نور الدين صمودأخذتُ أحاول، منذ الصباحِ، الدخولْ

بأجنحة من خيالْ

وللعالم المستحيل بعزم الشباب أردتُ الوصولْ

لقلب القصيدة لكنْ

عليَّ استحالَ الدخولْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فرط ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمتْ بالأغاريد شـُحرورتي

غـَدَوْتُ أرى كل حين بها صورتي

بمِرآة وجنتها الناصعهْ

وفي ضوء أعيُنِها اللامعهْ

وما كنت أبغي سواها

ومنذ ابتداء انطلاق الفراشة في الأفـْق صعَّدْتُ طرفي

وأطلقت نحو السماواتِ كفـِّي

ورحت أحاول، منذ الصباحِ، العُروجْ

لأُفـْق القصيدة/ كالصقر/ خلف الطريدة/ لكنْ لعَمري

عليَّ استحالَ العُروجْ

وحاولت، من سجن كل القوافي، الخروجْ

كما قد تأبـَّى على الفتح في البدء باب الوُلوجْ

ورمت ُتـَسَلـُّقَ شرفة (بُرْعَاجِها)منذ بدْءِ القصيدهْ

قـُبيل النزول على الرمل حافية القدمين

تكاد تطيرُ على الضفتين

بخفين ِ أنعم من خفيْ حُنيْنْ

وأنصعَ، في شمس رَأدِ الضحَى، من  مُذابِ اللجينْ

وألـْيَن من ريش ِ بيض النـّـعامْ

وأشبه بالورد في اللون من حمرة لمعت في صدور النـُّحامْ

ولكنَْ عليَّ استحال الخروجْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فـَرْطِ ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمت بالأغاريد شـُحرورتي

غدوتُ أرى كل حين بها صورتي

ولا ألـْتقي بسواها

ومنذ شروع الغزالة في الركض نحو الأُفـُقْ

أخذتُ أُصَـعَّـدُ نحو السماواتِ طرفي

وفي الأفـْق أرفع  كفـِّي

ولكنْ أضعتُ هنالك قلبي المُذابْ

وقلت لمن سَلبتنِيه/ من بعدما منحتنيه/ منذ الشبابْ:

أ يا منبع السحر في الكأس صبي عصيرَ السرابْ

وهاتي معاني الحنانْ

وبنتَ الدنانْ

ليخفق في قفص الصدر قلبي إليها

ويبقـَى، بأجنحة من خيال، يرفُّ عليها

ويوشكُ، من  قفص الصدر شوقا، يطير

ويركض ركض الجواد الأصيلْ

إذا ما مضَى سابقـًا ظله في الرّبَى والسهولْ،

فهل من سبيلْ

إلى مقلتيك

وهل من دليل

إذا ضاع في بحر عينيْكِ مَنْ يهتدي بالـ(بُوصولْ؟)

وقلبي الدليل لذاك الوصولْ.

***

نورالدين صمود

 

علي القاسميدخلتْ منظِّفةُ المنزل عليَّ في مكتبي في الطابق العلويّ، دون أن تطرق الباب، وقد ارتعدتْ فرائصهاً، وامتقع وجهها، وارتعش جسدها، وارتجفتْ يداها؛ وقالت بصوتٍ متهدِّجٍ، وأنفاسٍ متقطّعة:

ـ ثَمّة ... حنش ... في البيت.

لم أسمع العبارة بوضوح، أو لأنّني أردتُ أنْ أتأكّد مما تقول، فسألتُها:

ـ ماذا في البيت؟

رفعت صوتها المرتعش قليلاً، وقالت:

ـ حنش.

كنتُ، قبل دخولها بوهلةٍ، أُحرّر ـ بمصادفةٍ عجيبةٍ ـ مادَّة " ح ن ش " في المعجم المدرسيّ الذي أتولى تأليفه لوزارة التربية، وقد نقلتُ، من المصادر الموثوق بها، التعريف التالي:

"حَنَشٌ، جمعه أَحْنَاشٌ: حيّةٌ سوداء ليستْ سامة."

ولهذا ابتسمتُ بشيءٍ من الاستخفاف، وسألتها:

ـ أين؟

قالت، وما زالت أنفاسها متقطّعة:

ـ تحت الزربيَّة... في مدخل البيت ... التفَّ هناك ...

خرجتُ من المكتب، ووقفتُ في أعلى الدرج المفضي إلى مدخل المنزل. تبعتني هي تاركةً مسافةَ أمان كافية. ألقيتُ نظرةً على الزربية. لم أرَ الحنش. أضافتْ السيِّدة موضحة، وهي ما زالت ترتعدّ فَرقاً:

ـ هناك ... تحت... الزربيّة:

فعلاً، لمحتُ انتفاخاً في وسط الزربيّة.

في تلك اللحظة، خطرَ لي أنّ تلك السيدة المسكينة ليست لغويّة ولا معجميّة، فهي لم تُصِب من التعليم الابتدائيّ إلا اليسير، وأنَّ كلمة " حَنَش" في اللهجة المغربيّة العربيّة اسماً عامّاً لجميع أنواع الحيّات، وأنّ ما تسمّيه هي " حَنَش"، قد يكون حيّة خبيثة، أو ثُعْباناً سامّاً، أو أفعى خطيرة، أو صِلاً من أقتل الأفاعي، أو كوبرا سامّة جداً، أو حتّى حيّة تنفخ سمّها في الهواء فتقتل فريستها عن بُعْد.

وهنا شعرتُ في داخلي بنوعٍ من الفزع، بل بهلعٍ شديد، حاولتُ أن أُخفيه عن السيّدة المرعوبة التي كانت تقف مرتجفة، وهي تصوِّب عينيْها إليّ، في انتظار أن أفعل شيئاً، كي تعودَ إلى عملها في الطابق السفليّ من المنزل.

لم تكُن لي خبرة سابقة في الحيّات، فأنا معجميّ بالمهنة، ولم أدرس ما يتعلّق بالأفاعي في الجامعات التي ارتدتُها، ولم أتعلّم شيئاً من وسائل الإسعاف الأوّليّة في المدارس. كلُّ ما أعرفه عن الحيّات هو ما كنتُ أسمعه في طفولتي في بلدتنا الصغيرة المجاورة للحقول والبساتين. سمعتُ آنذاك أنَّ أحدهم لدغه ثعبان سامّ فمات في الحال. وفلاح، كان يعمل في الحقل، لدغته أفعى خبيثة في إبهامه، فسلّ خنجره، وبتر تلك الإصبع لئلا يتسرَّب السمُّ في الدم إلى قلبه فيقتله. وفلاح آخر لدغته حيّةٌ سامةٌ في قدمه فاضطر، في تلك اللحظة، إلى قطع قدمه بالمسحاة التي كانت بيده لينجو من موت مُحقّق. ولكنّها حوادث كنتُ اسمع بها دون أن تكون لي مجابهةٌ فعليَّةٌ مع أيِّ ثعبان من أيِّ نوع. ولا أعرف كيف أميّز الحيّة السامّة من غير السامّة. ولا أملك خنجراً ولا مسحاة.

الحكاية الوحيدة التي سمعتها عن حيّةٍ مسالِمةٍ في طفولتي، كانت تلك الحكاية التي دأبتْ أُمّي على ترديدها لجاراتها مراراً وتكراراً.  تقول الحكاية إنّ أُمّي توجّهتْ إلى الرحى في منزلنا ذات صباح لتطحن الحنطة وتعدَّ لنا الخبز، فوجدتْ حيّةً طويلةً،  وجسدها ملتفّ حول الرحى مرتين أو ثلاث، فبادرتها أُمّي بتلاوةِ بعض الآيات من القرآن الكريم، فما كان من الحيّة إلا أن انصرفتْ منسابةً خارج الدار. والآن، هل تنفعني قراءة آياتٍ قرآنيةٍ على هذا الحنش الكامن تحت الزربيّة؟

في الحقيقة، أنا سمعت حكاية أُمّي عدّة مرّات، ولكن لم أرَ تلك الحيّة. كما لم أشاهد أيّة حيّة أخرى في حياتي.  بلى، في ساحة جامع الفناء في مدينة مراكش الرائعة، لمحتُ بعض الحيّات عن بُعْد، يتقلّدها الحُواة ملفوفةً حول أعناقهم، مثل قلادةٍ، لِيُسلّوا بها السُّيّاح. من المؤكَّد أنَّ هؤلاء الحواة يعرفون كيف يتعاملون مع الحيّات، ولهم خبرة في اصطيادها، وقلع أنيابها لتكون آمنة، وترويضها. ومع ذلك، كنتُ كلّما رأيتُهم من بعيد، اقشعرّ بدني، وبالغتُ في الابتعاد عن طريقهم. ولكن، أين أجد هؤلاء الحواة الآن لمساعدتي؟ بل كيف أستطيع الخروج من المنزل، والحنش متربِّص تحت الزربيّة في الممرِّ المفضي إلى الباب؟

التفتُ إلى السيِّدة الخائفة، فألفيتُها ما زالتْ واقفةً، وهي تصوّب نظراتها إليّ، تتوقع منّي أن أفعل شيئاً. طبعاً، فأنا صاحب المنزل، ولا يوجد غيري فيه.

قلتُ لها كسباً للوقت:

ـ ما طول الحنش؟

قالت: " التفّ بسرعة تحت الزربية. ربّما طوله... " ثم مدّت كلتا ذراعيها.

هنا شعرتُ بالخوف يدبّ في أوصالي، ويتملّك كياني. فقلتُ لها وَجِلاً:

ـ هل هو غليظ؟

ـ نعم، نعم.

أيقنتُ بأنّني مضطرٌ لخوض معركة، لم أخترها بنفسي، وإنّما فُرِضتْ عليَّ. سأخوضها مع عدوٍ خطِر، اجتاح داري، وقد يقضي عليّ أثناء النوم إذا تركتُه الآن. إذا استطاع هذا الحنش أن يلدغني لدغةً سامةً، كيف أصل إلى المستشفى، فداري تقع على شاطئ البحر، وهي بعيدةٌ عن المدينة. ومَن يحملني إلى المستشفى؟ فهذه السيدة المسكينة لا تعرف قيادة السيارة، وسيارات الأجرة نادراً ما تمرُّ بالقرب من دارنا. هل أستنجد بالحارس الليليّ؟ إنّه غير موجود الآن، فهو يغادر مكانه عند انتهاء الحراسة في الصباح؟ هل أطلب من المارّة أو الجيران، إنْ وُجِدوا، مساعدتي؟ ماذا أقول لهم؟ ألستُ رجلاً؟ والدار داري وليست دارهم. واجبي أن أدافع عنها وأحميها. وعلى كلِّ حال، فلا سبيل إلى الوصول إليهم دون المرور بالزربيّة التي يختفي تحتها ذلك الحنش اللعين. تُرى، هل سيهاجمني عندما أقترب من الزربيّة؟ لا شك في أنه سيسمع خطواتي وأنا أنزل الدَّرج، فيتأهّب للانقضاض عليّ.

قلتُ للسيدة المسكينة، وهي تنقّل نظراتها بسرعة بيني وبين الزربيّة في الممرّ أسفل الدرج:

ـ راقبيه جيداً لئلا يغيّر مكانه. سأرتدي ملابس سميكة وأعود إليه.

دخلتُ غرفة نومي في الطابق العلوي. لبستُ سروالاً سميكاً وجوارب غليظة. أمضيتُ بعض الوقتِ في البحث عن قفازات صوفيّة كنتُ أرتديها قبل شهور، أيام الشتاء الشديدة البرد. وجدتُها بعد لأي. بحثتُ عن جزمة كنتُ أستعملها قبل سنوات طويلة، عندما كنتُ أمارس رياضة ركوب الخيل التي تخلّيتُ عنها بسببِ الآم الظهر التي أصابتني، نزولاً عند نصيحة الطبيب الّذي أشار عليّ بالتوقف عن التنس وركوب الخيل، ومزاولة المشي والسباحة فقط. كانت تلك الجزمة في خزانة خشبيّة لم أفتحها منذ سنين طويلة.  ما إنْ فتحتُها، حتى قفز منها شيء أرعبني. كان فأراً مذعوراً. لبستُ الجزمة، وتناولتُ عصاً طويلةً استخدمها في تماريني البدنيّة كلّ صباح. عدتُ إلى حيثُ تقف السيدة وأنا أقول بشيء من اللوم:

ـ عثرتُ على فأر في الخزانة الخشبية. إن لم يُنظّف هذا المنزل جيِّداً، سيمتلئ بأنواع القوارض والزواحف والثعابين السامّة.

بقيتْ السيدة صامتة. واصلتُ سيري. عزمتُ على المجابهة. سأقتلُ هذا الثعبان. أو بالأحرى سأقاتله. فأنا لا أعرف إذا كنتُ سأستطيع القضاء عليه، فقد يتمكَّن هو من لدغي وقتلي بسهولة. كيف يموت الإنسان؟ بأسبابٍ كثيرةٍ، وأحياناً بلا سبب. ربَّما بلدغة أفعى. هكذا اختارتْ كيلوبترا أن تموت. والعِداء بين الإنسان والحيّة مستحكمٌ منذ أيام السومريِّين، فقد سرقت الحيّة نبتةَ الخلود من جلجامش، ملك أوروك، وقُضِي على الإنسان أن يموت ويموت.

