محمود سعيدكاد الرّعب يقتله ما إن فتح عينيه، بدأ قلبه يدق بعنف، ما هذه؟ ركّز النّظر نحوها، لم يرَ مثل هذا الحيوان من قبل قط. فكّر قليلاً. رأى صورة شبيهة. أهي خنزيرة بريّة! لماذا كبيرة هكذا. تبدو عملاقة. قربه، على ظهرها تشخر، قوائمها القصيرات مفتوحة إلى الخارج، بطنها يندلق عظيماً كقربة ماء، تنـزّ عرقاً وقبحاً، شهباء متربة، موحلة، عيناها مغمضتان على رمص أصفر منفّر اتّخذ مسرباً يابساً لبضعة عشر مليمتراً تحت العينين المطبقتين، صدرها يعلو وينخفض كمنفاخ عملاق، بينما لمعت حلمات أثدائها البيض في جانبي البطن منتظمات على صفين، بارزات تلمع في ضوء الشّمس، هو أيضاً كان متمدداً على ظهره، بينهما أقل من مترين.

حدّق نحو السّماء، فضاء في دائرة الضّوء المثلومة، تحّددها ذؤابات البردي، لم يتذكّر أولّ الأمر سوى انفجار القنبلة التي مزّقت القارب بمن فيه، طوّحت به عالياً كالطّير، لماذا أغمض عينيه حينما أصابه الألم الأكبر في جبهته؟ ما يتذكره أنّه ردّد وهو يعلو متوجساً النهاية: (مِتنا.) نعم. كان موقناً بالموت. ثم سقط. يتذكّر أنه أحسّ بارتجاج جسده العنيف. توقع أن يسقط في الماء، لكنّه قُذف على شيء أشبه بالفراش اللّين. أهي قصيبات البردي التي يضطجع عليها الآن؟ ثم غاب عن الوعي.

فاجأه انفجار القنبلة، كان يراقب ذؤابات البردي، أشبه بحشائش مدببة، سهام ترتفع فوق الماء أكثر من متر، خفف العريف من سرعة القارب، بدأ البردي الهشّ يصطدم بأسفل القارب، طفق يستعدّ للنزول، علّق الغدارة على كتفه الأيسر، والحقيبة على ظهره، صعد ليقفز، وجهه نحو غابة البردي، ظهره إلى رفيقيه في القارب، قال: يا الله! ثم حدث الانفجار، الدّمار، الطّيران، السّقوط، غياب الوعي، ترى ماذا حلّ بهما؟ حيان؟ ميتان؟ من يدري؟ كل شيء محتمل،

ظنّ أنه مات، لكنّه حيّ. ثم تذكّر انه أفاق بضع مرات على أصوات الخنانيص الصّغيرة، لم يدرك أول الأمر ما هي! أصوات وحركات حسب، قرب إذنيه، وجهه، كل جسمه. رطوبة تلعق وجهه، شيء ليّن بمصّ إبهام يده اليمنى المفروشة على صدره، مداعبة رضيع، أكثر من حيّ! حيوات صغيرات، تتبارى، تنتفض تملأ الفضاء حياة وحيوية، لكن نقيق الضّفادع كان غالباً على كل صوت، آلاف الأصوات، لا بل الملايين، تردّد، دفعات، لازمات، ذبذبات، أيعقل أن تكون لهذه المخلوقات الصّغيرة تلك القدرة الجبّارة على امتلاك هذا الكون الشّاسع؟ هدير دبابات؟ مكائن طحين؟ شاحنات ديزل؟ قطار سريع؟ لا، لا يمكن لشيء أن يشبه هذه الضّجة أبداً.

غرق في رائحة البردي، رطوبته، عفنه، رائحة تقتحم الخياشيم، رطوبة من دون برد تغرق ظهره، شعر قذاله حتى منتصف رأسه تحت الأذنين، حدّق بالسّماء مرّة أخرى، فراشات سمر تميل إلى السّواد، صغيرات بحجم الذباب تتبارى فوقه، تحط على كل بوصة من وجهه، جسمه، تحطّ لحظة ثم ترتفع، تترك المجال لغيرها، تتحلّق في دائرة لا تنتهي، ملايين الفراشات تحتلّ الجوّ، تظلّل قصيبات البردي، تهوّم خالقة جواً سحرياً، هلاميّاً يكوّن بتشكيلاته الخرافية بلسماً يخفّف من ضجيج نقيق الضّفادع الرّتيب الصّاخب. وقف خنوص صغير على صدره، التّقت عيناهما، ربما فتح الجفن وإغلاقه جذبت أنتباه الخنوص، طفق يلعق حنكه، لم يكن قبيحاً كأمه،جلد ترابي يميل إلى الصّفرة، لم يكن طول الخنوص أكثر من عشرين سنتمتراً، سميناً يتبختر، ثم نزل إلى الأرض، بدا واخوته لقصر أرجلها وكأنها تسير على بطنها، كانت تلهو في ضوء الشّمس القويّ، ترضع ثواني، تتناطح، تصعد على جسمه، تلطع كل شيء عار من أعضاءه، وجهه، يديه، أذنيه. ألسنتها ورديّة رقيقة خفيفة، أسمك قليلاً من ورقة وردة، لكنها ذوات مسامات واضحة، وحركات لا تهدأ، تداعبه، تنطح خده بخطمها المرطب دائماً، خطم حوافيه جادة كأنها قصت بسكين، أعينها صغيرات أشبه بخرزات صفر لامعة، كانت تشع مرحاً عابثاً، عكس الأم النّائمة، تفيض قبحاً مجسماً يغرق الجزيرة الصّغيرة.

ماذا لو استيقظت الخنزيرة ودهمته؟ ارتعب، دق قلبه بعنف ثانية، حرّك رأسه إلى الأعلى، ألم ثقيل في جبهته،

نعم، في جبهته، لا بد أنه مجروح، قفز ضفدع أضخم من كف يده فوق وجهه، ترك على ملامحه رطوبة مقزّزة خضراء، مكث ثانية ثم نزل تبعه خنوص، لكن الضّفدع هرب، اختفى بين طيات البردي، تحت أشعة الشّمس.

ماذا يفعل؟ كيف ينجو؟ اعتلى خنوص آخر صدره، توجه نحو الإبهام، اندفع يمصه، دغدغه، وأد ضحكة على الرّغم من تقزّزه، ابتسم، سحب إبهامه، لحقه الخنوص الصّغير، طفق يلعب مع الأصابع، ينطحها، يعضّها بلثة خالية من الأسنان، يتنفس بصوت كأنه أنين ورقة تتمزّق، ظنّ حركة الأصابع لعبة، تبعها بإلحاح أنى تحركت.

بدأ خنوص آخر يلعق جبهته، أحس بألم مفاجئ، التّهب الجرح كالنّار، دفع الخنوص من دون شعور، إذن يداه سليمتان كلتاهما! حرك رجليه بهدوء كي لا يوقظ الخنزيرة. غمرته فرحة كبرى، حرّك ساقيه قليلاً وبتحفظ. الرّجلان سليمتان أيضاً، أجبهته وحدها مصابة إذاً؟ لا بد أن الجرح ليس بكبير وإلا لنزف كثيراً، تحسّس بأصابع يده اليمنى موضع الجرح، خفيف غير غائر، لكنّه طويل، طول سبابته، لا ليست شظيّة القنبلة ما جرحه، كان مات، لابد أنّها غدارته حينما سقط! لكن أين هي الآن؟ رفع رأسه قليلا مرة أخرى، ساطه ضوء الشّمس القوي، أغمض عينيه، آلمه الجرح من جديد. عضّه العطش والجوع، ماذا يفعل؟ لكن أين الغدارة؟ أين الحقيبة؟ أين المزادة؟ نظر إلى السّاعة، التّاسعة وعشرون دقيقة، يعني أنه ظل فاقداً وعيه أكثر من ثلاث ساعات، لابد أن الضّربة كانت قوية على الجبهة، كان الجزر في أوّله آنئذ. سيأتي المدّ في الخامسة عصراً، لابد أن يفعل شيئاً لينجو، لكن كيف؟ وهذه (الهامة) أمامه؟

رفع جذعه قليلاً، هجمت عليه ثلاثة خنانيص وهي تشخر، أعين جذلات لامعات، صعدت على بطنه وصدره، تزاحمت، كانت تتشمم كل شيء، تتنشق بصوت الورقة المشقوقة بذلة القتال الخضراء المبقعة، تعضّ أصابعه بلثات لحمية مليئة باللعاب، ملابسه، أزرار بذلة القتال، أبعدها برفق عن وجهه، رجعت وبإلحاح، علت أصواتها مع نقيق الضّفادع، اجتذبت رنة الفرح في الصّوت اخوتها، كثر العدد، أصبحت ستة خنانيص، أحاطت به من جميع الجوانب، أخذت تنطحه من كل الجهات، تداعبه، تدفعه لقهقهة كادت تفلت من الأسر. بعد لأي رأى جزءاً من نطاق الغدارة يخـتفي تحت رأس الأم، ماذا يفعل؟ يا له من سؤال!

قبل أربعة أشهر وخلال نفس اليوم الذي تسلم فيه شهادة الهندسة قُصفت البصرة بشكل استثنائيّ ولمدة زادت على أربع ساعات متواصلات، نكّت صديقه: ‘‘يا لكثرة احتفالاتهم، يشاركوننا حتى في احتفال التّخرج’’ كانوا يتوقّعون هجوماً جديداً على المدينة؟ بدا كل شيء محتملاً، في الحرب كل شيء متوقّع، لكنّه لم يتوقّع مهما اشتطّ به الخيال أن سيأتي يوم يحتفل به مع خنازير وهو جائع، وحيد، بعيد، جريح! والأفظع من كل شيء أنّه لا يستطيع أن يتخلص من هذا المأزق البسيط، حيوان خطر لكنّه نائم!

