

 

 

لالة مالكة العلويقضمت الهواجس وأرجعت سر الهوى

 للناثر من وجع الذكرى ..

فأنا مدينة قزحية

ألهت خلف مغارمي

وآنس بكونشرتو البيانو

وأغني صامتة كعصفورة مسترقة ..

أنشب محبسي ..

وأغضب حواس العتمة

يا لسعادة الصنو الذي يراقص المخيال

 وينزع بالشوق حبات الهوى ..

يثمر الهمس في الغياب

ويبعث بالغيب طابق الشفتين ..

كسحر بارق يأسرني

ويرعوي في سماء الملكوت ..

قلت : جاءني الشعر ولم يزل !

وأشركت بمتراسه غرائب الحب ودسائس الحاقدين ..

 

لالة مالكة العلوي

شاعرة وباحثة مغربية

 

صحيفة المثقفاندفعت عبر باب بيتها الخارجي الى الشارع فلفح وجهها البائس المبلل بالدموع برد كانون الثاني.. نعم كانت تبكي .. تبكي قهراً وألماً حركت وجهها يمينا ثم التفتت الى اليسار حائرة في أيّ اتجاه تسير ولمن تذهب والى أي مكان تتجه، غير إن خطاها البطيئة المترددة الحائرة قادتها الى الشارع العام القريب من دارها، لم يكن أهلها في هذه المحافظة بل في محافظة قريبة غير إنها لم تشأ أن تحمل زكائب مشاكلها المتواترة لتلقيها على أكتاف أُخوتها فما لديهم منها كاف ويزيد . قادتها خطاها كما هي العادة الى المركز الصحي القريب حيث تأخذ أولادها بين حين وآخر للعلاج كلما ألح بهم المرض . لم تجد بدا من ولوجه فلا مكان لها لتذهب اليه . كان الدمع لا يزال ينسجم من عينيها وتمسحه تارة بأطراف أصابعها وتارة أُخرى بذيل العباءة السوداء التي كللتها من أدناها الى أقصاها . ولجت الباب مع ثلة من الموظفين المتريثين قرب الباب ليبصموا قبل دخول المبنى . لم يكن عجبا أن يحضر بعض المراجعين مبكرا لذا لم يلتفت اليها أحد بسؤال أو استفسار، دلفت واتجهت الى حيث ينتظر بعض مراجعي المركز الصحي وهنا بدأت موجة أُخرى تجتاحها من الأسى على نفسها فانهمر بكاؤها غزيرا خارت اثره الى الارض متلفعة بالعباءة السوداء التي تغلفها مثل خيمة . لاحظت احدى منتسبات المركز الصحي اهتزازها الصامت .. لم تبال أول الأمر فهي في عجلة من أمرها كي تبدأ العمل المناط بها  بعد ما يقرب من ساعة رفعت الموظفة رأسها لتجد المرأة المتكورة لما تزل في موضعها وقد عرتها موجة طاغية من البكاء الحار . استنجدت المنتسبة بزميلاتها وانتدبتهن لرؤية ما يحدث للمرأة، خرجت منهن اثنتان لنجدتها واستقراء الأمر وبين البكاء المتقطع والموشح باللهاث فهمتا انها لم تكن مريضة بحاجة الى نجدة طبية آنية بل كانت مبتئسة منقبضة الصدر لا تعرف اين تلتجأ مع حزنها الطاغي وقلبها المتقطع، ربتت احدى الموظفتين على كتفها وهونت عليها الأمر وطلبت منها الكف عن البكاء والتماسك . سقتها كاس ماء وحينما تناولت بعض الطعام ذكرتها ب " لفيفة " صغيرة من افطارها الذي تتناوله واقفة فهي كما المرأة لم تذق طعاما منذ الصباح . لم تكن المرأة تريد العودة الى حيث أولادها المشاكسين الذين يرفضون الاستماع لما تقول والذين يبددون طاقاتهم بالخصومة والنزاع حتى لا يتبقى منها ما يقومون به بأعمال تنفعهم وعلى رأسها الدراسة والنجاح . حتى إنهم يرفضون مغادرة سررهم للذهاب الى مدارسهم .  كان المركز الصحي وبين حين وآخر يقوم تطوعياً بأعمال الرعاية الاجتماعية فطالما أتت اليه النسوة خاصة بحاجاتهن ومشاكلهن فهن يألفن موظفاته بحكم مراجعتهن المركز الصحي لمعالجتهن أو لعلاج أولادهن كلما شعروا بوعكة مهما كانت صغيرة . تذكرت الموظفات تلك المرأة المراجعة التي قصدتهن قبل أشهر لينقذنها من الحاجة المادية المؤذية والآخذة بتلابيبها فجمعن لها ثمن تنور تستطيع من ريعه أن تنفق على اسرتها وتسد حاجتها . حاولت المنتسبات اقناع المرأة المتهالكة بؤساً بالذهاب الى دارها غير إنها أبت أولاً .. ثم بعد ذلك لم تجرؤ مر وقت وحل الضحى وحين رفعت الموظفة رأسها من بين السجلات رأت رجلاً طيباً ينحني على المرأة يحاول تهدئتها ويعدها بتأديب صغاره .. ويتوسل اليها لتذهب معه الى الدار فهي دارها وهم أولادها أولا وأخيرا .

***

سمية العبيدي

 

صالح البياتيحالت الظروف دون القيام بزيارته للشيخ المندائي، ولما اتخذ قرارا بعدم العودة لمدينته، كان لابد عليه القيام بهذه الزيارة التوديعية، قصد داره في الظهيرة، استقبله الشيخ، قاده لحجرة الضيوف، على  الجانب الأيمن من المجاز الطويل، جلس على كنبة واسند ظهره على وسادة مريحة، احتفى ورحب بضيفه، وصديق ابنه القديم منذ ايام الطفولة، رد نوح ترحيبه الحار بتهنئته بعيد البنجة، وتساءل لماذا لم يبق صديقه الدكتورهلال مع العائلة، حتى انتهاء ايام العيد الخمسة، وكان في الحقيقة قلقا عليه، لأن نشرات الاخبار المسائية المتلفزة، للأيام الثلاثة الماضية، كانت تعرض صورا من الجبهة الجنوبية، المشتعلة بمعارك طاحنة، وكانت الموسيقى التصويرية تثير الاعصاب. قال نوح

" لندعو له بالسلامة."

"  الحي العظيم مبارك اسمه يرعاه."

قال ذلك واحتضن ضيفه، قبل وجنتيه، فغرق وجهه في لحيته البيضاء، الناعمة، وبنبرة حزينة مواسية عزاه بوفاة المرحومة امه:

"  لترتاح روحها الزكية في عالم الانوار مع القديسين الابرار، ويؤسفني جدا اني لم أستطع المجيء لبيتك لأعزيك.. البقية بحياتك."

"وحياتك الباقية."

رأى نوح ان يخبره بزواجه ليباركه، فتفاجئ ان صديقه هلال قد سبقه بالخبر، قام الشيخ من مكانه وقبله للمرة الثانية.

"واهنئك أيضا بالزواج."

" لتبارك زواجي أيها المبجل."

" مبروك ابني نوح، أكملت نصف دينك كما تقولون."

ابتسم، وتساءل مع نفسه، عجيب أكنت بنصف دين ولا أعلم! 

فقال يمزح ضاحكا:

"أ خشى ان مسؤولية الزواج ومشاكلي الأخرى تذهب بالدين كله، إذا لم انتبه."

" اهلا وسهلا بك ابني نوح، تشرفنا بزيارتك. خذ راحتك، انت في بيتك."

جلسا صامتين لبرهة، بدت لنوح طويلة جدا، حول بصره، وتطلع من خلال النافذة المفتوحة على الشارع، فرأى شمس الظهيرة، تضئ نهر الكحلاء، فيعكس الماء شعاعها للسماء، كمرآة صقيلة تلمع بوهج ساطع.

كان في تلك اللحظة يفكر بالمجنون.. ويريد ان يخبره بموته المجاني، ولكنه تردد، كي لا يفسد فرحة العيد، ولكن الغريب، ان الشيخ بادره بالسؤال عنه، وعندما لاحظ الاستغراب باديا على وجه ضيفه، قال كان يريد تقديم مساعدة للمسكين، الذي أصبح بلا اهل.

" استجد شيء.."

"ما هو يا نوح!"

 " قتلوه."

" من قتله!"

 أخبره.. أمعن النظر بوجه ضيفه، كانت عيناه تتحركان قلقتين، تبحثان عن شيء من المصداقية، في الخبر الذي سمعه توا، ولما تأكد أن ضيفه جاد فيما اخبره، امتقع وجهه وغشت عيناه سحابة حزن.. لم يقل شئيا، كان صمته تعبيرا عن شجبه لهذا العنف..

سيطر الوجوم على الرجلين، كانا صامتان، ينظران لبعضهما، دون ان يحاول احدهما ان يبدد الصمت الذي اطبق عليهما، اخيرا قال الشيخ بنبرة حزينة:

" قتلوا انسانا بريئا.. وديعا لا يؤذي احدا"

" وبدأوا حملة اعتقالات واسعة."

" يا للعار.."

نهض الشيخ، قطع حجرة الضيوف، وقف في وسط الغرفة، كعمود ابيض، بقامته المديدة، وثيابه البيضاء، ثم تحرك ونادى من وراء باب مغلق، يفضي على الباحة المكشوفة للسماء، تناهى لسمع نوح اجنحة طيور، وسمع أصوات أطفال، يلعبون ويتصايحون بمرح ، تخيلهم يدورن حول النخلة، التي رآها عندما كانت فسيلا، وصار بالإمكان رؤيتها من الخارج.

 فتح صبي الباب واطل برأسه، عرفه نوح، كان واحدا من احفاد الشيخ، امره الا يزعجونهم، وطلب منه ان يحضر لهما شرابا.. وبعد قليل جاء الصبي يحمل صينية وعليها كأسين من ماء الورد والعسل الطبيعي، قدمهما وخرج.

تحدث الشيخ عن الزمن الاول. غير البعيد كثيرا، والذي لا يزال أثره باق، ويحلو له ان يسميه زمن الخير.

انتهز نوح الفرصة النادرة، ليحفزه على الإسترسال في الكلام، كي يقارن بين الزمنين، الأول الذي افتقده، والثاني الذي يعيشه. فإختار سؤاله بدقة:

" اليس بالإمكان عودته "

" ممكن إذا توحدت جهود الطيبين، ولكنهم قلة وضعيفة، ومع ذلك هم كالأنبياء والصالحين، نور الله على الأرض، عندما يخيم الظلام على العالم"

" صحيح فلو خُليت قُلبت"

  فترة صمت تأملية.. ربما كان الشيخ يفكر بشئ يقوله لمحاوره. ولكنه رفع يديه داعيا:

" ارحمنا يا رب."

تناول نوح كأس الشراب صكت شفتاه عليه حتى ارتوى، أنعشه مذاقه الطيب، فامر الشيخ بالمزيد..

تجاذبا أطراف الحديث، وخاضا بسيرة الحرب الشيطانية، كان نوح يحب ان يسأل الشيخ عن قصيدة للشاعر المندائي سنيجر، الذي تنبأ عن الحرب، ولكنه اجل ذلك، كان هناك سؤالا آخر يلح عليه ان يطرحه، فسأله عن محنة الجنود المندائيين.