كنتُ قد فكّرتُ أثناء ارتدائي الملابس السميكة في غرفة النوم، أَنَّ أفضل طريقةٍ لقتل ذلك الثعبان هي الدعس المتكرّر بكلتا قدميّ على الزربيّة، على أمل أنْ تصيب ضربات الجزمة رأسه فيموت.  أخذتُ أنزل الدرج بخطواتٍ ثابتة تنمّ عن عزمي على خوض المعركة، ولكن دون إحداث أيّة ضوضاء. بقيتْ السيدة الخائفة واقفة في مكانها في أعلى الدرج، وقد اتسعتْ حدقتا عينيّها.

كنتُ على وشك الوصول إلى الدرجة الأخيرة بالقرب من الزربية، وأنا أحمل العصا الطويلة مثل رمح بيدي اليمنى، عندما غيّرتُ خطَّتي فجأة. لا بأس، فمشاهير الجنرالات قد غيّروا خططهم أثناء المعركة في ضوءِ المُعطيات المستجدَّة. فكّرتُ أنّه ينبغي ألّا أجازف بالاقتراب كثيراً من الأفعى المختبئة تحت الزربيّة. الأفضل أنْ أضربها بالعصا الطويلة وأنا بعيدٌ عنها بمسافةٍ آمنة.

وقفتُ على الدرجة الأخيرة، رفعت العصا بلا ضوضاء، تمنيتُ لو كانت تلك العصا مثل عصا النبي موسى، بحيث تتلقف ذلك الحنش اللعين دون أن اضطر شخصياًّ لخوض تلك المعركة التي لا أعرف نتائجها.

هويتُ بالعصا بقوّةٍ على الجزء المنتفخ من الزربية. فجأةٌ خرج ثعبانٌ من تحتها بسرعةٍ، ورأسه مرتفعٌ في الهواء، متأهِّبٌ للضرب وللدغ. كان طوله حوالي الذراع، ورأسه كبير مثلث، ولونه أزرق داكن أقرب إلى السواد. لا بدّ أنَّه سام. لا أدري لماذا ارتبط السمّ باللون الأزرق في ذهني. رفع الثعبان رأسه في الهواء، أرتدّ به إلى الوراء، ولدغَ رفَّ المكتبة السفلي الذي جاءت الضربة من جهته (الممرُّ يشتمل في الناحية اليسرى على رفوفٍ مليئةٍ بالكتب). وكرّر تلك الحركة واللدغ عدّة مرات، وفي أماكن مختلفة، كما لو كان أعمى. في تلك اللحظة وفي خضم المعركة، سمعتُ جرساً يجلجل بطريقةٍ مخيفةٍ. خلته صادراً من الثعبان وهو يرفع رأسه في الهواء. لا بُدَّ أنَّه من نوعِ الأفعى ذات الأجراس المرعبة. فازداد قلبي خفقاناً. استمرَّ رنين الجرس. ثُمَّ تبيّن لي أنّه صادرٌ من هاتفي المحمول. هذا الهاتف الملعون، يختار أسوأ الأوقات ليرنَّ بإلحاح: وأنا أسوق السيّارة، وأنا أحاول جاهداً الإجابة على سؤال صعب بعد محاضرة ألقيتُها، أو وأنا في صميم المعركة.

وبارتباكٍ ظاهرٍ، هويتُ بالعصا على الثعبان بضرباتٍ متلاحقةٍ. لم تكُن تُصيب الثعبان الذي كان يلتوي ويراوغ. ربَّما أصابتْ إحدى الضربات ذنبه. فهذه العصا ليست عريضة بما يكفي لتنال منه، فنوع السلاح ذو أثرٍ في كسبِ المعركة. وفجأةً، التفتَ هو إلى الخلف، وزحف بسرعةٍ إلى الرفّ السفلي واختفى بين الكتب.

في تلك اللحظة شعرت بتحوّل في مشاعري، مثل تحوّلات الضوءِ عند الغروب. لا أعرف شيئاً عن كيفيَّة نشوء العواطف أو تبدُّل الأحاسيس، فليست لي درايةٌ في علم النفس، أو الطبّ النفسيّ. كنتُ قد حاولتُ ذات مرَّةٍ دراسة كتاب فرويد عن تفسير الأحلام، فبدا لي مختلطاً كما لو كان أضغاث أحلام، فانصرفتُ عنه وعن كتب التحليل النفسيّ الأُخرى. كلّ ما أحسستُ به بعد أنْ هرب الثعبان واختبأ خلف الكتب أنَّه، هو الآخر، مذعورٌ مثلي، خائفٌ على حياته؛ وربما كان مثلي لا يريد الدخول في معركةٍ، وإنّما اضطر للدفاع عن حياته بعد أن فاجأتْه ضربة العصا. ربما دخل الدار خطأً، دون أن يقصد الأذى. مَن يدري؟ لعلَّه مجرَّد حيَّةٍ غير سامّة. فها هو يهرب ويختبئ طلباً للنجاة. كلانا يطلب النجاة والبقاء والحياة. فشعرتُ بالرأفة تجاهه.

اغتنمتُ فرصة اختفاء الثعبان خلف الكتب وخلوِّ الممرِّ منه، واتجهتُ قفزاً نحو باب الدار في آخر الممر وفتحتُه على مصراعيْه. لا أدري لِمَ فعلتُ ذلك؟ بكلِّ تأكيد لا لأهرب إذا ما مالتْ كفَّة المعركة إلى غير صالحي، فمِن المستحيل أن أتخلّى عن الدار للثعبان. فهذه الدار أصبحت الآن هويتي، وعنواني، وحياتي، خاصَّة بعد أن تقاعدتُ من العمل الرسميّ، وأخذتُ أزاول الكتابة والتأليف فيها.  لا يمكن أن أترك الثعبان مختفياً بين كتبي التي أستعملها بكثرة. سيلدغني سرعان ما أمدُّ يدي لأتناول كتاباً. لعلَّني فتحتُ الباب آملاً في خروج الثعبان من الدار دون أن أقتله. فقد شعرتُ بنوعٍ من الرحمة في أعماقي، كما ذكرتُ، وكأنَّني أعمل بالحكمة المأثورة: ارحموا مَن/ما في الأرض، يرحمكم مَن في السماء.

عدتُ إلى رفِّ الكتب حيث يختفي الثعبان. ومن بُعْدٍ كافٍ يضمن سلامتي. استعملتُ العصا الطويلة لإسقاط الكتب التي يختفي خلفها الثعبان. أنكشف مَخبؤه. خرج هذه المرّة مصمّماً على خوض المعركة. أنزلتُ بعض الضربات في اتجاهه، ولكن من جهة الدرج وليس من جهة الباب، دون أن أرمي إلى إصابته. توقفتُ للحظة أفكر في اتّباع طريقة أخرى. اغتنم الثعبان فرصة توقّف الضربات. اتّجه نحو مصدر الضوء الآتي من فتحة الباب. لم أتبعه حالاً. لا أدري ما إذا كنتُ خائفاً من أن يرتدَّ نحوي فيلدغني، أم كنتُ راضياً بخروجه بحيث تكون نتيجة المعركة متكافئة، لا غالب ولا مغلوب. بعدَ لحظاتٍ، تعقّبتُه عن بُعْد لأتأكّد من خروجه، ودون أن أهاجمه بالعصا. خرج من الباب الداخلي. زحف بشكل متقطع: يتوقف بين وهلة وأخرى، ينظر في اتجاهي، ثمَّ ينظر في اتجاه الشارع.  قطع الساحة الصغيرة المخصَّصة لوقوف السيّارة نحو الباب الخارجيّ الخشبيّ المشبّك.  انساب من تحته، وأنا أتعقبه عن بُعد. أسرع للاختفاء في مجموعةٍ من الأعشاب النامية على حافة الطريق أمام الدار، عند عمود الكهرباء. لا بُدَّ أنَّه اختبأ في غارٍ هناك. هويتُ بالعصا بقوَّة على عمود الضوء مُحدِثاً صوتاً كبيراً، كأنَّني أريده أن يختفي في الغار بعيداً عني. انكسرتِ العصا إلى نصفيْن قصيريْن. رميتهما على الأعشاب، وعدتُ إلى منزلي وأوصدتُ الباب خلفي.

وما إن اقتربتُ من الزربية في الممرّ، حتّى فززتُ: كان الثعبان ملتفّاً مختبئاً تحتها.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

............................

* نُشِرت هذه القصة في مجموعة " حياة سابقة " القصصية التي صدرت طبعتها الثالثة عن دار أروقة للطباعة والنشر بالقاهرة هذا العام 2020 بالنشر المشترك بين النادي الأدبي بنجران ودار أروقة.

 

 

سردار محمد سعيدالدفء يدور في البلاد

باحثاً عن الذي جاب الصقيع في الواد

عن ثقب في لحاف يتيم

عن فاكهة تدثرت بالأوراق

والأوراق  بالغصون

عن بنفسجة حمراء

عن سراويل مرتثة 

لكن البرد يخشى ارداف النساء

زق الخمر

رمل الصحارى

وزفرات العشاق

في نقطة يلتقيان

نهاراً للدفء

ليلا حصة البرد

إلا أن دم الشهداء يرفض القسمة هذي

كأن صدورالشباب قدور

أثافيها الضلوع

توقد من روح الشهيد

وصراخ الساحات لهب

مذ كان تلميذاً تعلم سرّالغضب

تنبجس الينابيع من الحجر

النفط يستعر

بقدر نموغضب الأباة 

تنكمش عقول الطغاة

تبت يدا ابي لهب

وتب

انتبه التاريخ

ما أوسخ المطلوب

وما أنقى الطالب

واحد يأوي إلى الله

يعطركتب التاريخ

وواحد يعوي على الله

يكتب السيناريوهات السخيفة 

يهدم هيكل الله

إياك وبناءه

لولا نظرت اللهَ  بقلبك

لرأيت أفواه الأمهات

تكبر للنحور السخيات

والدماء الفائرات

تتسلق تلقاء الأعالي

ليتك كنت حقاً خليفة

تكنى

الراشد السادس

***

سردارمحمد سعيد - اربيل

 

 

يوسف جزراوي‎مِنْ طِينِ العِراق

جَبَلَ اللهُ آدَمَ

ونَفَخَ في أنفهَ نَسَمةَ حَيَاةٍ

" فَصَارَ ادَمُ نَفْسًا حَيَّةً" ( تكوين ٢ : ٧)

فَدَعُيَ إلى الوُجُودِ

بعدَ أنْ سَرَى

نَبَضُ الرُّوحِ في عُروقِهِ

فعاشَ معَ زَوْجَتهِ حَوَّاء

الْمَخْلُوقَةِ مِنْ ضِلْعهِ ( تَكْوين ٢: ٢١- ٢٢)

في جَنَّةِ عَدْنٍ بالعِراق ( تَكْوين ٢: ٨)

يِسقيها نهرًا

ينقسمُ إلى أَرْبَعَةِ رؤوسٍ:

دِجلَةُ (حدّاقال) الجاري شرقيّ آشور.

والفُرَاتُ.

وفيشون وجيحون - وقد اندثَرا- ( تَكْوين ٢: ١٠ - ١٤)

لكَنَّ آدَمَ العِراقي وزَوْجَتهُ الْعِرَاقيَّةَ

اِرْتَكَبَا أوَّلَ خَطِيئَةٍ في الخَلِيقَةِ

في رِبوعِ العِراق ( تَكْوين ٣ : ٦)

غيرَ أَنَّ اللهَ الخالقَ

لَمْ يلعَن الإِنسانَ

بَلْ لعَنَ الأرضَ. "ملعَونةٌ الأرضُ بِسَبَبكَ"( تَكْوين ٣: ١٧).

كما أَنَّ ابنهمُا قايين

قَتَلَ أخَاه الأصغر هابيل ( تَكْوين ٤: ٨)

بِسَبَبِ الغَيْرَةِ وإِرضاءً للذّاتِ المُتَغَطْرِسَةِ!

فكَانت أوّلَ جَرِيمَةِ قَتْلٍ في التَّأريخِ

تحّدثُ عَلَى أرضِ العِراق أيضًا!

**

أجَلْ في البَدْءِ كَانَ العِراقُ

ومِنْ أرْضِهِ خُلَقَ الإنسانُ الأوّلُ

فكَانَ الشَّقَاءُ والغَمُّ!

ربَّما لأنَّ اللهَ ومُنذُ البَدْءِ

لَمْ يُنفق الكثيرَ

من طِينِ السَّلامِ عَلَى بَلدٍ

جَبَلَ مَنْهُ جَبلتهُ الأولى.

**

في البَدْءِ كَانَ العِراقُ

فكَانَ إبراهيم أبو المؤمنين

في أوَرِ الْكَلْدَانِيِّينَ ( تَكْوين ١٥ : ٧).

فهي مَسْقِطُ رَأْسِهِ.

إبراهيم كَانَ مُبَارَكًا مِن الله( تَكْوين ٢٢: ١٧-١٨).

ومَعْلُومٌ أنَّ إبراهيم المؤمنَ

وَجَدَ في رِحَلةِ الإِيمَانِ

ما هو أهمُّ وما هو أَوْلَى وأَبدَى

مِن قَرَابَةِ الدَّمِ والّلحْمِ والأرضِ

وأنَّ إيمانهُ مُقاسٌ بِوسعِ ذَاتهِ

وذَاتهُ أكثرُ اِتّسَاعًا

مِن أنْ يَحْتَوِيهَا القَلِيلون

حَتّى لَو كَانوا مِن الْأَقْرَبِينَ والأحِبَّةِ

فنَفى مِن قَلْبهِ الحِسَّ العَشَّائريّ

والاِنْتمَاءَ الْقَبَلِي والتَّعَصُّبَ الْعِرْقي

وَسَائرَ أَشْكَالِ التَّعَصُّبِ الْقَومِي والدّيِنيّ

مُبتَعدًا عَن التَّمْيِيزِ العُنْصُريّ

دُونَما نِسْيانِ الفرّادةِ والْخُصُوَصِيَّةِ

فاِنْطَلَقَ رَاحِلاً مِن أوَرِ الْعِرَاقيَّةِ

حَامِلاً مِشْعَلَ التّوْحِيدِ

نحوَ شُموليّةٍ أَوَسَعَ

وبِرِسَالَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَسَمَاوِيَّةٍ

لَيْسَ للْبُلْدانِ الْأُخْرى

أنْ تُنَافَسَهَ في عَراقتِهَِا

وأَصَالَتِهَا وَعُمْقِهَا وتَنَوُّعِهَا.