قرّر أن يرفع خنوصا ويرميه على أمه لتستيقظ، لا شك أنها ستذهب إذا استيقظت! ماذا يبقيها هنا؟ لكن عليه أن لا ينهض، يحب أن يبقى مستلقياً، أنتصاب الجذع ربما يعني في نظرها استفزازاً، من يتكهن برد فعل حيوان يدافع عن صغاره؟ ماذا ستفعل خنزيرة ذات نابين حادّين إن استفزّت؟

رفع الخنوص الصّغير من بطنه، ظن هذا أنه يداعبه، فتح فمه الخالي من الأسنان، حرك قوائمه الصّغيرات بمرح، كان بطنه أبيض ناصعاً، شعره زغب وبري لم يصبح إبراً حادة كشعر أمه بعد، رماه على الأم وهو متمدّد، لكن الرّمية لم تكن قويّة، فتحت الخنزيرة عينيها الصّغيرتين المرمصتين. احمرار دمويّ يختلط بالسّواد، شخرت بجفاء، دفعت الخنوص بقوّة جعلته ينقلب على ظهره، أغمضت عينيها من جديد، استمرأ الخنوص اللعب، جرى نحوه مرّة أخرى، وهو يصدر أصوات مرحة وكأنّه يغني، تبعه الباقون، رماها بخنوص آخر، لكن بشكل أقوى، فتحت عينيها هذه المرة بغضب، شخرت، لكنّها لم تنظر ناحيته، ظلّت على ظهرها، قوائمها مفتوحات نحو الخارج، بطنها منفوخ كقربة مليئة بالماء، استمرأ الصّغار اللعب، هجموا عليه. لكن ما الخطوة التّالية؟

عاد نقيق الضّفادع يسود الجو صاخباً مقرفاً مشوباً بشخير الخنزيرة وصغارها، كان عليه أن يبقى ساكناً مادامت عينا الأم مفتوحتين، ظلّ يراقبها، كم استمر ذلك؟ لم ينظر إلى السّاعة، لم يحرّك أي ساكن، أخذت اللحظة تعدل ساعة، ربما لولا نقيق الضّفادع لسمعت صوت تنفسه، نعمة من الله.

ثم لحظها تتحفّز، أسمعتْ شيئاً لم يسمعه؟ لابدّ. شخرت بقوّة، فجأة استوت على قوائمها أسرع من البرق، غاصت القوائم في ركام البردي المنتشر على الأرض الليّنة، نظرت باتجاهه، لكن فوقه بقليل، نحو ذؤابات البردي، صوّتت بعنف، توقفت الخنانيص عن اللعب، استدارت. جعلت ظهرها نحوه، كاد ذيلها الذي تفرّدت شعراته الشّهباء أن يلامس صدره، سارت بهدوء تحيطها خنانيصها، تغوص الأرجل في البردي، آنذاك سمع صوت طلقة قريبة من رأسه، جفل. ارتجف. الصّوت جافٌ قوي ساخن. يعني أنها انطلقت من قريب. عند ذلك ركضت الخنزيرة هاربة وصغارها وراءها، اعتدل أراد أن يلتقط غدارته. لكن عموداً نبت بلمح البصر، حال بينه وبين الغدارة، عمود بشري، قفزة أسرع من الوميض، شبح! خيال وهميّ! جنيّ! لا إنه بشر حقيقيّ! من أين جاء؟ كيف قفز؟ حدّق به، أطول منه بنحو خمسة عشر سنتمتراً. مئة وثمانون، خمسة وثمانون! عملاق بالنّسبة إليه، يبتسم بانتصار المقتدر. بزة القتال تختلف، الشّارات كذلك، غطاء الرّأس أيضاً، طاقيّة صوفيّة من ‘‘ الكاكي’’ متنافر الوبر، ‘‘ قمصلة ’’ عميقة اللون، خضراء، مفتوحة الصّدر، تقاطيع سمر جذابة. حذاء جندي ثقيل أسود، عينان بنيّتان تقدحان، هتف بالإيرانية مع إشارة أمر بالانبطاح.

لم يصدّق سامر ما يحدث، أيّ يوم هذا؟ زفر بحرقة، يا للشؤم! يومه الثّاني بعد التّدريب في الجيش ينتهي هكذا! صرخ الإيراني من جديد. أجبره على أن ينبطح على وجهه هذه المرّة. وضع حذاءه الثّقيل على أعلى كتفيه، الغدّارة قرب رأسه. أي حركة يفجّر رأسه. حظّ تعس، أوّل واجب عسكريّ له يقع فيه أسيراً، لم يرمِ طلقة واحدة! سمع كثيراً عما يفعلون بأسرى الحرب! سيعذبونه، سيجردونه من ملابسه، سيتركونه طيلة الليل عارياً في شتاء ثلجيّ، سيجبرونه على شرب البول من المرافق، إن لم يمت من التّعذيب، فسيجمد في الثّلج، وإن نجا من الثّلج، سيموت مريضاً من شرب البول. يا لمصيرك الأسود يا سامر، انتهت حياتك، انتهت أحلامك! مدّ الإيراني يده إلى حقيبة وراء ظهره، سحب حبلاً أخضر، طفق يُعدّه لربط يدي سامر من الخلف، لكن الحبل طار، زلزلت الأرض تحتهما، فجأة سقط الإيرانيّ على سامر، غطى رأسه وأعلى كتفيه. كاد يختنق، لكنّه أحس بقطيع خنازير هائجة ضخمة تندفع فوقهما، كانت عيناه مفتوحتين، ومن الفتحة الصّغيرة التي أتاحها الفراغ بين جسد الإيراني والأرض رأى سامر أمامه عشرات الأرجل القصيرة تتقافز بسرعة مجنونة، تملأ الكون، مندفعة لا يوقفها شيء، سرعة عاتية، قطار أهوج. عبدت بأرجلها الثّقيلات طريقاُ داخل غابة البردي والقصب الهشّ، فجأة أنتهى إعصار الخنازير كما بدأ، أخذ صوت دبيبها يخفت بشكل تدريجيّ وهي تبتعد.

حرّك سامر رأسه، أفقد زلزال الخنازير توازن الإيرانيّ، كادت أظلافها القويّة تمزّقه، بصعوبة أزاحه سامر من فوقه، قلبه على ظهره، كان لا يزال يتنفس. الحمد لله، جراح تثخنه، تمزّقت ‘‘قمصلته’’ الثّخينة. سرواله في أكثر من مكان، الدّم يسيل من تحت صيوان أذنه، من رأسه، أنفه، أعلى كتفه، طارت طاقيته الصّوفية الوبرية، أحدث كلُّ ذلك في ثوانٍ؟ أصبح خصمه العتيد كتلة من اللحم لا حراك لها في أقلّ من دقيقة واحدة! أي مصادفة حميدة. ليحمد الله، لو لم يكن فوقه لحلّ به الشّيء نفسه. ربما كان مات، من يصدّق عدوه أنقذه؟

رأى على بعد عدة أمتار حقيبة الإيراني، وأبعد منها قليلاً غدّارته نصف مدفونة بالبردي المتعفن، رأى أبعد منها ببضعة أمتار المزادة. شرب قليلاً من الماء. يده ترتجف. كان الزّلزال لا يزال في داخله. يقلقل وجوده، يرجّه، مسح وجه الإيرانيّ بكفه. كان لا يعي ما يفعل، تساءل مع نفسه، لماذا لا أهرب؟ الفرصة سانحة، لكن ممن أهرب؟ من مريض؟ تجاهل الهمس. ظلّ يمسح دماء الإيرانيّ. متى رأى هذه التّقاطيع؟ أين؟ الملامح مألوفة، كأنه قريب، صديق، لكنه عامله بخشونة! وضع ‘‘بسطاله’’ الثّقيل على كتفيه، هو الآن جريح. لم لا يهرب؟ ممن؟ من الخنازير! لا. سيجد سلاحه، لن يخاف أحداً بعدئذ. لماذا لا يرجع إلى قاعدته؟ لكن كيف؟ حتى أنه لم يعرف من أين أتى! الظّلام سائد عندما صعد فجراً إلى زورق الدّورية. قبل يوم واحد، البارحة، حينما التّحق بوحدته سألوه فقط إن كان يجيد السّباحة، هذا كل ما في الأمر.

العريف وحده يعرف المسالك المائية وسط محط الهور حيث تضيع المسافات، الإحداثيات، العلامات، لا شيء غير ممرات ماء متقاطعة متوازية، تضيق، تنفرج، مياه تحيطها قصيبات البردي من كل جانب، مياه لم تكشف عن لمعانها إلا بعد إقلاعهم بساعتين. مجارٍ تبدو سوداء في الليل، ممرات لا تنتهي، تلمع فيها نجوم متناثرة كحبات لؤلؤ منفرطة فوق قماش أسود، ثم أخذ السّواد يقلّ حتى بدأ سحر ممرات المياه يغرق في شفافية حالمة تحت ندى لذيذ وبرد غير قارص.

والآن ما العمل؟ العريف مختفٍ. هو حرّ لكنّه لا يعرف الطّريق. العدوّ مريض. كيف ستهرب؟ أستموت من الجوع وسط الخنازير؟ فتح الإيراني عينيه، التّقت نظراتهما بعد شرود، قال وهو يئن: أما زلت هنا؟ لمَ لمْ تهرب؟

صعق سامر، هتف فرحاً: أأنت عراقيّ أم من عربستان؟

-  من البصرة.

-  لماذا إذن معهم؟

تأوّه وهو يحاول أن يتلمس جروحه:  سُفرنا قبل سبع سنوات، سنة 79، رمينا كالكلاب عند الحدود، مات نصف أهلي من الجوع، المهم يجب أن تسرع في الهرب. سيأتي أفراد فصيلي بعد ربع ساعة، إنهم يعرفون مكاني ومكانك، شاهدنا انفجار زورق دوريتكم فجراً، نحن الذين رصدناه، أعطينا المدفعية الإحداثيات، أهرب قبل أن يأسروك.