" أفكر بالذين قتلوا من ابنائكم وتعذر اخلائهم، ولم يحضوا خلال الأيام الثلاثة للوفاة، بمراسم دفن صحيحة حسب العقيدة المندائية..  قاطعه الشيخ، لم يجب عن السؤال وإنما على ما تضمنه من تساؤل:

" أتريد ان تقول، لماذا لا نطالب بإعفائهم من الخدمة العسكرية في الخطوط الأمامية؟

 لم يقل نوح شيئا، اجاب الشيخ عن سؤال يفترض ان يساله نوح " لماذا لا؟"

 "ومن يجرأ على طلب كهذا يا نوح!"

" الطيبون.. لنرجع اليهم يا شيخ، فهم ملح الأرض، وهم نورها المبارك كما قلت."

"  ماذا عندك عنهم؟"

" سأحكي لك قصة حقيقية، اعتقد انك تعرف الأستاذ مقبل، صديقنا المشترك، هلال وأنا."

" نعم.. سمعت انه معتقل."

" والله اعلم اين!"

- سأحكي لك عنه، عن ذاك الزمان الذي يحبه قلبك، عندما كانوا نزلاء في بيتنا، وكانت المرحومة امي تساعدهم، حينما تسمح الظروف، وخاصة عندما طرد الكيال سعيد الأخ الاكبر من العمل، واجهوا ضائقة خانقة، وذات يوم هاجمت امي نوبة شقيقة حادة، فقامت أم سعيد بالعناية بها، وشوت لها سمكة صغيرة للغداء، وقدمتها ملفوفة بالخبز، ولما عاد مقبل من المدرسة ظهرا، كان جائعا، ولم يجد شيئا يأكله، راج يبكى، وكان الولد لا يتحرج الذهاب لأمي، عندما يكون جائعا، كانت تحبه وتعطيه كل ما لديها.. وقف يحملق فيها، رآها تشد عصبة سوداء حول صدغيها، ظل واقفا عند الباب، لا يتكلم، فأحست به جائعا، ولا يوجد عندهم شيء من الطعام، وأومأت بيدها ان تعال، اشارت للمنضدة التي عليها الطعام، مد يده للسمكة الملفوفة بالخبز واخذها.. هذه المرأة التي احبت الناس، أتعلم ماذا كان جزاؤها؟

"ماذا ؟"

 " سرقوا خاتمها الذهبي."

" كيف..!"

حكى نوح ما حدث لها في مغتسل الموتى القريب من المقبرة، قامت واحدة من المرأتين بنزعه من اصبعها اثناء غلسها، كانت امي تريده تذكارا احتفظ به، خاتم ثمين، فصه شذرة زرقاء جميلة، وعندما سألتهما عنه، انكرتا علمهما به، ولكن سيناء فتشتهما، وجدته عند احداهما.. قالت سيناء، لا يستحقا ثوابا لا ماديا ولا معنويا، ولكني اعطيتهما اجرهما وزدته، وقلت : اتسرقا امكما!

قال الشيخ:

- ضاع المعروف..

 استلطف الشيخ الحكاية الاولى، وتألم على الثانية، وتحسر على ذاك الزمان البريء، الذي احبه كما يحب النهر القريب من بيته.

فإسترسل بالحديث عن النهر، والمياه الجارية، اليرد نا، المقدسة في العقيدة المندائية، فأفاض مسترجعا ذكرياته عن الزمن الجميل، عندما كانوا يقيمون طقوسهم في مياه النهر، قبيل الشروق، فيرى أرواح الأجداد ترف كأجنحة النوارس على صفحته الهادئة.

يتبع

 

صالح البياتي

.............................

حلقة من رواية : بيت الأم

 

قصي الشيخ عسكرترجلا من الحافلة الساعة العاشرة، وكانت هناك حشود لحافلات وصلت من مقاطعات أخرى ثمّ غادرت ، وثمة بعض من موظفي السفارة، استمعوا إلى هتافات يمكن أن يترنموا بها .. لايمكن لأحد أن يخرج عما هو مرسوم من قبل. لا نريد ارتجالا يسبب لنا إحراجا يقول رجل السلك الدبلوماسي. وهاهي لندن تستقبله ضمن حشد التمّ لينطلق إلى حيث لا يدري، فيظنّ أنّها تفتح ذراعيها له وحده بجوها الضبابي الخجول .. أم الدنيا .. لها طعم آخر. زارها بعد أسبوع من وصوله إلى نوتنغهام. لحظتها شعر أن المدينة ليست غريبة عنه. أليفة بحق. أهو الصخب الذي يجعلنا نحن القادمين من الفوضى نظنّ أنفسنا نعرف الأماكن المزدحمة؟من قبلُ سمع بمدن كثيرة .. طوكيو نيويورك . باريس .. لا يظن أن هناك مدينة تشبهها .. عجوز شابة .. جسد جميل وخزته السنين فتركت أثرها فيه ولم تشوهه .. رآى متحف الشمع .. وساعة بيغبن .. معالم يمكن أن تختلط في ذاكرته، ياترى هل يشعر بغربة لو أنه حصل على مقعد دراسي في جامعة لندن أو أية من جامعاتها الاخرى. المختبرات نفسها. واللشمانيا هي هي لا تتغير أبدا سوى أن الصخب في كثير من الأحيان يطرد عنا الكآبة. وفي أقل من لحظات كان يلتفت إلى الطابور الطويل واللوحات. الدبلوماسيون والطلاب أو رجال أعمال وآخرون تستهلكهم أحاديث عامة عن الحرب والهتافات المتفق عليها وهومشغول بلندن. عبد العال قريب منه وبعيد عنه. أحيانا يحطّ مثل نحلة هنا وهناك. نحلة صافية لا تلسع .. يرى أن العراق بدأ الحرب وفي ظنه أن تطوعه في الجبهة أكثر من مرة يشفع له .. استدرجونا إلى فخّ لو كنا نحس ونسمع ونرى لوجدنا أن الثورة الفرنسية تماسكت حين هوجمت من الخارج. هل يجرؤ على أن يقولها علنا في التظاهرة. يتحدث يبتسم. يهز رأسه ثم يكرر الكلمات الموعودة سلفا. أوقفوا الحرب .. العراق لن يرضخ .. عبارات تتكرر كل يوم وفي كل مكان على لسان الأطفال والشيوخ والشباب. إيران أوقفي الحرب .. يذكره ذلك بالمدرسة الابتدائية والثانوية يوم يجمعهم المعلمون والمدرسون في الرحلات المدرسية، وعند المناسبات الوطنية ينشدون للوطن والحرية والسلام بكلمات قد لايفهمون بعضها. الصورة نفسها تعود بإطار آخر في شوارع لندن. طلبة بدرجة بكلوريوس ودراسات عليا يصفّهم مسؤولون حزبيون. لوحات بالعربية والإنكليزية. كان التلاميذ يتنافسون أمام معلمهم ليحوز أيّ منهم شرف حمل اللوحة. إيران جاك جاك حزب البعث الإشتراكيّ. فلسطين جاك جاك .. فمه يهتف .. يردد مايسمع .. عيناه تتابعان الصور .. الإعلانات على الحافلات .. أفلام السينما .. لوحات المطاعم .. .. وجه مستر بن الساخر على حافلة .. تشرشل وكلب صغير ضخم الرأس نحيف الجسدopen days London theater فمه يردد عن غير وعي "أوقفوا الحرب" وعيناه تحومان كالنسر في شوارع يعبرها. تقعان على عبد العال فيجده مشغولا بالهتاف .. صحيح العراق بدأ لكنْ ماكان على إيران أن تستمر .. عبروا شوارع وقطعوا مسافات .. من الهايد بارك انطلقوا وإليه يعودون .. كل شيء وفق خطة يتحرك بها التلاميذ. فلسطين حرة حرة .. يا رفاق .. ستقف الحافلات في المكان نفسه الذي ترجلتهم عنده، في ذهنه أمر آخر .. راح يخطط ليعود وحده .. . الآن في رحلة العودة أصبح حرا .. غادر الهايد بارك معرضا عن الحافلة وادعى أمام عبد العال أنه سيزور عائلة يعرفها .. هبط محطة الأنفاق .. لندن الصاخبة ستكلفه مبلغا إضافيا لا يخصّ صفقة اللشمانيا .. ليس بنادم .. كانت الرغبة تدفعه لئن يكتشف تلك العوالم التي يعرفها ويجهلها. قد تكون الاشياء والأفكار قريبة منا جدا فنجهلها مع قربها الشديد لنا. بين يديه اللشمانيا .. يراها كل يوم يتابع حركتها، يكتب عنها ولا يفهم جوانب كثيرة فيها. جوستينا أقرب الناس إليه. تتأوَّه .. تمنحه جسدها. تحتضنه بعنف .. توقف الترام في محطة البيكادلي صعد مهرولا درجات طويلة وخلف مدخل المحطة وراءه.

كان يحث السير نحو حارة سوهو ..

البيكادللي الذي يشخص أمام ناظره.

يتلتفت كأنه يتاكد أن لا أحد يراه.

عرب وأجانب وسواح .. قابل عربا وأجانب. آسيويون وأفارقة .. تجارة وبغاء .. صيف لندن وشتاؤها واحد .. بردها وضبابها، توغل في بداية سوهو، محلات، وشقق تطل .. بنايات قديمة، وعلى الرصيف عند تقاطع الشارع العريف بآخر فرعي وجدها تقف بشكل مريب. متوسطة الطول ممتلئة خضرة على جفنيها العلويين. جسد مثير وابتسامة مصطنعة. عالم آخر جديد قديم:

Sorry how much

بمزاح وغمزة:

Ten pound

اقتادته إلى قبو يبعد خطوات يسيرة ، يا ابن الكلبة كم من الجنيهات .. دعها لأمك .. لو عاملتها ستربح باوند أو اثنين .. ولعلها تسبّكَ وتشيح بوجهها عنك .. هبط خلفها درجات معتمة فطالعه مصباح خافت يتدلّى من السقف، وخيل إليه أنه رآى خيوطا فخالها صبغا قديما متآكلا أو خيطا من "مخاط الشيطان". غرفتان أحداهما مغلقة الباب والأخرى عن يساره جاهزة. أشلعلت المصباح وردت الباب وراءها. بدأت تتعرى .. خلعت قميصها انسلت من تنورتها ثم حمالة النهدين .. تجردت عن ملابسها الداخلية ثم ارتمت فوق السرير .. راح يخلع ملابسه، بحث عن رغبته المحمومة فوجدها مازالت تراوده، وحين انتهى من خلع ملابسه بسطت يدها تستقبله. تعال .. com hurry up أطلقت ضحكة خافتة، واستقبل الفراش بركبتيه، تمايل رأسها نحو كتفيها ثم رفعت يدها إلى فمها وبللت أطراف أصابعها بريقها .. تدفق منها لعاب كثيف دعكت به ذلك المكان من جسدها .. . come

فجأة .. .

تراخى جسده ..

مات كل شيء فيه. تلاشت الرغبة.

بقايا خشبة يابسة. عود كبريت مهمل. اشتعل وانطفأ، فذوى في حاوية على الرصيف.

غثيان .. .

قرف لا نهاية له .. .