**

رحَلَ قايين عن أرْضِ العِراق

وسَكَنَ في أرضِ نود

شرقي عَدْن ( تكوين ٤ :١٦).

بعدَ أنْ اِستَهانَ بدمِ أَخيهِ

ثُمَّ بنَى أوّلَ مَدِينَةٍ في التَّأريخِ

عُرِفْت باسمَ ابنهِ البِكْرِ حنوك ( تكوين ٤: ١٧).

قايين هو أوّلُ عراقيٍّ مُتَغَرّبٍ

وأقدمُ رحّالةٍ موثّقٍ

في تاريخِ الاغترابِ الرَّافدينيّ

يليهُ إبراهيم عَلَى الصَّعِيدِ الإيمانيّ

ثُمَّ إنكيدو وكَلكَامش

عَلَى مُسَتوًى حَضَاريٍّ.

فمَنْ يدري لَعلَّهم

غَرَسُوا فينَا بِذورَ الغُربةِ

وظَاهِرِةَ الْهِجرِةِ والتَّرْحَالِ

التي أصبحت مُلازِمةً لنَا

وداخلةً في تَكْوِيَننا الْحَضَارِيِّ كعراقيّينَ

على ممرِّ الْعُصُورِ،

فالعِراقيُّ مُنذَ القِدَمِ

نجدهُ تارةً في الطَريقِ

وتارة أُخرى يبحثُ عَن طريقٍ

للحفاظِ عَلَى الحَياةِ قَدرَ المُمْكنِ.

**

في البَدْءِ كَانَ العِراقُ

فكَانت مَلْحَمَةُ كَلكَامشِ

وبَطَلُهَا إنكيدو المُعلِّمُ

ففي المَلْحَمَةِ أعتقُ حَضَارَةٍ

كَانت بوَاكيرَ الفِكْرِ والحَرفِ

لِيبزغَ مِنْ الإنسانِ الرَّافِدينيّ

 فَجْرُ الْكِتَابَةِ والتَّدْوين والعَلمِ

فأَوَفْدَهَا إلى الإِغْرِيقِ والشَّامِ

وبِلَادِ وَادِيَ النّيلِ

لتَسِيرَ الشُّعُوبُ على خُطاه

فعرفوا الْيَرَاعُ والْابْدَاعَ والامْتَاعَ.

فمَا بَالُهُمْ  اليوم سَاسةُ بَلدي

مُنْصَرِفِينَ للْفَسَادِ والْقَتْلِ

يَتَغَنَّوْنَ فقط بأمْجَادِ حَضَارَتيّ

كَطَفِلٍ تُدَغدَغَهُ مُهودُهُ الْمُرِيحَةُ

كَأَنَّهُمْ لا يُرِيدُونَ لَنَا

أنْ نكَونَ بُناةَ الحَضَارَةِ المُعاصَرةِ

لَعَلَّهُمْ نَسُوا أو تَناسَوْا

أنَّ العِراقَ ليسَ مِنْ مُحبّي البَقاءِ

مَتَاحفَ جَميلَةً ومَخْطُوطاتٍ نَفِيسَةً

وآثارًا خالدةً ومَلْحَمَةً تَأرِيخِيَّةً

يَغِلبُ عَلَيْنا الطَّيُّ والنّسْيَانُ.

**

رغمَ الْخَطِيَةِ والْمَوْتِ والتّرْحَالِ

لكَنَّهُ وَطَني لَمْ يُهَيَّأْ نَعشُهُ

إذ تشبَّثَ بالحَياةِ

خَشْيَةَ أَنْ تَفلتَ مِنْ بينِ يَدَيهِ

فرَاحَ يَرطُمُ الغَيْمَ بالغَيْمِ

حَتّى هَلَّ الْمَطَرُ

قَطرَةً ...قَطرَةً

فعُني العراقيُّ القَديمُ  بالْعُمْرَانِ

بَانِيًا مَعالِمَ تُقِيمُ للحَياةِ وَزْنًا

مُشيّدًا الزَّقُّوراتِ والْمَعَابِدَ والْمُدُنَ والْقَنَوَاتِ

أكثر ممّا شَيَّدَ المدَّافِنَ.

بَيْنَمَا المصريون

اهتَمُّوا  قَدِيمًا

بِتكْريمِ الْمَوْتى

وما الأهرامات،

سِوى مدافنَ أُريدَ بِها

تكْريمُ الميتِ وتَخْلِيدهِ.

فمالهُ العِراقُ الْيَوْمَ

يتَدثَّرُ بِعَبَاءةِ الْمَوتِ؟!.

**

في البَدْءِ كَنتَ أنتَ يَا بلدي

هِبَةً جَميلَةً للوُجُودِ

ولَمْ يَكَن بَلدٌ سِوَاكَ

فما بَالُكَ يَا باكُورَةَ الْبُلْدانِ

أشْقَيتني في غُربتي وأبّكَيْتَني

فسَالَتْ مِنْ عَينيّ وتَدَفَّقتْ أدمعي.

فأيُّهَا الْوَطَنُ المُتْعَبُ والمُتعِبُ

مُنذُ فَجْرِ التّكْوينِ

وأرْضُكُ ملطَّخةٌ بالدِّماءِ

فنحنُ العراقيين

لاَ نَحتاجُ إلى مُنَاسَبَةٍ حَزِيِنةٍ

كَمَقتلِ هابيل

أو صَلَبِ السَّيّدِ الْمَسيحِ

أو اِستِشهادِ الإِمامِ الحُسينِ

أو إلى اِسِتِعمارٍ مغوليٍّ أو عثمانيٍّ

أو حاكمٍ طَاغُوتٍ كصدّامْ

أو إلى اِحْتِلالٍ عَسْكَرِيّ

من قِبلِ الأمريكيّ والأعجميّ

لنَسِيرَ في دُرُوبِ الجُلجُلةِ

فحَيَاتُنَا مُنذُ بَدْءِ التَّكْوِينِ

إلى يَوْمِنَا هَذَا

كَانت صَلْبًا واِستِشهادًا ومَوْتًا!

فقد اِعتدنا غَمسَ

الْيَرَاعِ بِمحْبَرَةِ الدَّمِ

لنَكْتُبَ معلَّقةَ السّلَامِ

بِقلمِ الْحُرُوُبِ الطَّوِيلَةِ

ونُرَتَّلَ أناشِيدَ الْفَرَحِ

بِحناجرَ مِلْؤهَا الفَجِيعَةُ!

فإنْ كَانَ السَّيّدُ الْمَسيحُ

قد دَحْرجَ حَجَرَ القبرِ الثَّقِيَلَ

وقَامَ في اليَوْمِ الثَّالثِ

غيرَ أنّي لَمْ أعُدْ أرَى

بَصِيصَ نُورٍ يُبَشّرُّ بِقيَامَتكَ

إلّا أن اِسْتَحالَ الْمُسْتَحِيلُ!

لكَنَّي لن أرثيكَ يَا بَلدي

فالرِّثاءُ لا يجوزُ فيكَ

ومُنذُ مَتَى رَثْى التُّرابُ الأَرْضَ؟!

 فقط سألُتُ المُعينَ عَوْنًا

لَيُهَوِّنَ عَلَيْكَ مَتَاعِبَكَ

ويقُولَ " ليكنْ نورٌ"

على أرْضِكَ الخِرِبَةِ

فمُنذُ التَّاسعِ مِنْ نَيْسَانَ

حَلَّ فيكَ غُرُوبٌ مُظلِمٌ

لَمْ تُشْرقْ مِن بَعْدهِ شَمْسُكَ!!.

***

الأب يوسف جزراوي

 

جوزيف إيليامن وصيّة أبٍ سوريٍّ لابنه


 

عذرًا يا ولدي

فلقد أورثتُكَ صوتَ زوابعْ

 

ورياحًا باردةً سكرى

وغيومًا حبلى بغيوثِ فواجعْ

 

وسنابلَ فارغةً

وفراشاتٍ لا لونَ لها

وبلابلَ شائخةً

ليست تتقنُ غيرَ نشيدِ مواجعْ

 

فامشِ حزينًا بجِنازةِ ضوئي

وارمِ على قبري زهرةَ عفوِكَ

وامضِ لأمِّكَ - إنْ لمْ تخنقْها البلوى -

كفكفْ دمعتَها

واسكبْ كوبَ الشّايِ لها بالسّكّرِ

واملأْ حجرتَها بزنابقِ لطفِكَ

كنْ ياولدي لحديثٍ منها عنّي سامعْ

 

ستقولُ :

- أبوكَ مضى

لينامَ طويلًا فوق فراشٍ لا ينخُسُهُ

فلقد أنهكَهُ سهرُ العمرِ هنا

وهْو يفتّشُ عن غدِكَ السّاطعْ

 

لكنَّ الّليلَ المجنونَ تحدّاهُ

وظلَّ كوحشٍ عن عقْمِ الغيمِ يدافعْ

 

وستخبِرُ عن تاريخي :

كيف بصدقٍ كنتُ أقصُّ جناحَ بلاءٍ

كي لا يغزوَ طائرُهُ الجارحُ أجواءَكَ

لكنّي لمْ أنجحْ

وأنا عنكَ أصارعْ

 

كان البركانُ عنيفًا وفظيعًا

أقوى من شجري

ومدائنِ حرصي

فهربتُ إلى نفسي

وطواحينَ هواءٍ صرتُ أقارعْ

 

ما كان أبوكَ جبانًا

أو صدِئَ الذّهنِ

ولكنْ كان يريدُ بلوغَ المعنى

وهزيمةَ عسكرِ "هولاكو"

غابَ أبوكَ

وجيشٌ من نارٍ ينسفُ أسوارَ حدائقِنا

ستقولُ

وتحكي أمُّكَ عن أشياءَ وأشياءَ

وأنتَ ستصغي مكسورَ القلبِ

وتمضي عنها دامعْ

 

فاعذرْني يا ولدي

إنْ أورثْتُكَ حُلْمي

أتُراكَ لراياتيْ البيضاءِ

ستبقى في الدّنيا دومًا رافعْ ؟

***

القس جوزيف إيليا

 

 

محمد جواد سنبه(طُمُوحُ الحِمَارِ فَي حُكّمِ العِرَاق)

سَأَلَ الحِمَارُ الثَّعلَبَ:

يا صَديقي الثَّعلَبُ، كيّفَ أَكونُ رَئِيّْساً للعِرَاقّ؟.

فَأَكُونُ ذَا سُلّْطَةٍ تَسِدُّ الآفَاقّْ؟.

أَقودُ الجَماهيرَ دُونَ نِفَاقّْ؟.

لأُنّْجيّْهِمّ مِنّْ جَميّعِ المَشَاقّْ.

وأَسّْعِدُ أَحوالَهُمّْ بِكُلِّ الآفَاقّْ.

قَالَ الثَّعلَبُ:

الأَمرُ عَسيرٌ وشَاقٌ وجِدُّ صَعّْبّْ.

عَليّْكَ عِدَّةُ أُمُورٍ طَبِّقّْها بِصَبّْرٍ وَبِلا تَعَبّْ.

وإِنّْ خَرَجّْتَ عَنّها فَسَوّْفَ تُؤْكَلُّ وتُغّلَبّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

عَلِّمنِيّها وسَأَكُونُ صَابِراً وشَاكِراً لكَ بِكُلِّ أَدَبّْ.

قَالَ الثَّعلَبُ:

إِذَنّْ استَمِعّْ وكُّنّْ لَبيّْباً وطَيّبَ الحَسَبّْ.

وَ لا تَنّْكُرَ جَميْلي عِنّْدَمَا تَنَالُ الطَّلَبّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

سَمّعَاً وطَاعَةً أَيُّها الصَّدِيقُ المُهَذَبّْ.

وَعَلَيَّ لَكَ الوَفَاءُ مِنّْي مَا سَارَ حَافِرِي ودَبّْ.

قَالَ الثَعلَبُ:

أُوْلَى الوَصَايَا:

أَنّْ تَجّْعَلَ الوزَرَاءَ مِنَ السَّارِقِيْنّْ.

وَ ثَانِيّْهَا:

أَنّْ تَخّْتَارَ قُضَاةً للبَاطِلِ عَاشِقيْنّْ.

وَ ثَالِثُهَا:

أَنّْ يَكونَ المُسّْتشَارونَ مِنَ الوَضّاعِينّْ.

وَ أَمَّا رابِعُهَا:

اجّْعَلّْ المُدَرَاءَ مِنَ الأَفَّاكِينّْ.

وَ خَامِسُها:

إِخْتَرّْ كِبَارَ المُوَظَّفِينَ مِنَ المُراوِغِيْنّْ.

وَ سَادِسُهَا:

اجْتَهِدّْ لِتَكُوْنَ دَوّْلَتُكَ دَوّْلَةَ المُرتَشِيْنّْ.