ارتجف صوت سامر: لا أعرف أين أتجه!

أغمض الجريح عينيه، يغالب الألم، أنَّ بتوجع: ساعدني على النّهوض.

اجتازا بضعة أمتار من البردي، كان يتكئ على سامر، اقتربا من حافة الماء اللامتناهي، قال: إنه خطأي، مهما يكبر الإنسان فهو طفل لا يستطيع تجنب الأخطاء، أثرت الخنازير عندما أطلقت الرّصاصة. فعلت ذلك من دون تفكير، خشيت أن تظن الخنزيرة أنني أقصد الأذى بصغارها فتهاجمني وتهرب أنت أو تقتلني، أردتها أن تهرب فأثرت خوف القطيع.

ضحك سامر: حتى لو رأيتك لما قتلتك، لم أضع في عقلي القتل مطلقاً.

حدق به الجريح جاداً: لابد من القتل، أقتل أو تقتل، إنّها الحرب، العالم يحكمه الخنازير، يهددون البشر كلهم.

توقف برهة، ثم أشار إلى الشّرق: أنظر تلك الجزيرة، تستطيع أن تخوض إلى هناك، الماء ليس عميقاً، سيبدأ المدّ بعد خمس ساعات، إذا مشيت بجد فستصل إلى قاعدتك بعد أربع ساعات، توكل على الله، لا تضيّع لحظة واحدة، هيَّا، لماذا يرسلونكم؟ هذا القارب الخامس عشر الذي ينفجر وينتهي طاقمه! إنّهم يعلمون أنّنا نعد لهجوم من هنا، ليس الأمر سراً، فلم يضحّون بكم؟ كل يوم قارب يسير إلى حتفه، أتعرف السّباحة؟

-  نعم.

-  إذن هيّّا، خذ معك حقيبتي فيها طعام وماء يكفيك يومين، في أمان الله.

-  لكن تلك الجزيرة قريبة، لا تأخذ أكثر من ساعة.

-  صحيح، بعدها توجه نحو الشّمال، جزيرة أخرى، ومن هناك استدر نحو الشّرق أيضاً ستصل جزيرة صغيرة فاتجه نحو الشّمال برهة قصيرة، عندئذ سترى الطريق إلى الغرب، وسيقودك إلى وحدتك، احذر الخنازير، لا تستفزّها.

قال ذلك ثم سقط من الإعياء.

-  قلت لك أسرع، إن سمعت الرّمي أغطس في الماء، أتعرف كيف تعد قصبة للتنفس؟

-  نعم.

-  كم سنة لك وأنت في الجيش؟

- يومان فقط.

- يومان ويرسلونكم إلى الموت؟

أحس سامر بقلبه يجيش عاطفة نحوه، أراد أن يعانقه، يصافحه في الأقل، لكن هذا هتف وعيناه تدمعان: قلت لك أسرع، لا تضيّع ثانية.

ثم أكمل وبصوت متهدّج، وهو يراقب سامر يخوض الماء رافعاً غدارته وزوادته إلى الأعلى: كم لعنت نفسي!

***

محمود سعيد

1984

 

مادونا عسكرهو،

جرفٌ عليمٌ عطشان إلى كأس سقيم

غمرٌ عاشقٌ ظامئ إلى كنف ظلّ عليل

تباشير الخلق

عاشق ومعشوق

نهر عظيم النّور

يهدي ويهتدي إلى خزف الماء

أنتَ،

إناء الخزّاف

أرجوحة النّور والنّار

تهتدي إليه

عند بزوع أولى البواكير

-2-

عينان على الأزرق المتدلّي

تجادلان حرفاً

مشرّعاً

على البدء المبتدأ به

عينان معناهما

الأكوان تشهدُ جريان الزّمنِ

الخارج عن الزّمنِ

لا دهشة إن

جمّت البئرُ

واستفاق النّبيّ على مآسي النّبوّة

وغالب الموتَ بحروف الملح

المتشبّثِ

بكنف الماء

عصف شديدٌ

وينتهي إلى لجّة الوصلِ

ويغدو الكون حلماً

قديماً

أو شكّاً

محتملاً

أو لحظة عابرة

في فقه الحياة

-3-

إذا تجلّى النّور ذات وحيٍ

هوى الدّجى

خاضعاً ذليلاً

فكيف رأى السّانح

بركات الغضب

في هيئة تقديسٍ

ومثال تنزيهٍ

كيف طوّع الظّلّ

قبل انبلاج الشّمس

وجعل سراجاً ضريراً

دليلاً

وسبيلاً

لمنسحقي القلوب

إذا تراءى الضّياء برهةً

هام القلب في الغربة الخاشعة

فكيف ارتضى المبارك

فناء التّراب

في جريمة النّار المتّقدة

إذا أشرق النّور

أمعن في الإشراق

ذرّ سناه

حتّى لا يُسمع أنين

البعيدين

ولا يفتخر القريبين

***

مادونا عسكر/ لبنان

مامون احمد مصطفىلريما

كل المسافات

كل الثواني

وكل البدايات

ككون مشدود من ثرى الأرض

للثريا

في قبة سماء

في رحم مظلل بسماء

وسماء

وزيتونة الفية

تمسك الازمان من كلها

من نهايات النهايات

**

"2"

لريما

كل شيء ممكن

مباح، حر، طليق،

نسر يحمل الأرض من أطرافها

يلملم الأوراق من رحم صخرة صماء

ينثر المجهول فوق الربى

يجمع المعلوم في قلب الصدى

ارجوحة من فل وحبق وياسمين

توزع اللمى على صفحات الشمس

تغرس براءة الطبيعة

بياض زهر اللوز، حياء الكرز

تورد الجلنار، عطر المريمية،

فوح الندى، شهيق التراب

في ابتسامة تشق الضوء

تفور، تكتظ، تزدحم بالنور والنوار

**

"3"

ريما

قطعة القلب، كل الكبد،

لهفة الانتظار على أبواب الغيب

شهقة الانتصار على المخبأ

في كأس الوجود

كتلة من نسيم طري

تعرفها الطيور رغم المسافات

رغم البعد، رغم الضباب

**

"4"

ريما

آنية من خزف مطعم بذهب

بفيروز، لازورد، ياقوت،

ماس ومرجان

رحلة النهار في العتمة

الظلام، النور في الدموس

النهوض من عدم مدفون بعدم

الى سقسقة العصافير

شقشقة الفجر الممزوج برائحة الخبز

برائحة الناس المحملين بالتوق

بالشوق والاشتياق،

بالرجاء المعصور من الروح

بالحلم المنصهر بالأمل

بالدفق، بالنماء، بالوجود،

بالميلاد المولود من ميلاد

بالحياة المحشوة بالحياة.

***

مأمون أحمد مصطفى - النرويج

..................

مهداة الى ابنة ابني احمد التي وصلت الدنيا كمهاجرة من رحم كان يغلفها بالطمأنينة الى حياة تترجرج وتهتز وتتصادم وتتمخض. أي الى مجهول ينتقل من مجهول.

 

ريكان ابراهيمأتخجلُ من سجيّتها بَغيٌّ

إذا ألقتْ عن الوجهِ

النِّقابا؟

أيُرجى برَّ والدهِ لقيطٌ

فيُحسِنَ في مسيرتهِ

الثوابا؟

أيؤمنُ ذئبُ قاحلةِ البوادي

على غَنمٍ بها الراعي

تغابى؟

أيخفضُ ذيلَهُ كلبٌ فينسى

الذي وسَمتْ وِراثتُهُ

الكِلابا؟

أيُشْفى حاسِدٌ من طبعِ لؤمٍ

به يَرجو لصاحبهِ

مُصابا؟

أيُمحى القُبْحُ من وَجْهِ الغواني

فيُبْرِئنَ المَباسِمَ والرِّقابا؟

أيكتسِبُ الرجولةَ في مشيبٍ

فتىً قد كانَ مأبوناً

شبابا؟

أينسى ثأرَهُ جَمَلٌ صَبورٌ

وإنْ جَرَّعتَهُ سُمَّاً

وصابا؟

أرى ما قُلْتُهُ طبعاً أصيلاً

ومَوْرُوثاً قديماً

لا اكتسابا

ويَصدقُ ما نقولُ على رجالٍ

سِياسيّينَ قد بَلغوا النصابا

فلا تأمَنْ سياسيّاً لأمْرٍ

وإنْ طابَ الحديثُ بهِ

وحابى

فقد يُعطيكَ من يده ثواباً

ويُخْفي تَحت عِمّتهِ عِقابا

وعِلْمُ النفسِ أخطأ حِينَ سمّى

السياسيّينَ

أبطالاً صِلابا

وهُمْ مرضى

شفاؤهمُ عَصيٌّ

فمَنْ وَرِثَ الشبابَ

عليهِ شابا

ومدرسةُ السُّلوكِ بما تُنادي

به كذَبَتْ ولم تبلُغْ

صوابا

ومَنْ عَشِقَ السياسةَ وهْوَ

شيْخٌ

فيعني أنَّهُ شيخٌ

تصابى

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

عبد الله الفيفيأَيُّ عِيْدٍ مِنْكَ أَضْحَى 

                أَرْوَعَ الأَعْـيَـادِ عِـيْـدا!

لَوْ تَهَجَّـتْـهُ اللَّـيَالِـي 

                 بَرْعَمَتْ فَجْـرًا قَصِـيْدا

تَفَّحَتْ صَيْفِيْ: ثُغُوْرًا، 

                   وخُــدُوْدًا ، وقُـــدُوْدا

وجَرَتْ مَوْجًا مِنَ الدَّا 

                نَاتِ، تُـوْمًـا، وفَـرِيْـدا!