كانت دلال تطل عليه من تحت قبعة المصباح .. هو الأستاذ المتعجرف. تذمر الطلبة والطالبات. قالوا عنك يا نادر إنك متعجرف. أناني. أصعب أستاذ. بخيل في العلامات. يمكن أن يحوز أي طالب مجتهد ذكي على أكثر من تسعين عند الاساتذة أما أنت فلا تمنحه أكثر من ثمانين هذا إذا كان من النوابغ. تآمر عليه الطلبة، استدرجته دلال إلى القبو وصفعته ثم صرخت. تلوثت سمعته. وبخه العميد فبان عليه الانكسار والخجل.

- مالك تعال؟

 .. .. .

- أنت لم تمارس من قبل؟

 .. .

- لا تخجل؟أنت عربي؟الكثيرون مثلك بدوا خجولين وانحلت عقدتهم معي. تعال.

أمامه على الحائط الكونتيسة ذات الوجه الطويل والنظرة الثاقبة بطوقها ذي الزعانف العشرين وشعرها المنتفش كالزغب .. يداها مبسوطتان. ابتسامتها تتسع ، ودهشتها أيضا:

- أنا متاكدة أنك ستعود إليّ ثانية بعد أنت رجل .. فحل .. تعال.

ماتت رغبته بين القرف والغثيان. في أي مكان يتقيّأ؟جوستينا دلعت لسانها في فمه وضمته .. راحت تتأوه. تتراجع الى الخلف وهبط من السرير إلى الأرض الرطبة، ارتدى ملابسه على عجل، أخرج من جيب سترته الداخلي عشرة جنيهات وضعها على المنضدة الصغيرة. راحت تحدق فيه من دون أن تعلق بأية كلمة. لحظات صمت باردة. لقاء ابتدأ شبه صامت وانتهى كذلك. فتح الباب وصعد درجات القبو.

كان بعد لحظات على الرصيف، بين المشي والهرولة. هرب من كل شيء ولاشيء. لا يرغب أن يلتفت إلى الخلف. يمكن أن تكون هذه آخر مرة يزور فيها لندن. ربما تستدعيه البعثة مرة أخرى عندئذ سيأتي ويرجع بالحافلة وقد أدرك في لحظة هروبة من سوهو أنه يقرف من كل شيء، ويكره ويحب مثلما يرغب سوى أن جوستينا وحدها هي التي تبدو له خالصة النقاء.

9

كانت السنوات والأحداث القريبة والبعيدة تتآكل في عيد ميلاد الأم السنويّ، كلّ عام يكشف عن نكتة جديدة يرويها الزوج الثالث، أو عما يخفى عن العائلة الكبيرة المشتتة من بعض الأمور وفي السنة الرابعة انتبه إلى أن سنيتا التي تكتفي بقدح ماء أصبحت أكثر ذبولا ونحافةولم يفته أن يلتفت إلى نظرة خاصة تلقيها الأم بين لحظة وأخرى على ابنتها التي لا تراها إلا مرة كل عام .. . وسط الجلسة الأخيرة راودته الليشمانيا أكثر من الحاضرين أنفسهم. هم عائلته لكن اللشمانيا طموحه ولا بدَّ أن يضحي بأحدهما على حساب الآخر. استثى سنيتا .. حبّة بغداد تجعلها أكثر تعبا. لايدري ولا يحبّ أن يسأل:هل بدأ السرطان بالكلية السليمة الوحيدة أم أصابها عارض آخر سبب لها الهزال. إلف مازال بحدته وشراسته. الوحيد من بين الحاضرين الذي لا يمكن حَشْره في زاوية ما. بقي فضا وهو الوحيد الذي لا يتغير، الكل يضحك وهو لايزيد عن ابتسامة مشوبة ببعض الكدر .. ليذهب إلى الجحيم أو ينتحر وإن كان أخوك، فأطلقت ضحكة عالية وقالت:لا بأس إنه كاثوليكي بحت يؤمن بمعجزات العذراء وبركاتها لو كان بروتستانيا لفعلها، تأمل لحظة في كلام جوستينا، وشعر بفراغ رهيب، ياترى لو أعاق حدث ما إلف عن حضور عيد ميلاد الأم هل كان لذلك العيد طعم مثلما هو عليه الآن، لايتحدث غير أن وجوده كاف ليبعث الزهو. ليس الغريب أن يشعر بفراغ حين لا يلقي نظرة كل يوم على ذبابة اللشمانية الحمراء ذات الشعر الناعم. ياترى لو وفق لإنهاء بحثه وهو يوشك على ذلك فهل يتجاذبه شعور بالوحدة. كثير من الأشياء الصغيرة والكبيرة لا نحبها لكننا نشعر أن وجودنا مرتبط بها. حقا شعر أن تلك العائلة الكبيرة المتناثرة عائلته هو قبل أن تكون الأم حلقة الوصل فيها. وقبل آخر عيد ميلاد تغيرت الأمور، سيغادر وفي جعبته شهادة الدكتوراه. انتهى كل شيء وحاصر اللشمانيا. انتصر عليها ولم يهزمها .. مختبر وبحث على الورق لعينة جلبها معه من البصرة.

كان يحاصرنفسه ولا مخرج أمامه.

يغلق عليه الدائرة تماما.

والحرب لما تنته ، فهل تحدث معجزة يوم يهبط في مطار بغداد!

مع ذلك أصر على موقفه، عبد العال نفسه كان يأمل أن تنتهي الحرب بعد عام. بضعة أيّام تحولت إلى أسابيع .. والأسابيع أشهر ثم سنوات .. انشطرت. بكتريا لا تقدرعلىحصرها في علبة .. كل طالب بعثة بات يراهن على تلك النهاية وآخر مرة اعتذر عن الذهاب إلى لندن. تحدث في الاجتماع الشهري أن استاذه عين له لقاء مطولا في اليوم ذاته يوم التظاهرة الموعودة في الهايد بارك .. كانت المظاهرات - كالحرب- تنشطر كل عام بهتافاتها ولوحاتها، ولندن تنسخ نفسها مثل بكتريا غير قابلة للفناء. الطلاب صحبوا أصدقاءهم من العرب والإنكليز، وعبد العال يحكي عن سلوك آخر. وليس هناك من شيء أمام نادر سوى بيت يستر العائلة. هل يبيعه أبوه ثم إنه لا يهمه كل هذا الهراء. لايؤمن بالعبث غير أنه لا يرغب أن يهرب من واقع مفروض عليه. وقع ورقة الحزب فكان بعثيا وأصبح في نوتنغهام. التقرير السياسي يقتفي أثره والاجتماعات تلاحقه، ويتابع هو بدوره اللشمانيا كل يوم، وسوف يعود ليخوض تجربة الحرب، خالها تطول فإذا هي ثلاث سنوات تمر وثمة كل شيء كماهو. عالم آخر سيلخصه لها ببضعة عبارات، والأفضل له أن يستوعب تجربة الجامعة. أمك ماتت خلال الحرب ووالدك بعدها بسنتين. إخوتك يانادر توزعوا. أختاك تزوجتا، هذه سنّة الحياة. كل هذا وأنت تستقبل الحصار بمنزلتك الجامعية. رتبة تفرض احترامها، في الوقت الذي طبعت فيه الحكومة الدنانير من ورق عاديّ كان راتبك خمسة دولارات. جوستينا بعد ممارسة البغاء ببضع سنين أصبحت تملك سيارة وتفكر بشراء بيت.

هل ضاعت رسائلك إليها؟

- لا تسافر؟ تسافر في مثل هذه الظروف.

يقول لها لا بد من العودة. من يدفع كفالة البعثة، وليس في ذهنه قط أن يكون أستاذا بخمسة دولارات. ولعله يضحك إذ يذكر لها أن أحد الأساتذة أخذ يعمل بعد الدوام سائق أجرة. إيه جوستينا أحد الطلاب جاءني بخمسة كيلوات باذنجان وكيلو لحم مقابل بعض العلامات أربع علامات. اللحم والخضار أرسلته إلى بيت أختي .. لن أخسر شيئا نحن نعيش ظروفا شاذة، كلّ يمكن أن يبدع وفق طريقته الخاصة .. أما الطالبات اللاتي يشبهن تماما في الشكل دلال فلي حساب معهن.

- إني اعترف لك!

- طيب حبيبي هذا العام لن تحضر عيد ميلاد أمي مارأيك أن نذهب إليها في عيد رأس السنة لأن أختي الصغرى ستقضي الكرسمس ورأس السنة مع صديقها في أسبانيا!

أخيرا نطقت. إنه الحبI like you : انتهت بعد أربع سنوات. لابدّ من أن يمرَّ على المكان نفسه. الكونتسية وقصرها ويرى اللوحات. مرة واحدة في السنة تكفي لأن نرى الأشياء على حقيقتها أو نجدها أضافت حقائق أخرى لحقيقتها الأولى. الزمن نفسه يمكن أن يترك آثاره على الجماد، وكلّ مرة يستقلان الحافلة . يمشيان. يهرولان، ربما يريان الغابات تصغر، وبيوتا جديدة تنهض. ينسى أن هناك حربا، ويضيع الاتصال بينه والعائلة، I love you

I love you so

لكنهما هذه المرة استقلا القطار وغاب عن أعينهما قصر الكونتيسة. كانت السيدة "جوزي" تنتظرهما في الصالة وقد بدت متأنقة في ملابسها وتسريحة شعرها. كل شيء يوحي بهدوء وسكينة ينفجران عند منتصف الليل. الكراسي اختفت، ولم يبق منها إلا ثلاث والمنضدة المستطيلة التي ارتقى عليها ديك رومي وزجاجة نبيذ. كانت الشموع تضفي مسحة من الجمال والهيبة على المكان. جلال يكاد يكون أبديا يتجدد كل عام. احتفال خال من أيّ افتعال. كأنه شعر بهدوء عنيف لغياب الآخرين. حتى إِلْف نفسه، إِلْف الثقيل بأنفته وتعاليه بات يضفي على الحضور السنوي نكهة خاصة. أما سنيتا فمازال يتردد بشأنها .. لا يحبّ أن يطبع على خدها الذابل قطعة لشمانيا ويعرض عن ذكرها. راحت جوستينا تتحرك مثل النحلة وبين فترة وأخرى تحط جنبه وتقبله. تجرأ أن يشدها من يدها ويطبع على يدها قبلة. راودته جرأة غير معهودة فالتفت إلى الأم:

- إن لم يكن هناك مانع هل يمكن أن تخبريني أيا من أزواجك أحب إليك؟!

فاتسعت ابتسامتها وقالت بعد صمت قصير:

- دعني من ذلك لن أخبر أحدا لئلا أعكر مزاج أي من أبنائي لكن أخبرني هل نويت حقا الرحيل في مثل هذه الظروف؟

تسأله عن شيء يبدو ثابتا، السفر والعنف هناك بل الدم. هل يكون جبانا فيفرّ من الموت المتربص أم يبيع أبوه بيت العائلة كي يسدِّد مبلغ الكفالة؟. يرنّ الهاتف، تغادر وتنطق اسما ما .. لا يهمه سواء أكان إِلْف أو أي من أبنائها أو أزواجها:

- لا بدّ من ذلك.