وَ سَابِعُهَا:

إِجّْمَعّْ حَوّْلَكَ حَفّْنَةً مِنَ الإِعلامِيينّْ،

كَبيّْرُهُمّْ مِنَ الدَّجّْالينّْ، وصَغيّْرُهُمّْ مِنَ الكَذَّابيْنّْ.

حَتَّى يُصَوِّرُوا لّلنّْاسِ أَخّْطَاءَكَ نَصّْرٌ مُبيْنّْ.

وَ ثَامِنُهَا:

أَنّْ تَتَظَاهَرَ لِلّْشَعّْبِ بأَنَّكَ عَلَى أَحوَالِهِمّْ مَكِيْنّْ.

وَ تَاسِعُهَا:

أَنّْ تُوْعِدَ الشَّعبَ دَوّْماً بِمُسّْتقّْبلٍ مُزّْدَهِرٍ مُبِيْنّْ.

وَ أَمَّا عَاشِرُهَا:

إِيَّاكَ ... إيَّاكَ ... أَنّْ تُقَرِّبَ المُصّْلِحِيْنّْ.

فَإِنَّهُمّْ يُفسِدوا عَليّْكَ الحُكّْمَ وتَصّْبَحُ غَيّْرَ حَصِيْنّْ.

تِلّْكُمُّ عَشّْرُ وَصَايَا عَلَّمْنِيْها ابْلِيْسُ الَّلعِيْنّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

تِلّْكَ صِفَاتُ الأَرذَليْنّْ !.

وَ تِلّْكَ سِيَاسَةُ الغَاشِمِيْنّْ !.

فَكَيّْفَ نَسُوسُ البَلَدَ ونَحّْنُ كاذِبيْنّْ ؟.

قَالَ الثَّعلَبُ:

تِلّْكُمُّ وَصّْفَةُ حُكّْمِ الجَبَّاريْنّْ.

وَ لِمَنّْ يُرِيّْدُ بالبَاطِلِ أَنّْ يَحّْكُمَ العَالَميْنّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

أَنَا مِنّْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنّْ.

وَ أُرِيّْدُ أَنّْ أَحّْكُمَ حُكّْمَ العَادِلِيْنّْ.

وَ أُرِيّْدُ أَنّْ أُرْضِيَ رَبّْي والعَالَمِيْنّْ.

قَالَ الثَّعلَبُ:

إِذَنّْ ابّْقَ حِمَاراً تَدُورُ فِي فَلَكِ المُسّْتَضّْعَفيْنّْ.

كُلّْ الحَشيّْشَ والشَّعيْرَ وكُنّْ مِنَ الشَّاكِرِيْنّْ.

وَ دَعّْ السِيْاسَةَ لأَهْلِهَا فَهُمّْ بِهَا مِنَ البَارِعِيْنّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

تاللهِ قَدّْ خَابَ مَنّْ اسْتَشَارَ المَاكِرِيْنّْ.

فَكُلُّ الثَّعَالِبِ طَبْعُهَا غِشُّ السَائِلِيْنّْ.

وَ سَاسَةُ العِرَاقِ اتَّخَذْوا مِنَ الثَّعَالِبِ نَاصِحِيْنّْ.

أَ هكَذَا تَحْكِمُونَ العِرَاقَ يَا فَاسِدِيْنّْ ؟.

فَضَاعَ العِرَاقُ إِلى أَبَدِ الآبِديْنّْ.

***

محمد جواد سنبه.

 

 

يحيى السماويثـلاثُـةُ جـدران من حـجـرة

 بـمـئـات الـجـدران (*)


 

 

(1) يـقـيـن

لـسـتِ " لـيـلـى "  ..

وأنـا أكـذبُ لـو أزعــمُ أنـي فـي طـقـوسِ الـعـشـقِ

" قـيـسُ "

*

نـكـتـفـي بـالـسَّـمـعِ مـن خـلـفِ جـدارٍ

خـوفَ أنْ تـطـردَنـا مـن جَـنَّـةِ الـخـيـمـةِ والـنـاقـةِ " ذبـيـانُ "

و " عَـبْـسُ "

*

لـيـسَ عـشـقـاً

مـاؤهُ وهْـجُ سَــرابٍ  نـتـسـاقـاهُ خـيـالاً

ورغـيـفٌ قـمـحُـهُ خـوفٌ وهَــمْــسُ

*

وبـسـاتـيـن مـن الأحـلامِ

لا يـنـبـتُ فـيـهـا غـيـرُ شــوكِ الـصـحـوِ

غـرْسُ

*

أيـكـونُ الـوردُ ورداً

حـيـن لا تـنـظـرهُ الـعـيـنُ ولا يـلـثـمـهُ الـنـحـلُ

ولا شــمٌّ ولـمْـسُ؟

*

حِـلـيَـةُ الـلـيـلِ نـجـومٌ

ووشــاحُ الـصـبـحِ شــمــسُ

*

إنـنـي فـي الـعـشـقِ لـيْ طـبـعُ الـيـعـاسـيـبِ

وأنـتِ الـوردُ والـراحُ الـتـي مـن دونـهـا لا يـثـمـلُ الـقـلـبُ

ولا تُرفـعُ كـأسُ

*

لـيـس سـهـمـاً مـن سِـهـامِ الـعـشـقِ فـي فِـقـهِ هُـيـامـي

حـيـن لا يُـطـلِـقـهُ نـحـو ظـبـاءِ الـلـثـمِ

قـوسُ

*

والـضـحـى لـيـس ضُـحـىً

إنْ لـم تُـضـيـئـي فـيـهِ عـيـنـيَّ

ولـيـلـي إنْ تـغـيـبـي فـيـهِ عـن حـضـنـيَ

رِمْــسُ

*

كـلُّ صـبـحٍ ولـنـا فـي الـعـشـقِ مـيـلادٌ  جَـديـدٌ

ولـنـا فـي كـلِّ لـيـلٍ رحـلـةٌ نـحـوَ الـفـراديـسِ

وعـرسُ

***

السماوة 18/6/2020

.................

(2) طـقـوس

وجـهُـكِ الـقِـبـلـةُ إنْ صَـلَّـيـتُ شِـعـراً وتَـبـتَّـلـتُ الـى الـعـشـقِ

ونـادتْ لـلـهـوى مِـئـذنـةُ

*

فـلـيـقـولـوا كَـفَـرَ الـعـاشـقُ بـالـمـعـشـوقِ ..

هـل يَـكـفـرُ  بـالـمـشـحـوفِ  نـهـرٌ سـومـريُّ الـمـوجِ ؟

أو تـهـرَبُ مـن أهـدابـهـا والـجـفـنِ يـومـاً مُـقـلـةُ ؟

*

لـيْ طِـبـاعُ الــنـهــرِ : إنْ سِــرتُ

فـلا ألــتــفِــتُ

*

لـلـئـيـمٍ وخـبـيـثِ الـطـبـعِ والـكـامـلِ نـقـصـاً

فـسَـواءٌ فـي طـقـوسِ الـعـشـقِ يـا مُـلـهِـمـتـي إنْ نَـبَـحـوا

أو سَـكـتـوا

*

بـتـلـةٌ مـنـكِ : بـساتـيـنٌ  ..

وقـطْـرٌ مـن نـدى واديـكِ : نـهـرٌ  ..

فـاشـهـدي يـا حُـجَّـةَ اللهِ عـلـى عِـشـقـيَ يـومَ الـنـشـرِ :

قـلـبـي بِـضـعـةٌ مـنـكِ

ومـا غـيـرُكِ يـا شـمـسَ يـقـيـنـي لِـسـفــيـنـي رحـلـةُ

***

السماوة 20/6/2020

.....................

(3) مـزاح جِـدّي

كـان اتـفـاقـاً بـيـن مـولاتـي وبـيـنـي

حـيـن تـخـطـأُ :

لا تُـعـاقِــبُـنـي عـلـى أخـطـائِـهــا أبـداً

فـإنْ كـسَـرتْ يـدي  ـ مـثـلاً ـ أمـدُّ لـهـا يـدي الأخـرى لِـتـكـسـرَهـا

فـأحـظـى بـالـشـفـاعـةِ

فـهـي تـأبـى أنْ تـكـونَ عـقـوبـةُ الـشـيـخِ الـعـنـيـدِ  مُـجَـزّأةْ

*

فـإذا اشـتـكـيـتُ الـقـيـظَ

تـمـنـعـنـي مـن الـمـاءِ الـقـراحِ  ..

وإنْ شـكـوتُ الـبـردَ

تـلـســعُــنـي بـنـارِ الـمِـدفـأةْ

*

كـان اتـفـاقـاً بـيـنـنـا  ..

مـثـلاً  :

تـعـاقِـبـنـي إذا نـظـرَتْ  بـإعـجـابٍ إلـيَّ ـ بـدونِ أنْ أدري ـ امْـرأةْ

*

وإذا ارتـكـبـتُ جـريـمـةً مـن دونِ قـصـدٍ

كـانــبـهـاري بـالــمُــذيـعـةِ

حـيـن تـقـرأُ نـشـرةَ الأخـبـارِ كـاشــفــةً عـن الـكـتِـفَـيـنِ

تـلـطـمُـنـي بـنـظـرتـهـا  ..

ولـكـنْ

حـيـن أنـظـرُ بـانـكـسـارٍ لـلـعـجـوزِ الـعــمــشــةِ الـعـيـنـيـنِ (**)

تـتـركـنـي أحَـدِّقُ مـا أشــاءُ كـأنَّ عـيـنـي مُـطـفـأةْ

*

مـا زلـتُ أذكـرُ مـا جَـنـيـتُ  مـن الـعـقـاب الأنـثـويِّ

لأنـنـي عَـبَّـرتُ عـن رأيٍّ وتـجـربـةٍ

فـقـلـتُ  :

مُـضَـيِّـفـاتُ خـطـوطِ مـوزمـبـيـقَ لا يـشـبـهـنَ فـي سِـحـرِ الأنـوثـةِ

مـثـلَ  سِـحـرِ مُـضَـيِّـفـاتِ خـطـوطِ هـولـنـدا

فـإنَ الـفـرقَ بـيـنـهـمـا كـمـا بــيــنَ الـحـصـى والـلـؤلـؤةْ

*

فـإذا انـتـهـيـتُ مـن اعـتـذاري ســاعـةً أو ســاعـتـيـنِ

تـظـلُّ شـهـراً بـالـمَـلامـةِ  و " الــتـِـدِرْدِمِ  " والـعـتـابِ مُـعَـبّـأةْ (***)

*

كـان اتـفـاقـاً بـيـنـنـا

وأنـا أحِـبُّ الإتـفـاقـاتِ الـتـي تُـبـقـي مـلاءاتِ الـسـريـرِ

لـحـفـلٍ مـحراثـي وتـنُّـورِ الـعـنـاقِ مُـهـيّـأةْ

*

لـكـنـنـي فـي الـشـعـرِ أنـسـى الإتـفـاقَ

أطـيـعُ زورقـيَ الـعـنـيـدَ إذا يُـغـادرُ مـرفـأهْ

*

الـشـعـرُ أنـشــأني

ولـسـتُ أنـا الـذي قـد أنـشـأهْ

*

والـشـعـرُ مـبـدئـيَ الـحَـنـيـفُ ..

أنـا امْـرؤٌ غـلـبَـتْ طـبـائـعُـهُ الـتـطـبُّـعَ

سـوف يُـردى لـو يُـجـانِـبُ مـبـدأهْ

***

السماوة 22/6/2020

***

يحيى السماوي

...........................

(*) من مجموعتي المعدة للطباعة والنشر قريبا (التحليق بأجنحة من حجر ) والتي كتبتها في سجني القسري خوفا من جائحة كورونا .

(**) عمشة العين: العين  المريضة التي تسيل دمعا  ..

(***) دردم: المرأة التي تروح وتجيء ليلا ـ وفي اللهجة الشعبية العراقية تعني الكلام المتواصل غير المجدي ، وهو المعنى المقصود في النص .

 

 

حسين يوسف الزويدذاتَ شوقٍ وانغماسٍ في متاهاتِ الحنينْ

حَلَّ في القلبِ صداعُ الوجدِ

و انداحَ اليقينْ

جَبلُ الغيمِ مِنَ التهيام أغوتْهُ الهُبُوبْ

من رياحٍ أغرَتِ السفّانَ في نشر الشراعْ

يُنشِدُ الضلِّيلَ من (توضِحَ) و(المقراةِ)

مِنْ أرضِ (دَمُونْ)

سارَ حادي السُفْنِ لا يلوي على

أيِّ ضياعْ

سادراً ينوي رُسُوَّاً عِنْدَ

شُطآنِ المتاعْ

لكنِ الأقدارَ شاءَتْ

غَسَقٌ بالجوِّ لاحْ

وعلى الأفقِ تمطّى من عَتيٍّ ورياحْ

عَبَثاً حاوَلْتُ تثبيتَ شِراعي

في عتوٍ في أقاصي الكونِ  صاحْ :

لا صدى بينَ يدينا

لا دواءً من جراحْ

ضاقَتِ الفكرةُ عندي

أينَ ذيَّاكَ (البسيطْ)؟

أنتَ بحري يا بسيطاً

وبه يعلو الصياحْ

                      ***

قِفْ بالنمِّيصةِ (١) وانظرْ في روابيها

                عَمّا جرى من عذاباتٍ، سَترويها

إبّانَ كانَ الهوى في القلبِ مُضْطَرِماً

                 والنفسُ لا ترعوي، تبغي أمانيها

و كيفَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

            سكنى الدوارسِ هامت في مآقيها(٢)

قد عِيْلَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

               قـطـوفُـها وأنـا كالـطـفـلِ أبـغـيـهـا

لو أبصرَتْ ميتاً في التُربِ عاشقتي

                كأنـمـا ذاقَ  مـاءَ العيشِ مـن فيها

قد كانَ بَحرو هواها لاطماً لَجِباً

              وكنتُ غُمْراً، تـجـاريـبـي تُماريـهـا

تجري السفينةُ لا يـنـتـابُها خللٌ :

                  ها قَدْ حَجَجْتُ الى أسوارِ واديها

وَ ذاتَ نَحْسٍ طَغَتْ في الأفقِ زوبعةٌ 

                  وهاجَ في اليَمِّ شيءٌ من عواتيها

حاوَلْتُ أنْ أمنحَ الأحلامَ أشرِعَةً

              كي أُرسيَ النفسَ في أحلى مراميها

لكنَّها سَوْرةُ الأحزانِ قد هَطَلَتْ

               أرْخَتْ سدولاً وما أدرَكْتُ شاطيها

لكنني سوفَ أرقى للنجومِ وإنْ

              تأتِ العواصفُ قلبي، سوف يُدْميها

        وسوفَ أنشرُ فوقَ الغيمِ أجنحتي

               وسوفَ أقطفُ في الأحلامِ، عاليها

و سوفَ أنهضُ كالعنقاءِ مشتعلاً

                 من الرمادِ  ويحبوني المدى فيها

                   ***

 د. حسين يوسف الزويد

.....................