             **

كُـلُّ أُنْـثَى ثَـارَ فـيها 

               يَوْمُها الْـ أَضْحَى عُقُوْدا

لَـوَّنَتْ مِنْ مِرْشَفَـيْـهِ 

                 شَـفَـةَ الصُّبْـحِ الوَلُـوْدا

بِـغَـدٍ دَانِـيْ السَّماوا 

                    تِ تُـرَبِّــيْــهِ وَلِــيْـدا

لم تَـعُـدْ فِـيْهِ أَثـَاثـًا، 

                  لابْـنِ آوَى، أو ثَـرِيْـدا

لم تَـعُـدْ فِـيْهِ ذَكَـاءً 

                  شَـهْـرَزَادِيًّـا بَـلِــيْــدا!

              **

فِـيْهِ فِتْـيَانُ الحِمَى تَغْـ 

                  ـرِسُ لِلْـحَـقِّ البُـنُـوْدا

لا سَبَـارِيْتَ تَـرَى فِيْـ 

                  ـهِمْ ، جَبَانًا أو حَقُـوْدا

يُشْرِعُوْنَ الأَحْرُفَ الأُوْ 

               لَـى إلى المَعْنَى صُعُـوْدا

وعلى اسْمِ اللهِ مِنْ «لا 

                شَيْءَ» يَبْـنُـوْنَ وُجُـوْدا

يَتَحَدَّى في «زَمَـانِ الـ 

            ـفَصْلِ» بالوَصْلِ الحُدُوْدا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

صحيفة المثقفالمرء هشٌ

كرقاقات خبز

خبأتها الامُّ ..

بانتظار الإدام ِ

المرء هشٌ

يموت في كنف البيت

فردا

أو في اشتباك الزحام ِ

وفي لجة البحر

يقضي

أو بصحراء باردة الضلوعِ

فارحم فديتك ضعفا

تغلغل في الدما ......

حتى العظام

وجنبنا الخصومة من لئام ِ

المرء هشٌّ ... زجاجٌ

يُخشى عليه

من الصدى والصدام ِ

اجمد فلعل عفوا

يحلُّ فينا ربيعا

من الألى والأنام

نضام فيها جياعا

وان شبعنا نضيمُ

يُجار فينا صغارا

فان كبرنا نجورُ

حتى نواري القبورُ

فخّارة من تراب

تعثو بغير لجامِ

يزدان فيها الضميُر

فيمن لديه ضمير

وربما بعض ود ...

اخوة كالعداء

تصيبها المزن غيثا ... صواعقا

من غير ضوء وماء

فها هنا الافق قيظ

أو قامة من جليد

تلتف في محض وهم

مرقع

غلالة

تملصت مذعورة

من الغطا

والسماء ِ

***

سمية العبيدي

مالكة عسالمُدّي يديك يا أمي

من ثنايا القبر .. واصفعي

من زاغ عن العَقد الرباني

وهات حكمة منك تدنيني

ونصحا بصبر أيوبَ يغشاني

ظِلنا في الأفْق صار أسودَ

وعلى الرمح تكسرت الأماني

سُقتُ نفسي

 نحْو مَرْجنا الأخضر

أنزع اليابس من الأغصان

لأرمّم شرْخ قلب

ترنّح بسُحْت الأحزان

رمتُ باهتمامي ردُّ الماءِ للغدير

وتثبيتَ أواصر، أرهقتْها يدُ الأزمان

رفْقاً بسحنة الأجداد

أصونها بذُلّي

 حتى لا تذروها ريحُ النسيان

فحرارة النفس أجهدتني

ليظلّ كوكبُنا ساطعا في عنفوان

تراني أظلم نفسي

وأكبدها رهَقا .. بالمشقة والأشجان

فالظل الذي لمّنا يا أمي

توارى ..

تُرى .. من قصف خيطَنا

فتبعثرت حباتُه في جهالة الأركان؟؟

ذُدْتُ عن رحِم.. كي لا يتمزق

حتى ..تعبتُ من تكاليف جرح

في البدن تضخّمَ.. وفي روحي أنساني

بي همّ حبلِنا السّري يشتَدّ متناً

لكنّ الضرب يا أمي.. في الصخر أعياني

سريرتي.. لصنو قديسةً اصطفاني

ومَجّا.. لآخر في التّرعة رماني

دُكّها يا أخي وعلى تلّها

 حطّمْ شقائق النعمان

ومزّقْ عُهدة الأسلاف

ومن شرائطها

 اصنعْ زعانف للريح

تسبحْ قشّة في الأكوان

طوبى لشقيق نناشد طيفَه

يختال في ربانا..

وتبّا لمَن .. مِن الذاكرة

أذابَ نفحة الجذور

في سيْل من دُخّان

***

مالكة عسال

 

انعام كمونةما كان ينفك مغزلها من نحت الأنامل حطبا لموقد الشتاء، وهي الصائمة مذ زمن الصوف البارد معفرة الروح بتنهيدة غبارا نديا، يتفطر كحل عينيها اسراب ضياء تلامس خفقان العمر زهوة تعب بقناطير السلوى الملحمية الوداعة، تزفر قيظ أحلامها صفصافة نبض تعوم بشجن ضفاف خشنة المواسم، تضفر فتيل الشموع زيتا  لقناديل العتمة، تصوغ الوان الشفاه من ضوع شحيح دهلة لسد رمق تنور الجوع باكتاف قناعة ...

هي سيدة الطين تحوك وشاح الحرير من ورد الأماني وتلبس الرث البالي، تزخر برائحة الصبر من بخور الظمأ فيعانقها كحل الفجر طيفا يسكب نبيذ حلمه ريقا لأفواه البردي، ليكتسي لونه الذهبي خمرة خبز تنتشي من كفوف هور الحنان، توقد نار وجعها من غروب النعاس لتهتدي قوارب اللهفة الضالة لكرم فنجان الضيافة فتهدي فردوس الأمان تحت خيمة القصب الذابل، تهدهد سبخ اللقمة على قدم بحر مهاجر لمد يباس، يحرق انفاس الحرث ونبضات نسل الجبين، فتحصد تبن السنين مكافأة هباء لأنين الانتظار، هذه سيدة الخيرات تضوع عجفا بظل آهات النخيل، ويلتهم مستنقع الأفاعي تبر الأصيل .

***

إنعام كمونة

 

باسم الحسناويتوضيح:

أوضِّحُ الفرقَ بينَ الحبِّ والذلِّ،

           لا سيَّما عند شَخْصٍ شاعرٍ كَهْلِ

أنا أحبُّكِ يعني أنَّني رجلٌ

               أحقُّ محترفٍ للحبِّ بالوَصْلِ

يعني كذلكَ أنَّ اللهَ ميَّزني

       فليسَ في الكونِ شخصٌ رائعٌ مِثْلِي

هم يعشقونَ أذلّاءً نساءَهمو

               وإنَّني شامخاً أهواكِ كالنخْلِ

وربَّما كانَ لي مثل الورى ولدٌ

              وانَّني مثلهم أحنو على نجْلِي

لكنَّني ناظرٌ إن كانَ كوكبةً

             من النُّجومِ وإلا ليسَ من نسْلِي

إني منحتُكِ بَعْلاً من سنا قمَري

           فبوركَ القمَرُ المَطْعونُ من بَعْلِ

        **

قدستُ أشيائي القديمة

في كفِّها نهرُ الفراتِ، ودجلةٌ

             في كفِّها الأخرى ولاتَ عراقِ

قلتُ استجيبي للعناقِ فأرهصت

                   بعناقِها لولا وأدْتُ عناقي

وإذا أردنا أن نعانقَ بعضنا

                     لعناقِنا نسعى بلا أعناقِ

أنا راغبٌ فيها بكلِّ نبوَّتي

                   لكن أمعراجٌ بغيرِ بُراقِ؟

ما لي سوى الشفتينِ من وطنٍ ولي

               علمٌ يرفرفُ من سنا أحداقي

قدَّستُ أشيائي القديمةَ كلَّها

             وعلى الجديدِ أنا قذفتُ بُصاقي

         **

خلاف

لسنا بمتَّفقَينِ فيما نشعرُ

                 أنا أندبُ القتلى وأنتَ تكبِّرُ

كبَّرتَ من أجلِ الحروبِ تشنُّها

                   علماً بأنَّكَ عن إلهِكَ مدبِرُ

لو كنتَ تقصدُ أنَّ ربَّكَ حاضرٌ

                فعلاً بحربِكَ ما رأيتُكَ تفخَرُ

أنْ قد قتلتَ الألفَ في يومٍ وفي

             يومَينِ، بينا ألفَ شخصٍ تأسِرُ

الحربُ بنتُ الكلبِ تكرهُ بعلَها

               ومن الطبيعيِّ الخؤونةُ تفجرُ

يهتزُّ من طربٍ متى قدّامَهُ

           تزني الحليلةُ.. بئسَ هذا المنظَرُ

ويشاءُ إقناعي بأنَّ القحبةَ

          الشوهاءَ من ماءِ السَّحابةِ أطهَرُ!