- أيّة حرب هذه تستغرق سنوات أكثر من الحرب العالمية الثانية "وأردفت بحماس "حربنا في الفوكلاند دامت ثلاثة أشهر.

وعقبت جوستينا:

- إنه مصر في حين يمكن أن يجد بيسرٍ عملا هنا!

- ياسيدتي حتى لولم تكن هناك حرب فأنا محكوم بكفالة مادامت الحكومة أرسلتنا هنا فقد اشترطت علينا الكفالة وألا يتزوج أي منا من أجنبية!

فحملقت فيه ثواني وهزت رأسها:

- لكن هذا قانون عنصري!

قالتها وهي تشير إلى بدء موعد العشاء، أما الخارج فقد اندلع في أقل من بضع ساعات فقط، بصخب جديد يعلن عن انصرام سنة جديدة وحلول عام آخر تمثلت بقاياه في جثة ديك رومي ممزقة على الطاولة، وألعاب نارية تتصاعد في السماء تشكل دوائر متباينة وتخبو. وقف الإثنان حول السيدة "جوزي"وطبع كل منهما قبلة على خديهان وتبادلا الأنخاب معها:

Happy new year

يرنّ الهاتف مرة أخرى، تعلن الأم أنها "لويزا" من أسبانيا، سنة سعيدة، وتطل مكالمة أخرى وأخرى، دقيقة تفصل بين عامين وتحتشد بمكالمات من مانستر وليدز وأماكن متناثرة بين العامين القديم والجديد في حين استمر الصخب والضجة والغناء راحا يدوران حول المنضدة ثم يغيبان في قبلة طويلة فيغطي بعدها المدينة كلها صمت طويل.

10

لكن بأية من تلك السنوات يطل عليها؟

بل من أيما سنة يهبط في هذه المدينة التي تتشح أمامه بالضباب ..

الحرب أم الحصار، هذه المرة أتى إلى نوتنغهام بغير عينة من اللشمانيا ولا يحصر أيّ كائن خفيّ بين يديه، لعله يبدأ من حيث يشاء فبعد أن رآى مارآى من قتل وجثث لم تمحها من ذاكرته الأيام. الموت نفسه يخدع. سيحدثها عن جنديّ اقتحم الساتر الترابيّ بعربته المدرعة. مات وبقيت قدمه متصلبة على دواسة الوقود إلى أن اصطدمت العجلة بالساتر فانقلبت. ميت يقود عجلة .. بعض الأمور تبدو غريبة لنفهمها متأخرين، ومن حقّ الآخرين ألا يصدقوها إلا حين يتقمصون الحرب دقيقة بدقيقة. ليست جوستينا وحدها تتهمه بالانفصام أو الكذب فبعض مارآه وأبصره لا يقدر أن يذيعه .. كان يأمل أنه لو قُتِلَ هناك فإنّ هنا شيئا باق منه في نوتنغهام.

حلم ذات يوم :إن عاش فسيبحث يوما ما عن بقاياه التي انفصلت عنه من دون حرب!

كان يمكن أن يختصر ذلك بكلمة واحدة .. سأبقى وليكن مايكون. هناك من تظاهر بحماس يلعن الحرب، ويشتم إيران، ويوم حانت ساعة الرحيل ضرب عرض الحائط بالكفالة وأهله، وقد شعر بالارتياح يوم قالت له ستذهب معه إلى لندن، يمكن أن تعدها إجازة عمل، ساعة أو ساعتين. تركب الحافلة، يزهو بها أمام طلاب البعثة. رائعة أنيقة ذات قوام. تمسك ذراعه. تبتسم بوجه من يطالعهما. أسف لغياب عبد العال الذي التزم بالحضور أمام أستاذه المشرف وهو على ثقة أنه لو رآى جوستينا لحدث عنها حميدة بللوز. اختارا المقعد خلف السائق. كانت تبدو بسلوك راق مثل أية طالبة في الجامعة تنحدر من عائلة عريقة. صديقة لن تنتهي العلاقة معها بالزواج وفق شرط اختاره على مضض. يدها بيده، تهتف مع الآخرين، يعلو صوتها:لا للحرب، stop the war,no to the war متطوّعون ضيوف، عرب وأجانب، أمّا الأكثر خوفا فهم الطلاب الذين شارفت سنينهم في بريطانيا على النهاية. ترآى الحشد لعينيه أشبه بعائلة السيدة"جوزي" الكبيرة العدد حين يلتقي أفرادها في عيد ميلاد الأم وكأن لا علااقة تربطهم سوى أغنية يرددونها جميعهم ثم ينتظرونها في عام آخر . عيد ميلاد سعيد. إيران لتقف الحرب، لكن لو انتهت الحرب لما اجتمعوا، ولما كان هناك من داع للسفر إلى لندن. كانت تقبض على ذراعه وتلوِّح متحمسة باليد الأخرى. غابت عن عينيه اللافتات، ولوحات الأعلان على الحافلات وفوق الواجهات. ice cream لتقف الحرب war should be stop .. سارا في شوارع لاتعنيه وخطرت أمام عينيه عناوين مثيرة تجاهلها، ومثلما شغل فمه وعيناه بالهتاف والنظر إلى اللافتات، تذكر اللشمانيا. انتقلت عيناه إلى الوجوه. دار رأسه يمينا وشمالا وتعمد أن يلتفت مرات إلى الخلف، لا وجه يلوح عليه أيّ تشوّه. وجوه متباينة. لم ير اللشمانيا تلك اللحظة. أين اختفت من بعض الوجوه؟العابرون على الرصيف، ومن توقفوا يتطلعون في التظاهرة لا آثار في وجوههم، وليس هناك من المتظاهرين من ينظر إليهما بفضول فيحسّ من نظراته أنه يعرف حقيقة جستينا، وتساءل هل يُعْقَل هناك أحد من طلاب البعثة يعرفها؟ربما زار أحدهم بيتَ دعارةٍ آخرَ غير الذي تقيم فيه جستينا. فكرة سخيفة تلاعبت برأسه سرعان ماطردها بعيدا وظل يطاردها. ماذا لو بدأ بقبلة طويلة. ضحك في سره من سخف ٍ يدَّعيه ولا يمارسه. وعاد يرددمع الآخرين .. .

- تعجبك لندن؟

كان هناك ثمّة حاجز بينه وبين تلك المدينة العجوزالشابة، حاجز جعله يقرف يوم زار البكاديللي وانسل هابطا درجات وعاد خارجامن ضوء خافت متآكل وصوت يلاحقه أن يعود مرّة أخرى:

- التايمز ومتحف الشمع وأجوار روود .

ومثلما تأتيه الأفكار أحيانا متأخرة، فاجأته قبلتها له حالما انفضت التظاهرة، القبلة التي هم بها وطاردها حتى اختفت .. وبدأ الرفاق يصعدون في الحافلات التي تكدست أمام الهايد بارك .. هي المرة الأولى التي يصحبها، وجودها معه يثبت حضوره للرفيق ، ومشيتها جنبه تعلن عن وجوده أكثر مما لو جاء وحده، فنفث عن صدره عبئا ثقيلا، وفاجأه قولها ثانية فهب من سرحانه:

- أترغب أن نتجول في لندن بضع ساعات؟

ارتسمت على وجهه علامة ما:

مازال يبحث في الوجوه عن تلك الرقعة التي يحاربها كلّ يوم. يمكن أن يعتذر. يجد حجة ما، النهوض مبكرا غدا. حشرة صغيرة. . جرثومة .. فطر لايبين يجعلك تقطع مسافات طويلة كي تحاصره داخل علبة صغيرة. مال طائل يُصْرَف .. أستاذ مشرف يطالبك ببحث. كم أنت عظيمة وحقيرة أيتها الحشرة .. الرفيق مسؤول المنظمة لا يهمه أن تغيب يوما من كل شهر فتشارك في مظاهرة لندن، لتنفضّ التظاهرة الطويلة العريضة بقبلة. من المعقول بعد كل تلك الأسباب أن تقضي ساعات في أماكن لا تعنى بالسياسة والحرب:

- أبدا لا.

ترددت وبعد صمت قصير:

- لن تتكلف كثيرا سأدفع عنك بطاقة العودة!

قال شبه معترض:

- معي بطاقة طالب وسأدفع نصف الكلفة لا تفكري بذلك!

فضغطت على يده وقالت:

- تعجبني تقطيبتك وذلك القتام على وجهك!

وتلاشت من عينيه نظرة حائرة وهما يغادران الهايد بارك. تحاشيا الحديث عن الحرب والرحيل، صحبته إلى ساعة بيغبن، تطلع فيها ببرود. لاشيء يجذبه في تلك الدائرة التي تؤطر الزمن، ولا البرج الذي يحملها. وجلسا على مدرجات النهر عند مقدمة جسر لندن. هل يهرب من الحرب عندها أم يهرول منها إلى الحرب. كان الجو يميل إلى البرودة والغيوم التي على الرغم من كثافتها لا توحي بمطر مازالت تلقي بظلالها على هواجسه، ولعلها تلتمّ وتنهمر مثلما كان عليه المشهد يوم زارا منزل الأرملة السوداء، فيا ترىبعد عام أم أشهر، أين يكون، :

- هل يعجبك المكان؟

قالها محاولا أن يتحرر من أية فكرة تعكّره:

- طبيعتي أحب الهدوء معع ذلك أحن إلى الصخب. أحتاجه بضعة أيام في العام.

وغادرا مدرجات الجسر، فتابعا سيرهما إلى الجانب الآخر، وانحرفا إلى اليمين حيث المرفأ، فأشرفا على زورق ينتظر السائحين. كأنّ خطاهما كانت تقودهما إلىحيث لا يدريان، عام واسع صاخب مفتوح أمامهما .. مشيا طويلا، واستقلا قطار الأنفاق .. صعدا سلّم النفق إلى أجوار رود حيث تناولا طعامها في أحد المطاعم الشرقية. طلبا كبة وكبابا وحساء عدس .. ثرثرا عن نهر التايمز، ومتحف الشمع، وساعة بيغبن. تحدثا عن أشياء ومعالم بعيدة .. عن مشاكل وأزمات يحياها العالم، جعلته جوستينا ينسى اللشمانيا والمختبر، والمظاهرة التي قادت خطاهما إلى لندن، تحدثت خطواتهما على الرصيف أكثر مما تكلما. قبََّلها مرات من دون تردد، كان يحسّ أنه هرب معها إلى مكان آمن. إلى نفسه .. خرج من المختبر وبيت الطلبة فهبط من الطائرة إليها جنب النهر من دون أن يقف في أيّ مكان آخر .. لا أحد يعرفها هنا في هذا المكان الصاخب الواسع:

- هذا اليوم لا يكفي لزيارة معالم مدينة لندن .. المرة القادمة نقصد متحف الشمع أوحديقة الحيوان!

- أجل أجل.

حلم جميل يعيشه بعيدا عن المنغصات، ويأبى المختبر إلا أن يعيده إليه. ينسى فيتطلع في الوجوه لعله يجد علامة بوجه أيِّ عابر يمرّ بالقرب منه:

- مارأيك أن تزوري الجامعة فأريك المخبر وذلك الكائن المخفي الذي جئت إلى نوتنغهام من أجله!

عظيم! أوكي!