 (١) النميصة : اسم موضع في قرية الحورية بالشرقاط مسقط رأس كاتب هذه السطور.

(٢) كي تتضح الصورة عنذ القارئ فأن موضع النميصة يقع قبالة (تل الحويش)  والذي اتخذه اهالي المنطقة مقبرة لموتاهم.

 

     

عبد الله سرمد الجميلغابتْ مطارقُهم عنِ الأسماعِ

            والصمتُ رانَ على صدى الإيقاعِ

كانَ الضجيجُ الشاعريُّ ملاذَهم

         من صرخةِ الموتِ التي في الناعي!

لكأنما الإزميلُ ريشةُ عازفٍ

            نحتوا بها صَرْحَ الهوى المُتداعي

وحَسِبتُهم من آلِ داؤودٍ؛ لهم

                   لانَ النحاسُ بشكلِهِ المِطواعِ

مالُوا على تلكَ الكؤوسِ لِيثمَلُوا

                   فَرَأَوْا وجوهَهُمُ ببطنِ القاعِ!

يا دلَّةً عربيّةَ الأوجاعِ

                   كسَرَتْ فناجيني شِفاهُ ضِباعِ

خلَتِ الرفوفُ منَ الصحونِ فما ترى

                       إلّا طُيُوفَ بريقِها الخدَّاعِ

كانت لمعجزةِ النحاسِ حكايةٌ

                        تُتلى من الأجدادِ للأتباعِ

يُحكى بأنَّ العُمْيَ يوماً أبصروا

                     لمّا رَأَوا من وَمضِهِ اللمّاعِ

هذا الهدوءُ المُستفِزُّ سينتهي

               وبريدَ خيرٍ سوفَ يُلقي الساعي

               ***

د. عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

 

صحيفة المثقفمَلَلْتُ الحَجْرَ المنزلي بسبب الكورونا .. ما أنْ تَلَحْلَحتِ القيود، بعد عدة شهور، وسُمحَ لمحلات الحلاقة والمقاهي وبعض المطاعم الصغيرة بمعاودة عملها وفق ضوابط صحية، خرجتُ مثل طائرٍ فَرَّ من قَفَصه، إلى مقهى أتردُّد عليه مع شلّةٍ من الأصدقاء، أحياناً .

النهارُ في برلينَ مُتردّدٌ، لا يعرف كيف يحسم أمره، أيكونُ صحواً، أم..!

تُطلُّ الشمس تارةً، وأخرى تتوارى خلف طبقة سميكةٍ من الغيم تُهرولُ نحو الشرق .

شَمَمتُ في الهواء رائحةَ مطر، لمْ تثنيني عن الخروج .

**

جلستُ إلى طاولة صغيرةٍ في المقهى، عند شباك زجاجيٍ كبير أمام مدخل متنزه فريدريش هاين .

بدأ المطرُ حُبَيباتٍ .. لم تلبَثْ أنْ تزايدَت نَثيثاً . بعدَها صارت مِزنَةً، فعاصفةً راحت تَجلِدُ زجاجَ الشبابيك، مصحوبة بقصف رعدٍ مخيف ...

وئيداً أحرّكُ الملعقة في قدحِ الشاي، لاهياً أرقب المطرَ ينهمرُ بخيوطٍ كثيفةٍ متصلة . إختنقَتْ فتحات الصرف في الشارع، كأنَّ سيلاً عارماً إجتاحَ الشارعَ ... قفزَتْ إلى خاطري قصيدة السياب  " إنشودة المطر "، لاسيما:

[ .. أَتعلمينَ أَيَّ حزنٍ يبعثُ المطرْ ..؟

وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا إنهمَرْ ؟

وكيفَ يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟ ]

**

المشهدُ، لوحده، وما إستدعاه "مطر السياب " يُغني عن وصفِ الفرقِ بين السرابِ والمطر !!

*  *  *

مَنْ أَنا ..؟!

أنا واحدٌ من أولئكَ المَطحونينَ بين رحى الغربة والوطنْ ...

أنا مَنْ نهبوا وطنَه وتأريخَه، حوَّلوه ساحاتٍ يرقُصُ فيها الردّاحونَ والمُنَوّمون بالغيب والخرافة،

إلى جانبِ قِطعانٍ من ميليشياتِ القَتَلَة المُنفَلِتة من كل عِقال ...

صَيَّروه نُكتةً للغادي والآتي.. وحكايا خُرافاتٍ ...

**

كمْ من مرةٍ قُلنا " نموتُ ولن يمرّوا "...

ها همْ ... !!

مُتْنَا ومَرّوا!.. بلْ مَرّروهم !!

أكنّا نتبعُ حُلُماً كي نراه، ويتبعنا كي يرانا..؟

أما كانَ في وُسعنا أنْ نُغافِلَ أعمارنا ونُربّي أيامنا قليلاً، لنَستشرِفَ ما سيأتي؟!

كُنّا نغنّي كي نُلهي المسافةَ عنّا، علَّنا نضفرُ بعزيمة جديدةٍ لنواصلَ المسير!

آهٍ من أرجُلٍ بَرَتِ الحجارةَ وقطَّعَتْها دروبٌ أوصلَتنا إلى أكثر من بيتٍ، إلاّ بيتنا !!

*  *  *

منذُ ماتَ محمدٌ إبنُ عبد الله، إنفَرطَ "الصَحبُ" ...

دُقَّتْ طبولُ الحربِ، وإشتعلَ التناحرُ على السلطة،

حربٌ سياسية / مَصلحيّة بإمتياز !! لا علاقةَ لها بالإيمان والمقدّسات كما يزعمون ..

سالَت فيها، ولمّا تزل إلى اليوم، أنهارٌ من الدماء ... وما من حكيمٍ أوقَفَ الفِتنَة / المَقْتَلَة !

**

ما شأننا نحن الآنَ، بعد 1368 سنة، بتلك اللعنة .. ؟!

أنكونُ جئنا إلى الحياةِ خطأً، لنكونَ أضاحي لهذا الخَبَل ؟!!

ما شأنُ أطفالنا وزوجاتنا بسلالة الجنون والمجون ؟!

حروبٌ تتناسل حتى الساعة، ليس لنا فيها ناقة ولا جَمَلْ ؟!!

تَجوعُ الناسُ وتَعرى، وما فَتىءَ البرابرةُ يقرعون طبولَ الموتِ ،

ما شأنُ مئات الآلاف من القتلى، من "الجزيرة" حتى خراسان وما بعدَ خراسان ؟!!

*  *  *

إذا كُنّا نَقيسُ المدى بمنقار لَقْلَقٍ، وغمزةَ الحبيبِ بشفرةِ وردة ...

فما بالُنا نعجزُ عن توصيفِ مَنْ يَفتَدينا كي نحيا ؟!!

أَترحَمُنا البَسمَلَةُ والحوقَلَةُ حين نسألُ الليلَ حُلماً جميلاً ؟!

وهَلْ يمرَضُ الحلمُ كما يمرضُ الحالمون ؟!

رصاصٌ لئيمٌ أَفزَعَ الشهداءَ من ذكرياتٍ لمْ يُدونونها ...

أما كانَ من حقِّهم أنْ يزرعوا النعناعَ كي تَقلَّ رائحةُ الظُلمِ والظلام ؟!

ويناموا أَبعدَ من مدى "البَرنَوْ" في زمنٍ تحجَّرَ فيه الكلام ؟؟

**

أيها النائمونَ فينا، مِنّا عليكم السلام !!

إذهبوا إلى النومِ، سنصحو ونَحرسُ ذكرياتكم / أحلامكم من عَبَثِ مُتزلّفي الرثاء ..

ومن تُجّارِ الرِثاء الرَث، "الرَوزَخونيّة"* !

ناموا قليلاً، هذا المساء ... لنْ نُعاتِبُكم على طولِ الغياب،

ناموا ، خبّأنا أسماءكم في شغاف القلب،

لنْ تَكبروا أو تمرضوا وتشيخوا مثلنا ...

ناموا، وكونوا نشيدَ الذي لا نشيدَ له ...

ناموا ، فمن حقِّكم أنْ تُصدِّقوا أحلامَكمْ، وتُكذّبوا ما يُلفِّقونَه الآنَ من "وطن !"..

تُصبحونَ على وطن، عَصيٍّ على التصدير إلى "الجوار" !!

وطنٍ يأبى التَفَتُّتَ كبَعْرِ الماشية !

تُصبحونَ على وطنٍ معافىً، بلا خُرافاتٍ ... مليءٍ بشقائقِ النُعمان، حلوٍ كأحلام الصغار ...

***

يحيى علوان

...................

* الروزخون، هو مُقريء في كتاب (روضة الشهداء) يستخدمه خطيب المنبر الشيعي حين يروي قصة مقتل الحسين بن علي. والروزخون منحوتة من أصلٍ فارسي (روزة خوند) بتحويل الضاد زاياً في الفارسية ! وحُذفت الدال لتسهيل النطق بالعربية . يرادُ بذلك باللهجة العراقية ودول الخليج إنتقادَ ترديد مقولاتٍ قديمة جرى تحنيطها خارجي سياقها الزمني لأسقاطها على كل كل زمانٍ ومكان ...!!

 

حسين فاعور الساعديفي حضرةِ القطيعِ

من قبيلتي وعزوتي الأخشان

أضعتُ قهوتي

ومتعة َ الصباحْ

أضعتُ رهبة الوديانِ

حين تهدأ الرياحْ...

أضعتُ مرجَ القمحِ

حقلَ النفط ِ

ضاعتْ مهرتي

واشتدّت الجراحْ

أطلقتُ لحيتي

وصرتُ باسم الله أسحبُ السلاحْ

**

في حضرةِ الجزارِ

أو في هكذا حضور

ينفذ ُ الكلامُ

تنتهي اللغاتُ

يبدأ الحوارُ بالبترول ِ والدوﻻر

**

ما أروعَ القطيع

في شرقنا الممتدّ

والفسيح ِ والغنيّ والبديعْ

ينامُ والذئابُ في الأطرافِ تأكلُ الخراف

يجترُّ...

ﻻ يفرُّ

ﻻ يخاف

**

في حضرة الحضورْ

من ممثلي "الجمهورِ"

من ممثلي مصانع السلاحْ..

ممثلي منابر ِالكلاب ِ والنباحْ

ممثلي مراكزِ التزييفِ

والتلفيقِ والتشويهِ

والتسميمِ والكساحْ

ممثلي مواقعِ التجهيلِ ِ

والتضليلِ والتجميدِ والتشريحْ

ممثلي مراكزِ التجويعِ والإفتاءِ واﻻفقارْ

والتفتيت ِ والتقطيع ِ والتسليحِ

حتى دولةِ القبيلةِ الغبيةِ البلهاءِ

ﻻ مجالَ غير الحربِ والدماءِ

والبكاءِ حيث يمكن البكاءْ

**

في حضرةِ القطيعِ

حين تصبحُ القبيلة ُ الغبية ُ البلهاءُ

دولة ً تجنـّدُ الأحلافَ

تحضنُ الأعداءَ

تقصفُ الطيورَ والورودَ والأحلامَ

تحرقُ الأطفالَ والعاداتِ والأعرافْ...

تقطّع الأحياءَ بالمنشارِ

تـُعدمُ العجوزَ والرضيعْ

بدأتُ في دوامتي أحتار

**

في حضرة ِ الحضورِ

أو مع هكذا قطيعْ

في شرقنا الممتدّ والبديعْ

لا بدَّ من جَنين ٍ آخر ٍ

جديدٍ

ينعشُ الواحاتِ والحقول والأنهارْ

يُعيدُ للأرحام ِ طُهرَها...