       **

بطولة

أنا ملكٌ يبكي بكلِّ بطولةٍ

      فما ليَ من شعبٍ سوى معشرِ الدَّمْعِ

أقاتلُ أهلَ الزيغِ من أهلِ ملَّتي

    فهم بَصَري من دون شكٍّ وهم سَمْعي

إذا ما تشهَّيتُ النساءَ وجدتَني

     تزوَّجتُ أنثى من بني السيفِ والنطعِ

أنا لا أظنُّ الحبَّ ظناً وإنَّما

             إذا ما أنا أحببتُ أحببتُ بالقطعِ

وليسَ مهمّاً حين أصبحُ نخلةً

               إذا لم أكن إلا المسافةَ للجذعِ

ولا فرقَ بين الماءِ والنبعِ إنَّما

            نضحتُكَ ماءً فانتميتَ إلى نبعي

         **

في ذكرى الحرب

أتحاولُ الآنَ الوقوفَ على الجحيمِ

                  لكي ترى أبناءَكَ الشُّعراءَ

ماذا يهمُّكَ من توهُّجهم بتلك

                    النار ما دامَ الدخانُ نساءَ

هم يشربونَ خمورهم في قعرها

                 حتى إذا سكروا بدوا أشلاءَ

فكأنَّهم خرجوا لتوِّهمو من

                الحربِ التي لا تقتلُ الأعداءَ

بل تقتل الأخَ والصديقَ بنَبلِ من

               شربَ الأخوَّةَ والصداقةَ ماءَ

يا ليتَ من شاءَ الدفاعَ عن الحمى

                    ببطولةٍ فتكت بنا ما شاءَ

أبطالَنا الأمواتَ قوموا جانباً

                   حتى نرى أبطالَنا الأحياءَ

                **

الأحرار العبيد

هم الأحرارُ أجمعُهم عبيدُ

                      شعارُهمو نفيدُ ونستفيدُ

لقد ركضَ الزمانُ بنا سريعاً

                     ولكن قطُّ ما قربَ البعيدُ

نعم نمنا طويلاً في كهوفٍ

                    إلى أن ملَّنا الزمنُ المديدُ

ونحمدُ ربَّنا أنا مددنا

                    ذراعَينا ليذكرَنا الوصيدُ

وإلا لم نجد كهفاً لنومٍ

                 على حجمِ الكسالى أو يزيدُ

وأنّا كلَّما عهدٌ تقضّى

                     فذا من نكسةٍ عهدٌ جديدُ

                 **

إعلان

باسمي وباسم النهر أعلنُ أنَّنا

                لسنا لأن نبكي على استعدادِ

بل نحنُ من فرحٍ نزفُّ كلامَنا

                 في موكبِ الأولادِ والأحفادِ

لنقولَ شيئاً واحداً هو أنَّنا

                متفائلونَ بقتلِ حرفِ الضادِ

فيكون رمز نضالِنا وجهادِنا

                    في أمةٍ خلقت ليومِ جهادِ

إن تفتخر فلها افتخارٌ بالذي

             اضطهدَ الجميعَ بخطَّةِ استبدادِ

إياكَ لا تخدع بظاهرِ مدحِها

                   للراغبينَ بلحظةِ استشهادِ

لو كانَ حقاً مدحُها ما سلَّمت

                   شرفَ البلادِ لخسَّةِ القوّادِ

                ***

باسم الحسناوي

 

عدنان الظاهر1ـ الترعةُ في واديها أوهامُ

تتشظّى.. تتباعدُ شأواً شأوا

الجُرمُ الفالتُ سهواً إقدامُ

لا ضيرَ تقدّمْ

حولكَ لا شئَ سواكا

فيكَ الخُلوةُ ملأى

فيها ما فيها للقاصي والداني

فيها شوكُ البرِّ وقرُّ شتاءِ الجيلِ الآتي

سلّمْ وادخلْ

السابقُ أولى لولا أنكَ تخشى

تصطنعُ الأعذارَ وتجري خلفكَ زَحْفا

ما نفعُ الغُربةِ تُفنيكَ حطاما

لولا ما فيكَ هناكَ لما شَنْفتَ الأسماعا

خففْ غُلواءَ مَضاءِ التجريفِ القاسي

الأبعدُ محجوزٌ جُرْفا

لا ظُلّةَ لا راحةَ تحت نظارةِ حرِّ الشمسِ

عَلَناً باعوكَ وباعوا مثواكَ وجاروا

فمتى تحرثُ أرضا

ومتى يأتي الباقي طوْعا؟

**

2ـ طفّوا ..

طفّوا الأنوارَ وشيلوا أطرافَ المسرحِ للأعلى

ماتَ القنديلُ وضاعَ الفصلُ الأوّلُ والثاني

ضاقا ذَرْعا

لا مِنْ أثرٍ للمُشرفِ والحاكي

ما قيمةُ إسرافي طَرْقاً بالبابِ

ما جدوى إلحاحي

أطفئْ باقيكَ وسلّمْ مفتاحكَ للجارِ

هذي الطبعةُ لا ناسخَ يُنهيها

إطبعْ أخرى

قلّبْها عَرْضاً طولا

ما ضرّكَ لو جدّدتَ الذكرى

"الطاقةُ لا تفنى"

إدمجْ صوتَ البوقِ بصمتِ الكابوسِ المُستشري

إيّاكَ وحدِّ الموسى طَعْناً هيّا

هيّا نرفعْ أنخابَ حِدادِ الأركانِ السودِ

نرفعُها راياتٍ للنصرِ!

**

3ـ هَرَجُ الفجِّ عميقُ

قارِبْ واشددْ أبراجكَ قوّمها

حرِّكْ أغصانَ التبرِ لئلاّ يسّاقطَ زيتونا

رأسُكَ مفتاحُ الحلِّ النابتِ في أرضِ النجوى

شوكاً ونجوماً وخُزامى

فتمَهلْ وافصلْ رأسكَ عمّا في رأسي

عنوانُكَ مشؤومُ

لا ينفعُ إلاّ للبائعِ والشاري

والضاربِ في دجلةَ فأساً من نارِ

**

4ـ بيني والمُهرَ الناشزَ هولاً فرقُ

يمضي والقبّةُ إنذارٌ مسبوقُ

يا نجمةَ صُبْحٍ أزرقَ فوّاحِ

أنعشتِ سماءَ الأفُقِ الأعلى ساحاً ساحا

يوحي فالبوحُ سلاحُ التوقِ المُستشري قدّاحا

إني رائيكِ وأنتِ القَدَحُ الساقي أرواحا

أضرمتِ سوادَ اللُجّةِ قُلتِ سلاماً

ما جدوى ردّي إنْ قُلتُ سلاما؟

التوقُ الضاربُ سوطاً في ظهري

يُحصي أنفاسَ شموعِ الليلِ الماشي خَلْفي

شدّي أضلاعَ الخزفِ النازفِ إحراقا

هذا بَصَري في مِحجرِ سابقةِ الإنذارِ

لا حدَّ يضيقُ وراءَ الآفاقِ شِقاقا

أو يطغى عِملاقا

مهلاً يا ساقي

النجمةُ أحداقُ الأقداحِ

**

5ـ خُضّيهِ جِذْعا

عاطيهِ ما في الخمرةِ من ثغرِ النارِ

هزّي أعطافكِ أركانا

يسّاقطْ منها بُرهاني

هل يُجدي أنْ أسألَ جِذْعاً مشدوخا

أو أمخُرَ في بحرِ اللوحِ المحزوزِ

تتآكلُ موجاتي صوتاً في صدري

ـ الضجّةُ في الموجةِ خرساءُ ـ

والطيشُ المتغطّرسُ يُنسيني تكويني

ينأى أبعدَ من هذا

يُطفئُ نارا

آهٍ يا ناري من مُرِّ الإنذارِ!

***

عدنان الظاهر

منصر فلاحيا أيهـــــــــــــا القلب الذي اتعبتني

هلا استرحت من الهوى وأرحتني

.

ها أنت أشعلت الغرام تفننا

لم تدر انك بالغرام ظلمتني

.

أحببت من لا تستقيم مــع الهوى

تهب الوعود على الوفاء وتنثني

.

أهدى لها ورد الربيع نضــــاره

وأعارها هاروت سحر السوسن

.

فتانة سامتك هجرا بعدمـــــــا

أدمت حشاك بسهمها المتمكن

.

كم واعدتك وقد مضت مختالة

وأراك تنزف كالطريد المثخن

.

ولكم نصحتك لا تكن متهـــــورا

فرميت نصحي جانبا وعصيتني

.

يا قلب تبا للغــــرام وأهله

ولكل قلب للصبابة ينحني

.

ماكان يهزمني الكماة لدى الوغى

حتى أتيت بحبهـــــــــــا فهزمتني

***

 

الشاعر منصر فلاح - صنعاء

....................

نضاره = نعومته

المتمكن = النافذ

مختالة = متكبرة

الطريد = الذي يطارده العدو أو الصياد

المثخن = كثير الجراح

الكماة = جمع كمي وهو الفارس المدجج

الوغى = الحرب.

 

صحيفة المثقففي عين الكثرة اضعت قلمي

فتبت الى نون لا يسكنها الفقهاء

وتضاءلت الى فكرة

يدسها طفل في مرامي العبث

أو يدحرجها الى أزمنة يظن انها اخوته

اخوة ركزوا الغيب في الطين

وفي أوثاننا الصغيرة من الحاجات

وتركوا الوطن للتأويل والأوقات النامية

فسرحت ضالا في العناوين دون ان تنطقني الأيام

أوثاننا الراكضة في اسم الله بقصد التوضيح!

منهم من سجنه في عصفورة وقال ان الشجر تواريخ صديقة

ومنهم من جاوره في الشعر وقال ان ربي مجاز مكين

ومنهم من اقترحه كي يكمل اشكال التواريخ

ومنهم من قال هو العبور الى شمس وضحاها

انا لا أقيسه برصاصة وأقول له اسرد جناتك على دمي

ولا ابحث عنه في القضايا المومسات وفي اسمال الفلاسفة

ولا ادحرج عدله في اسئلتي

الحمد للصبح الذي نظر في قلبي

ثم ركز ريشته في محبتي وكتب

الله لا يحتاج الى سدنة

ولكنه يحتاج الى وردة *

وعلى الحدائق شرح ذلك

لا الــــــــــــــه

في المسافات الكاذبة

وفي جمل سيبويه الناقصة

وفي الصلوات المنشغلة

بالتنقيب عن حور العين

***

حيدر الأديب

............