أما في اليوم التالي فقد استيقظت مبكرة قبل الساعة التاسعة. جهزت الفطور، وعندما داعبت خده وقرصت أذنه قرصة خفيفه تدعوه لأن يستيقظ لكنه ادعى أن وعكة ما اعترته من أرهاق أمس ، وسيعتذر اليوم للجامعة عن الحضور، ربما ادعى المرض لكنه أراد أن يبقى في الفراش كما لو أنه يغمض عينيه على حلم جميل يخشى أن يهرب منه!

 

قصي لشيخ عسكر

.....................

حلقة من رواية: نوتنغهام

 

 

قاسم محمد الساعديلا شيء بَقِيَ فِي مَكَانِهِ

 فمُنْذُ، هِجْرَتُ فُرْشَاةُ الرَّسْمِ

 وَعِدَّتُ

 كرُخّ يُصَفِّقُ بِجَنَاحَيْهِ

 فَأُوَزِّعُ الأَلْوَانَ كَالفَزَعِ

 وَرَيْثَمَا أَهْدَأَ

 اِبْدَأ 

- ظِلٍّ يَغَارُ مِنْ الضَّوْءِ

- رَعْبَ سنابل لَيْلَةُ الحَصَادِ

- نَمَشٌ عَلَى وَجْهِ القَمَرِ ...........

          سُرْعَانَ مَا يَدَبُّ فِي المَلَلِ

        وَتُصَيِّرُ الفُرْشَاةُ غُصْنَ شَجَرَةٌ فِي الشِّتَاءِ

***

 وَكَمُصَابٍ بِمَسّ

أَمْسُكَ بالفرشاة

وَأُرَافِقُ كلكامش وَخَلُّهِ إِلَى غَابَاتِ الأَرز

وَأَطْلَقَ عنوة سَرَاحٌ

 رَجُلٌ يَشْبَهُ نَفْسَهُ مَحْبُوسٌ فِي مِرْآةٍ

 وَمَاذَا عَنْ وَسَاوِسُ تَكَبُر   !!

 أَأَضَعُ، فَوْقَ بَابٍ المُعَرَّضُ ؟

 قَرِنَ ثُورْ مِنْ النِّحَاسِ

أَوْ نَعْل فَرَسٍ

***

مَزَّقْتُ، لَوْحَةٌ لِظِلَالَ عَلَى الحِيطَانِ

 وَمَخْلُوقَاتٌ ثُنَائِيَّةُ الرَّأْسِ

 لَاشَى مُغْرٍ

سِوَى الوُجُوهِ الَّتِي عَرَفْنَاهَا فِي الصُّغُرِ

***

 لا اهتمُ لرَقَصَات القلق  لِلرِّيحِ

  لِذَا .. لَم أتَحَاشَ رَسْمٌ. ثَلَاثُ لَوْحَاتٍ

 - لِأَعْضَاء جَمْعِيَّة أَصْدِقَاء الجَرِيمَةِ

- نَائِبةُ تَقَفٍ بِخُيَلَاءَ، وَحَقِيبَتِهَا تُلَمِّعُ كَجِلْدِ أَفْعًى

- تِمْثَالٌ سُومِرِيٌّ فِي يَدِ مَهْرَب

 

قاسم محمد مجيد

بغداد المحروسة ... 11-2-2019

..................................

[1]  الرُخّ طَائِرٌ أُسْطُورِيٌّ هَائِلٌ الحَجْمِ، تَذْكُرُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى حَمْلِ كَركَدَنٍّ، وَقَدْ وَرِّدْ ذِكْرَهُ فِي رِحْلَاتِ السندباد البَحْرِيُّ فِي كِتَابِ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ

 

 

رند الربيعيسأرتدي معطف اشواقي هذا المساء

في موعدي معك

سأحملُ كلَّ ملامح الأنوثةِ

بينَ حروفي

فلا تنسَ صرحَ حبّكَ الممرد

أأمر الهدهدَ بغلقِ جفنيه

سأخوضُ لجّته

سدّ عينَ الشمسِ

إنحر الضياء

انثر الظلامَ

سألعنُ مجاعةَ العشقِ

أفخخُ الأرصفةَ بلقاءات حالمةِ

أدعو فراشاتِ شفاهكَ

لترش الندى على وجنتي

تلكَ التي جابتْ فائض القبلاتِ

في الوادي

الهمسات التي تاهت

في غياهبِ ناظريك

دموعي الساقطة على خديك

عقدٌ منفرطٌ في قاف القيظِ

كم هي خائبة الحظ

نسوة يوسف اللائي

لم تريْنَ عينيك !؟

إستحالة أن يحلَّ الشتاءُ

فوقَ مصاطبَ عشاقِ

مواقدهم عامرة باللهفةِ

مازالَ حضورُكَ يَتيَمَّمُ

بفرات عطشي إليكَ

لم يعُدْ سكون روحي

آية عشق أو..نقطة ضوء

في سورةٍ ملأى بدهشة

العناقِ ...

في موعدي معكَ

أحلق بلا أجنحة

أكون قصيدة غزل

في موعدي معك

يصيرُحتى الموت

أشهى

***

رند الربيعي

 

 

جمال مصطفىمَـصَبُّـكِ

قَـبْـلَ الـمـاءِ

يهْجـسـُـه ُ غَـرْفــا

ونهـرُكِ

مُـنـذ الـبَـدءِ

يَحْـرسُـه ُ جُـرْفــا

 

يتـوقُ

ويـبـقى الشـوقُ حَـبْـلا ً يَـمـدّه ُ

أَلأْيٌ

وبَـعْــدَ الـلأْيِ، لأْيٌ

ولا هَـيْــفــا ؟

 

أتُخـفـيـكِ أثـوابٌ

عـن الـعـيـنِ جـوهـراً

أمْ انّـكِ يـا هـيْـفـاءُ

وردتُـهُ الأخـفـى

 

أمـا كـان بـل مـا زالَ

قَـيـّـافَـك ِ الـذي

يُـلَـوّنُ درْبَ الـ أيـنَ

يجـعـلهـا كـيْـفـا

 

كـأنّـكِ يا (حَـبـْـوا) هُ

بـوْحٌ مُـلَــثَّــم ٌ

يُـشـيرُ:

هـنـاك الـبـدرُ مُـكْـتَـمـِلٌ

خَـسْـفـا

 

تَـلَـفَّـعَ كالـمُـنْـسَـلّ

وانْـبَـتَّ سـائِـحـا ً

إلى آخـرِ الـتَـنجـيـمِ

في الـفَـلَـكِ الـمنْـفى

 

الى (عَـنْعَـنـاتٍ)

طـالَ دربُ حـفـاتـِهـا

تُـسافـرُعـيـنُ الـقـلْـب

تَـستـكـشـفُ الـزيْـفـا

 

تَـوَسَّـطَـتْ الـصحـراءَ،

(لَـولاءُ) واحـة ً

تُـكَـنّـى بِـأُمِّ الـنـبـعِ

تـنـزفـهُ نـزْفــا

 

وصُـولاً الى (لُـغْــزى)

ولُـغْــزى قـصيـدةٌ

حـرائـقُـهـا الـشعْـواءُ

لـيسَ لهـا إطْـفـا

 

يَـبـيـتُ مجـوسـيّــاً ويـصحـو

بـنـارهـا

سـؤالٌ،

كـأنّ الـنـارَ تَـدخـلـهُ

كَـهْــفــا

 

صعـوداً إلى (ذروى)

وذُروى كـقِـبْـلَـة ٍ

عـلى جـبَـل الـرُهْـبـان

كَعْـبَـتُهُـمْ صيْـفـا

 

أعالي خيـال ِالـوعْـل

في غـابةِ الـرؤى

تُـطِـلّ عـلى وديـان ِ زلّـتـهِ

حَـتْــفــا

 

يُـنـاطِـحُهـا قَـرْنـاً،

وتُـغـويـه ِ عُـشْـبَـة ً

ويُـرغـِمُهـا أنْـفــاً

فـتَـخـذلـهُ ظِـلْــفــا

 

يُـشـرّقُ تـغــريـبـا ً،

يُـغــرّبُ شـارقــا ً

تَـقـاذفَـهُ الأيـّـامُ ــ مُـسْتَـطْـرِقـاً ــ

قَـذْفـا

 

الى الشرْق إذ (نُـغْـمى)

ونُـغْــمى جـزيـرة ٌ

كأنّ بهـا للـريح

في قـصَـب ٍ عَـزْفــا

 

هـنـا شعـراءُ الأمـس ِ،

أسـمـاؤهـمْ عـلى

زوارقِهـا الـزرقـاء ِ

في مائهـا الأصفى

 

إذا أطـبْـقَ الـمُـحّـارُ :

نُـغْـمـى بـعـيـدة ٌ

وتَـدنـو إذا الـبَـحّـارُ

رَتّـلَـهـا زُلْـفـى

 

(حُـلَـيْـمـى) الـتي :

قَـيْـدُ الـبـنـاء،

قـديـمـة ٌ

مُهـنـدسُهـا للـبَـحـر نـاذرُهـا وقْـفــا

 

يُـشَـيّــدُهـا رَمْـلاً قُــبـالــة َ مـائج ٍ

يَـمـدّ لِـسـانـاً ثُـمَّ

يَـنسـفُـهـا نَـسْـفــا

 

(غُـجَـيْـرى)

كـتَـرحـالٍ،

غُـجَـيْـرى

كخـيـمـة ٍ

كَـفـافُ زمـان ِالحال

يَـنـصبـُهـا ظـرْفـا

 

غُجَـيْـرى

بَـقـايـا الـوَشْـم،

لُـصُّ خَـواتـمٍ

غـنـاءٌ لـوجـهِ الله ِ،

قـارئـة ٌ كَـفّـــا

 

إلى (سُـرَّ مَـنْ أسـرى)

وعـادَ كـهُـدْهُــدٍ

بِـبَـلـقِـيـسِـهِ

واللـيـلُ مـا زال إذ أضْـفى

 

على الوقـتِ لا وقـتـاً

على الضَـمّ شَـدّة ً

عـلى قـدّهـا الـمـقـدودِ

قـبـلـتَـهُ الألْـفــا

 

على الـشكّ لا ريْـبـاً،

عـلى الـماء نَـكهـة ً

ويَـطـعـنُ في الأسحـارِ

طـعـنَـتَـهُ الأوفى

 

يَـمـرّ عـلى (تُـوجـادَ)،

سـيـّـان ِ عـنـدَهُ

أتـوجـادُ

قـُـدّامـا ً تُـلَـوّحُ

أو خَـلْـفــا

 

فـ تُـوْجــادُ

لـيستْ غـيـرَ سـوق ٍ كبـيـرة ٍ

وكـرْمى رَواج ِ الـسوقِ

عـقـلَـنَـتْ العُـنْـفـا

 

تـريـدُ شـراءَ الجِـدِّ،

ذاك صـنـيـعُـهـا

تُريـد شـراءَ اللّهـوِ،

مـا اكثـرَ الـقـصْـفـا

 

هَـفَـوْتَ الى (نَـوْفٍ)

ونَـوْفٌ مـنـيـعــة ٌ

قـد اختَـصفَـتْ بالـسـور

واسْـتـتـرَتْ خَـصْـفـا

 

تَـدورُ

ويـبـقى الـسورُ بـيـنـكـمـا لـظـى

وكـلّ مُـنـاهـا كـانَ :

تـَدخُـلـهـا سـيـْـفــا

 

تُـكَــوّمُـكَ الأقــدارُ ريــشـــا ً

كَــتَــلّــة ٍ

فـيـنـتـفـض الـمـنـقـارُ يَـنْـدفـهـا

نَـدْفــا

 

(أزامِـيـلُ)

في سـفْـحِ الـرخـام : قـبـابُهـا

سَـمـاويّـة ٌ

فـوق الـمُـصـلّي الـذي ألْـفـى

 

هـنـالـكَ

نَـحّـائـيـلَ يَـحـنــو مُـجَـنّـحـاً

مُـكِـبّـاً مَـلاكُ الـنحْـتِ

يَـصـقـلُهـا حَـفـّـا

 

عـلى الـدرب

ضِـلّـيــلٌ يُـفـاكـِهُ ظِـلـَّـهُ :

تَـوَكّـلْ على الـضِـلّـيـلِ

لا تُـوقِـفْ الـزحْـفـا

 

الى (رَوْحَـنـاةٍ)

قَـبْـلَ ـ بَعْـدَ

ولَـمْ يَـزلْ

مُغَـمِّـدُهـا بالـشِـعْــرِ،

رَوْحَـنَهـا حَـرْفــا

 

(دُرَيْـشَى)

سـرابُ الـروح والـمَـدُّ صاعـدٌ

مَـنـازلَ لـلأقـمـار،

كَـمْ قَـمَـرٍ خَــفّــا

 

إلـيـهـا ..

وفـيـهـا صـارَ

بَـدراً مُـنَـزَّلا ً

تُـساهـرُهُ سَـكـْـرانَ :

تَـضـربُـهُ دُفّــا

 

دُرَيْـشى :

انـسـكـابُ الـضـوءِ لـيـلاً

عـلى الـذي

يُـسَـبِّـحُ :

حَـتى الآنَ يَـقْـطـرُ مـا جَـفّــا

 

(تُـبَـيْـغـى) :

دخـانُ الـكـيْـف،

مَـنْ حَـلّ زائـراً

تُـعَـمِّـدُهُ بالـغـطْــسِ في غـيْـمـة ٍ

أنْــفــا

 

(سَـجَـنْـجَـلُ) : مِـرآةٌ

شـفــاءٌ مُـؤقّــتٌ

مِـن الـقُـبْـح ِ،

بعـضُ الـناس يَـقْـطُـنُها

مَـشْـفـى

 

عـلى الـدرب كَـمْ (خـلْـبـاءَ) :

تَخـلـبُ عـابـراً

وعـن (مُـنـتـهـى آبـادَ)

تَـصرفـهُ صَـرْفـا

 

غُـرسْـنَ عـلى الـصـوبـيـن

وردَ غـوايـة ٍ

وكُـنّ ولَـمّــا زلْـنَ

في فـتـنـةٍ حِـلْــفــا

 

طـريـقُ (حَـصى الـفـيـروز) :

ضـربُ مِـلاحـة ٍ

إلى جُــزُر ٍ عـذراءَ،

تـأخـذهُ زَفّــا

 

إلى (زاجِـلاءِ) الأمـسِ،

كـانَ حَـمـامُهـا

رسـولَ بَـنـاتِ الحِـبْـرِ

يُـوصِلُهـا خَـطْـفـا

 

تُـذهّـِـبُـهُ الـشقـراءُ

ريـشـاً مُـجَـنّـحـاً

يـطـيـرُ إذا مـا هَــمَّ

شــانِـؤهُ نَـتْـفــا

 

فَـراراً الى (رَنْـثـى)

و رَنْـثى لَـبـيـبـة ٌ

تَـروزُ بِـقـلْـبِ العـقـل ِ

مَـن هـربـوا خـوفـا

 

أيا قـاصـداً (فُـقْــدى)

أَمـامَـكَ لَـن تَـرى

تَـلَـفَّـتْ تَجِـدْ فُـقْـداكَ

غـاربـةً ً طـيْـفـا

 

وفُـقْـدى :

صدى عـيـنـيـك انتَ دلـيـلُهـا

الى طـلَـل ٍ

تَـرضـاه مِـنـكَ لها وصْـفـا

 

عـبـورُ قـطـار اللـيـلِ

أقـواسَ جـسرهـا

لِـتَـخـتـارَ : هـذا الـنِـصْـفَ

أو ذلك الـنِـصْـفـا

 

عَـشيّـاتُها

والـرقـصُ والـنـايُ والـرؤى

يَـخـفُّ ويَـنـسى الأرضَ

راقـصُهـا الأحْـفى

 

(قُـشَيْـرى) :

قُـشَـيْـراتٌ عـلى الـدرب

حـيـثـمـا

تَـلَـفَّـتَ،

طِـبْـقَ الأصل

منها تَـرى صَـفّـا

 

وقـال دلـيـلي الـشيخُ :

مِـفـتـاحُـك العَـمى

فـقـلـتُ ولـكـنْ،

قـالَ مُـبـتـعِــداً : أُفّــا

 

(جُـذَيْـمى) :

بـلا دربٍ هـنـاكَ،

بِـعـزلـة ٍ

وتـرْسـفُ بالأدغـال مِـن حَـوْلِـهـا

رَسْـفـا

 

ومُـرتـادُهــا

- لا بُـدَّ مـثــلَ نَـزيـلِـهـا -

يَـشقّ مِـن اللادرب دربـاً

ولـو عَـسْـفــا

 

جُـذَيْـمـى

كجـوزِ الهـنـدِ أبـيـضُ لُــبُّـهـا

تـفـيـضُ

عـلى مَـن صار داخـلَها

عَـطْـفـا

 

جُـذيْـمى لِـمَـجْـذومـيـنَ،

عَـدوى قُـروحِهـمْ

تُـداوي جُذامَ الـنـفْـس

مِـن فـرْطِهـِمْ لُـطـفـا

 

مَـدائـنُ فُـصْحى،

الـروحُ يا مـا تَـلعْــثَـمَـتْ

ودقّـتْ عـلى الأبـواب ِ

مُـدنَـفـة ً، لَهْـفـى

 

(فُـرادى)

إليهـا الـناس، كُـلّ مُـرادهِـم :

عـسى أن يَـرى كُـلّ ٌ

هـنـاك لـهُ إلْـفـا

 

(فُـرادى)

لَهـا مِـن كـلِّ زوج ٍ هـديّـة ٌ

عـلى ديـنِ حُـبِّ الحـبِّ،

واجـبـةٌ عُـرْفـا

 

تَحـومُ عـلى (حَـتّى)

أأنـت مُـقـامِــرٌ

و(حتّى)،

الحُـفـاة ُ الـيـومَ تَـغـلـبُـهُـمْ

خُـفّـا

 

قـلـيـلـون مِـن (حَـتّى)

وكـثْـرٌ ضـيـوفُـهـا

يُـدحـرجُـهـمْ كالـنـرد

لاعـبُـهـا الأكْــفــا

 

يُــنـاسـبـُهـــا الـقــرآنُ

حَــمّــالَ أوْجُــه ٍ

وتَـلْـعـبُ بالـصلـبـانِ

تعـقـفُهـا عَـقْـفـا

 

يـسيـرُ كـمـا شـاءتْ

أسيـرُ طـريـقـِهـا

طـلـيـقـاً يَغَـضّ الـطـاءُ

عـن عـيـنهـا الـطـرْفـا

 

(عُـصارى) : خُـلاصـاتٌ

وفـنٌّ وسـمْـعـة ٌ

وغـابـاتُهـا

أوقـافُ سـادنـِهـا قـطْـفـا

 

صَـيـادلـة ٌ

أبـنـاءُ عـطّـارهــا الـذي

تَـعَـهّــَدَهـا شَـمّـاً،

وهَـذبَّـهـا رَشْـفــا

 

فـكـلّ طـيـوبِ الأرضِ

منهـا زجاجـة ٌ

وكُـلّ نـبـيـذٍ راقَ،

في دنّهـا أغـفـى

 

ومنها إلى (هـيهـات)

هـيهـاتَ لـن تَـرى

طـريـقـاً الى (هـيهات)

هـيهاتـكَ الأجْـفى

 

فَـذَرْهـا الى (بُـعْـدى)

وبُـعْـدى غـزالـة ٌ

مُـغَــلّـقـة ُ الأبـوابِ

لَـم تَـلِـدِ الخِـشْـفـا

 

على سُـدُم ٍ

والـضـوءُ يَـلهـثُ خَلْـفَـهـا

بلـمحـةِ عـيـنِ اللهِ

مُـستَـبـِـقــاً

سَـوْفــا

 

إلى

صـمتِهـا العـرْيـانِ

حَـيْـثُ اشتـمـالُهـا

عـلى مُـطـلَـقِ الأسرار

مـرفـوعـة ً سَـقْـفــا

 

سُـباعـيّـةُ ُ الأبـعـاد ِ،

إكْـلـيـلُهـا عـلى

عـروسٍ مِـن الأضـدادِ

شَـفّ ومـا شـفّـا

 

كـ(هـيهـات)(بُعْـدى) :

لا سـبـيـلَ ولا صُـوى

وطـوبى لِـمَـنْ بـالحَـدْسِ

راودَهـا كَـشْـفـا

 

بِـ صُـرّةِ ـ ماذا بعْـد؟ ـ

يَـمُّـمْـتَ حافـيـا ً

تُـلَـبّي نـداءَ الـريح ِ

يا نـورسَ الـمَـرْفـا

 

حنـيـناً الى (رُجْـعـى)

يُـعـيـدُك طـائـرا ً

وَوصْـفُـكَهـا المَـلهـوفُ

أفْـرَدَهـا صِـنْـفـا

 

ظـنَـنْـتَ تَـرى (حَـبْـوى)

رجـعْـتَ فـلَـمْ تجِـدْ

سِـوى

خـيْـبـةٍ خـيْـبـاءَ خاويـةٍ عَـجْـفــا

 

إلى (مُـنْـتهـى آبـادَ)

حَـرّى عـيـونُهـا

تُـشيّـعُ دَمْـعِـيِـيـنَ،

تَـذرفـهـمْ ذَرْفــا

 

وذاك اغـتسالُ الـفـاء بالـفـاء ِ،

بَحْـرُهـا

طـويـلا ً أرادَ الـوَحْيُ

والـوَحْيُ قـد قَـفّـى

 

تَـرى إذ تَـرى بابـاً

وضـادُ ضبــابـه ِ

عـلى الـبـابِ لا تـدري أيَـقـبَـلُهـا

ضيـفـا

 

تَـريّـثْ

ولا تَـنْـزلْ هـنـاك كرافــل ٍ

تَجـرّدْ مِـن الأصـفـارِ

واستَـكْـمِـلِ الحَـذْفـا

 

فـمـا (مُـنـتـهـى آبـادَ)

إلاّ اسـتـدارة ٌ

ولا دربَ بَـعْــدَ الآن :

ثُـعـبـانُهـا الْـتَـفّــا

***

 

جـمـال مصطـفى

 

نور الدين صمودإلــهي! إنَّ (نورُالدين) ِ يــرجــو،

                     طــوالَ العمر ِ، غسلا للمـَآثِمْ

ويطلب أن أقول  لكم بلطفٍ

                             بأن مآثمي مثلُ الغنائمْ

وما إثـْمي سِوى شعري، ومالي

                  بـِأشعاري ِسِوى مَحْـق ِ المظالمْ

ومـا لــي أيُّ ذنــبٍ غــيْــر شعر ٍ

                            بــهِ أرجو لقاء الله سالمْ

وآمَـــلُ أن يكون الشعرُ (نورًا)

                      بدربي في طريق الحق دائمْ

مدحتُ به رسول الله مَــن قـــدْ

                         أتى كالشمس نورًا للعوالمْ

به قد ظل (صَمّودٌ) (صَمودًا)

                         وبالأشعار أرْدَعُ كل ظالمْ

ويعجبني من الأشعار شعرٌ

                              به يحيا فؤاد كان نائمْ

أتانا قافزًا من (أستراليا)

                    شبيه (الكونغرو) كالطير حائمْ

ويأتي في الهجير بماءِ نـَهْـريْ

                       فــُراتٍ أختِ دجلةَ َكالنسائمْ

كريم ِالودْقِ يجــري مثل ريمٍ

                    ويفـْـري مئــزرَ الليل المُهاجمْ

سِـوانا غارقٌ في البحر جهلا

                    وأبقـَى في بحور الشعر عـائمْ

مفاعلتن مفاعلتن فعولن

                 ووافــرُ بحـــرنـــا وَزْنٌ لنـاظـــمْ

وليسَ الشعرُ طبلا فيه قرعٌ

                        ولكنْ مِعْزَفٌ صاح ٍونــائمْ

   *** 

نورالدين صمود

 

رفيف الفارسترنيمة بسيطة

 بمناسبة عيد الحب

 

صغيرينِ التقينا على ضفّتي القمر

عينٌ على الشمسِ

وجَفنٌ ذابَ من السهَر

قلبٌ هامَ شوقا

وآخرُ ينبضُ كالوتر

*

صغيرينِ التقينا

والحقولُ صامتةٌ

والسحابُ يجمعُ المطر

والارضُ ملاذٌ للغناء

والليلُ لم يعدْ ليلاً عند اللقاء

*

صغيرينِ التقينا

رغمَ الخرائطِ والمدى

رغمَ ضجيجِ العمْرِ

كتبَتْ ألواحَنا نجومُ السماءِ

فأشرقَ فينا الوطنُ

رغمَ الرحيل والانتظار

صغيرين سنبقى

ينبِضُ فينا ذلك الوتر

***

رفيف الفارس

 

قادة جليدعند الغروب

وعلى حافة النهر

إلتقيت بالشيطان

رمى حجرا

فرميت حجرا

إبتسم لي

فابتسمت للشفق

*

وقرأت المعوذتين

ومن شر ما خلق

وفي الصباح

وعلى شاطئ البحر

وعلى إمتداد المدى

رأيت جزيرة غريبة

تشبه البيضة

خرج من قشرتها طفل أسود

عيناه كالجمر

وله قرون ثور

رماني بحجر فسقطت

وفي صباح غد إستيقظت

أيقظني الشيطان وهو يضحك

وقال لي، هذا حجرك إن كنت تذكره

فأبنائي ليس لك عليهم سلطان

فالنهر لي ، والبحر لي والبراري

وكل هذه الشطآن

إذا ابتسمت أمامك فلا تبتسم

ولا تقرأ شيئا من الكتب القديمة

فلم يعد ينفع توراة أو إنجيل أو قرآن

***

الدكتور قادة جليد

 

يقظان الحسينيجناح ُ قُبّرة ٍ جَريح ْ

يوخز ُ جَمرَة ً، توخز ُ جَمرا ً

لا رماد في المناقل ِ

يستريح

2

الكَرّة ُ هذه ِ

يدي لم تتلمس ْ أثقالا ً

فوق أضلاع ٍ تُكابد

سيولا ًمن اليأس ِ

تلتهم ُ الأشياء َ

غير آبهة ٍأن أصدقها أو لا

3

الى أيٍّ جهة ٍ تشير ُسَبابتُك َ؟

أقلَّ قساوة ٍ من دوار الأَدّلة ِ

لا السُحُب ُ التي مرّت تعود

ولا التي مَطَرَت ْ

لغة ُ الموت ِلا تعرف ُ اللهجات

4

لا تُكَلَّم الكلمات

هي لا تَرد ْ

ليس لها نبراتهم

كتبوها على عجل ٍ أو ترو ٍ

لا سطور لهم تَدِبُّ

ولا صفحات بها يتنقلون

5

لا تصدّق أيّها المصباح، ناحلة ٌ ذؤابتك َ

خفوت َ ليل ٍ بليد ْ

ولا رحلة َ ظهر ٍ كسير

إشغل ْالأوجاع َ بأشياء أخرى

كأن ترّش َ بضوئك َ الأخضر

أنحاء الرواق ِ التي لم تكتمل

فتنحني الجدران

مشفقة ً عليك

6

قال َ النّاي ُ

هذه ِ نوافذي , لا ثقوب َ لها

يرتادها الضوء ُ

أصواتها ترحل ُمحنية الظهر ِ

لا تعود

7

وأنت َ نّاي ٌ لا يئِن ُ ولا يغني

الى أيِّ صوت ٍ تهرع ُ؟

جمرة ٌ في القلب ِ

على مرِّ الرياح

8

رِفقا ً أيها القلب ْ

بهذه ِ الجمرات

لا رماد َ لها يهذي

***

يقظان الحسيني

 

نبيل عودةلم يكن ابراهيم يدخل الكنيسة الا في المناسبات التي لا بد منها. لم يثر ذلك انتباه أحد. حضور ابراهيم او غيابه لا يشغل بال المصلين. ابراهيم، كما يتندر بعض سليطي اللسان، هو التجسيم البشري الكامل لقانون الحاضر غائب. حضوره لا يلفت الانتباه وغيابه لا يغير من الحدث شيئا .هو أفقر سكان البلد ولكن ليست مشكلة الفقر هي السبب، فبعض الفقراء لهم حضورهم ورأيهم. ابراهيم اذا حضر لا ينبس ببنت شفة. لا راي له، لا مجموعة يقف معها، لا يتبادل الحديث مع أحد، لا شيء يتحدث به اذا شاء الحديث الا سوق الحديد الخردة الراكد، ومن يهتم بهذا الفرع؟ وربما لم يسمع به أكثرية ابناء البلد. حتى الخوري لم يحاسبه على غيابه، بل يظن البعض ان حضوره صلاة الأحد لا يلقى ترحيبا من الخوري أيضا، لأن حضوره نافر للأجواء الكنسية ويشبه نبتة بلان شائكة في بستان زهور.. رغم ان احدا لا يقول ذلك من منطلق ان تعاليم المسيح التي لا بد لكل من يدعي الايمان، ان يلتزم بها لا تميز بين الناس، وتطويباته المشهورة بدأت ب: “طوبى لفقراء الروح فان لهم ملكوت السماوات”.

كان ابراهيم تاجر خردة، يتاجر بكل ما هو قديم وبال، يجمع ما يجد بالشوارع من قطع حديد او صاج بال، ليبيعه لتاجر من المدينة يحضر مرة كل شهر، وبالكاد يربح ما يسد رمق اولاده الثمانية، وزوجته حسب أقوال نساء الحارة : “امرأة في حبل مزمن”. رغم ضيق ذات اليد، الا ان الله باركه بزوجة لا تلد الا الصبيان، وربما هو الأمر الوحيد الذي يحسده علية أهل البلد. ولكثرة الأولاد مستعدة زوجة ابراهيم دوما للقيام بأي عمل يطلب من بيوت البلدة الموسرة، تنظيف، تعشيب الأرض، شراء احتياجات النساء من السوق، مقابل بضعة قروش وبعض الأرغفة والملابس القديمة. وعدا الثمانية، أطال الله عمرهم ووهبهم الصحة والطعام، فقد ثكل ابراهيم وزوجته اربعة أطفال، ويقال ان سبب موتهم قلة التغذية، الأمر الذي حرك عواطف الجيران، ومن يومها لم يتوقف الجيران عن ارسال ما تيسر من طعام زائد، او بعض الخضار والفواكه التي بدأت بالذبول الى زوجة ابراهيم لتقيت اولادها.

لا يعرف أحد سببا لعدم مشاركة ابراهيم وزوجته صلاة أيام الأحد. وكان هناك شبه اتفاق بالصمت، بأن لا يحثوا ابراهيم على ضرورة الاهتمام بالمشاركة بصلاة الأحد من أجل اكتمال دينه. حتى الخوري الذي لا يمل من القول ان الله يحب كل ابنائه بالتساوي، لا فرق بين غني وفقير قوي وضعيف، لم يحاول حث ابراهيم على التواجد في الكنيسة أيام الآحاد.

كان أكثر ما يخيف الخوري ان يؤدي تواجد ابراهيم بينهم بثيابه الرثة، ورائحة عرقه المثيرة للامتعاض والضيق، الى مشكلة، يتوقعها بتفكيره، من انفضاض المصلين من الجلوس بقربه، وربما عدم عودتهم لصلاة الأحد، الأمر الذي سيترك أثره الكبير على صينية التبرعات النقدية يوم الأحد، وكان الخوري يجد الجواب لنفسه بقوله:” لعل في ذلك حكمة ربانية”. ان مصروفات الكنيسة تتزايد مع ارتفاع الأسعار، وحتى سعر الكهرباء صار يحتاج الى “لمة” يحث عليها الخوري في موعظته كلما تلقى وصلا جديدا.

ومع ذلك، والتزاما بتعاليم المسيح، كان الخوري لا يستثني ابراهيم وعائلته من زياراته لبيوت أبناء الطائفة، لمباركة البيت وأهله والدعاء لهم بالصحة والفلاح. وحمايتهم من كل مكروه، وان يبارك الله بيتهم بالذرية الطيبة، وبالوفرة والوفاق. لم تكن زيارة الخوري تسبب الفرح للسيد ابراهيم، ولكنه يخفي ضيقه، ويستقبل الخوري بكل ترحاب، بل ويجمع أولاده ليباركهم الخوري، ثم يبحث في جيبه عن بضعة قروش ليضعها بيد الخوري، الذي يمتنع من أخذها في البداية من منطلقات معرفته لواقع هذا البيت. ولكن ابراهيم يصر ان لا يخرج الخوري مفشلا، وان المسالة ليست بقيمة ما يقدم لأبونا الخوري والكنيسة، انما هي تعبير رمزي عن التقدير الكبير لجهود الخوري في ايصال الرسالة للمخلص يسوع المسيح ان يشمل ابراهيم وأولاده بعطفه ومحبته وخيراته.

صحيح ان الخوري كان يزور بعض البيوت أكثر من غيرها، ويقيم صلوات أطول مما يقيمها في بيوت أخرى. والأقاويل تتردد ان السبب هو التبرعات السخية التي ترد لصندوق الكنيسة من أصحابها.

وهكذا مضت الأيام .. والأشهر والسنوات .. وكأن الرتابة هي قانون لهذه الحياة. وما عدا موسم الزواج الذي يحل كل عام مع حلول الربيع، وبعض الوفيات، لا شيء يشغل الخوري إلا الحفاظ على رابط مع جميع رعيته في البلدة.

ولكن الرتابة كسرت.

في ظهر أحد الأيام استيقظ الخوري من قيلولة الظهر على صوت بكاء وصراخ غير بعيد عن كنيسته.

سارع الى الخارج ليعرف ما حدث، فوجد ابراهيم ملقى على الأرض، والدم ينزف من أنفه، ويبكي ويصرخ بحرقة بشكل هستيري يصعب فهم ما جرى له. وحوله تجمع العديد من عابري السبيل وأصحاب المحلات المجاورة، يحاولون ايقافه على قدميه، ومسح الدم عن وجهه، وهو يجلس مذهولا يبكي بحرقة وألم .

- ما الحكاية؟ سال الخوري.

- بعض الزعران اعتدوا عليه وسرقوا نقوده وهربوا .

قال الخوري بشيء من الغضب مجيلا نظره بمن حوله :

- ولم يساعده أحد ؟

لم تكن ضرورة للجواب. الصمت كان جوابا مجلجلا. مد يده لابراهيم :

- تعال يا ابني .

استجاب ابراهيم ليد الخوري وقام ذليلا باكيا، وقاده الخوري الى غرفته الملاصقة للكنيسة.

أسعفه ببعض الماء ومسح الدماء عن انفه ووجهه، وغاب للحظات في غرفة ثانية، وعاد ليدس بيد ابراهيم بضع ليرات. ملمس النقود أجفله فتراجع رافضا المال. ولكن الخوري أصر مذكرا اياه ان وظيفة الكنيسة رعاية الفقراء، والفقر ليس عارا. وان هذه النقود من أجل اولاده، وليسامح الله اولئك الزعران لأنهم لا يدرون ما يفعلون.

بعد تلك الحادثة دخل ابراهيم في صباح أحد الأيام، القى التحية بهز رأسه على الخوري والمصلين، وركع لدقائق طويلة امام أيقونة للسيد المسيح معلقا على الصليب، كان يبكي بمرارة مخفيا صوت بكائه، وخرج بعد ان قام بالتصليب ثلاث مرات، وخرج كما دخل لوحده، ومن بعدها اختفى ابراهيم من الحارة ومن البلد .

حتى نساء الحارة لم يلاحظن اختفاء ابراهيم وزوجته واولادهما الثمانية.

تناقل المصلين اقاويل كثيرة عن اختفاء ابراهيم. وانه قام بالصلاة لمرة واحدة في الكنيسة قبل اختفائه، وتمنى الجميع ان لا تكون مصيبة قد نزلت به هي السبب وراء اختفائه . ومضت الأيام وبدأت تتوارد معلومات عن ابراهيم، من الصعب ربطها بإبراهيم ابن بلدهم، البعض يقول انه شاهده في المدينة القريبة يجلس بجانب سائق شاحنة كبيرة محملة بالحديد الخردة. وانه كان يرتدي ملابس جديدة، ويبدو أصغر من عمره بعقد كامل. شك البعض بأن الحديث لا اساس له وان ما تناقله البعض عن رؤية ابراهيم من المؤكد انه شخص آخر.

ويبدو ان قصة ابراهيم قد طويت. لم يعد يذكره أحد. عادت حياة البلدة الى مسارها الطبيعي، وكأن ابراهيم لم يكن له وجود بينهم في يوم من الأيام.

ذلك النهار الربيعي كان عاديا. الخوري يجلس على شرفة منزله يقرأ كتابا، وامامه صحن فواكه . وهو يتمطى تحت شمس الربيع الدافئة. حين سمع قرعا خفيفا على باب منزله. لم يتأكد من ان احدا يقرع باب بيته، أنصت ولم يسمع القرع من جديد. وعاد ليقرأ في الكتاب، ولكنه لم يكد يقرأ كلمتين حتى عاد يسمع القرع من جديد، وهذه المرة أقوى. فقام متمهلا ليرى من الطارق.

فتح باب منزله، على شخص ببدلة من الجوخ الإنكليزي الفاخر، تفوح منه رائحة عطر ذكية، نظر اليه من رأسه الى قدميه، ولاحظ حذائه الأسود اللامع، بالتأكيد من نوع فاخر كملابسه. كان الطارق يقف هادئا، ومبتسما ابتسامة خجولة. لوهلة خيل للخوري ان الوجه مألوف له. بل مألوف جدا. لا ليس من المترددين للصلاة يوم الأحد. هل هو قادم جديد للبلدة؟ الوجه قريب جدا من الوجوه المألوفة للخوري. ولكنه متأكد ان فيه تغيير ما.. وفجأة لمعت الصور جيدا بذاكرته، سأل مترددا:

- ابراهيم..؟

- أجل يا أبونا انا ابراهيم نفسه

- تفضل يا ابني، أدخل. أهلا بك في بلدك وبيتك.

مليون فكرة التمعت بثوان في ذهن الخوري. ما تناقله بعض أهل البلد عن ابراهيم الذي شاهدوه في المدينة القريبة يبدو انه صحيح . ربما هذا ابراهيم آخر؟

- قل لي يا ابني، انت ابراهيم نفسه ابن بلدنا، الذي غادرنا قبل سنة؟

- انا ابراهيم الذي مددت يدك له بالمساعدة حين وقف الجميع متفرجين على زعران يعتدون علي ويسرقون ثمن خبز الأولاد. جئت ارد اليك الدين الذي في رقبتي.

- انها قروش قليلة يا ابني.. والمصلين لا يبخلون على صندوق الكنيسة.

- انه دين كبير يا ابونا، تفضل..

ومد يده بورقة شيك للخوري.

- يا ابني ما ساعدتك به ليس دينا، انه واجبي…

وصمت الخوري وهو يتأمل المبلغ الذي كتب على الشك.. اجال نظره بين ورقة الشك وابراهيم، عاجزا عن ايجاد كلمات يعبر فيها عن الموقف الذي وضعه فيه ابراهيم بورقة الشيك. وبعد صمت قصير وجد جملة مناسبة:

- انه مبلغ كبير.. كبير جدا.. عشرة الاف ليرة مرة واحدة؟

- انه ديني للكنيسة .. ولأهل البلد الذين لولا ما تكرموا علينا به لمات اولادي من الجوع.

- ومن أين كسبت هذه الأموال؟

- منذ ركعت في الكنيسة لوداع البلد، فتحها الله بوجهي، أصبح الحديد الخردة تجارة مربحة، اليوم لدي عدة شاحنات وعدد من العمال، اشتريت بيتا، والمسيح فتحها في وجهي بعد ان رجوته في صلاتي الوحيدة ان يتطلف بي وبالأولاد .

- وانا كاهن واصلي يوميا بإخلاص عدة مرات .. ولكني لم احلم ان اكتب يوما شيكا بقيمة عشرة الاف ليره..؟ بالكاد نسدد اثمان الكهرباء والماء والتنظيف.

- واوصيت للكنيسة على مكيفات هوائية سيحضر الفنيون لتركيبها غدا.

- كيف من صلاة واحدة، ورجاء واحد وصلت الى ما وصلت اليه، وانا الخوري المؤمن والذي يصلي كل نهاره وليله ويطلب ان يفتحها الله بوجه كنيسته لا نحصل على ما يساعدنا في تغيير مقاعد الكنيسة مثلا ؟

- الصلاة ليست بالكم، ولا بالصراخ والصوت المرتفع، ولا بالشكل الذي نظهر به في الشارع وليس بملابس غريبة عجيبة. الصلاة يا أبونا الخوري من القلب، والقلب لا يغير شكله ولا قوة دقاته واذا كان الله كما تصفونه فهو قادر على سماعنا وقراءة تفكيرنا.. وسأغير مقاعد الكنيسة على حسابي.

- ولكني اصلي بصمت ومن القلب، وعدة مرات كل يوم؟

- يبدو انك ملحاح يا ابونا الخوري، هل تظن ان الله لك وحدك؟!

 

نبيـل عـودة

 

سعد جاسمهلْ أنا مَنْ صيّركِ غابةً

تحتشدينَ بكلِّ هذا البهاءِ والخضرةِ والجنون؟

هكذا أراكِ أنا

واقفةً بنداكِ وعطوركِ وصهيلك

تبتكرينَ ربيعاتٍ لأجلي

وتهطلينَ بغيمِ الكلمات

فتتعالى الارضُ شجراً مستحيلاً

وتتخلقُ عصافيرُ الدهشةِ

وكلّما أخصّبكِ بملائكتي تزدادينَ فرحاً

وفراسةً وفتنةً .. وتفيضينَ ينابيعَ وانهاراً

فتعاقرُك النوارسُ ... والأيائلُ تتعطرُ بمسككِ

ونرجسكِ وجلناركِ ...

ويتوهّجُ الجمرُ الذي أوقدتُهُ فيكِ

من نارِ اصابعي

ولهبِ لساني

ولذا احياناً تستحيلين عنقاءً ساحرةً

ونافرةً

وصابرة

على بروق وحرائق انتظاري

*

ياااااااااااه ...  يا أِنتِ

من أينَ لكِ بكلُّ هذهِ الطاقاتِ

لإبتكارِ الأحلام؟

من أينَ لكِ بكيمياءِ الأملِ؟

من أينَ لكِ بمزاجِ العواصفِ؟

ومن أينَ لكِ بغموضِ الصحارى؟

ومن أينَ لكِ بأُمومةِ الحليبِ؟

انت لاتشبهينَ سوى الحبِّ

تباركَ بكِ الحبُّ

***

سعد جاسم

 

 

حسن حصاريضِيـاءْ

ويااااا أنت ..؟

أيتها النجْمة العابرةُ

 لكونٍ لا تنتهي

فيهِ النهاياتُ

إلا نهاياتي

من أوقدَ الله لكِ

 في القلبِ

شعلة الموتِ

في وهْج ماءِ عينيكِ

ها أنا كسيزيفٍ منفيٍ

أحملُ عبءَ

كلَّ هذه الأنفاسِ المُعتكفةِ

في مِحرابِ

 صفوِ روحك الأبديةِ. 

أنفـــاس

آه، لو تدركين، كم بحثت عنك.

في كل أمكنة الصمت المحروسة،

في كتبي القديمة،

في صور أخذناها معا،

قبل ألف سنة

قبل الطوفان..

وأنت هنا راقدة،

 كأميرة ضيعتِ التاج

في القلب قــلْبا.

فكم يكفيني من نبضات

بداخلي ..

 لتدوم سحرا أنفاسُك 

لتستيقظي..

حُلمُ عُبورٍ إلى القلبْ

 وَلأعبُرَ

 لذاك َالقلبِ،

طالمَا تمَنيْتُ

أنْ أكونَ قطرةَ ماءٍ شفافٍ

في نَهر الشوْقِ إليه.

قطرَةٌ بأجنحةٍ منْ ريحٍ

تعْلو عَلى المَطرِ

متى ما تبخرَ ماءُ النهرِ

وارتَوى منْ يديْه

وغَدا غيْما

بلوْنِ عيْنيهْ.

ولِأعبُرَ

عُبوري الأخيرَ،

أجدُني طيْفا

 بِلا لوْنٍ،

تعبُرُني كلُّ الأحْلامِ

وَلا حُلمَ لِي،

أعبُرُ بِه

إلى ذاكَ القلبِ،

هُوَ قلبٌ

ينْبضُ فِي قلبي.

***

حسن حصاري