لا بدَّ من ولادة ٍ تُعيدُ

للأمومة ِ العذراءِ دورها

لا بدَّ من ترميم ِ جودة البذار

وفحص ِ دورة َ الفصولِ والأمطارْ

لا بدَّ من تغيير صيغة الخطابْ

وحذف ِ الصفرَ من جداول ِ الحسابْ

لا بدَّ من تمحيص ِ ما يقولـُهُ الإمامُ

قبلَ البدءِ بالصلاةْ

ورصدِ كيف تُـصرفُ الزكاةْ

وتركِ الباب كيفما أشاءُ أعبد الإله

**

لا بدَّ يا ممالك "اليزيد"

من طيّ صفحة التجهيل ِ

دفن ِ دولة العبيدْ

لا بدَّ من إعادةِ التدوين والكتابْ

فقاتلُ الحسين ِلا يزالُ بيننا

وفي بيوتنا

يمارسُ الإخصابَ والإنجابَ

يمنعُ التفكيرَ والتدوينْ

يوجّهُ القطيعَ

لا يقدّمُ اعتذارْ

**

في حضرة القطيعْ

يضيعُ ما يضيعُ

يدفعُ السلطانُ...

يُسكتُ الجميعْ

يصبحُ الجبانُ قائداً

ويصبحُ الدجالُ كاتباً

ويصبحُ الثرثارُ شاعراً

تـُناقشُ الأمور بالثغاءْ

وينضبُ العطاءْ !

**

في حضرة القطيعْ

تـُـداس النعجةُ الهزيلةُ العرجاءَ

يغمرُ الطفولة َ الضجيجُ والضوضاءُ

تصبحُ الأحلامُ كسرةً مبلولةً بالماءْ

**

لا يغضب القطيعُ

لا يثورُ

قد يواجهُ الأخطارَ

قد يغـبُّ

قد يُصابُ بالدوارِ

تأكلُ الذئابُ نصفـَهُ

يظلُّ صامتاً......

لكنـّه إن جاعَ

يبدأُ الصراخَ والثغاءْ

فقولُ الفصل عنده ُ

ما بينَ الكرشِ والأمعاءْ

**

في حضرة القطيعْ

تـُحققُ الأحلامَ دولةٌ وهميةٌ

ويشعلُ الصراعَ منصبٌ وهمي

يُوجّهُ الأجيالَ جاهلٌ أمّي

لا مكان للإبداعِ والذكاءِ

لا مجالَ للتدقيقِ والتمحيصِ

لا مجالَ للتفكير والإصغاءْ

فبعضُهُ في كلـّه يضيعْ

وكلهُ في خدمة التدجينِ والترويضِ والتطبيعْ

لتصبح الحبيبة : الغانيةَ الممشوقةَ البيضاءْ

وفارس الأحلام : جثة ً كبيرةٌ،

سيارةٌ وسرعة انتصابْ!

**

في حضرة القطيعْ

تشتد ُّ حالة الغيابْ

تزدادُ ساحة الخرابِ

يكثرُ التلقيح ُ والإنجابْ

شعوبُنا مكسورةُ الجناح

ترابُنا مشاع ْ

أحلامُنا سرابْ

يزغردُ الرشاشُ بيننا

لأتفهِ الأسبابْ

ويَحسمُ النقاشْ!

فاللحية ُ الطويلةُ المقياسْ

والجثة ُ الكبيرةُ المعيارْ

كم نغيبُ في الغياب

وفجرُنا الجميلُ خلفَ الباب

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

عبد اللطيف رعريبعِشقِي هذا حينَ تكتملُ

اللَّذاتُ..

سأنقرُ السَّماء بأعوادِ الثقابِ

لتلِدَ الغَيْمة فجرًا

ثمَّ..

فِي واضِحِ النَّهار

سَأمنحُ دمِي شرَابًا للعَذارَى

وأقفُ على سَاقٍ

أمَامَ

مدخَلِ

الصّحراءِ...

فكلَّما، احتَرقَ طائرٌ بدُخانِ المَوتى

أزنُ رِيشهُ

بمِقدارِ المَاءِ الهَاربِ

تحْتَ قدَماي...

فأنْ نمَتْ في كُفوفي

دَالية

فسأرُشُ النّهر بنبيذٍ خاثرٍ

وانْ أصِيبَ الرَّمْلُ بزَعلِ الرِّيحِ

فسأغمضُ عينِي

حتَّى تنتهِي السَّكرَة

وأستَحمُّ بوَابلٍ

مِن القُبلِ ...

لَعلَّ الله فِي خلْوتهِ

يَرسُم أخرَ الصُّورِ

لقدسيةِ

الأنبياءِ...

عَاريًا إلاَّ من عِشْقِي

سأجُوبُ كُلَّ القلُوبِ وأزرعُ

ورْدةً ...وأكثرَ..

بتَمامِ عرَائِي

أيضًا سَأصلِّي لمنْ غابْ

وأصَلِّي لمن حضرْ...

وأطَاوعُ جريانَ النَّهرِ.

هكذا,كلمَا أومأتُ بعَينٍ,تسْقطُ الأخْرى

في التُرابِ

فإمَّا إعْصارٌ في الانتِظارِ

وإمَّا أبْوَابًا تخلط ُشَخيرَ العانِساتِ بالبكاءِ...

سأمُوتُ عُمرًا بينَ الأغْنياتِ

واضعُ للمنتهَى شُرُوطاً لوأدِ الأحْكامِ...

على قارعةِ الطريقِ

سأقفُ بخَجلِ الأمَّهاتِ

فأعَاتبُ الشَّجَرةَ الأصْل

وأتمَادَى بدُون وقفٍ فِي عَرائِي

حتَّى تنامُ القَبيلة فِي نَحيبٍ مُطلقٍ

علَى

قارِعَة ِ

الطرِيقِ....

سأدقُ مِسمارًا عَلى لوحٍ إشهارٍي...

وأعلقُ مِعطفِي الحزِينِ

وحِذائِي الضَّاحكِ لكُلِّ الجِهاتِ ....

حتَّى أذا مرّ عَريس المَجانين

يشْهدُ بوَفائِي للعَراءِ..

وإذا مرَّتْ دورٍيَّة المُخبرينَ

تنهِي لعلمِ الحَاكمِ

انتِهاءَ صَلاحيتِي فِي الكلامِ

على

قارِعة

الطريقِ

سَأصَففُ اليابِساتِ مِن وَرقِ الشَّجر

وأدُوسُ عَليهَا قبلَ مَولدِ الحرِّ

فانْ هِي تغبَّرتْ أدُسَّها فِي جيبِ الرِّيحِ

حتَّى تتعرَّشُ مِن جَديد

وأصَفِّفُها يابسَة وأدُوسُها

فانْ هي تَشجَّرَتْ فأحبالي تواً

جَاهزَة للانتِحارِ

وعلى شَاهد ِقبرِي أدوِّن ُعبارَةً للخُلودِ

هنَا

يرْقدُ

شاعِرٌ

يرد ُّ

الوهْم

للوراءِ...

***

بقلب عبد اللطيف رعري/منتبولي فرنسا

 

عبد الرزاق اسطيطوالحكاية الثالثة

كانت السماء ملبدة بالغيوم السوداء ، والجو شديد البرودة، ظل الفلاقي كعادته عند كل مساء وهو جالس فوق تلة معشوشبة يراقب تكاثف السحب و أسراب الطيور والحمام العائدة إلى أعشاشها في انتظار مجيء رفيقه "أبو الفانوس"" الصياد الوحيد الذي يصطاد السمك بالنهر ويحمله الى سوق المدينة من أجل بيعه وإطعام صغاره ... تعرف عليه الفلاقي عندما نزل الى النهر هاربا من الشرطة، و"أبو الفانوس" هذا رجل في الأربعينيات من عمره متوسط القامة نحيف الوجه غائر العينين أسمر البشرة، بدأ الشيب يغزو شعررأسه، وكانت له مكانة خاصة عند الفلاقي، يحدثه، وينصت إليه باهتمام، ويساعده على جمع السمك ووضعه في السلة، أومراقبة شبكة الصيد وهي في مياه النهر، لأن "أبا الفانوس" كان الوحيد الذي يحمل للفلاقي الطعام، ويقتسم معه سجائره وقهوته، وأحيانا كثيرة يجود عليه ببعض الأسماك لكي يجعل منها وجبة غذائه أو عشائه..عندما طال انتظار الفلاقي ويئس من ظهور" أبو الفانوس" وفتك به الجوع .انسل كعادته إلى ضيعة ولد الحوات ونسي أن خبره قد شاع بين الكل، وتجاوز البلدة إلى البلدات المجاورة، وأن الأعين مفتوحة عليه في كل مكان بما فيها عيون الشرطة التي لا تنام..وولد الحوات أوالعرايشي جاءت به إلى ضفاف وحقول نهر اللوكس زهور بنت العتال التي ورثت عن والدها ضيعة أشبه بجنة فيحاء على الأرض، وهي مازالت في رعيان شبابها تفيض حيوية وجمالا تعرفت على ولد الحوات كما تشاء الصدف ذات مساء ممطرحزين ، وهي تركب الحافلة عائدة من المستشفى الإقليمي، بعد زيارة لوالدها المشرف على الموت نتيجة مرض لم ينفع معه علاج، تبادل أطراف الحديث أثناء الرحلة فأعجبت بأدبه، ومغامراته في البحر، واشتعل الحب في قلبيهما ونمى وترعرع مثل الأغصان المورقة المثمرة، فتعددت اللقاءات على شرفة أطلنتيك. ومن هناك عرفته على والدها الراقد بالمستشفى، كما لو أنها تريد له أن يموت، وهو مطمئن عليها. وفي المقابل عرفها حسن على أسرته بديورالحواتة، وهوحي يسكنه البحارة يقع بالقرب من ليكسوس التي شيدت على جهة اليمين من مصب نهراللوكوس من المدخل الشمالي لمدينة العرائش، بالقرب من هضبة " التشوميس" المطلة على البحر، ومصب النهر حيث موقع أنتيوس، ومعركته ضد هرقل، وحدائق الهسبريسات بتفاحها الذهبي..

كان والد حسن بحارا، ورئيس مركب للصيد، ومسؤولا عنه نيابة عن مالكه، يتمتع رغم كبر سنه ببنية قوية وقامة شامخة كأشجار النخيل، جميل الوجه والعينين تزين محياه ابتسامة لاتفارقه أبدا ، تنتابه حالة شرود كما الشعراء كلما اجتمع مع أسرته أو جالسه أحد على المائدة.. وقد ورث عنه حسن كل شيء بما فيه حب البحر، وركوب أمواجه. ومنه تعلم الشيء الكثير عن البحر، والصيد ، والمرأة التي كان يشبه جمالها، وعمقها، وتقلب أحوالها ومشاعرها بسحر البحر وتقلب أمواجه ...غير أن الشرط الذي وضعه العتال والد زهور من أجل القبول به كزوج لابنته قلب حياته رأسا على عقب. فقد طلب منه أن يترك الصيد ويهجرالبحر ويعيش مع زهور بالضيعة المطلة على النهر.

وهكذا تحول حسن من العيش في البحر إلى العيش على ضفاف نهراللوكوس معتبرا ذلك تضحية منه في سبيل الحب، ومنذ وطئت قدمه ضيعة زهور بنت العتال أصبح حسن معروفا لدى العسس، و أصحاب البساتين والضيعات خاصة خوسيه بولد الحوات العرايشي ... وخوسيه هذا راود أكثر من مرة زهور على نفسها..وكانت زهورامرأة قوية وجذابة إضافة إلى غناها ...تشتغل في الضيعة بلا رحمة ولا هوادة إلى أن حولتها إلى جنة فيحاء على الأرض.. لا تراها تضحك إلا ساعة جني الغلة. وكان الكل يضرب لها ألف حساب أكثر من زوجها .خاصة العسس ، وخوسيه الذي إذا جمعته معها الصدفة يحييها بأدب، و يطرق برأسه إلى الأرض ويشبك يديه خلف ظهره احتراما لها، وحبا لسواد عينيها كما يقول العسس، وهم يتغامزون عليه.. وعندما فشلت خططه، عرض عليها الزواج، قبل أن تتزوج بولد الحوات، وقد كانت ترد على رسله من العسس دائما بجملة واحدة قائلة :" ياك ما انقرضوا المغاربة وبقا غراسبانيولي بورقعة هذا تزوج به زهور" .

مرالفلاقي بحرص شديد بجانب صناديق النحل، وحظيرة الأبقار، واسطبل الخيول، والبئرالمغطاة بدالية العنب، وأشجار الرمان المتدلية فروعها وأغصانها على الأرض القريبة من سور القصب، والباب الخلفي للضيعة المفضي إلى أحياء المدينة، ومقبرتي النصارى واليهود ببلعباس.. وقبل أن يصل إلى أشجار البرتقال والتفاح بخطوات قليلة باغتته ضربة قوية من الخلف من عصى غليظة لإحدى العسس نزلت على كتفه كالصاعقة فسوته بالأرض .. حضرحسن ولد الحوات مع عسسه وأشبعوا الفلاقي ركلا ورفسا وسبا، وألصقوا به كل ما التهمته مؤخرا الثعابين، وسرقه العسس من الضيعة من حجل وحمام وبيض وفراخ ورمان.. وانضمت إليهم زهوركعاصفة هوجاء.. قالت بصوت مسموع وهي تقف على رأس الفلاقي: "كنا نظن أنك تبت وجننت بعد واقعة خوسيه لكنك ربما مازلت بعقلك وتحتاج مرة أخرى لمن يربيك..وسوف أحسن تربيتك وستكون آخر درس لك. لأنها سوف تكون آخرمرة تطأ فيها قدماك ضيعة بنت العتال" .

كان الفلاقي ينظر إليها، وفي عينيه حزن وغضب طفل لا يعرف لماذا يتناوب عليه الإنسان والزمان بهذه القسوة. ولماذا يصران على تعذيبه وإذلاله كل مرة، فامتزجت آلام جسده مع آلام روحه فزادته سخطا وجنونا على الكل.... وعقابا له على تجرئه وجسارته عروه من ثيابه، وكبلوا يديه، ورجليه بأسلاك صدئة، ثم لفوا عليه حبالا قوية وأنزلوه ككيس من الأكياس الثقيلة إلى قاع بئرعميقة ، شديدة الظلمة والبرودة. حيث تقبع الثعابين، وتعيش الضفادع، والحشرات. ظل الفلاقي مكبلا عاريا تصطك أسنانه من البرد والخوف من ظلمة البئر. يزيده رعبا وخوفا احتكاك جلد الثعابين والضفادع بجسمه ... تجمدت أطراف يديه، ورجليه وبدأ يغيب عن الوعي شيئا فشيئا، فتراءت له الخيول تركض في النهرجامحة، تظللها أسراب طيور بألوان، وأحجام مختلفة، وخلفها عيشة تعدو، وتمرح كطفلة، وهو ينادي عليها بصوت خفيض متقطع منكسر " عيشة.. ع.. ي.. شة.. عي...شة." فسمعت صوته فمدت له يدها، وهي تقول له ضاحكة والريح تعبث بخصلات شعرها من فرط الهوى: " أنا منك وأنت مني فلا تخف من النار، ولا من الماء، ولا من جنوني. فأنا الناروالجنون ، ومنك الماء يفيض علي كالنهر، وينتشر.فأرتوي منه وأغتسل" فهم بها وهمت به، ومن عشقها له ضمته إلى صدرها فانتشر الدفء في أوصاله واشتعل البئرنارا متوهجة فغاب الفلاقي عن الوعي كما يغيب الماء في رمال صحراء مقفرة ..ظل في مياه البئر المثلجة لليلة كاملة ..عند مساء الغد، وتحت أمطار غزيرة باردة أخرجوه ، وألقوا به على العشب المبتل بجانب النهر، محطما ومكوما على نفسه بلا حس، ولا وعي، ولا حركة.. قابضا بأسنانه على لسانه كخروف مذبوح ... وعادوا من حيث أتوا من غير إحساس أو شعور بالذنب ..صدم" أبو الفانوس" من ما رأت عيناه.. وانتابه سخط جارف كالشلال، وهو يقول مستنكرا :" لو كانوا يهودا ما فعلوا به هذا المنكر" ودعا على العسس بالجحيم والخسران.. لم يعرف "أبو الفانوس" ما الذي حدث للفلاقي. نزع بسرعة عن ظهره معطفه البني الثقيل، وغطى به الفلاقي ثم شرع في البحث عن بعض الأغصان، والقصب وجذوع الأشجار، والأشواك اليابسة التي لم يقربها المطر.. جمع كومة من الحطب وأضرم فيها النار بعود ثقابه تحت شجرة الكاليتوس الباسقة ، وقرب الفلاقي منها... ظل الفلاقي على تلك الحالة أكثر من شهر يمشي على يديه ورجليه كحيوان خرافي، ويرتجف من البرد، وانتشرت في جسمه الحمى كالنارفي الهشيم، واشتد عليه عند نزول الليل السعال الشديد، واحمروتقرح جلده، وانتفخ وجهه كأن نحلا لسعه، وظهرت عليه دمامل صغيرة يسيل منها القيح.. رق "أبو الفانوس" لحال الفلاقي فصار يطعمه، ويعالجه بالأعشاب، والمراهيم الطبية، وبعض أقراص الحبوب المضادة للتعفن إلى أن تحسنت صحته....

غضبت عيشة غضبا شديدا من ما فعله ولد الحوات بالفلاقي فألقت بزهور ذات صباح باكر في قرارة البئر، ولم يعرف أحد ما الذي حصل وكيف. وهناك من العسس من أشاع عنها بأنها انتحرت.. ولأن ولد الحوات لم يقدرعلى فراقها جن، وتشرد في شوارع العرائش، وشرد معه أبناءه بعد أن باع الضيعة برخص التراب لخوسيه، وندم ندما شديدا بعد أن بذرثمنها في شرب الخمر، ولعب القمار، والسهر في محاولة منه لنسيان كل شيء... وتداولت ألسن العسس حكايته، ووصلت إلى أهالي المدينة، ومرشدي الشرطة. فمنهم من قال: " انتقمت منه عيشة على ما فعله بزوجها الفلاقي فقتلت زوجته زهور، وجننته وشردت أولاده في الشوارع والأزقة" ومنذ ذلك الوقت لم يعد أحد يقترب من الفلاقي أو يمنعه من دخول البساتين أو يمد يده عليه مخافة أن يلقى نفس المصير الذي لقيه ولد الحوات وزوجته وأبناؤه. وتلك حكاية أخرى .

(يتبع)

***

عبدالزاق اسطيطو

 

رحيم الساعديلوحدك، تموت على ضفة من نهار مؤجل

لوحدك، تحاول ان تحدد نقطة للصراخ

وتعلم ان الزمان قصير

وبعدك لم تنجز المستحيلات التي حلمت كثيرا

ونمت على لحظة من ضوئها

انت لم تقرا كل القصائد بعد

ولم تسقط المطر المنسي بسقف خيالك

ولم تكتب الكتاب الذي

سيجعلك بمثابة ديكارت او افلاطون

ولم تعتذر لكل الذين ظلمت

انت لم تندم من خطاياك العديدة

انت لم تعتذر لتجاعيد أمك

وحزن ابيك

ولم تبك على الضحك

 الذي ضحكت طوال حياتك

لوحدك ... تحاول ان تتنفس هذا العالم

فيشح عليك

وتنسى بانك كنت تقاتل كل الوجوه لتبقى

وكنت تلفق تهم الموت ...

لبعض الناس

وتترسم لللاهين هناك ... اغبى صوت

وليس هناك ثوان لتعتذر

من الطير والشمس من الظل من الورد من النجم

من الله من الخوف ومن هذا الصباح

الذي يمر عليك ولست تراه

لوحدك تتنفس رائحة الموت

ولم تعتذر لأختك قبل ذهابك ، لكي لا تعود

ولم تعتذر لذكرى صديق غدرت

لطفل قتلت

ولم تكترث لكل اراضيك ولون نقودك

ولم تنتبه لكل حاجاتك الباقية

لكل قصاصاتك التي تحتفظ

لوحدك تنث شعورك

وتمطر على غابة ميتة

‫***

د. رحيم الساعدي

 

 

ياسين الخراسانيأشتهي اليومَ ظِلَّ الصنوبرِ.

ليس لِلَمْسِ الظِّلالِ حفيفٌ،

ولا يخْمُش الذّكرياتَ كما يفعلُ

الشّوكُ في حُمْرةِ الوردِ.

يَحمِلني.. أحملُ الضّوءَ عنهُ،

يسيرُ إلى بلْدتي في الشّتاءِ الأخيرِ.

أنا معهُ، لا أبارح ريحًا تداعبهُ.

هو في داخلي مثلَ حُب قديمٍ تَشَابكَ بالشَّعْرِ.

قلتُ أمشِّط أطرافَه بالرُّموشِ.

ولكنّ ظلَّ الصنوبرِ أعلى من الأرضِ...

كيف أعودُ إليَّ إذا طِرْتُ في نَشْوةِ الظلّ؟

 

في تُخومِ الضّياءِ أُعَرِّف نفسي على نفسِها:

لَونُها شاحبٌ من طباعِ السّماءِ،

كأن تَبزغَ الشمسُ في يومِ عيدٍ.

ولستُ طويلا ولكنّ ظِلي بطولِ الصنوبرِ،

تَسكنهُ عُقدة الإرتقاءِ. أراهُ يُحاسبني

إن أطَلْتُ المُكوثَ قريبًا من الشّمسِ:

من قال لي أنَّ أجْنِحتي من شموع وطين؟

 

وتَحْملني في الربيع نَسائمُ عِطرٍ.

أنا واحدٌ بكثيرٍ من الانزياحِ.

ضعيفٌ على وزنِ هذي الحجارةِ.

ألمُسُ أرضي بخفّة قطٍ. أزيل الغبارَ عنِ الوهمِ:

فلتكنِ اليوم مثلي،

تزور خفيفا إذا طُلب الغيمُ في كلماتِ المجازِ،

وتُلقي بنفسِك في البحر ما دامتِ الأغنياتُ

وصيفةَ لحظتنا في السعادةِ.

هل تنْزوي في شروخِ الأنا فُطرياتُ الحَكايا؟

أريدُ خروجا من النّفسِ،

في داخلي وردةٌ لم تر الضّوءَ منذ انتحار المجرّةِ.

اليومَ تترك أرض الغيابِ،

وتهجُر نرْجِسة في سهوب الحياةِ.

ستبكي طويلا فأنت ككلبٍ شريدٍ رأى عَظْمة الحُبِّ،

أو ربّما سار في عَقِبِ الكلماتِ

يحاول فتح الكتاب على صفحة الذكريات القديمةِ.

هل أنت في قُوّة العُمْرِ مثل مصارعِ وحشٍ

وحاملِ رُمحٍ؟ فسدِّدْ إلى جهة القلبِ،

تعرفه جيدا موضع الألم المُتَكَلِّسِ،

ألقِ به نحوَ ظِلّ الصنوبر، هل تعرف الظلَّ؟

أطول من عُمرنا هو أعلى من الأرضِ،

في يده يأكل الفَيْنقُ النورَ، يغسلُ

ريش الأساطير، ثم يعود إلى وَهَجٍ.

لن تنام وحيدا،

فأنتَ وديعة أمٍ لنهر البدايةِ،

أو نَمَشٌ في وجوه الطفولةِ،

أنت كجَدْي الهضاب يُعيقُك صخرُ السفوحِ

وليس لقمة رأسك خوفٌ من الإنحدارِ،

ستختارُ فَصْلكَ في مسرحيةِ هزْلٍ

فلا تكثرت للشّخوصِ،

فأنت الأمير وساقي النبيذِ،

سترقصُ خوفا من الصّمتِ:

-أنتَ إذن ضيفُنا اليوم في سنةِ الهدْمِ

أو لحظة الإنعتاقِ؟

-أنا مثلما قلتَ: أتبعُ قافلةَ الغَجَرِ الطّيبين

يُريحونَ حزن المدينةِ

في لعبة الفرح المُسْتعارِ.

-سنمضي معًا؟ قلتُ لي.

و سنحلُم بالانتشاءِ؟

أجِبني بِحَقِّ الطريق الطويلِ ...

-أجلْ، نَشْوة الظلِّ،

في دَيْرِ صفصافةٍ،

أو ظِلالِ صنوبرةٍ لا تُبالي ...

***

ياسين الخراساني

 

ياسمين العرفي الإهداء إلى ابنتي:

"جودي"


كتبْتَ الحروفَ رسمْتَ الرُّقَمْ

               أنرْتَ الطَّريقَ شحذْتَ الهممْ

وتدري حقيقةَ بوحٍ بحبرِ     

                    فسبحانَ ميْتٍ  بحيّ علمْ

بقدٍّ جميلٍ وطولٍ رشيقٍ       

                      أصالةُ صنعٍ بعيدِ القِدمْ

فمنْ جنحِ طيرٍ صنعْتَ وريشٍ  

                      تقاربَ حبركَ حدَّ اللثمْ

ومنْ شجرٍ قدْ قددْتَ ومنهُ       

                   حفظْتَ لروحِكَ كلُّ الشّيمْ

وناسٌ تبارتْ لصنعٍ بديعٍ    

                  أعادَتْ إليكَ  الَّذي قدْ هرِمْ

خططْتَ الجبالَ وأرضَ الجمالِ

                  وسطَّرْتَ حرفاً لكلّ الأممْ

تميسُ حياءً بكفِّ الحبيبِ    

                    وسحرُ عيونِكَ يأبى ينامْ

على ورقٍ قدْ شدوْتَ فنوناً   

                  تهيمُ بها الرأسُ حتَّى القدمْ

بكفِّ الأديبِ تُرقصُ قلباً

                       تقّبلُ راحاً عليماً رسمْ

تلوّى بكفّ الأنامِ انتشاءً 

                    وترفعُ سُفلاً لأعلى القممْ

وأنتَ بصغرِك للناسِ حاجٌ

                      فعندَ الولاةِ وعندَ الخدمْ

يشيخُ الزَّمانُ ووحدَكَ باقٍ 

                  صغيراً بجسمٍ كبيرَ الشَّممْ

تُعرّي خبايا النّفوسِ وتدري

                       تواريخَ عهدٍ قديمٍ رممْ

فإنْ أهملوكَ فتلك المصيبَةُ

                     سوء النَّدامةِ عقبى النّدمْ

وحسبُكَ ذكرُكَ أوَّل قولٍ

                        وأنَّ بكَ اللهَ قالَ: قسمْ

                   ***

شعر: ياسمين العرفي

 

 

مصطفى عليمن وحي قُصيدة زياد السامرّائي

(قلبي كلْبُها)


 

غدّاءَ يلْهثُ خلْفها روّاحـــا

فَرَهينُها لا يستطيعُ بَراحا

 

هُوَ ظِلُّها قَبْلَ الزوالِ وبعْدهُ

طَرَباً تَمايَلَ حوْلها وإنزاحا

 

مُتَياسِراً في الصُبحِ جَنْبَ فَراشَةٍ

لِيصيرَ مَيْمَنةُ الجَناحِ رَواحـــــا

 

عَلِقتْ عصافيرُ الرُؤى بظلالها

أَعَجِبْتَ إِنْ سَكَنَ الرُبى صَدّاحا

 