* إشارة الى قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)

 

نادية المحمداويإلى أينَ أنتَ ذاهبٌ بربيعي؟

أو بخطاي المبجلةْ. 

إلى أينَ أيها المحيطُ..

هذا أوانُ الرضوخِ لرغبةِ الربِ

الربُ الذي صمتَ عن كل مأساتي

وأنتَ المسورُ بكلِّ تلكَ الفضائحِ

والنبوءاتَ المذهلةْ. 

أو أنتَ حريتي الكبيرةُ

الآنَ يزدادُ العمرَ ارتباكاً

ويمسُ القلبَ ذكرى فضيحـتِهُ

وتأخرَ نبضُهُ

هذا الليلُ حالكُ السوادِ

وهذه الريحُ تديمُ أنيني

على شوقي إليكَ

سكنَ العالمُ ودمدمتْ الريحُ

بالكائناتَ

وعيناي تحدقانِ من خلفِ زجاجِ نوافذي

كيف ابعثُ لأيامي ذاكرةٌ

تحفظُ ما تبقى من العمرِ

بعدَ كلِّ هذا البردِ والمطرِ والريحِ

بعدَ كلِّ هذا الجنونِ الباهرِ

هذه الليلةُ من الليالي العصيبةِ

تباغتُ محنةَ الروحِ

أنا أنظرها لوحدي

من دونِكِ أنت

ومن دونِ دفءِ روحِكِ قربي

وتضم أسئلتي التي تقبعِ بذاكرتي

أين أنتَ الآن؟

وماذا سأفعلُ بالدنيا من

دونِ رفقتِـكَ وما حاجتي لها

***

نادية المحمداوي

 

مصطفى عليهزاري: هاتِ أسرارَ الغناءِ

                             كأكْسيرٍ يُحبِّذُ لي بقائي

على طولِ الطريقِ لسالكيهِ

                          فما لطريقِ قلبي من كِفاءِ

ولا غيرُ (التواجُدِ) لي دليلٌ

                         الى غارِ التجلّي في حِراءِ

فقد خطفتْ بلابلُهُ يقيني

                            كَتينٍ ناضجٍ بعدَ إشتهاءِ

تُراودُني لِتتنْقُرَ من وتيني

                  دَمي الزاكي المُحرَّقَ في وعائي

تُعتِّقُهُ بأزقاقِ الخوابي

                          لِزَقِّ السائرينَ على خَواءِ

مُعتَّقةٌ مرارتُها رحيقٌ

                  وتحْسَبُها السواقي كال..(خُواءِ)

أدِرْ فيْضَ النُهى كأساً دهاقاً

                          وزدني رشفةً فيها شفائي

لأسْكرَ في الصباحِ بلا صَبوحٍ

                        إذا نَفَدتْ غَبوقي في المساءِ

أنينٌ من صدى الناياتِ يبقى

                           وباقي الكائناتِ الى فَناءِ

فيمْكُثُ في لُحاءِ الحُسْنِ قلبي

                            ويذهبُ ما سواهُ كالغُثاءِ

أُعاتبُ طيفَ معشوقي لماذا

                             قريبٌ طيفُهُ منّي ونائي

أيرضى للذي أفناهُ عشْقٌ

                                يُكابِدُ فُلْكُهُ لُجَّ العماءِ

أنا اللامُنتمي إلّا إليهِ

                      جمالُ الحقَّ قد سرقَ إنتمائي

معاً نستقبلُ الدنيا نهاراً

                           ونذرو قَشَّ أوهامِ الشقاءِ

أغِثْني يا الذي.. وأغِثْ فؤاداً

                          يكادُ يذوبُ في لَمْعِ السناءِ

بهِ أصطادُ ألاءَ التجلّي

                           كراعٍ في خفايا الماوراءِ

أبُثُّ الخلْقَ أياتي وأهذي

                         وعُذْري أنّني أهوى هُذائي

وأغفو مِلءَ أجفاني وأزهو

                                بِذمِّ الناقدينَ أوِ الثناءِ

رغيفُ الشعُرِ في تنّورِ قلبي

                           تلوّى فَوْقَ نيرانِ الشواءِ

ومن قُطْبِ التوتُّرِ دارَ قلبي

                            نُزولاً عِنْدَ نبْعِ الإسْتِواءِ

بإزميلِ الرُؤى قشّرْتُ روحي

                            لِأنثُرَ للورى أبهى بُراءِ

أ سادِنَةَ الحقيقةِ ناوليني

                           نبيذَ الوجْدِ من دَنِّ الخِباءِ

أ خبّأْتِ الحقيقةَ عن فُؤادي ..

                   وحدْسي، حيْثُ بوْصلةُ الرجاءِ

فحقّي والحقيقةُ ، قيلَ، ضاعا

                          ولَمْ يشْفعْ لخاتِمتي ذَكائي

تلألأَ كهْربٌ في بَهْوِ روحي

                         جلا حدسي بنورِ الكهرباءِ

شروقٌ أم هو الإشراقُ قُلّي

                   مِنَ الملكوتِ يسري في فضائي

فَلِلْرائي فُؤادٌ لَمْ تَلُكْهُ

                            أقاويلُ المُرائي والرِياءِ

يطوفُ كَسادرٍ وادي القُدامى

                           بلا نِعلينِ في قلبِ العراءِ

تراءى الحُسْنُ إِذْ صُقِلتْ مرايا

                          صفا بلّورُها فَوْقَ الصفاءِ

فَسُبحانَ الذي فطرَ البرايا

                         وأوْدَعها سناءاً مِنْ (ذُكاءِ)

ولكنْ لوَّثَ المِرْأٓةَ رُخٌّ

                     أزاحَ الشمْسَ عن سوحِ النقاءِ

فَشمّرْتُ الذلائلَ من قميصي

                           كَشاهدةٍ على عهدِ الوفاءِ

غذاءُ الروحِ قد قيلتْ قديماً

                        وهل يحيي السقيمُ بلا غذاءِ

كَحرْفِ رَويِّها المهموزِ صلّى

                        على لُغتي بدمعِ الإصطلاءِ

فتسعى الهمزةُ التعبى (لِياءٍ)

                               كما مُتَكلِّمٌ يسعى لِياءِ

فَيالسكْرانُ بالحرفينِ خُذني

                    الى مَنْ عَتّقتْ (حاءً) بِ..(باءِ)

لِأمْتَحَ بِئرها الملأى نبيذاً

                            ويا ذُلّاهُ لو خابتْ دِلائي

شناشيلٌ لسلمى قد تعالتْ

                        تُري المفتونَ جنّاتِ العلاءِ

تعالتْ أَمْ تجافتْ ثُمّ ألقتْ

                             حشا قلبي بتنّورِ الجفاءِ

تراءتْ في سما روحي بروقاً

                            وتُنذرُني رعودٌ بالتنائي

غزالٌ في مُخيّلةِ المُعنّى

                         تواري بين قطعانِ الضباءِ

تبدّى بعد ما غابَ المُفدّى

                        إذ إمْتنعَ الجمالُ عنِ الخَفاءِ

خَتلْتُ لِصيْدهِ في ظِلِّ شوقي

                      وشوقي كاشِفٌ عنّي غطائي

سهامُ القوسِ قد طارتْ جُزافاً

                       ولم تصطدْ سوى ذَرِّ الهواءِ

فلم يُحْزنْ غزالي حظُّ سهمي

                        ولم يرحمْ دموعي أو بكائي

فصولُ العامِ من كَرٍّ لِفرٍّ

                        فلا صيفي يدومُ ولا شتائي

وأرثي في الربيعِ ربيعَ عُمْري

                 وما فصْلُ الخريفِ سوى عزائي

بِأنّ العُمْرَ توّجَهُ خريفٌ

                             بِحِكمةِ زاهدٍ أو كِبْرياءِ

وأرْصِفةُ المنافي قَبْلَ قلبي

                      نَعتْ وَرَقَ الخريفِ الى هَباءِ

فمَنْ أرثي؟ سنيني ام خريفاً

                       وهل تشفى جُروحي بالرِثاءِ

أ مُجْزِيتي بهجْرٍ لا تُبالي

                              فَرُبَّ تَمَنُّعٍ فِيهِ جزائي

وديماتُ التمنُّعِ مثلُ دمعي

                        تُمنّي الزرعَ في أندى نَماءِ

كما السقّاءُ أضحى دُونَ ماءٍ

                            فَبَلّلَ دمعُهُ جوفَ السِقاءِ

                         **

مصطفى علي

فالح الحجيةتُفديكَ يا وَطني الحبيب قلوبنا

                                كلُ القلوب بروحها تَفْداكا

أرضُ العُروبةِ موطناً لنضالنا

                                  وجهادِنا ووفائِنا بِرضاكا

وتَشابكتْ ايْدي الأحبة ِترتَوي

                                 وتَسامقتْ للعالمينَ سَناكا

نَفْسي فِداءُ الشوق في أرْض ِ الوفا

                              فالخَيرُ والعُطرُ النديُّ شَذاكا

فالقلبُ يصْدحُ عاشِقا عند اللقا

                                 مُتشوقاً اذ يرتوي بِرُؤاكا

أنتَ العِراقُ بحبّهِ يَسْمو العُلا

                             خيرَ البلاد ِ تكاملتْ طغـْراكا

يا أيّها الوَطن ُ العظيمُ بشَعْبهِ

                                وَبذِكره ِالفوّاح شَعّ ضِياكا

وتوالتِ الافعالُ في أرجائه ِ

                              قَـَسَما ً فَكلُّ الطامِعينَ عِداكا

فتَهادتِ الاشْرارُ في نَزقِ ِ الدُجى

                             وَتدافعَتْ نَحو الرّدى تَغـْشاكا

وانفكَّ قـُفل الشّرِّ في حَلكِ الدُجى

                                فَتناثَرتْ أجْسادُهم بِفَضاكا

زُمَرٌ تُزَفُّ الى الشّهادةِ ترتَوي

                              شَهْدَ الجِنان ِ فَتعلّقتْ بِعُلاكا

كلُّ البلادِ تَوشَّحتْ بِسَوادِها

                               وَالحاقدونَ نُفوسُهُم تَزْراكا

خَسِئَتْ نُفوسُ الحاقدينَ فَما لَهُمْ

                              في أرْضِنا غَيرَ البَذاءَةِ ذاكا

وانْحلَّ عُقدُ الشّرِّ مِن نَزَغاتِهِمْ

                                وَتكَفْهَرتْ أرْواحُهمْ بِرُباكا

قدْ ضاقَ لَيلٌ إذ تَنفّسَ فَجْرُه ُ

                             جَعَلوا الكَآبَةَ وَالهُمومَ ر ِداكا

زُمَرٌ وَمِنْ بَحرِ الدِماء ِ رَواؤهُمْ

                          ان ضاقَ في بَحْر ِالحَياةِ سَماكا

وتشابكَتْ كُلُّ الهُموم ِ بِحِقْدِهِمْ

                               فالحاقِدونَ نُفوسُهُمْ تخْشاكا

في مَأتم ِالحُقدِ الدِّفين ِ تَنافرَتْ

                                أحْقادُهُم وَشُرورُهُمْ تَبْغاكا

لا خيرَ فيمَن شَرُّهُ بِفِعالِه ِ

                               وَعَلا نفوس الآمِنين ِ سَناكا

وَتَعالت الاصْواتُ في جَنَباتِه ِ

                             وَاكتسَتْ عُبقَ الوًرودِ شَذاكا

وتبسّمتْ دُنيا العُروبةِ رَحْبَةً ً

                             وَتَعانقَتْ في بَعضِها أ نْداكا

وَعَلتْ كَصَرْخِةِ ماجدٍ بَغدادُنا :

                                اللهُ اكبرُ فالسماءُ.. سَماكا

وَتَجمّعَتْ بَعدَ التـَفرّقِ ِ وِحْدَة ٌ

                          ماذا ارى.. ماذا ارى برُبا كا؟؟

الشعبُ أقْسَمَ ان يَعيشَ مُنافِحا ً

                              ذُل الهَوان ِ. بِنضالِهِ يَرْعاكا

الشعبُ أقسَم َأنْ يُوحِّدَ صَفَّه ُ

                                 مُتلاحِما مُتَراحِما بِسَماكا

وَتَسانَتْ الأنوارُ في أ لق ِ الرَجا

                             وَتَسامَقَتْ نَحو العُلى تغشاكا

فالحَقُّ تَهْـدُرُ عالياً أصْواتُه ُ

                               والخَيرُ يَنْبُتُ غَرْسُهُ بِثراكا

***

الشاعر: د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــد روز

 

صالح موسى الطائيما زالَ الليلُ هُنا

يأكلُ مِنِ جُثةِ هذا الحُلم القديم

 بين الشوارع ِ

والأزقة ِ والأبواب

 ما زالَ الموت ُ هُنا يَتَنَكّبُ سَلاطينَهُ

في الصمت الجُمهوري الذي

قد جاوز الصحراءَ

وعقمَ السماء والأوبئة

فالبلدة قد أصبحت تابوتا ً

وتأريخا ً لقيطا ً وسخام

وجماجمَ خاوية ً تترنّحُ

فوق أكتاف ِ خراب ٍ كبير

**

فانتَفضْ أيّها الصمتُ 

ببقايا ضمير ٍ مُتعب ٍ

وبالفجر المؤجّل ِ منذ قرون

فانتفضْ...

وَصَلِّ لحُبّكَ واسْكرْ

إن ّ الصحوَ كفرٌ

أمامَ البشر المتطاير ِ في الأسواق

أو أمامَ الطفل الذي

يأكلُ من بقايا قاتله سنينا ً....

أمامَ العصافير التي لا تنامُ

إلاّ على ريشها الممزق

خُذ ْ كأسا ً أ ُخرى من هذا السراب

فالصحوُ كفرٌ هنا

والشمسُ ظلامٌ وحريق

والليلُ لصوصٌ ونعاج ٌ وذئابٌ 

فاشربْ من عينيك َ الكأسَ الأخيرة

ولا تبك ِ أبداً...أبداً

فالكرة الأرضية ُ ما زالت تفور

والعاشقُ ما زال ينامُ مع الموت ِ

بكلِّ هدوء ٍ وأمان.

***

شعر صالح الطائـي

إباء اسماعيلأنا ظِلُّ شجرةٍ في وطنٍ مَنْفيّ

***

مَنْ قالَ بأنِّي أُطفئُ شجرَ البرقْ؟! ..

وهو أنايَ التي تأخذني

 إلى حرائق الورد المشتَهى،

وسمائي التي تطْفحُ

بطيورٍ مهاجرةٍ

إلى أقصى الأوطانِ المُغَيَّبةْ...

مَنْ قال بأني أُدْمي سنابلَ الحُبِّ

وأرفرفُ كطيرٍ مذبوحٍ على

قِمَّة أشعاري؟!

لا تُصيبُني الفصولُ بنشْوةِ الموتْ؟!

ها هي الأحرفُ التي تستنزفُني

قامتْ مِن مَوتها،

وتحدَّثتْ عن شهوةِ القلبِ

 قبلَ اشتعالِ هذيانِهْ ..

**

ولماذا أطفِئُ شجرَ البرقْ؟

وأنا البرقُ حين يُصيبُ ذاتَهُ

بداءِ الحُرقَةِ الوطنيّةْ...

مَن قالَ أنِّي الأميرةُ

والمجدُ لي؟!...

**

لستُ الأميرةَ

أنا ظلُّ شجرةٍ في وطنٍ مَنفيّ

أنا عصفورةُ التَّشرُّدِ في بلادٍ

تتناسلُ الطفولةُ فيها بالأنابيبْ ..

و تحترقُ في بحْثِها

عنْ بترولِ العرَبْ!!

**

كيفَ للذي يهْوى

أنْ يلمَّ حرائقَهُ عن جسدهِ،

وينامَ في ظلِّ الهيامْ؟!

الذي يهوى امرأةً من نارٍ

أو وطناً من شُعاعِ القذائفِ

 والأمطارِ البركانيةْ،

سيحفلُ بكلِّ أشرعةِ القضاءِ والقدَرْ ..

سيحفلُ بكلِّ ألوانِ التوهُّجِ

في ثمارِ الحُبّ،

 في بريقِ الانهياراتِ الكونيّةْ..

وكيف أُبْعدُ نزيفَ القلبِ عن

حمّى الحميمِ يتقاذفُني

إلى كلِّ الجهاتِ،

ويشْربُني

كأنّي جنونُ جمراتِهِ ؟!!

القلبُ يغْرقُ

 في موجِ بحارِ الحروبِ المستَباحةْ..

العتمُ هو وجهُنا الآخَرُ ..

كيف نُخْفيهِ؟

كيف نبحثُ عن بياضِنا في العتْمِ؟

هذا الكائنُ الذي استباحَ أحلامَنا،

استنهَضَ رؤانا إلى حيثُ السّيوفُ والقنابلُ

هي الحكَمُ الفصْلُ...

والجثثُ في تربةِ الأرضِ

تحرقُ أحلامَها

في العيشِ القتيلْ...

تضيعُ قوافي الأوطانْ.

تَحترقُ أبجدياتُها السماويّةُ

والترابيّةُ والإنسانيّةْ...

فكيف لي أن أغْمضَ قلبي

وأرى الضّوءَ

 في مشْوارِ هذه السنواتِ العجافْ؟!

كلُّ الذي أريدُ لم يأتِ بَعدُ

لكنَّ الذي سيأتي... سيأتي

هذا الذي نبحثُ عنهُ

في أسمائِنا، .. يتفتَّتُ

 كجثثِ الأوطانِ المهدورةْ !..

**

فقط لأنني طائر الإباءْ

سأطيرُ وأعانقُ جمراتِكَ أيّها الوطنْ!

من أِلفِكَ ...إلى إبائكْ ..

إلى سمائِكَ ...إلى حضوري

إلى بسْملةِ الحُبِّ المُنيرْ..

نمْحو طرقاتِ الزَّيفِ

مِنْ حدائقِ وجَعِنا

و نَستنطقُ آياتِ المحبّةِ

في ليلِنا الدَّامي!...

إلى أنْ نفتَحَ أشرعةَ السماءِ بِنورِنا

أو نكشفَ أسْرارَ الضّياءْ..

حيث تعلو قبّراتُنا إلى أفقِها السَّامي

فوقَ الأجسادِ التي

 تسامتْ إلى أفقِها العلْويّ ...

ونادتْ باسْمِ الوطنْ:

إنَّ صفحةَ الحقيقةِ

هي التي ستُكتَبُ

 ببراعمِ النورِ وحبرِهِ المقدَّسْ!..

**

سأُعيدُ إلى قلبكَ الدامي

أرجوانَ شجْوهِ

وبَياضَ طفولتهِ

التي عانقتْ براعمَ أغْصاني..

سأطيرُ إلى آخرِ البرقِ في سمائِنا

لأننا طيرانِ من وردٍ ودماءٍ

سنرتفع فوقَ سحابِ الأمنياتِ

لنسْمو إلى عمقِ المدى

ونصرخُ في وجعِ الأوطانِ المُسْتَباحَةْ...

نسكنُ رعشةَ الحلمِ

في سكْرَةِ الشِّعرِ النبيلْ،

نَخرجُ من قبَّعتي طيرين

في فضاءِ اللغاتْ ..