زرعتْ رُؤاهُ سِدْرةً قْدْسيّةً

ماإنْفَكَّ تحْتَ ظِلالِها فلّاحا

 

فَبِشهْقَةٍ سكرى قد إنفَرَطتْ عُرى

وَتَفايَضَ التنّورُ ثُمّ إنْساحـــــــــا

 

كَشَهيقِ ناعورِ ألفُراتِ إذا بكى

وأحالَ بادِيَةَ الرُؤى أدْواحا

 

فَنَما بِأهدابِ الخيالِ سَفَرْجَلٌ

عَبَرَ المَجازَ وعانقَ التُفّاحا

 

قد صارَ ذبّاحاً لها وَ ذبيحَهـــا

فَسقى الهوى المذْبوحَ والذبّاحا

 

إِذْ صاحَ قلْبي ، فَرْطَ عِشْقٍ، كْلْبُها

مُتَقَلِّداً معنى الوَفاءِ وِشاحـــــــــــا

 

فَتَوَشّـــحَ المَدّاحُ بُرْدَةَ مِدْحَةٍ

سَكِرَ المَديحُ وأسْكرَ المدّاحا

 

فَفُؤادُهُ كلــــــــــــبٌ وَفيٌّ للّتي

كَسَرتْ دِنانَ الروحِ والأقداحا

 

كلبٌ وفيٌّ عاشَ بينَ ضُلوعِهِ

حتى تغجّرَ هائماً سوّاحــــــا

 

لمّـــا تراءتْ في يبابِ خَريفِهِ

شَطَحَ الخريفُ مُبرْعماً قِدّاحا

 

لا تَسْتَهنْ بالشَطْحِ خلْفَ غزالَةٍ

إِنْ كُنْتَ تجْهلُ فإسْئلِ الشَطَّاحا

 

وأسْلكْ طريقَ العارفينَ مُعاقِراً

ما قد أحَلَّ حَبيبهمْ وَ أَباحـــــــا

 

وَأَدِرْ فُؤادكَ عن صغائرِها كَمَنْ

وَقَقفتْ لَهُ بِطَريقِهِ فَأَشاحــــــــــا

 

هِيَ شَطْحةٌ ، فَرْطَ التَواجدِ، باضَها

فَهَلِ إسْتراحَ بِما غَوى وَأَراحــــــا؟

 

بَلْ سَكْرةٌ صوفيّةٌ وَتَجوْهوتْ

عِنَباً كَدمْعِ العاشقينَ مُباحـــا

 

مِنْ عاشِقٍ وَخَطَ الغرامُ فُؤادَهُ

سكْرانَ مازَجَ لوعَةً وَمِزاحا

 

ياوائِدَ التأْويلَ من شَطَحاتِنا

أَوَ تَقْتُلُ التَلْميحَ واللّمّاحــــا

 

فالْــوارِداتُ سَحائِبٌ موْقوتَةٌ

حَدَّ التَشَظّي تشتهي المِقداحا

 

وَكُرومُ غيْبٍ دمعُها لا ينْتهي

ما دامَ جمْرُ غرامِنا سفّاحــــا

 

وَمِياهُ سِحْرٍ من بِحارِ غُيوبِهِ

مازالَ وابِلُ غيمِها سَحّاحـــا

 

فالْماوراءُ زَمازِمٌ سِحْريَّةٌ

ألْفيْتُهُ للقاصِدينَ مُتاحــــا

 

بازٌ يُحَلِّقُ ماوراءَ تُخومِها

مُتَأبِّطاً هذا السَديمَ جَناحا

 

فَغَدا المُقَرَّحُ من لَظى خُسْرانِهِ

قيثارةً عَزَفت (صَبا ) و جِراحا

 

تَتْرى الخَواطِرُ من دِنانِ بَوَاطِنٍ

وَعُيونِ خافِيَةٍ بَكَتْ أمْلاحـــــــا

 

وَلَهٌ فَسُكْرٌ ثُمّ كَشْفٌ بعدهُ

يرْتَجُّ طورُ كَليمِهِ ألْواحا

 

كمْ فاضَ (غارٌ) في الجِبالِ بلاغةً

قَهَرتْ مُسيْلَمةَ الخَنا و سَجاحـــــا

 

يامانِحاً شَجَرَ الخيالِ دُموعَهْ

بَقِيَ الخيالُ نَديمَكَ المَنّاحـــا

 

داويْتَ مُتّئِداً ولكـــنْ لم يَزَلْ

جَدَلُ النُهى يَتَسوَّرُ الأرْواحا

 

فَوَساوسُ الخُسْـــــرانَ تلْدغُ قلْبَهُ

وَكَمن يصارعُ في الدُجى أشْباحا

 

لمّا كَوَى قَبَسُ الحَقيقةِ روحَهُ

نَزَعَ العِقالَ تَزهُّداًد وأزاحـــا

 

هل يبْرَحُ المَجْذوبُ حِكْمَتَهُ إذا

أودى الجَوى بِوِقارِهِ و أطاحا

 

نَدَمٌ تَفَتّقَ في ضفافِ فُؤادِهِ

نَسِيَتْ تُرَتِّقُ جُرْفَهُ فَأَقاحا

 

كَدَمامِلِ الأعماقِ يَفْقَئُها الــــذي

جَرَحَ الرُؤى و تَقمَّصَ الجَرّاحا

 

وإذا شُكـــــــوكٌ لامَستْ وجْدانَهُ

نادى اليقينُ على اليقينِ وَ صاحا

 

ياموقِنينَ بصيرتي قَحَطتْ فهلْ

قَبَسٌ لديكم سادتي قد لاحـــــــا

 

صَمَتوا خُشوعاً ثُمّ غابوا في السُرى

وَسَرى بِأسْرابِ القَطــــا نَوَّاحــــــا

 

بَكَتِ السفينةُ دفَّةً مهْجورةً

وَنَعتْ هَديرَ اليَمِّ والمَلّاحا

 

يادالِياً في الماوراءِ دلاءَهُ

مُتَصيِّداً ما يُسْكِرُ المُتّاحا

 

إمْلأ دلائكَ للمُقَرّحِ خمــــرةً

مُزِجَتْ رِضاباً طيِّباً وَقَراحا

 

تَتَشَيَّصُ النخلاتُ في الاعماقِ إِنْ

لَمْ تلْقَ من ماءِ الخيالِ لَقاحــــــــا

 

في الليلِ يحْرُسُ شُرْفةً في روحِها

لم يخْشَ أمطاراً هَمَتْ وَرِياحــــــا

 

وَقُبيْلَ ديكِ الفجْرِ يطرُقُ بابَها

مُتَشوّقاً قد ضيّعَ المفْتاحـــــــا

 

لِيَشُمَّ قهْــــــــوةَ دلَّةٍ بَدَويَّةً

والهالُ ينشُرُ عطْرَهُ فَوّاحا

 

فَيَتيهُ كالطاووسُ ينفشُ ذيْلَــــهُ

وَكَمن تعاطى الروْحَ ثُمّ الراحا

 

لِيُباشِرا مَشْيَ الصباحِ سَويّةً

فَيَرى الضياءَ بِقلْبهِ مِصْباحا

 

وَلَكم رأيْتُهما يسيرانِ معـــاً

قلباً وَشاعِرَهُ الحزينَ صباحا

 

وَهُناكَ عِنْدَ الجسْرِ يرْبطُ قلْبَهُ

مَنْ ذَا سَيُخْرِسُ قلْبَهُ النبّاحا

***

مصطفى علي

 

 

عدنان الظاهرأولاً :

ما ردّتْ ..

كيفَ تردُّ وقد سَدّتْ

شُرُفاتِ البيتِ بخِرسانةِ إسمنتِ

وطَلَتْ جُدرانَ الرُدهةِ بالفحمِ سَخاما

قالتْ أرهَقَني عَرَضٌ لا أدري كيف أُداري خسراني

الصرخةُ في داري أُعجوبةُ أولادِ الشيطانِ

جاملتُ وأربيتُ على حافاتِ الأخبارِ سلاماً

ما ردّتْ ..

أصغتْ شَتَمَتْ أسنانَ الذئبِ العاوي

الفُرصةُ منها ضاعتْ

مسّدتُ ذِراعَ اللوعةِ في قبضةِ " شمشونِ الجبّارِ "

يُدلي دلوَ " دليلةَ " في مضمارِ البئرِ الهاري

لو فيكِ براءةُ ما فيها عيناً أو خدّا

قرأتْ عنوانَكِ دقّتْ سَوءةَ بابِ الظنِّ مِرارا

سألَتْها ما ردّتْ

شأنَ اللاعقِ سُمَّ الغدّةِ في نابِ الأفعى

يصلى شمسَ الحُمّى في جمرةِ نيرانِ الصيفِ

رُدّي يا هذي .. ما ردّتْ

صَفّقتُ فطارتْ ..

طارَ الوعدُ ذِراعاً مخلوعا

عانى مِنْ ثُمَّ هوى صَرْحاً جبّارا

ثانياً :

ناموسُ الإشراقِ ثقيلُ

بُشراكِ أَعيدي ما فاتكِ في عيدِ الإنشادِ

زينةُ أقواسِ النصرِ كواعبُ غيْدُ

بُشرى ترديدِ الصوتِ الراقي

أنَّ التغريدَ ملاعبُ إطلاقِ التنهيدِ

أنَّ السقفَ العالي أوطأُ من فِتْرٍ في شبْرِ

لا أرحمُ جبّارا

يتأرجحُ في أُفُقٍ مُختارٍ مُنهارِ

لولا تغريدُ الأوتارِ لما شقَّ طريقا ..

التاجُ المَلَكيُّ سَحابةُ ياقوتِ عقيقِ

الذُروةُ ماسُ جليسةِ إكليلِ العرشِ

مَلَكٌ بالصرْحِ الأمردِ يأتيها بلقيسا

أُبَهةً حوراً عينا

السندسُ في كوثرِ كأسِ الرأسِ خُمارُ

مِصرٌ تأبى والحَضْرَةُ والنيلُ

ناداها " جبريلُ " وجبّرَ كَسْرَ التأويلِ.

***

عدنان الظاهر

تموز 2020

 

 

 

صالح موسى الطائيالفجرُ يفوحُ بعينيك َ

مختصرا ً كلَّ الحياة ْ

يا ناقرَ حَلمات ِ البراعم ِ

بالحُبّ والرعشات ْ

 

يلتفّ ُ عليكَ الغصنُ حبيبا ً

فيُزهرُ قِدّاحا ً وأمانْ

ويُلفْلفُني الشوق ُ

بمليون ليل ٍ

وألف ِ سؤالْ

 

فاقتربْ وتعالَ نُجرّب

هذا العبث الكوني

لكَ قلبي زادٌ وماء ْ

كُن ْ صاحبي ونديمي

 

لا تَخَفْ

غرّدْ في البلدان النوويّة ِ

أسْمـِعْهُمْ أنفاسَ الوردة ِ

وهْيَ تسيلُ

دموعا ً وجَمال ْ

 

غـَنِّ لي

فأنا الحَيُّ الميّتْ

زَقزق ْ واقرأ ْ لي

من سُوَر ِ الحُبِّ

آيات ٍ طوالْ

فالتاريخُ بدون شفاهْ

والعصافيرُ...

قد نقشَتْ بمناقيرها

حُلـُمَ الأرض ِ

فوق انبثاق الغصون ْ

 

زَقزق ْ في الأزقـّة ِ والعَتَبات ْ

فالشوارعُ تأكلُ بالعابرين ْ

عنكبوتُ الدنيا يتناسلُ

في أخوةِ يوسُفَ

 

الروحُ متسخة ٌ جدّاً

بدُخان ِ الحَيرةِ والأفكارْ

مطرٌ يغمرني حين أراك َ

وروحي تتقرفصُ

تحت جَناحيك َ

كي تحلـُمَ فيك َ

فخذني بعيدا ً...بعيدا ً

عن خيط ِ دم ٍ

يتأرجحُ بين القُطبين ْ

وانشرْ ريشاتِكَ راياتٍ

ودُستورا ً جديدا ً للعشاقْ

فالطفلُ النفطيُّ

ما زال يتيما ً

يرفسُ في الطين ِ

بلا نهرين ْ

منتظرا ً منك َ

قمحا ً وماءً

وضوء ً وسلامْ

***

شعر صالح الطائي

 

 

 

احمد الحليها أنتِ إذن

قررتِ الإبتعادَ

فليسَ أمامي من خِيارٍ

سوى ان أتوارى وأنكفيءَ

حتى أستعيدَ جذوتي

 

قِيلَ لي: يتوجّبُ عليكَ

لكي تصِلَ إليها

أن تحوزَ واحداً

من هذهِ الأشياءِ،

عِرقَ القُنفذِ أو نابَ الذئبِ

أو عظمةَ الهدهدِ .

قلتُ: إذن سأضيع .

 

يُخَيَّلُ إليَّ أنّ صُدودَكِ

لا ينتمي لكائنٍ بَشَريٍّ

وإنّما لمُفترِسات

 

يُهروِلُ الصَهيلُ

في الحُقولْ

كالنارِ في الهَشيمْ

 

تُشيرينَ بإصبَعِكِ

إلى ريشةٍ

فتصيرُ طائر

 

حَرفاً حَرفاً

وكلمةً كلمةً

يَكتبني حُضورُكِ

على سبّورةٍ

حتى تأتيَ مِمحاةُ غيابِكِ

فيتبَدّدُ كلُّ شيء

 

كلُّ ينابيعِ الأرضِ

لن تروي ظمأي

مثلما تفعلُ شفتاكِ

***

أحمد الحلي