ومهما كسَّرتْ أرواحَنا

رياحُ البشَرِ العاطلينَ عن الأحلامْ،

سنظلُّ هُنا

لنا ما نشْتهي

من رحيقِ الأملِ

وبذورِ الجنونِ الذي

يشتعلُ في قصائدِنا

حيثُ الوطنُ ذروةُ العِشْقِ

في جمراتِ قصائدِنا المُشْتعلةْ! ..

***

شِعر: إباء اسماعيل

فتحي مهذبالغراب مسدس ضرير..

كل طلقة أقحوانة ميتة..

الهواء يمشي على قدميه

مثل راهب شغلته هواجس الميتافيزيق..

كان أبيض الرأس وله دشداشة

تلمع من بعيد..

كان الهواء حزينا وله مشية الأرملة.

**

إمرأة عميقة جدا

أمواجها بنات شقراوات..

كلما أعبر طريقي الى قاعها..

ترشقني نهداها بضحكة ماكرة..

أخمن أن اسمي في قائمة ضحاياها الجدد .

لذلك غالبا ما أبدو مرتابا

مثل أرنب عضه فراغ عائلي.

**

أيها الصديق الراعف بسم الشوكران..

لا تتسلق قامتي مثل سنجاب قميء

أنا مسلح بشوك الأكاسيا.

**

مثل ورقة قيقب

تسقط يراعة الندم..

الكاهن في البستان

يقلم نتوءات صليبه

صوته أقحوانة حزينة..

استسلم أيها الهدهد المسلح بتاج العارفين..

هبني حقيبتك الملآى بفصوص الحكم..

وليكن ندمي أضيق من سم الخياط.

**

الليل متسول سيمياء..

في ألبوم الرأس عابرون كثر..

ناووس صديقتي العمياء..

شجرة دائمة النسيان..

وبنادق صيد لزلزال مروع..

لكن الفأس لم تزل بفصاحة جيدة

القتل متواصل ..

اشرب أيقونة القديس لتشفى..

واعتن جيدا بقمح التفكير.

**

الفراشة وردة الصوفي..

الجدول مثل نهد ثرثار

مشنوقا يتدلى على حافة أصابعك

البراقماتية..

نسيت خاتمي على أريكة النعاس..

صوتى منسدلا على الكنبة..

خوفي معلقا على حبل أعصابي..

في انتظار أن تعبر أمي مرة ثانية

من شقوقي مخيلتي .

**

نحات جيد

التحيات لك ولتبر الهيولى..

البديهيات تماثيلك المضطهدة..

والرأس ورشتك الأثيرة.

**

اللكمة مروعة جدا..

حواسك نساء عمياوات..

مطوق بأسد أشقر

وبرج مائل من الهنود الحمر ..

آه ما آشقاك أيها الغريب .

**

في المرآة بجعة

هاربة من حوافر جاسوس..

الحرب خلفت بناية مهشمة

تبكي مثل أرملة..

نوافذ سيئة الطباع..

عربة اسعاف مكفهرة

قتلى يسخرون من خاتمة المسرحية..

كان خبزهم طازجا ..

وعيونهم مصابيح مهشمة .

**

انه الشقيق الأصغر

فر من أسد يزأر تحت شباك الأرض

حاملا حزمة يراعات..

صلبانه الأبدي..

هواء المارة النائمين..

يوقظ حصان العمر بمهماز

ليواصل ابتلاع الضباب..

والعدو الى الوراء..

انه السيد النهار ..

مجلجلا مثل نواقيس كنيسة

في صحراء الشك.

**

يا مسيح

لا تذرني ..

المهرج يفقأ عين النبع..

السلوقي لا يعبأ بصلاة الأرنب الهارب..

وتتبعه سنابل الساحرة-..

على الجسر جحافل الغزاة..

سأحاول الهروب مع نيزك

قبل انطفاء الوردة.

**

ما أكثر العميان هنا

العين بندقية صيد المحسوسات..

من الحكمة أن نشحذ عيون الباطن.

واستدراج الأفق الى مكيدة.

**

مصباح صغير

يطوي جناحيه مرة في اليوم..

بيد ساحر من ألف ليلة وليلة.

**

يلبس التاج

ويغزو الحقول..

عائدا من جزر اللامعنى

الى ثلج اليقين.

**

السعادة

تحصين الكلمات

من شرك العادة..

انه لزوم ما لايلزم في فهرسة

الهواجس .

**

دموع الأواني..

حجر يتنهد اثري..

اللاشيء الفارد جناحيه..

الثور الذي يدفع الى التهلكة

بحواس شرهة..

لن أصعد السلالم

ثمة شيطان وملاك

يتقاتلان بضراوة..

أنا شحاذ مجازات في المنفى..

وراوية على عجل يرتق سير النعامة.

***

فتحي مهذب

 

 

محمد الذهبييا صحبةَ الراحِ كيف الراح كم سكروا

               من الندامى وكم في الصحوِ قد قُبِروا

اثنان مرت وقد مرت بلا خجلٍ

                         وهاجسُ الكأسِ لا يبقي ولا يذرُ

بقيتُ ابكي على هندٍ لأوقظها

                          وعفتُ كاسي يناغي ليلَها القدرُ

(يا صحبةَ الراحِ) ما ناحوا ولا عقروا

                         ولا على حيِّنا من غيثهم مطروا

وكم تمنيتُ لو كأسٌ فنرضعها

                          ففي الرضاعةِ إخوانٌ إذا قدروا

(يا صحبةَ الراح) قلبي صار أغنيةً

                        والحانُ قربي ولكنْ رابني الحذرُ

مازلتُ احذرُ كأسي أين تأخذني

                              الى نديمٍ علاهُ الزهو والكِبَرُ

هم الندامى تُرى من عاق باطيتي

                           هم ثقّبوها فسال الدمع والخَمُرُ

وقلتُ أين الندامى أين ضجتُهم

                            وأين منهم عيونٌ زانها السهرُ

غابوا عن الأمس حتى عاد حاضرهم

                        يلهو عن الكأس لا كأسٌ ولا وترُ

أنا تصوفتُ لا أبغي بهم بدلاً

                         إنْ كان في الحدِّ حدٌ فهو منكسرُ

اشرب فديتك خميراً إذا ذُكِروا

                            وإنْ هُمُ أحجموا فالكأسُ تدّكرُ

وذي الشفاهُ على كأسِ الهوى اجتمعت

                           فمالها لا ترى ما يرتئي النظرُ

ما هذا عصري ولا وقتي فأركبهُ

                          خلّفتُ ناقي لدى عباس تحتضرُ

قد كنتُ من جيلهم لكنْ بغوا سفهاً

                              وخلّفوني لدى جيلٍ سيندحرُ

كانوا نداماي لا أعدو فأدركهم

                             ولا اخفُّ إذا ما ليلهم سمروا

لكنهم غادروا صمتي بلا سببٍ

                         ولا الى مجلسٍ يا ويحهم عمروا

وهمتُ همتُ بليلى وهي خائفةٌ

                     ان تمنحَ القلبَ ما ضنتْ به الصورُ

بقيتُ وحدي اسلّي القلبَ في وترٍ

                           نياطُهُ من لهيب الشوق تستعرُ

ففي جحيمي عصاراتُ الهوى نَظُبتْ

                       وفي جناني رأيتُ الشوك يختضرُ

كلُّ الندامى على أطراف داليتي

                          غنيتهم من أنيني بعد ما خمِروا

أرهقتُ سيدَهم نشوى غدتْ حُلُماً

                        وساورتني ظنوني كيف اختصرُ

حتى أتيتِ بأطراف الحديث لقىً

                       قد شابها الوقت فاقتاتتْ بها الغبرُ

جلوتُ عنك بأشعاري صدا زمنٍ

                              فلاح منك بريقٌ فهو يزدهرُ

(يا صحبةَ الراح) انتم من يضنُّ بها

                                أما أنا فبكأسي تكمنُ العِبَرُ

***

محمد الذهبي

 

 

حسن العاصيوحدهم المنتظرين بحزنهم

يزدهون بوردة الفرح

وهم على قاب مخاض الشقاء

لتهبّ أبجديات النزوح

من خاصرة الجروح

وينكفئ شعاع الأمل

في انحناءة قزحية

2

تمرُّ بي

فراشات البحر

تحلّق نحو الغيمات المهاجرة

جهة غصن الضوء

لتمطر في درب الرحيل

لون الصبح

3

تمضي الخطى

نحو دائرة الغفوة الأخيرة

تخلع بعض دروبها

لتستريح

تدخل عتمة العمر

تصلح قدميها

وتمضي

4

يحاصر البحر موج التراب

ألتحف حيرتي

وأغفو على صدى الحزن

أغمض أرق حزني

لأنعتق من الخطايا

موجة حزينة

5

في دروب العمر

يموت وجه الأحلام

نكفنها بحرير القلوب

تبكيها عصافير الصباح

على الشرفات المطفأة

تحضنها خميلة الوادي

لتغفو حزينة

6

تعدو مرايا الوجع

في مواسم الخطايا

تبكي ساحات المدينة

صخب العمر

مثل شفق تُحار له

الضحكات الحزينة

تنحني سنابل الدهشة

وتُغلق على موجة الحقل

واحة الشقاء

7

ذات ركود

أوصد الوجع خيوط الحلم

يترجّل التعب

من صهوة الوقت

يقطف أشلاء السكون

بغيمة بين وهْمَين

ليهتدي المطر

إلى ساقية الصباح

8

ضاق الشرق بفسحة الحياة

تغازل جهاته ضفاف الموت

ألا يدل الدم على القاتل

ويستدل على القتلى بالقبور

على جناح الندى

أسرجنا غيث الموتى

ليغفو في أحضان الأرض

ونختم سحابة الغدير

من الشمس إلى المطر

***

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك