صالح موسى الطائيأتـَلـَمَّسُ حَنـْجَرتي

بذبولِ الأصابع ِ والأيام

حيثُ لا صوت في الروحِ

ولا شهقة برق ٍ

في الأفق ِ المُلـَبّد ِ بالاكفان

 

واقفاً أترنّحُ ...

فوقَ غيمات ِ الأساطير ِ والكلمات

بين اختناق ِ وازدحام القبور ِ

وَحشرجة الدنيا الحبلى بالغياب

يصحبني شبح ٌ

قد تحوّلَ بعدَ سِتـّين ٍ

الى عدم ٍ يتسوّلُ بين السيارات

وعويل ِ السماوات ِ والدخان

ومزابل ِ هذي الأضرحة

يُحاولُ أنْ يهربَ منـّي

و من مدينتِهِ التي أصْبَحَتْ

يافطة ً سوداءَ

ووهماً قديماً

يَستـَجْدي العيون 

 

فادركيني أيّتـُها الذاكرة

دَعِيني أغسلُ أوساخَ الروح ِ

بزقزقةِ الفجر ِ

ونزفِ الطيوف

وَلـْيَكـُن المنفى أجداثنا المعاصرة

لِـيَكـُن الحُبُّ حقيقتنا الخاسرة

وَلـْيَكـُن ما سَيَكون ْ...

فالكرة ُ الأرضيّة ُ ليلٌ وَليل

وحكومات لقيطة ٌ

وسكون ٌ وجنون

فـَلـْيَكـُنْ ما سيكون ْ ...

ما دامَ هناك بَقايا حُلـم ٍ جريح ٍ

وخرائب في القلب ِ

يلعبُ فيها الشوقُ

وتنمو فيها الطحالبُ

والأشباحُ

والذكريات

***

صالح الطائي

 

فتحي مهذبأنا أكتب في كهف مليء بالوحوش..

أنا ذئب ماكر ألهو بحمام الأبجدية..

تسعدني رقصة السحليات المريبة

وتمتمة العناكب في خلوتها..

لا تطيب لي الكتابة الا على ضوء

يراعات تزورني من حين الى آخر..

تبحث عن يراعة روحي المختبئة..

في أدغال الجسد..

كل وحش أخ هارب من غيمة ..

كل وحش يباغتني بهدية فاخرة..

كتف غزالة مشوي على ثالثة الأثافي..

قلب غرغر مخلوط بدم أقحوان..

بينما وحش يتلو قصائدي بصوت

رخيم تطاير دموعه مثل ريش

كروان..

- مابك؟

- ثمة موتى ينظرون الينا من

أسفل..

- أهل الكهف ينتظرون قرع النواقيس ..

- فروا من تماثيل مدججة بالفؤوس..

أنا أكتب في كهف..

أعالج خفافيش مريضة

بسحر الكلمات..

فقط بمخيلتي الطويلة

أحيانا أصيد بجعة طائشة..

وأختلس شرابا نادرا من شجرة

تعمل بوابا أنيقا أمام الكهف..

وتردد قصائدي بصوت مبحوح..

***

فتحي مهذب

 

حمزة الشافعيجدراني السميكة تتشقق،

يا ليتها ما شيدت!

أسقفي الشامخة تتهاوى نحو الأرض،

يا ليتها ما ارتفعت!

أنفاسي الأبية تتقطع،

يا ليتها لم ترى نور الحياة!

وجهي الطيني يرتجف ويتداعى،

فمن سيحفظ تفاصيل جماله يا ترى؟

**

تراب و تبن و قصب،

 أنفاس وجمال وقدم ...

الكل يجادل قطار السقوط

لإلغاء رحلة النهاية،

وإن طال الأنين

 واحتفل النسيان.

**

آه من جهلك يا إنسان،

ألا ترى أنه برحيلي

يرحل عنك ماض طويل

لن تدون كل فصوله أبدا

مهما حاولت؟

**

أنا القصبات المهجورة،

ألا تسمع بقايا نبض أزقتي؛

تارة نبض بأمل العودة،

وتارة بدمع ما قبل النهاية...

أنصت لهديل غرفي الحزينة،

وتحسس زواياها المظلمة،

وهي تروي حكايات قديمة طويلة،

وتردد أشعار الجدات الصوفية.

**

أنا القصبات التي تنتظر الهلاك،

أنا بقايا تاريخ لن يعود،

تاريخ لن يروى كما هو،

عندما ارحل،

وأنتهي إلى خراب...

أنا القصبات التي تتمسك

ببصيص من تحدي

وشذور رداء من انتظار،

لأصارع زخات الجهل،

وعنف الرياح؛

وهي تقتلع أسواري

وتغتال أسراري

لتحتفل بعيد دماري

وترقص على تفاصيل خرابي اليومي.

**

في كل سقوط واندثار،

أنسج الألغاز تلوى الألغاز،

وأقدم جدراني قربانا

ومقدمات،

لمن أراد التأمل في الماضي،

وسعى لفك رموزي

التي تتوالد عقدا بعد عقد،

قبيل الرحيل الأبدي.

**

غباري،

أنفاسي،

وترابي،

الممزوج بتبن صامد،

حديث حزين متعدد

يتجدد وينتشر

على كل الطرق المؤدية إلي،

والمطمورة بالإهمال والنسيان.

**

حديثي نداء خفي

يتطاير نحو السائح البعيد،

الباحث عن جمال المشهد

ورونق العمارة

ورهبة الحضرة.

**

حديثي،

 تذكرة للتائه

في الزمن والتاريخ،

الساكن على مقربة آخر جدار

سقط من جسدي

 العميق الطويل،

 بالأمس القريب،

رغم صيحات روحي له

 بالصمود.

**

حديثي طويل وحزين،

نقشت في تفاصيله

 أناشيد الإهمال،

 والاغتراب في الموطن

لطول انتظار العودة …

**

أصارع الأعاصير،

وأتحدى اللامبالاة منذ القدم،

كي أعبر تصدعات اللحظة،

وأمضي بالأجيال إلى بر الآتي،

الصاخب الغامض المفترس.

**

أنا التاريخ الصامت طوعا،

والتاريخ المأمور بعدم البوح!

أنا التاريخ المنفي،

الذي يرقصون لصمته،

ويهابون تشقق ألغازه،

 لينطق عكس ما كتبوا،

وعكس ما أرادوا!

أنا بقايا مجد معلن،

تخلى عنه أهله،

ليحفظوا تاريخ سارقي،

وناهبهم!

**

أنا معقل تلك القبائل،

التي طلقت الذل والخضوع،

وتزوجت أعراف الحرية،

 بضمير حي،

ك"رجل لكل الفصول"

والمحاكمات

والنهايات:

السير توماس مور،

فوصفت ظلما واستدراجا

بالمتوحشة والمتسيبة.

**

في عز شبابي،

أرهبت الأجنبي حينما توغل

في هذه الأرض،

لأن رحم ترابي

 لا يلد إلا الأسود.

كنت المنطلق والملجأ،

وكنت الأم والأرض والوطن.

كنت بشموخي،

وتماسك أضلع جدراني،

ووفاء أهلي

إكسير استمرار عرق أصيل،

على هذه الأرض الطيبة.

**

كانت لي نوافذ عالية،

أرى بها الآفاق الفسيحة

في كل شروق شمس،

وفي كل غروب لها،

والآن صارت

عيونا مظلمة،

أكاد أرى بها

 جزءا من أطرافي المتساقطة،

لأذرف بعدها ظلاما

لنفاد الدمع من عيوني؛

نوافذي المكشوفة!

**

كم مرة لمحت الغزاة

تحت جدران سوري الكبير،

كان باستطاعتي

التساقط عليهم وقتها،

لأدفنهم وينتهوا،

وتنتهي حكاية اسمها الاستعمار،

لكني...

 فضلت غض الطرف،

رغم أفعالهم الشنيعة،

في الانسان والزرع واللسان..

تركتهم،

كي يذكر وجودهم أحفادي،

أن الحياة صراع لا ينتهي

حتى ينال المجد،

أو استسلام،

ففناء إلى الأبد …

***

حمزة الشافعي

أفانور/ تنغير (المغرب)

............................

(*): أفانور قصر تاريخي قديم يعود تشييده لمئات السنين، وهو يقع بواحة تودغى (مدينة تنغير الحالية)، ويضم عددا كبيرا من القصبات المبنية بالطين الممزوج أحيانا بالتبن، أغلبها الآن يقاوم السقوط التام والاندثار التراجيدي، أولا، بعدما تم هجرها من طرف الأهالي للاستقرار بمناطق مجاورة، وثانيا، لعدم تدخل السلطات المختصة بحماية التراث والمأثر الثقافية لإنقاذها من الزوال، في ظل عجز الأهالي عن ترميمها وإعادة الحياة لها، وبالرغم من الأدوار الثقافية والسياحية والفنية والجمالية التي يمكن ان تلعبها في حالة اصلاحها، كما أن حمايتها من الاندثار هو حماية لجزء مهم من الحضارة المحلية الموغلة في القدم والهوية الأمازيغية بخصوصياتها المعمارية والفنية والجمالية والثقافية المتنوعة. ويضم هذا القصر الكبير إلى جانب تلك القصبات، ثلاثة مساجد عتيقة أبرزها مسجد إقلالن (أو إقلان)، الذي كان في ما مضى مدرسة عتيقة لتحفيظ القرآن الكريم وتكوين الفقهاء، وتلقين علوم الفقه والحديث للطلبة القادمين من مختلف المناطق المجاورة. كما يضم أيضا مجموعة من المزارات والأماكن المقدسة حسب الطقوس والمعتقدات المحلية للسكان، إضافة إلى أماكن مخصصة للطقوس الاجتماعية المختلفة (اجتماعات القبيلة، الحفلات وفن أحيدوس (غناء جماعي متعدد المواضيع والمناسبات)، الحكي الشعبي، غسل وتنظيف الثياب والأواني ...الخ). والقصر كان محاطا بسور كبير(لا يزال يحتفظ بجزء منه) وتتخلله أربعة أبواب رئيسية، وأبراج للمراقبة إبان فترات الحروب والصراع مع القبائل الغازية. ويطل جزء كبير من القصر على واحة تدغى التي تتكون من بساتين عنب ونخل ورمان وتين وزيتون وتوت، وحقول تستغل في الزارعة المعيشية للسكان مثل القمح والذرى والفول والشعير والفصة. ويتميز هذا القصر بتوفره على أعراف أمازيغية فريدة من نوعها وإن كتبت بنودها باللغة العربية الممزوجة أحيانا بكلمات محلية، تنظم كل مجالات الحياة الاجتماعية للأهالي، وتتميز بدقة متناهية وواقعية وسهولة تطبيقها لأنها مستمدة من المعيش اليومي والبيئة المحلية للأهالي.

 

 

احمد ختاويغفوتي دراية

لو كنت َ تدري يا هذا؟

وجلْدي من جَلَدِي سحايا

أيها الرصيف الأعمى تفضل

إلق نظرتك الاخيرة على السحايا ..

على أشلاء الضحايا ...

ما عادت تفصلني عنك فوهة بداية ..

ولا نهاية

ولا صخب وشُهب رماية ..

ما مددتُ يدي للسقاية

إلا لأعقل نوق الوصاية ..

ما عادت تهمني

ولا تعنيني حكايا الخبايا ..

مات جلْدي في جَلَدي

عندما مررتُ على البطاح ، ألتقط الرزايا .

وشظايا  القنابل .

من مغرف إلى مغرف في جوف تعز وعدن ..

تفضل أيها الرصيف الأعمى

تفضل أيها الأفطس الباكي ..

أقلع جذوري من صناديق السرايا ..

ياء وياء وياء وكل البداية ..

وللمناداة بالياء ألف وثاني وثالث مطايا ..

لا تسألني إن كانت لياء النداء هواية

في أوردتي ما يمتشق ضوء وسراديب المرايا ..

يا ذا الرصيف الاعمى ، لا تسأل عن

رفيف حمى الغواية

 

في جلْدي وجَلدي مملكة نجد ويترب ..

تقضم وتخرم تضاريس الدعاية .

مدعومة بفُتات الاجساد المفحمة بمعزوفات المنايا ...

صل لربك وأنحر . يا هذا ؟؟؟ (2)

قلتَها جهرا حين اشتد اللظى واحتضر.

في واقعة بدر و حين ابتلت أحراش عدن

في أوردتي نص رفيف الغفوة : وصاية

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ " (1) "

قلتَ سلاما على فصول الحكاية ..

لهذا لا تسألني أيها الرصيف الأعمي .

ها أنا أرد الصاع صاعين وكفاية .

أيها الرصيف الاعمى .

أعرب الأسئلة نحوا أو صرفا أو سندا أو نسلا .

كما تشاء .. لا يهمني.

فقط أعرني ما في الجبة ، إن كنت صديقي .

زلات لسان العرب والأعاجم معا

هؤلاء الأباترة ، الأباطرة الذين يأكلون

من جلودكم وجلودي لٌب ّ الهِمم ْ. .

وفواتير " قاب وقوسين " من الصنم .

عفوا أنا لا أفترش بساط هذي الاسئلة ..يا هذا ؟؟؟. ..

يمضغون مغانمكم كالعلك - غجرية - في الملاهي ....

ينهشون لحم الاشلاء دُمى،

لحمي ولحمك

يا هذا ، بالفرشاة وبالإبر .

يغمسون وَبَرَ نوقكم في مرق التّريد :غُنُما .

ويحمدون الله وإياكم - علنا بخبر المغانم ...

لهذا لا تسألني أيها الرصيف الشقيُّ ، الأبرص

عن عزوفي ومعزوفات جلدي وجلدي ..

عفوا أنا لا أفترش بساط هذي الاسئلة ..يا هذا ؟؟؟. ..

مرصدا ، مسنودا إلى خيمة بألف وتد ْ

وإلى ألف وألف حديث بلا سند ْ..

أو ناقة حلوب دوسره

أو دمع ومظالم زبيبة وعنترة ..

***

كتب : أحمد ختاوي / الجزائر .

.......................

هامش

1 و2 تضمين من القرأن الكريم ، أيات بينات من الذكر الحكيم .

 

ناجي ظاهرشق رنين هاتفة عتم الليل فايقظه من نومه، ترى مَن المتصل في هذه الساعة المتأخرة؟ الله يستر، وتناول هاتفه، ليأتيه صوت ابنته الصغيرة، أبي آسفة على الازعاج. اردت ان اقول لك اننا نقلنا امي الى المستشفى.. امي تعبانة. وانفجرت في البكاء. احساس حارق استولى عليه. لقد تدرّب خلال سنوات عمره الستين على التمييز بين الصوت العادي وقرينه غير العادي. صوت ابنته في تلك اللحظة لم يكن عاديا، لذا تحرّك على صوفته الوحيدة، اين انت هتف بابنته. في البيت اجابته. اطمأن قلبه. فهم ان الامر لا يستوجب توجهه إلى المستشفى. لو قالت له انها في المستشفى لركب رياح الليل، وطار إلى هناك. هو منذ مغادرته بيته ليعيش وحيدا وبعيدا عن مزاقرات زوجته وشتائمها، لم يعتد على ترك أيٍّ من ابنائه وحيدا، وكان كلما احس باي شيء يتهدد أيا منهم او اشتم رائحة شيء يحترق في بيته البعيد، طار اليه، ليقف إلى جانبه وليخفف عنه. رغم ان قلبه اطمان قليلا.. الا انه حاول الايحاء الى ابنته انها ليست وحيدة في مواجهتها لخطورة وضع والدتها. قال لها هل يستوجب الامر ان اتوجه الى المستشفى الان؟ فردت.. امي الان غائبة عن الوعي لا.. لا حاجة. الطبيب قال لنا انها ستعود الى الوعي في الصباح.

بعدها حاول ان يعود الى النوم الا انه لم يتمكن، لقد عملت زوجته كل الطرق الممكنة وحتى غير الممكنة لإبعاده عن بيته وكتبه الحبيبة، وكان لها ما ارادت. خمسة عشر عاما مضت عليه بعيدا عن بيته وحاسوبه الحبيب، وها هو يستيقظ في عتمة هذا الليل على خبر لم يتوقعه.. ها هو يفاجا بنبأ يدفعه دفعا للفزع منه هاربا بآماله إلى الكذب. تلاحق صور مرافقته زوجته خلال اكثر من خمسة وعشرين عاما بصورة شبه متواصلة، وتترى واحدة تلو الأخرى، نسي في لحظة كل ما تسببت به له من الام وعذابات وتذكر امرا واحدا، حاول عبثا ان يطرده، هل هي حافة الفراق؟ هل ابتدأت النهاية هذه الليلة؟ ما اقسى النهاية.. اشفها يا رب اشفها لا تدخل الاحزان إلى قلب ابناء اسرتي الصغيرة الغالية، واحم عيني ابنتي الصغيرة من حرارة الدموع الحارقة. الهواجس تتلاحق واحدة وراء الاخرى، طاردة النوم من عينيه. لم ينم في تلك الليلة. ما حصل هو امر عظيم.. ومن رأي امرًا عظيمًا لم ينم.

عندما ابتدأت فلول الليل مولّية امام سطوع النهار، ارسل نظره إلى الساعة المركونة على المنضدة بالقرب منه، ما زال بيننا وبين الثامنة نصف ساعة. خلال هذا الوقت القصير عليه ان يكون في مستشفى الناصرة، عليه ان يسبق صغيرته إلى هناك. الواجب يقتضي منه ان يسبقها ليؤكد لها انها ليست وحيدة وانه معها بقلبه وروحه. توجّه من فوره الى محطة الباص القريبة من بيته المستأجر..، وما ان وصل الشارع القريب من المحطة حتى توقفت ابنته الصغيرة قريبا منه. ارسلت نحوه نظرة دامعة. فهم منها كل شيء. اتخذ مقعده إلى جانبها،.. كسر حدة الصمت المهيمن على سيارتها.. في اخبار جديدة؟ سألها فردت نعم.. شو في؟ نقلوا امي الى مستشفى نهاريا. لم يسال لماذا. انطلقت السيارة بهما، ابنته وهو، باتجاه نهاريا. لقد فهم كل شيء وضع زوجته ازداد صعوبة. اما ابنته فقد ارادت ان تخفف عنه ولو قليلا باصطحابها اياه إلى هناك. الى هذا الحد وصلت خطورة الوضع؟ سأل ابنته فلم تجب وبقيت صامتة.. همت من عينها دمعة حرقت عينه. لا تبكي يا ابنتي.. تفاءلي بالخير تجديه. لم يكن مقتنعا تمام الاقتناع بما قاله لابنته، لكنه وجد نفسه ينطق به دون اي تفكير. ما كان يهمه في الاساس هو الا تتضرر ابنته اكثر، لا سيما وانها حامل وقد تضع مولودتها الجديدة في اية لحظة. اما فيما يتعلق بزوجته فقد كان يعرف مدى علاقة صغيرته.. التي كبرت.. بأمها. ومدى حدبها عليها ومحبتها لها. ان الطريق امام السيارة صوب نهاريا ممتد طويل، اللعنة على الاكتظاظ المروري. حتى هذا يتضافر عليه.. ليزيد في احزانه؟ ارحمنا يا رب.. وارأف بقلوبنا المُتعبة المُحبة.

تتوقف المازدة قبالة المركز الطبي في نهاريا، يترجّل الاثنان منها، تتوجه ابنته إلى السكرتارية بعدها تتوجه إلى الطابق الثاني، شو قالولك يسألها. سيجرون لأمي عملية سريعة. هم ينتظروننا في غرفة العمليات. قلبه يدق بشدة. تلاحظ ابنته مدى توتره، تخبره ان الاطباء في الناصرة حاولوا تخليص أمها من جلطة دماغية مفاجئة المت بها، مستعينين بطرائق تعتمد الادوية.. وحين عجزوا عن مساعدتها.. قرروا نقلها على جناح السرعة إلى نهاريا. يقترب الاثنان من غرفة العمليات في الطابق الثاني. تهرع ابنته الصغيرة إلى الطبيب المداوي، هو يتابعها من بعيد. لقد كبرت صغيرته وصارت تفهم في كل شيء تقريبا. تهزّ ابنته رأسها للطبيب. توقع على ملف قدّمه لها. يرى ممرضا يجرّ سريرًا باتجاه غرفة العمليات القريبة. قلبه يدق اكثر. يهرع باتجاه السرير. تلتقي عيناه بعيني زوجته المريضة. تبتسم.. تدمع عينه.. لا تخف انا بخير. تقترب ابنته من السرير المتحرك.. امي شدي حالك.. ازمة وبتمر.. شدّي حالك يمّا.. بدي ارجع اشرب القهوة معك في بلكون بيتي. تبتسم لها امها.. تعدها ان تعود. يتواصل الممرض جارًا السرير.. يغيب واصدًا باب غرفة العمليات خلفه.

يتوقف الاثنان، الابنة وابوها، عند باب غرفة العمليات، مثل تمثالين جمّدتهما الالهة هناك. تهيمن على الاجواء حالة من القلق والتوتر. الاب الكاتب المدرب على التعامل مع المصائب، يحاول كسر اطار الصمت. شكله الدكتور عربي. تهزُّ ابنتهُ رأسها علامة  الموافقة وترسل نظرة دامعة إلى الباب القريب جدا. شو قلك. يسألها، فترد عليه. الوضع حرج جدا. احتمال ان تعيش امي ضئيل جدا. الطبيب وعدني ان يبذل كل ما بإمكانه لإنقاذ حياتها. هناك كتلة دموية متخثرة تسدّ احد الشرايين الرئيسية في رأسها. السكري ذبحها. قال لي ان الامل في شفائها شحيح وان هناك بارقة امل في شفائها.. علينا الا نخسرها. دق قلبه مع قلب ابنته عازفا لحنا جنائزيا. هكذا تُسالمنا الليالي وفي صفوها يحدث الكدرُ.. ما اقسى هذا.

الوقت هناك.. قرب باب غرفة العمليات.. يمضي بطيئًا.. بطيئًا.. اللحظة تُشبه السنةَ في طولها وهما الاثنان، الابنة والدها، يعيشان اللحظة الاقسى في العمر، لحظة العيش على حافة الفراق. ترسل الابنة تجاه ابيها نظرة حافلة بالمشاعر المتعاطفة، اجلس يا ابي.. ارتح قليلا لقد مضى عليك نحو الثلاث ساعات وانت تقف على رجليك. يتجاهل الاب دعوة ابنته. اقعدي انت يا بنتي.. ارتاحي وريّحي اللي في بطنك. في تلك الاثناء يطل الطبيب العربي من وراء باب غرفة العمليات، طمنّي يا دكتور.. الطبيب يخبرها ان الوضع ليس سهلًا. الممرض يجر السرير مُخرجًا اياه من غرفة العمليات.. ينطلق به باتجاه غرفة الانعاش القريبة. فيما يلاحظ الاب وجه ابنته يتقلص ويتمدد.. ابي اشعر بألم فظيع.. يستنجد الاب بأقرب ممرض.. بعد دقائق يُحضر الممرض سريرًا يطلب من الابنة ان تستلقي عليه.. وهو يطمئن الوالد المكلوم هذه آلام المخاض.. لا تقلق.. ابنتك ستضع خلال لحظات مولوها الجديد. يجري الاب بمحاذاة سرير ابنته.. اصبري يا ابنتي.. بعد قليل ستنجبين ضيفتنا الجديد.. ابنته صغيرته ترسل نحوه ابتسامة حافلة بالاسى.. سأطلق عليها اسم والدتي.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

نور الدين صمودبعُيُوني رأيتُ (دِجلة)َ خـَجْـلـَى

              وبَدا لي (الفراتُ) غيـرَ فـُــــراتِ

 فيهما كم سرى النسيمُ عــليلاً

             في هُدوءٍ من طِــيــبِ تلك الحيــاةِ

في بلاد (النهريْنِ) شيخان سارا

            فتعـــجّــــبتُ من مــسيــــر الرُّفاتِ

 ذاك أني أراهما  في جــفافٍ،

            كـــضـــريـــح أُعِـــــدَّ لـلأمْــــوات

بَيْد أنّ الرعودَ قد بشرتـنـــــي

              غُيوثٍ تـُحيي عـروقَ المَــــــواتِ

 وتعود الأمطارُ  تـُرْوي غليلا

                 لِلعَطاشـَى في (دِجلةٍ والفـُراتِ)

 يوم كنا على الضِّفاف نـَشاوَى

                 يُــرسل النهـرُ أعــذبَ النغمات

وتظل الغيوثُ تـُرْوي ليوثــًا

                 قد حَمَـوْها من كل طاغ وعاتِ

في سِجل الأمجاد خَطـُّوا بُنـُودًا

                  بـدمــاء الأُسُـــودِ واللـَّـبُـــؤاتِ

 قد أزاح الدجالَ (دِجْلـَة)ُ عَمّا

                 كان يُـبْــدي من أشنع الموبقاتِ

فيه غـَـَنتْ (بغـدادُ) أعذبَ لحــنٍ

                  ما سـمعــنا أمثاله في الحـيـــاةِ

 (حمورابي أبو الشرائع) فيها

                  خـــط قــانونــه بكــل أنـــَــــأةِ

 فاحْتذاه أولوا النـُّهَى من قديمٍ

                واغتدَى في النظام رأسَ الهُـداةِ

واستناروا بـِهَــدْيــِهِ، وهْـــو نورٌ   

                ثم سـاروا في نهـجـه بـِثـَـَبـــاتِ

سيعود (االنهران) للبـذل  كي ما

                 يُوقظـاهـا من بعد طول السُّباتِ

 ذاك أن (النهرين) سارا ببـــــطء

              كـَعَـجـوزين خـوف يـوم الممـاتِ

 تلك (بـغــدادُ) كم (تبغــدد) فيـــها

                  كــلُّ مَن كــان مولـَعًا بالحيـاةِ

ستؤوبُ الأمْطارُ إثـْـرَ رُعــــــودٍ

                    وبُروق لأعيُني، خاطفَــــاتِ

 وأرى دِجلة ً تـفيـض بمـــــاءٍ

                      لم نذق مثله بهذي الحيــــاةِ

شـَقَّ (بغدادَ دِجلة ٌ) مثل بــرقٍ

                    شق رُدْنَ الغمامِ في لظلمـاتِ

بعدما قد غدتْ أُجاجًا ومِلـْحـًـا

                    ستعودُ الفراتُ جـِدَّ فـُــــراتِ

 تلك (بـغــدادُ) كم (تبغــدد) فيـــها

                    كــلُّ مَن كــان مولـَعًا بالحياةِ

وهْيَ نهرُ الأشعار والشعر فيها

                    سوف تبقـَى أمواجــه دافقاتِ

               ***

أ. د:  نورالدين  صمّود

 

 

جميل حسين الساعديلدغتني الأفعى ، فلم تُمتنْي ، لكنّها علّمتني الحذر،

فغيّرت الطريق وجعلت عقلي حارسا على قلبي

إهداء إلى الشاعر ريكان إبراهيم


الصبـــــرُ ليسَ بمُستطـــاعِ           فهجــــرتهُ بعـــد َ اقتنــــــاعِ ِ

مــــا عـــــادَ غيرُ الشكّ ينـ           ـــهشُ في يقينـي كالضبـــاع ِ

قلــــــقٌ يمزّقنــــــني ويهــ           ــزأُ ُ بي، بأحلامي الوســـاع ِ

لمّــــا تألّقَ في سمــاءِ الفـــــــنّ  نجمـــــك ِ فــــــي ارتفــــــــــاع ِ

وفتنـــــتِ جمهــــورا ً يتـو           قُ إلــــــى لقــائكِ كالجيـــاع ِ

أنكــرتِ أني كنتُ يــــــــو           مـــا ً فــي سمائك ِ كالشــعاع ِ

فسخـــرت ِ مـــن كتبـــي وممّـــا خطَّ منْ شعـــــر ٍ يراعـــي (1)

ونفثـــتِ في وجهـــي دخا            نـــك ِ وانصـــرفتِ بلا وداع ِ

فكأننــــــــــي ثوبٌ عتيـــ             ـــقٌ، بعضُ شئ ٍ مِنْ مَتــاع ِ

قدْ عفتِنــــي فـي دهشــــة ٍ           ثمِلا ً بحزنـــــي والتيــــاعـي

وحــــــدي كأعقـابِ السجا           ئرِ فوق َ أرصــــــفةِ الضياع ِ

هـــلْ تذكـرينَ الأمسَ حيـ         ـن َ جريت ِ نحوي في ارتياعِ(2)

وأملت ِ رأســــــك ِ ثمّ سـا           لـتْ دمعتــــــانِ على ذراعـي

أنفاســـــــك ِ الحرّى بوجـ           ــــهي في هبــــــوط ٍ وارتفاع ِ

عينــاك ِ فـي عينـــــيّ تلـ          ـتمســــان ِ أمْنــا ً فــي قلاعــي

لكنّ غيــــــــمَ الحزْنِ أمــ             ــطــــر َ فجأة ً دون َ انقطـاع ِ

لمْ أدْرِ أنّ البحْــــــــرَ يغـ            ـــدرُ بـــيْ ويخذلنــي شراعي

لمْ أدْر ِ يومـــــــا َ أنّ رو             ض َ الحبِّ تسكنـــهُ الأفاعــي

كالطفـــل ِ كنتُ أحسُّ في            شـــــوقي إليك ِ وفي اندفــاعي

فاجأتِنـــــي مـــــا كانَ يو            مــــا ً هكذا عنـــك ِ انطباعــي

لم تظهـــري لي مثلمـــــا             قدْ كنتِ في الزمـن ِالمُضــــاع ِ

أصبحــتِ شيئـــــا  ً آخرا ً           وجــها ً تخفّــى فـي قنـــــــا ع ِ

يكفيــــــك ِأنّك ِنجمــــــة         بيـــن َ الأكــابر ِ والرعـــــاع ِ(3)

قلقـــي عليكِ برغم ِ مــــا           قاسيــتُ دومــا ً فــي اتّســـــاع ِ

أخشــى ضياعـك ِ بعدَ أنْ          ألقيت ِ بِــــيْ  وســــط َ الضياع ِ

أخشــــــى بأن تغتالَ فيــ         ــك ِ النور َ أضـــــواءُ الخـــداع ِ

 ***

جميل حسين الساعدي

.................

(1) يراع: قلم يتخذ من القصب

(2) ارتياع: فزع

(3) الرعاع من الناس: الغوغاء والسفلة

 

عطا يوسف منصوريا ليتني فيها ألِفُّ مَدارَهــــــــــا

هي ثورةٌ رَكبَ الشبابُ قِطارَها

 

يا ليتني فيهــــــــــــا لأبْلُغَ مُنيي

وأذوقَ مِنْ بعدِ المَشيبِ ثِمارَهـا

 

يا لتني فيها أخوضُ غِمارَهـــــا

وأكون حربتَها أشِبُّ أُوارَهــــــا

 

هي ثورةٌ رسمَ الشبابُ طريقَهــا

تِشرينُ مَولِدُها أعدَّ شِعارَهــــــا

 

لا للعَمالةِ والخنــــــــــوعِ لدولةٍ

طالَ الفسادُ صِغارَها وكِبارَهـــا

 

تِشرينُ يشهدُ أنّهــــــــــــا سِلميَّةٌ

لا للتَحَزّبِ عَنْوَنَتْ إشهارَهــــــا

 

والفاسِدونَ يَرَونَ أنَّ نجاحَهـــــا

ويَلٌ اذا آلَتْ لتَطلبَ ثارَهـــــــــا

 

فتَحالفوا في جرّها لِتَقاتُـــــــــــلٍ

فأبتْ عليهم حينَ شدَّ إزارَهــــــا

 

عــــــزمُ الشبابِ وللشبابِ ارادةٌ

ركزتْ عليها حقَّها وقرارَهــــــا

 

والفاسدونَ وإنْ تَعاظمَ مَكرُهـــمْ

هُمْ واهمونَ غدا الشبابُ إطارَها

 

سِلميّةً تبقى برغمِ ظروفهــــــــا

والمُرجفينَ وناحِلٍ أخبارَهــــــا

 

هي ثورةُ الحقِّ الـــذي هَتَفتْ بهِ

كلُّ الحَناجرِ أنْ يكونَ خَيَارَهــــا

 

رَفَضتْ وجودَ الفاسدينَ ودولــةً

مِنْ يومِها ساسَ القُرودُ خِيارَهـا

 

وإذا تَحرّينا الحقيقةَ لــــــــمْ نَجِدْ

منْ دَولةٍ لكنْ نرى آثارَهـــــــــا

 

خَطفًا لأحرارِ العراقِ وقتلهـــــمْ

كيما تَنالَ بقتلِهِمْ إصرارَهــــــــا

 

هي دولة الاحــــــزابِ دولةُ شِلّةٍ

باعتْ وخانَتْ وهي تحمِلُ عارَها 

 

لا شيءَ بعدَ اليومِ يُخْمِدُ ثــــورةً

فالحَقُّ والشُهداءُ أزّا نارَهــــــــا

 

وغدًا سيعلمُ مَنْ يُماطِلُ أنّــــــــهُ

في سَكرةٍ كَشَفَ المَنونُ خُمارَها

 

لِتَعودَ عاريةٌ ويَخزى خـــــــائنٌ

أمَليْ أراها والجديدَ نَهارَهـــــــا

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

السبت في 18 / كانون ثاني / 2020

 

ناصر الثعالبيلهؤلاء الذين ينتظرون الفجر

 في سبات مقابرهم


لي على شاطئ البحر ِ

همسُ ألرذاذِ ومئذنةٌ

غادرها الفقراءُ

خوفاً من الطائفهْ

ولي كل من غاب ملتحقاً بالسرابْ

ولي حفنةٌ من عيون الترابْ

وبعض من القيظِ ِ

عاشرني في المنافي

وبعض حكايا ديار الخرابْ

ولي من بقايا النواقيسِ ِعفتها

ولي من حروب الطغاة ألحرابًْ

وبعض المدافن للغرباءْ

ولي قبضة

من شرود الضبابْ

وبيت ترعرع فيه الصغارُ

على سقفه

يسكن ألأضطرابً

ولي فتية

يحومون مثل النوارس ِ

في البحر دائرة

يصافحها الماء وألأغترابْ

سلام ٌعلى فتية يولدونَ

ويمضون مثل إحتراقِ الشهابْ

على خفقة القلب

يبنون بيتاً

على شرفة من سحابْ

2

الغرق ثانية

دعوني أغرق في البحر الذي تقفون على شاطئيه متفرقين

علّني ألم زبده لحكايات قادمه

تسحر فضول اللقاء

علّني أغرق في المسافات بينكم لأقربها

لقد هزمني التصور ..

فبت كاهنا أضل صومعته

فعاش في التوهم مصاحبا الوهم

يا أنتم ..أيها الكل المجزئ في زوايا الوحشه

الواقفين على آخر اخبار الموجات القادمه

المنتعلين سنينا الوهاجه

قربوا شواطئ بحوركم

وشدوا على شهادة التاريخ المزوره

امسكوا قرابين دعاءكم المنهزم نحو الريح

واغسلوا احذيتكم من دماء سنوات المجد

ارقصوا فرحين في حانات المساجد المعطره

وتعلموا حرفة الشعوذة في عصر الدجل

لقد رحل الزبد الذي أنتظر

وظهرت أسنة الجزر المهجوره

يا بوذا ...الم تقل لي حين كنت من تلامذتك!

(نحن كجزر البحر متصلة القاع متفرقة القمم)...!

فلماذا اخطأت..؟

***

ناصر الثعالبي

 

 

يوسف جزراوياحذري أن تقتفي أثر مهاجرٍ

منحته الغربة جنسيتيّن

يأبى ساسة وطنه

منحه جواز إقامة!

فماذا دهاكِ

لتقعي في حُبِّ

مواطنٍ بِلا وطنٍ؟!

**

احذري  التعلّق بعراقيٍّ

عيناه كشاشةِ تلفازٍ

تبثُّ أحزان العِراق

قضى عقدًا ونيّفًا

يحفرُ نفقًا في غربتهِ

ودون غرّةٍ اكتشفَ

أنَّ ذلكَ النفق

لا يؤدّي إلى وطنه

بل إلى غربةٍ أخرى !!

**

ما الذي جذبكِ إلى إنسانٍ

نصف غائم

اعتاد رَسَم الفرح

على وجوهِ النّاسِ

بريشةِ أحزانهِ!

ربّما لأنّه أوّلُ طفلٍ

 خرجَ من بطنِ أمّه مُبتسمًا

يومَ ناداه الوجود

بصوتهِ الحزين

ليقدّم له الشّقاء

على أطباقٍ من ذهبٍ !

فكان وما يزال طَلّسَمًا

في لوحةٍ ثمينةٍ جميلةٍ

  غير مفهومةٍ

اسمها الحياة !!

**

شيءٌ ما يُغريكِ

في المًضِيِّ إليَّ

فاحذري  ولا تغالي بالإعجاب

فأنا لستُ الحلّاج

ولا المتنبيّ أو جبرانًا

ولا  الجواهريّ

ولستُ مانديلا

 أو جيفارا أو ميسي

ولستُ المسيح

بل رحّالٌ في دّربِ الجُلجُلةِ

لأعلِّق على الصليبِ

سنوات منفاي

سنةً سنةً

ففي كلِّ منفى

كان لديّ صليبٌ

مع صَالبٍ ومسمارٍ

لذا هدّئي من روعكِ

وشَذّبْي عنكِ اللهفة

 فيومًا ستبكين تحت صليبي !!

**

 اهدئي وتمهّلي

وآمل أن تخطئي الوجهة إليَّ

ففي الطّريقِ

ستتعثّرين بأحجارِ الجسور

الّتي تهاوت بيننا

بفعلِ فاعلٍ

يُدعى أنا !

**

ما الذي أشعلَ فيكِ

نار العشق في مرءٍ

 له مزاجٌ مُتغيرٌ

فصولهُ متعدّدةٌ

متقلّبة الأنواء !

يستهويه التجديد

ويمقت الرّتابة

لأنّها  كمياه البركةِ الرّاكدة*

**

مرءٌ له عمق كالمحيطات

يجيدُ كتم الأسرار  كالأبار

يسير دومًا للأمام كالأنهار

لا يلتفتُ مطلقَا للوراء..

لذا من المستحسن لكِ

ألّا تمضِيّ في دروبٍ

تفضيّ إليَّ

وأنا بدوري

لا أودّ أن أعرف

الطّرق المتعرجة

 المؤديّة إليكِ*

**

لا تسألي : من أكون أنا؟

فقط أسالي عنّي البحار والمتاحف

والطّبيعة ودُور الموسيقى

 وبيوت الصّلاة

فقد صار شائعًا لديهم

أنّني أكتبُ عن دجلة

وأصلي لأجل بلاد الفرات

ولكن احذري

ممّن أغرق البحار

ولم يغرق !

**

إنْ تماديتِ بالسّؤال

فسأجيبكِ:

لستُ سوى الآلات موسيّقيّة شرقيّة؛

(قيثارة سومريّة)

(كمان بابليّ)

(رَبابة آشوريّة)

(عود عربيّ)

لها سيمفونيّة وجعٍ

كوجعِ طفلٍ

عالقٍ بين الإنقاض

لا يقوى الغيتار الغربيّ

على عزفها!*

**

أنا قلمٌ

من نخيلِ بغداد

مُلقى قرب موقدِ النَّوَى

يسهر الّليل  وينام  الصّباح

على سريرِ القرطاس

مَحبَرته ماء العين

فلا العين صَامَت

ولا الدّمع عرفَ الاعتصام !

**

أنا شجرةٌ

في غابةٍ موصليّةٌ

أسرفت حرائق الأشرار

 في حرقِ قطوفها الدّانيّة

فاحذري الاقتراب  مني

فلا يزال لأغصاني

 احتراقٌ صامتٌ

فقط إنْ شأتِ

انثري الورود

على بقايا رمادي !!

**

أنا من بلدٍ غنيٍّ

عمرهُ ثمانيةُ آلاف عامٍ

فيه أوّلى الحضارات

 وكلّ ما يلزم

ليكون ملكوت الله 

على الأرض

يعيش على أرضهِ

 أفقر شعبٍ!

لكنّه شعبٌ

 طيّبٌ سخيٌّ وشجاعٌ

كسر حاجز الخوف

وهدم جدار الصّمت

لأنّ الصّمت هزيمةٌ وانصياعٌ 

بل هو موتٌ لّلذات

 فخرج   يصرخ :

 " نريد وطنًا "

والوطن ما زال عالقًا

 بين فكّ الأسود والضّباع !

**

أنا مجتمعٌ جماعيٌّ مُتآخٍ

مُتعدّد الأديان

يؤمن بالإنسان

فلا غرابة إذا وجدتيني

أحسنُ قراءة الكنزا ربا

 وترنيم التّوراة

وتلاوة الإنجيل

وتجويد القرآن

فالحديقة لا تبدو جميلةً

إلّا بتنوّع زهورها !

وأنا من بلدٍ

عُرف عن حدائقه

تنوّع ورودها الفريدة

**

أنا رجلٌ

علّمني أبي البغداديّ

 (طيّب الله ثراه)

الّذي أصبح جزءًا

من تراب العراق

أن أكونَ معطاءً

إلى حدٍّ

إذا جاع رغيفي أكلني!!

**

أنا غيمةٌ حُبْلَىٌ بالأملِ

ماطرةٌ بالطّيبةِ

أنظرُ  بروحانيّةٍ

إلى النصف الممتلئ

من كأس الحياة

لكني عشقتُ التمرّد

منذ الصّغر

 لي فكرٌ مختلفٌ

ينبذُ التخلف والتعصب

لا يمتّ بصلةٍ للجاهليّة

أو للعصور الوسطى

لا يستهويني التّخوين

ولستُ من هواة

تمزيق الصّورة الاجتماعيّة للآخرين

فالحياة لا تغدو حياةً

إلّا إذا انتقلت الأنا الفرديّة

 إلى نحن الجماعيّة*

**

أنا مراجعٌ لما مضى

وفاحصٌ للحاضر

 ومتأمّلٌ لما هو قادم

مغرمٌ بالوحدة

ومحاورة الذّات

هادئٌ **طويل الأناة

لي صبر الجَمَّال

صعب المراس

أعيشُ الحياة

وليس من تعيشه الحياة

يوثّق لها من ينابيع الجمال

لكن غضبي عاصفةٌ وإعصارٌ

ومواقفي في الحقٍ كالبركان*

فعلامَ عيناكِ

ترقبُ رجلاً أنهكهُ التّرحال

يبحرً تحت المطر

 شراعهُ لم يكن يومًا

صديقًا للرّياح ؟!

ربّما كنتُ سانْصاعُ لكِ

لو كان بوسعكِ

أن تقايضي المنفى بالوطنِ*

فأهدئي وتمهلي

فيومًا ستشفين مني !

**

لستُ سوى منفيٍّ

في منفى

كلّما أتأملُ خريطة بلادي

يطالعني وجه بغداد الدّامي

ولكن،

رغم سنوات البعاد

ورغم الحروب والدماء

ما يزال قلبي ينبض

بحبِّ تلك البلاد !

فهل عرفتي الآن 

من أكون أنا؟

**

فيا أيُّتها الغربة

 احذري الغرام 

ولا تتشبّثي بتلابيب غريبٍ

فُؤَادهُ غير مُسْتَهَام

اعتاد التحلّيق خارج السّرب

والسّباحة عكس التّيار

لا يشعر بالانتماء

ولا يؤمن بنظريّة القطيع

تزوّجَ من عزلته

فأنجبا طفلةً جميلةً

تدعى الحُريّة

لان مناظر الطّيور

المُكبّلة بأقفاصها لا تستهويه.

**

أنا الذي زرعت عمري

ورودًا للنّاس

بتُ كالفراشات

لا تستطيبني الورود الذّابلة

وكالموسيقيّ لا تطربني

 خشخشة الأوراق اليابسة

على أغصان أشجارٍ

تنعق فوقها الغربان

**

أنا " إنكيدو" زمانيّ

غرسَت فيَّ الحروب

بذورَ الغربةِ والترحال

لأزرع في أسفاريّ

 الذّكر الطيّب

والأثر الحسَن

لكن  المدن الشقراء لا تغريني

 ولا العواصم الباردة البيضاء تستهويني

فالكثير من مدنكِ الجميلة غازلتني

ومدّت لي حبال الودّ

لكنّها فشلت

في استعباد قلبي واستعماره

ماخلا بغداد وأمستردام !

**

لستُ ناكرًا للمعروف

ولكن في مرفأ عيني سفنٌ

لها ترحالٌ طويلٌ

لا يتوقّف !

فالّذين نجحوا في إخراجي

من وطني قسرًا

 فشلوا في إخراج العِراق

 من قلبي!

لذا حبل الترحال

ما زال على الجرار!

**

فاحذري ولا تتعلّقي بسائحٍ

له في كلِّ مطارٍ

تذكرة انتظارٍ

 يُقلّم أظافر التّرحال

من أجل غدٍ

لم يحن حينه بعد

فهو ككلكامش

كثير الأسفار

يبحثُ عن وطنٍ لخلودهِ

اسمه العِراق

وجهه بغداد

عيناه شمس الصّباح

طلّته بدر تمامٍ

طوله نخلةٌ تعانق السّماء

وسادته على امتداد

دجلة والفرات.

**

فيا غربتي ما الضير

إنْ قلتُ لكِ:

لم ولن تكوني يومًا

 فَارسة أحلامي

 فاحذري

ولا تترجّلي عن جوادكِ

لئلا يزعجكِ صهيل

حصان ترحالي

فأسْرَجي إذًا خيولكِ للفرار

فإنْ شأتِ

 دلّيني الطّريق إلى بلادي

لأنقش "الحنّة"

على كفِّ بغداديٍّ

***

الاب يوسف جزراوي

خرونيكن

 

عبد الجبار الحمديسعيد لم يتذكر مذ ولادته أنه عرف السعادة، لم يعلم لِمَ أطلقت والدته عليه هذه الأسم؟ مرة قال في نفسه ربما كي تشعر هي نفسها بالسعادة التي لم تعرفها او تراها، لم أرى والدي تربيت في بيت جدي بعد ان استشهد والدي في حرب ضروس لم ننل منها سوى قطع سوداء على جدران بالية... عافرت والدتي الحياة فأمتهنت صناعة الخبز الذي تخبزه الى الجيران الذي كان جدي احيانا يبيعه الى بعض المطاعم او على قارعة طريق... احتفظت بوصية والدي كعهد عليها ما دامت حية ترزق كما جدي بأن تجعلني متعلما أحمل شهادة عليا... هما الحافزان اللذان كانا عبارة عن ريح صرصر تدفع بالأيام لتسبق السنون... كنت شغفا بالتعلم بارعا في جميع المواد، فرحة أمي ودموع جدي عندما حضرا حفل التخرج كان بالنسبة لهما بوابة السعادة... كثيرا ما أتذكر في صباي وأنا ارى النخيل الذي فقد حيويته وقطع سعفه إما بالحرق او بالجرافات أو الإهمال وسألت جدي لم نقتل الحياة في ما اعطانا الله وما خلقه؟ لم ننافق؟ لم نلبس رداء الورع والدين سترا لعاهات؟ لم السلطة تقمع حرية الرأي والتعبير؟ لم الموت يقف على أعتاب البيوت ويترصد في الازقة بخنجره الأفكار؟ اجده يقف طويلا أمامي بمعرفته الدنيوية ثم يقول إن سؤالك كالاحاجي قد يكون لها ألف جواب البعض من الاجوبة قد يودي بحياتك وحياتنا، إننا نعيش زمن الطاغوت والموت بحجة التحرير، عالمنا يا سعيد مليء بالكوابيس التي يمكنها ان تخنقك وأنت نائم او حتى وانت تسير، ولدي لا تسأل أسئلة تجعل الاعين تسقط عليك وتكون مهددا لأفكارك...

سعيد: لكن يا جدي لم أسأل إلا لأني اشعر أن ما يحصل حرام، بعد ان حدثني صديقي حامد بما اخبره والده عن والدي الذي كان معه في الحرب المصطنعة وبعد ان تعرضوا الى القصف والهجوم بكثافة مما جعله يستميت ويجود بنفسه من اجل صحبه... مات والدي مضحيا من أجل الآخرين، الوحيد الذي خسر هو أبي, امي وأنا وأنت، هاهو العالم لم يتوقف، الشر تبرثن ويزداد، عالمنا مخيف، كل شيء فيه مراقب حتى الاحلام فأي عالم نعيش..

الجد: سعيد جدي يبدو أن مداركك تتفتح قبل أوانها وعقلك أكبر من سنك

سعيد: لست صغيرا يا جدي فأنا بلغت مرحلة أن أكون أو لا أكون، ولي من المعرفة الكثير لكن تبقى هناك أركان معتمة بداخلي وابواب موصدة عليها طلاسم لا اريد لها ان تفتح الآن خوفا على أمي وعليك، أني لا اريد البقاء في هذا الوطن الذي لا يرتوي إلا بالدماء والحروب كأن الانسان فيه منكب على وجهه في الجحيم، الاحلام لا تتعدى محيط رأسه، اي مستقبل يمكنك ان تحياه في وطن سياساته أحزاب وكتل شعارها القمع وعيون أمن تلاحقك في كل مكان؟؟؟ جدي ارجوك اريد ان تساعدني في مسألة صعبة جدا على أمي وعلي.. اريد أن اخرج بعيدا عن العراق حيث الحرية والأنسانية، هناك يمكنني تحقيق أحلامي واعدك سارسل في طلب أمي وطلبك فما هي سوى سنين قليلة استقر فيها أرتب اوضاعي بعدها سنكون اسرة بمعنى الكلمة، اريح أمي من تعبها وأريحك انت ايضا سأجازيكما على تعبكما سأحيطكما بالرعاية بعيدا عن رائحة الدخان وضرب الإنفجارات والعبوات الناسفة بعيدا عن الرعب الذي يقطن معنا كالظل...

الجد: كأن صاعقة نزلت على رأسه!!!

فقال: أي حلم هذا الذي تريد وقد تقوس ظهري يا سعيد فما عدت احتمل، أملي و والدتك ان تجد وظيفة تكفل لك العيش ولنا يمكنها بعد ذلك ان تجعلك تعيل أسرة، تريد والدتك ان ترى أبناءك قبل ان تموت، فقد وهنت كما أني لا أعلم كم بقي لي من العمر، خاصة أني مصاب بالعديد من الامراض عن أي جنون سفر تتحدث!؟ والله لو سمعت والدتك لماتت، أترك هذا الخبال ولا تعكر فرحتنا

كانت صافرة القطار كفيلة بإيقاظه من بطن افكاره وهو ينتظره على دكة في لوكسنبورج، خرج مع الذين استطاعوا الهروب غرباء في أوطان اوربية، يعرجون الى سماء الحرية بعد ان يدفعوا ضريبتها الغربة والوجع والخطورة... ظن سعيد ان الحياة ليست بهذه الصعوبة التي يراها، الابواب شبه مغلقة المخيمات التي يسكنها اللاجئين عبارة عن قيود بلاستيكية توهم نفسك أنها سهلة الفكاك لكنها تجعل منك مثل الكلب الذي يحمل رقما في رقبته ينتظر في كل يوم مواعيد الطعام او التربيت على الظهر.. مرت الشهور صعبة وهو يرى عالم الطبيعة، الثلج يجثو ببراعة فوق جبالها يمتطيها كفارس من القرون البائدة، حتى اوديتها يمد يده ليخنق الزهور التي تريد ان تتفتح كي تحظى بالحياة، فالبرد وتساقط الوفر بكثافة يجعل من الارادة متيبسة بسبب الصقيع... ظن أن الحظ إلتفت له بعد ان أعطوه غرفة مع مجموعة ما من المهاجرين، مختلف الجنسيات في منطقة نائية بعيدة عن عالم المدينة... شبه قرية يحتاج احيانا للسير ساعتين كي يرى وجوه غير الوجوه التي فاح حمضها بعد ان اتضح له أنها تحمل الأنا لنفسها.. كثيرا ما حدث نفسه أمام زجاج واجهة يرى الناس تنظر إليه كحيوان غريب وقد بدا عليه أنه ليس منهم... قفص كبير وضع فيه يتحرك بحرية من خلال قيود تربطه رغما عنه فيعود الى تلك الغرفة القاسية، نزيل معه همه الشرب والحبوب بخلسة خلق له عالما دون معرفة السجان... حتى جاء اليوم الذي وصل الاحتقان الى حد ان يصرخ سعيد، استعدى المسئولة طالبا منها العودة الى وطنه... كانت ترى حاله وقد أنطفئ بريق حلمه الذي قال لها في مقابلته الأولى... أنه سعيد بلا سعادة جئت ابحث عن طعمها هنا في بلدكم.. ربما هنا استطيع أن اعيش دون احاجي أو ألغاز، كثيرا ما طرقت على مسامع جدي أحاجي حياتنا فكان جوابه دائما واحد.. إننا في وطن فك اللغز ومعرفة الحقيقة عبارة عن فتح باب جهنم لا يمكن معارضة السلطة او الحكومة، هي من تفصل وهي من تُلبس، هي من تقسم الأرزاق مثل الله... اعترضت على ما قاله حاولت النزعة غير دموع أمي واصابعها المحترقة من كثرة لفح نار التنور لها أذاب التساؤلات بل حولها الى لغز مخيف أكبر دفع بي الى الهروب...

غريب أمرك يا سعيد تقول لي هيلينا، كيف لشاب مثلك يحمل كل هذا السواد والحزن؟ كيف سمحت لتلك الأحاجي ان تتلبس وجه سعادتك وتعكسها ضجر وملل وإحباط؟ إن الحياة مقبلة لك ما عليك إلا الصبر سيأتي دورك في المقابلة وأنا سأكون معك وأؤكد لك بأن ستنال البطاقة الخضراء ستعيش بحرية، قد تتطول المدة لكن بالتأكيد ستنال حلمك إنك شاب ذكي لماح وهذا ما كتبته في التقرير الابتدائي عنك..

سعيد: لا يعنيني ما كتبت وما تقولين إني أشعر بحنين الى حضن أمي ورائحة عرق جدي، الى طعم خبزها الى وجهها الأسمر المتلفح بنار التنور، أريد ان اسمعها تهدهد وهي تفرك فروة رأسي على رجلها اشم رائحة أرض وطني التعيس بمن يمسكه من عتاة وطغاة، وطن يشعرك بالفخر رغم ضآلة حجمك، أرنمو ، حمورابي، جلجامش، سومر، آشور، بابل وجنائنها المعلقة، التأريخ نعم التأريخ هو العراق مثل الكون كهل يحمل على ظهره أوجاع أحقاب حروب ضروس وتحديات عالم، أرض خصها الله بنهري دجلة والفرات.. وطن موجع لكن الآه فيه باتت بلسم، والبسلم هنا آه غربة طويل، قد يعارضني الكثير لكنه العراق، عشقي له كلعنة الفراعنة لا أنفك أطلبها وإن كان فيها موتي، ارجوك هيلينا عيديني الى وطني...

هيلينا: لا شك انك مجنون أو مصاب بحمى الهذيان، سأعود لأراك في الغد او بعد غد علك تكون قد غيرت رأيك..

سعيد: أبدا هيلينا لن أغير رأيي، أقسم سأمتنع عن الطعام والشراب حتى توافقي على طلبي

هيلينا: لا تفعل يا مجنون سأعمل على ترتيب طلبك ورغبتك.

أمي سامحيني لقد خنت حليبك، لم أكن الولد البار بك وبجدي، لكن ارجوك أمي هل مات جدي غضبان علي.. كيف لي ان اطلب السماح منه والعذر؟

أمه: لا عليك يا ولدي لقد كان حتى آخر رمق يذكرك ويدعو لك... لقد كان يحبك كثيرا، فأنت من رائحة إبنه الوحيد

سعيد: أمي ستتغير الامور أعدك بذلك، سيكون لي كما الشباب عناوين جديدة سنفتح بوابات الحرية، سنعيد الحياة لنخيل العراق سيثمر رطبها حتى يتساقط عطاء كما الشهداء الذين سقطوا من اجل الوطن، سيلبس العراق زهو الديمقراطية وتقرير المصير... سنعيد للدنيا حديث السندباد، سيجلس شهريار ينصت الى شهرزاد ألف ليلة وليلة جديدة، سيعزف الموصلي من جديد، سيطرب الناس على شعر ابي النؤاس، سيعود متنبي الشعر الى شوارع بغداد، تروي كهرمانه عطشى الحرية روافد دجلة والفرات بعيدا، سيمسك حمورابي بقوانين مسنة العدالة بعيدا عن علي بابا والاربعين حرامي.

**

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

عبد الناصر الجوهريمَنْ يَفْرُقُ عنّا موج البحْر؟

فقبْلتُنا الأُولى تتحصَّنُ فيها "خيْبرُ"

قد سبقتْها

كُهَّانُ "مُسيْلمة الكذَّابْ"

لا داعي لخروج الأحزابْ

فكتابي المُتدلِّي من أسْتار "الكعْبةِ "..

مذْ أكلتْهُ الأَرَضَةُ ؛

فالشِّعْرُ استنبط ما في بطن "قُريْش"

مِنْ أنسابْ

فوجدنا عند العودة ألويةُ النصر مُمزَّقةً

فوق سواحل "قُرطبة" المعْشوقة

في إلهام الكُتَّابْ

إبلُ الصَّدقات إذا غضبتْ تُـسْمِعُ فى أكْباد الأمصار..

حُدَاءَ الأعرابْ

اختلف الفُقهاءْ

واختلف الشُّعراءْ

هل قرْطكِ ضاع على ناصية البصَّاصينْ؟

والآن تضيقُ زوايا الواشينْ

والفجوةُ شاسعةٌ عندكِ في متن حضارتهمْ

لكنْ عند حضوري

فغياب بغيابْ

أيُّ الأوصافِ تريدين قراءتها

فوق ضريح هُويَّتنا

قبل نزوح الخَلجَات إلى غورٍ قَحْلٍ،

وسرابْ؟

فالدَّمعُ تحجَّر في عينيك الباردتين ..

إن الليلةَ عُرْس بناتِ العمِّ ،

فراشاتُ حُقول البرسيم اشتقْنَ إليكِ ..

قُبّيلَ موات ضفائرِكِ على بهو الترعةِ..

دون خضابْ

من يَفرُق عنّا البحرَ ...؟

توهب أوْرادُ " نفًّرِي " الحسِّ الصُّوفىِّ..

ولا تُكتسبُ الحضرةُ؛

إلا لو تُخْطفُ فى خلوته الألبابْ

فمواقفه ليستْ ذاتًا فى نثركِ..

تُنْسج من قبل الأضدادْ

كيف اتسعتْ للرؤيةِ سلْخ لغاتى

من أخبركِ..اليوم

بأن " نفّرِى" الحضْرةِ..

شاعرْ؟

أو أنَّ مُؤْلفهُ السلف الشَّرعىّ.. لنثْريتكِ الولهانةِ..

فىْ ثائرْ؟

إنَّ غبارَ القريةِ يألفُ فيك ِ العودةَ ..

للأحبابْ

والصبحُ الراكضُ بجوار المنزل..

يرقبُ سرْبكِ قبل رجوع الصيفْ

في صحبةِ أنَّاتِ قصائدنا الغزليَّةِ ..

أمَّا شمسُ سواقينا المهجورة ..

تشتاق قدومكِ من بين الغابْ

من أخبركِ اليوم

بأن قطيعتنا نصف مسافات العُزلةِ ..

فالرَّقصُ.. على قبر مُعلَّقتى لا يُرضى أتباعكِ..

من غلمان الأعرابْ

فالقرويُّون على أعتاب ممرٍّ لا يصْلحُ

إلا ذاكرةً لتراثى

لا يمْتشقون سيوفَ الرِّدّة ..

والتَّصريعُ الباسقُ منْفيٌّ ،

والنَّفىُ عقابْ

ما كانت .. تُرْهبَ أجسادٌ

تحترف المشيَ على أسلاكِ التفكيكِ ..

ونصُّ براءتها؛

سيفْلتُ منْ سلفيَّة فتْواكِ،

ومصْطلحات الإرهابْ

"فالطَّهطاويُّ " صَعيْدىٌّ سافر من قبل لـــ"باريسَ"

ولم يثأرْ من غُربتهِ،

لم يتبرأْ من أروقةِ "الأزهر"،

لم يخجلْ من عامود أصالته

أو من نظرياتِ الإعرابْ

مِنْ يخبر كُهَّان حداثتنا

أن التنظيرَ يصادرُ أخيلةً لهواجسهمْ؟

من يُخبر كُهَّانكِ..

أن جميع سعالى ما بعد حداثتنا ..

لا تعشق إلا صكَّ قطيعتها للشعر العربيِّ..

وللإطنابْ؟

وتراوغ فينا المأسوفَ عليه الوطنَ المسلوبَ..

عروبتنا المخبوءة فينا ،

وتشذّب نخلَ الأحقابْ

اعترفتْ غيماتُ النثر ..

بأن العزف الوافدَ

ما عاد يجادل خوف الأعرابيّ النازح ..

من صهد اللغةِ الأوَّابْ

كيف تُجرّد مُنْتدياتي

مِنْ خبز اللغويين..

ومن ماء التورية المُنْسابْ؟

فالأعرابُ كما قيل ..

يجيدون مقايضة النِّفْط بأسلحة العولمة ،

الفيتو

لكنْ ليس يجيدون الدَّعوة للإضرابْ

مَن أدراكِ بأن قطيعينا

تسحقها أحذيةٌ لغزاة شمالى،

لا تدري علم الترجمة ،

الأنسابْ

مَنْ أخبركِ اليوم ..

بأن "التكنولوجيا" دين رعاة البقر،

وتمثال "الحُرِّية " ليس ستعصب أعينه "المارينزُ"،

فليست نزهةْ

أن نخلع عن كل الأمصار صلابتها

أن نحفر بئراً يحفظ ساقيةً لبلاغتنا

ليستْ نزهةْ

أن نطلق ركبَ بداوتنا

حين تدق العاصفةُ الأبواب.. فلا ننسى ذاكرةً لطفولتها

لا ننسى أرضًا في القلب تقدّسها الأجدادْ

لا ننسى نفس تجاعيد التِّرحال،

ولا سفن الاستكشاف إذا حلَّ تلصُص "كولومبوسٍ" يومًا

لن ننسى مقبرةً لتراثِ الأحفادْ

نصف رجال الوطن مصابون بغيبوبة عشق الأرضْ

والنصف الآخر يحمل كل مراجله

ينتظر المحتلَّ على الأعتابْ

خائنةٌ - يا زائرتى - كل الأبراجْ

ما كان لسربكِ إلا وطنٌ من عاجْ

ما عاد لدينا أي رِتاجْ

في غربتنا سنهاجر نمسح نعليها

أو نغسل أطباقَ مطاعم "فيينّا"

أو نهدر عمراً فى تنظير تخلُّفنا

عن ركبِ فروض الهيمنةِ الكذَّابْ

في غربتنا سنهاجر من برزخ عزلتنا

فالرجلُ الأبيضُ لن يحتلَّ الأرضَ الزنجيَّةَ ..

حتى يعولمنا فى الموطنْ

فمزارعنا ليست كمزارع "كَنَدا"

ليست كمزارع "بوسْطُنْ"

إن مزارعنا تبتزّ الفلاحين المكدودين ..

بوخز البلهارسيا .. تبتزّ التعب النائم بالأحلام

نعلم أن النخل عقيمٌ

نعلم حين قدوم المحتلِّ بأن الطير اعتاد الخرس الجامح..

حين يُساوم فينا النجدة والإقدامْ

لكنكِ لستِ.. شهيدةَ هذا الوطنِ ..

لعلَّ الرُّبَّانَ الهاربَ عن وجهته..

ينسى نظريات إبادة "غزةَ"..

فالقصفُ سيمنعنا أن نقرأ فاتحةً عند الدفن

على قبر الشهداءْ

لن نتصفح صفحات "الهيبز"..

ولن نكشفَ.. تأويلات الوجه الآخَر..

حين اغتالوا ذاكرة البيداءْ

أعرابُ "نيويورك" ستأتى فوق الدباباتِ ..

مع الاعداءْ

فـــــ"عليٌّ" يا بنتَ "خوارجِنا" استشهد ..

من أجل عيون مبايعة الدهماءْ

لن نُثقِلَ عبء العامَّة .. بالروكّ وبالبورْنُو ..

وببيع الأعضاءْ

من أخبركِ الآن..

بأن "القحطانيين"العُزِّلَ لم تنقلْ أسرار لغاتي؛

حين انقرضوا

أو أن شعوب الأعراب يخافون الحربَ ..

ويرضون بمُرِّ الاستسلامْ؟

من أخبرك..اليوم بأن النخلَ بوادي "دجلةَ" نامْ

هذا الوطنُ الشاردُ..

ليس بدون إمامْ

قد يعشق أشجار الزيتون بكل حمائمه

لكن لا ينسى ثأراً لو قتلوا حتى الأيامْ

من أخبرك بأن اللغويين بأرض معاركهم ..

قد ذاقوا مُرّ التقسيم ..

ما هجروا قمرَ الأحزانْ

حريَّةُ هذا الجسدِ الممشوقِ لِمَن؟

حريَّةُ هذا الوطن المحتلَّ لِمَن؟

لن تُطمَسَ فينا أشواق الأوطانْ

من سيعلِّم أطفالَ

"شِكَاغُو"

أن العرب بقايا الصحراءِ المهزومةِ ..

ما هم إلا ظاهرةٌ صوتيّةْ

أو أن "الجاحظُ." مات صريعًا تحت قواميس التفسير..

وإعمالًا للعقل؛

انضم لدرس المعتزلةْ

مات "الجاحظُ" مدفونًا بالكتب اشتاق العُزْلةْ

من سيعلِّم نخبة "باريسَ"..

بأن "المُتنبِّيَ"..شيعىٌّ نادى بنبوَّته

أو أن لـــ "زرْيابَ" مقاماتُ الآلات الشرقيَّةْ

حتى قرطبة اشتاقت للعزف "بإشبيليَّةْ

أو أن "خليل" قصيدي كيف أضاف إليه "الأخفشُ" بحرًا؛

"فالأخفشُ" أهمله فى دائرةِ البحر المُتقاربْ

فلذا ..عشق الكولا ،

والشمْبانيا فى الحاناتِ السريَّةْ؟

من سيعلِّم أطفالَ الزنج خديعة

أن رعاةَ الإبل العرجاءِ.. يُجِيدون الشعرَ..

ولا يقدر أعتي من فيهم

أن يخرج للغزواتْ؟

عادت عيناكِ بكذبٍ تبتزُّ الناياتْ

إني أشتمُّ روائحَ هذا الكذب المجنون ..

بلهجتك الإفرنجيَّة

"بغدادُ" انتصرت يا أبواقَ هزائمنا

والجلَّادون هنا

أتعبهم صوتُ صراخ بلاغتنا اللغوَّيةْ

إنَّا لله ..

وإنا نفترش التوريةَ ،

القافيةَ،

السجعَ ،

اللغةَ السمحاء،

كنايتَها،

ووشائجَها "القحطانيَّةْ"

إن الفجوة شاسعةٌ

ما أجمل أوقاتكِ فى نُزُل الشرق الأوسط ..

ليس الوطن المختلف عليه..

وليس سواه النيل يوحِّد فينا الشريانْ

هل ضلّ ذكاؤك فينا ؟

من أدراك بأن الناطورَ الواشيَ..

يملك حدْساً تنويريًّا

ويقيّد كل عصافير الاستيطانْ؟

العزلة ثانيةً

والإطنابُ مريضٌ

والمجدُ البائسُ ينتظر الفرسانْ

أعلمُ أن امرةَ الجيل الرابع للحاسوب ..

ستشكِّل بالمحمول وزارتها

ستخبّئ كل دعايتها في كشف العصيانْ

أقسم أني حين يجيء الطابور الخامس والآباتشي

حين قدوم المارينز..

إلى وطني العاشق لدماء المُغْتصبينْ

لن أتوارى خلف القلعة ،

أو في "قصر التينْ"

لن أتوارى في سرداب الهرم الأكبر "خوفو"

لن أتوارى في أحراش النيل الطيّبِ ..

لن أُنكرَ ..أىَّ استدعاءٍ لفتاوى الدينْ

لن أندب حظ بنادقنا

لن أتشاءمَ حين تمرّ علينا؛

"زرقاءُ يمامتنا" لا يبهرها أسلحة الأعداء،

ستلمحُ جيش غزاتي

وتحذرنا لو جاء الوالى المخلوعُ ..

يحاصر ثورتنا فى الميدانْ

لن يستجوبني فزعي

حين أهاجم أول قافلةٍ

مرّت في غفلة متحف "لقمان"

إن قصائدنا أرهقها طول السفر العاشق..

لاسترداد الأوطانْ

صرنا الغرباءْ

خارج سرب حداثيي المهجرِ ..

ليس غريبًا أن تنبذ جَوْقَتنا ؛

كي تشرب شايًا في فندق"مارشالْ"

كى تتحذلق دومًا .. بلسان النخبة..

والأبطالْ

ليس غريبًا أن تسرد سطوة حلف" الأطلنطيّ"..

تُثرثر:

إنَّا مهزومون .. كعادتنا

من قبل بدايةِ أي قتالْ

ليس غريبًا أن تقذف في وجه الوطنيين ..

دخانَ سجائرها الممزوجَ ..

بطبع فصاحتها المُحْتالْ

فالنُّثَّارُ أتين إليها فى استعجالْ

إنَّا لله ..

وإنا في الليل نقايض عِيرَ العزفِ ..

بِعِيرِ البعثات المُخْتالْ

من حيث أتيتِ تعودينَ ..

فإن الوطن جميلٌ

والجسدُ العربىُّ مصانٌ في سجن "أبو غْريب"

اعتاد كلاب السجانْ

إن الحلمَ لدىَّ سيهوى استقلالاً للمعنى ..

والمحتلُّ سنمنعه.. بأظافرنا لو دخل الأرضَ ببارجةِ الغزوِ..

إذا مرَّ بدون استئذانْ

من حيث أتيتِ تعودينَ ..

فلن ترقبُ أطفال القرية ..ظلّكِ..

فالصفصافُ اعترف الآن ..

بأن السفنَ المحتلَّةَ إطناب مياهى الإقليميَّةِ..

ليستْ منحةَ عيد الاطلنطىِّ أمام الخلْجانْ

من أبلغكِ الآن

بأن النيلَ يخاف القرصانْ ؟

هذا كوخ مجازى المبنىُّ بعرق الطين الوسنانْ

سيؤمِّن قافيةَ العُرْبانْ

أمَّا خنساءُ بني الأصفر ..

سوف تشكّل بالليل وزارتَها

في أوَّل مجلس حكمٍ

مِنْ بين رفاق الجامعة المنضمون لسرب الرفض..

ومحترفي كسر "التَّابو" ،

وقافية الشَّطرين

وعقرالأوزانْ

فالطير ُالزَّاجلُ قال:

بأنَّ الشُّعراءَ المغضوبَ عليهمْ

- وأنَّا أوَّلُ مَن فيهمْ –

سيزفَّون إلى زنزاناتِ الأمريكانْ

إنَّا للَّهِ ..

وإنَّا عُشّاقُ الأوطانْ.

***

شعر: عبدالناصر الجوهري – مصر

 

 

صالح البياتيبردًا أيها الشجر

سلاماً أيها البشر!


الآشجار:

ضجرة شجرة اليوكالبتوس من وحدتها

نضرة بجدائل خضراء طويلة

رخية تدلت أغصانها، كأذرع الأطفال النائمين 

فتية.. لكنها ليست بضنينة

على استقبال الطيور

وبناء الأعشاش.

 قليلا سترتفع، حينما يحل الصيف 

ظلالاً وأفياءً تلقي على من حولها

بردًا وسلاما

عندما تمد أغصانها الجديدة

**

الشجرة وأنا:

وترٌ هي، تهتز للريح طربا وفرحًا 

قوس انا، اتمايل طلبًا للسكون

لأنها الحياة، وهبتني القوة

لأني الفناء، أعطيتها حركتي البطيئة

تبادلنا الأدوار، كما يحصل احيانا

انا عدت لوحدتي التي اعتدتها

وهي لعالمها الشجري المتصل بالعناق

تأنس به وتحتمي

اما انا فسأحتمي بين جدران وحدتي

كأي كتاب قديم بلغة ميتة

بلا أنيس يقرأه، او حتى يتصفحه

**

 البشر!

امامي أفق اخضر، مرقش بشرارات نارية

ارتعاش الغابة، صمت مهيب، أوجس خيفتي

اسيرُ بين باسقات الشجر، قزم قمئ، جندي مخبول اسيرْ

احمل على كتفي عبء هزائم لم أخض غمارها

وعلى ظهري الهزيل اوشال عمر حسير    

كحل العربدة وقلم ناري، سلبا نور عيني

تقاطعت الطرق امامي تغريني بالضياع

قوافل الأفكار انفلتت عن عقالها

عبثا تنبح الريح بلا صوت، لا تكف عقارب العقل عن الدوران

هرطقات طحنت حتى العظم عروش الجبابرة  

تربع ركام الأمم جبلا أرجوانيا اعظم

رأسه يناطح السماء، رمح ذهبي، يخترق قلب الأنبياء

وقاعدته تنبسط ، تفترش أديم الارض 

كهنة المعابد يتلون ادعيتهم، غداة هجيع الملائكة

لعنة برج بابل حلت بهم، فتبلبلت ألسنتهم

**        

انا جرم صغير جدا، في عالم فسيح جداً

يضج بعربدة الجبروت، ضد الملكوت

انسحاب ظل هزيل بين هياكل متداعية

عبادات انطوت على اسرارها

انا حصاد وهم قديم

ارث أساطير، حكايات كهنة المعبد

عرائش كرم، مات حراسها العمي، قبل الف عام

**

رفيقا سفري، لدربي المعرح للسماء بلا صعود

هل ارتوت تلكم الناقة التي أسرت بي للنهر شرقا

ام هلكت عطشاً، في صحراء حيرتي، حين أوغلت غربا 

اعند جبل سيناي أنخت ركابي، القيت خمرة اوزاري

اوعند الكعبة المكرمة، ارتحت

اغتسل، اتطهر في مياه بئرها المقدس من اوحال ذنوبي.

**

رفيقا سفري الأرضي، كلب ابيض ودفتر شعر عربي

يصحباني أينما ذهبت

كما رافق هرمس في رحلته الماورائية، موسى العبري

اعترف أني لست ابداً، في مكانتهما ولا في حكمتهما 

الذؤبتان المتدليتان من قلادة عمري شابت، قبل ولادتي

تضئ طريقي نجمة الصباح

كوكب الزهرة يلتمع في ناصيتي

ان نسىيت من انا، والى أين أسير

ذكرني رفيقا سفري، فهما اعرف مني بنفسي 

يحتفظان بكل ما تبقى لي من خرافة حياتي 

يذكراني بما نسيت،عندما اقف عاريا يوم الحساب

كصخرة ملساء نحتتها الريح انسانا بلا رأس

**

وداعا صديقتي الشجرة

وصلتني رسالتك الأخيرة

ملقاةً على العشب الأخضر

مغموسةً بخضاب اسود

بإعجوبةٍ.. تماسك نصل الورقة

انطمست الحروف، توسلتْ يائسة

لو ان بصقة مطر مباركة، تطفئ حرائق الغابة

لما إسْوَدَّ اليخضور بالنار

الشمس احمرت عينها

انحدرت دمعة، غسلت حزن الأشجار

همستُ، سأصلي الليلة للنار المقدسة 

ألاّ تمسك بسوء أبداً.

***

صالح البياتي

 

 

جميلة بلطي عطريصُراخٌ..صُراااخْ

الصّيحةُ في فَمِ الرّيح

فُقاّعةٌ تركلُها الصّدْفةُ

عاصفةٌ هوجاء تُرْعدُ

تهُزُّ أركان المجرّة

يمتدُّ الصّفيرُ عبْر الكُهوف

عبْرَ المجاري

يتموّجُ في المغارات المنسيّة

مرّةً بعد مرّة

تمّ تُلهِيه المسافةُ

يتحوّلُ حشرجةً في صدْر الأثير

اختناقًا يطبقُ على الصّوت

كما الميّتِ ينتظرُ المصير

تخفتُ الحشرجةُ ..يضيع

رجفةٌ ثمّ شهقةٌ تغيضُ في أوردة الصّقيع

والحَكواتي يطوِي الأوراقَ الصّفراء

يُعلنُ السّاعة الصّفْر

نهايةٌ تَقضمُ فأْلَ البداية

فرسٌ ولا فارس

أَوْ

فُروسيّةٌ في الزّمن الضّائع

ويظلُّ الصّراخُ صدًى

كما في حكايات جدّتي

يُوهمُ بالغلبة

بالفارسِ يمتطِي حصانًا

أو بِساطا يَطير

أمّا الواقعُ فتنخرُه الدّيدان

تمتصُّ دمه رُويدًا

والحياةُ على شفير.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي - تونس

 

عبد اللطيف الصافيكيف لي

أنا القادم من تيه الجنوب

ونرجسية الاحلام

أن أبرأ من حب

ينتظرني كل مساء

في طريق محشو بالبرق

و أجنحة الفراش

و ريش الحمام

ورماد العنقاء

يدس في صدري نوتة ناي

و ابتسامة حارقة

وقبلة في ظرف مغلق

ثم يرحل عند أول مفترق

خال من الذكريات

يتركني

لوجع يثور في رأسي

كدوار البحر

لليل غامض يعتصرني

مثلما يعتصر ضرع يابس

فتسيل الاغنيات من مجرى دمعي

مبللة بالحزن

و تنزل من مجرى سمعي

كماء المزن

ها أنا الآن بين فكي كماشة

يبتلعني

سراب موغل في الهشاشة

والجنوب الذي يأويني

لا تكتمل صورته إلا بالحب

أو بالحرب

أو بهما معا

***

عبد اللطيف الصافي / كلميم-المغرب

 

 

مالكة عسالفتحت بابي، فلمحت شيئا كالورقة، يرقص على هبة ريح منسلة من الفتحة، اقتحمت طويّها في فضول جميل، انفرج مبسمها عن عبارة: الحضور ضروري لحفل زفافي ياشقيقي ورفيق دربي، الذي تقاسم معي عقوق الأيام، ولعنات القدر في عرين الطفولة..أنا اليوم سألتحم بنصفي الآخر ..

يريد أن يكمل جسده..أليس الزواج تكملة، ودق أوتاد الرزانة في فدافد الشغب والاستهتار، وترويض طفل المراهقة، بسببه قضى ليالي تحت تهاطل الأمطار، ولفحات الشمس ليسكته، وفاعلا حقيقيا لإبادة حشرات الوحدة مستفزته بطنينها الأحمر، ورادعا قويا بإغلاق أبواب مطارة الجنس الآخر في وجهه، على الأقل في البداية.. ؟

لكن لا تسألني عن الشريكة حمالة حطب المقبل في جيدها، فأنا أجهلها تماما..على كل حال هي امرأة ككل النساء ...لرهافة قلب صديقي، ستعيش حياة ببريق الماس، تنجب أو ينجبان هما الإثنان، لا أدري، لا أدري أتنجب هي أم ينجبان هما معا ذرية الاستمرار، وترسيخ الا سم في سجل الحياة ..و لكن لا أدري أهي صالحة أم ليست كذلك، ولا هي عاقر أم ولود ...بيني وبينك أليس الزواج لعبة شد الحبل في ميدان التعب وحرق الأعصاب في رماد الأشقياء..؟ يا أخي من يرد الغطس في بحيرة هادئة يرها، ومن يرد خوض حمم السعير يرها.. وما شأنك أنت وهذا التحليل المريض؟ فأنت خارج المربع، تعيش فرخ حمام في أعلى أسفل الأبراج... فإن أضعت مفاتيح قفص الزفت هذا في برك شطط القدر، فذا شأنك ...اُتركِ الثرثرة والاستفهام، فاللحظة تضيق بهما، وهيئ نفسك لتعلن للصداقة وفاءها ......

بقرت بطن الصوان الذي تخلى عن دفتيه، لأنتقي خيرة الملابس ..تسربلت القمصان والسراويل في هدوء..لا شيء منها يدعو إلى الغبطة ...حتى الحذاء فاتح شدقه منذ أسبوع.. ماذا أفعل ؟أأجمع قشاتي في عشي وأمرر إليه اعتذاري ؟...يا أخي أية ذريعة تقنع صديقك بالقبول، اِلْوِ جسدك في أية ملاءة وانصرفْ، واستفذ من حصتك هذه، فما زالت أمامك مثل هذه الأجواء...أتمزح ؟فمبلغي المادي يتعرض للقضم قبل الوصول إلي هيكلا عظميا.. وما تبقى تساومه فواتير الماء والكهرباء والكراء .......

بعثرت الملابس، والتبعثر أُدْمِنت عليه منذ الصغر، هكذا علمتني أمي، فحين لفظني رحمها بعد البنت الثانية، كربة الأسرة، ومعبر نحو الشؤم كما تراها الأسرة، لكونها رديفة البكر، كأنها غلطة العمر..البنت مصيبة إذا عَنَستْ، وترى فيَ أنا ذكر البيت ومبهجه...أتتفق أنت على أن البنت كارثة، رغم بحر حنانها المتدفق، وتحملها جزءا من مسؤولية البيت ؟أعوذ بك من لغوك المخروب هذا ......على إثر التبعثر كنت أجد ملابسي منسقة كالآيات القرآنية، والتغيير يتم على ذوق أمي أو أختي من حيث انسجام الألوان ..والوسخة أرميها أشلاء في الجنبات ..ولا دراية بالطبع أية أنامل جمعتها ونظفتها، وأعادتها مرصفة إلى مكانها..والتلبية بنفس الإيقاع حين تهاجمني صراصير الجوع، ولا شأن لي بالمائدة وأوانيها، فارس البيت كنت، أمشي فيه أميرا .....ولما بعثرتني الأيام، أعيش الآن بأسلوب التبعثر، حتى غدا النظام من كبريات المعضلات..غرفتي، أِلفتُها هكذا مبعثرة..لأن التبعثر هو الذي يريد...... قمصان منكمشة، وربطات عنق: أسمال بالية لا غير ..يالهذه الدعوة البلوة، التي غدت اليوم فاتورة دين يجب تسديده..ركنت إلى سريري تتجاذبني متاهات وعيناي مبسوطتان على الملابس ..قمت ثانية بعثرتها يمينا، شمالا..لبست قميصا أصفر، فأصبحت ككنائس الضوء..

ومنظري أبشع من وجه ميت ..نزعته..ولبست آخر أحمر، فذكرني بإشارة دورية الليل، وبقع دم الضحايا المهرقة غدرا

فأقلعته أيضا ..تصور دعوة فرح تجر عليك سيلا من المشاكل..جلست على حافة السريرأتمعن في الأحذية : أانتعل الحذاء الرياضي مع السروال ؟أي تناسق؟ ألا تعرف مقلبه في الأجواء الحارة؟تجاوزْه ياعم ..الصندل :أظن لا اعتراض فالرِّجل لها منفذ لاستنشاق الأكسجين.. الصندل مع السروال ؟ أية غرابة وأي تبعثر؟...أنا قلت لك منذ قليل :إني مبعثر ونشأت على التبعثر ...

أنسيت حذاءك؟ .. حدثتك عنه سابقا...اِلتحفْ أية خرقة وهيا لتبتر هذه الليلة من قائمة الليالي الماردة، فتروِ صحراءك الجدباء ..حل ترقيعي لِرَي القشور أما تحت الضلوع فالدود ينغل..أعدت الملابس إلى مزبلتها ثم تسمرت في مكاني، متتبعا مروق ذكرايات من حافة الطفولة مبتسما، مقطبا ... انتفضَ الحذاء ضاربا النور في الجوانب يلمع بشكل مدهش، جوربان بلون رمادي تقفزان من الدرج، وتحطان عصفورتين على الحذاء، أفرك عيني، أغمضهما، أفتحهما أُرمِشُ.. يتدلى القميص ببياض مشع كحيوان رخوي، تركض وراءه بذلة دهماء، ربطة عنق رقطاء تتلوى كثعبان ..تزحف الجماعة نحوي ..أربعة أياد بلورية تُلبِسني..تُقوّم الخلل..أنا الآن في تمام أناقة الأمراء ..مشطت شعري ..

ابتسمت، التفتّ، انحنيت، قمت، عاينت سحنتي في المرآة، تأبطت الهدية وانطلقت كالسهم نحو العرس ..انتبهت على

صفارة سيارة الشرطة.. جلبة وغوغاء ..الحمذ لله إذ مازلت في بيتي..

***

مالكة عسال

 

نبيل عودةظهر في حارتنا فجأة. من الصعب تحديد دقيق لوقت ظهوره، جاء أمس؟ جاء أول أمس؟ تجمعت شهادات مختلفة، بعضها ذهب للإصرار على انه مضى على ظهوره في حارتنا اسبوع بالتمام والكمال، وربطوا بين ظهوره وبين بداية بث التلفزيون لتمثيلية قصة حياة ام كلثوم. آخرون قالوا ان هذه تخيلات، فظهوره محصور بالأربع والعشرين ساعة الاخيرة. فحارتنا صغيرة، وبيوتها قريبة من بعضها البعض، بالأبنية وبالعلاقات، وانه لا يجوز ان يكون جميع اهل الحارة قد اغفلوا ظهوره لهذا الوقت الطويل، الذي يكاد يتجاوز الأسبوع بكامله، وهذا التحليل فيه منطق، كما يعتقد اغلبية اهل الحارة.

هذا النقاش اشغلنا ليلة كاملة، وبعدها لم نعد إليه، صار خلفنا، وصارت حقيقة ظهوره هي الاهم. وباتت معرفة تفاصيل عنه في رأس سلم الأولويات.

ظننته كما ظن ذلك اهل الحارة ضيفاً عابراً عند أحد الجيران. بعد ان طالت ضيافته بدأنا نبادله تحيات اطول، ونحاول في جلساتنا ان نقارن انطباعاتنا ومعلوماتنا عنه، ونستفسر عنه اصحاب الحوانيت في حارتنا، علّهم يوسعون معلوماتنا عنه وعن شؤونه ومن يكون وما علاقته بالمضيفين؟

أيجوز انه ضيف ثقيل الى هذا الحد؟ او يكون أحد ابناء حارتنا الذين غادروا قبل سنين؟!

 كبار السن من أهل حارتنا لم يتذكروا وجود شبيه له او ما يمت اليه بصلة، سلسلوا المرحومين والمسافرين للخارج والمنتقلين لإحياء اخرى، واستصعبوا الوصول الى من يشبهه شكلاً وجيلاً. حتى ام ابراهيم، ذاكرة الحارة وسجل ايامها ومولدة نصف اناثها وذكورها، اعلنت بعجز وأسى خلو سجلها من كل ما يمكن ان يربط الضيف الجديد بحارتنا.

وربما هو ليس مجرد ضيف!! يبدو انه ساكن جديد عند جيران مختلفين بعض الشيء عنا، يحافظون على مسافة من كل اهل الحارة، رغم بشاشة وجوههم وحسن سيرتهم. الله يخلق الناس مختلفين مثل أصابع اليد ولا اعتراض على امره، هذا اكيد!

بدأت تحاك الخطط لكشف ما خفي من امر الضيف/الساكن على غفلة من أهل الحارة، غير ان ما صعب وعقد الخطط، كون الجيران “انعزاليين” حسب تعبير بقال الحارة وقارئ الصحف الوحيد فيها، والذي يتحف جلساتنا بتعابيره الغريبة والمسلية التي يحفظها عن الصحف، ويدبها بمناسبة وغير مناسبة، ولولا وجود اولئك الجيران لما فهم اهل الحارة المعنى الدقيق لكلمة "انعزاليين" البعض توجسوا أن يكون استعمال هذا التعبير يوازي الكفر، فاستغفروا ربهم وطلبوا رحمته.

اما الصعوبة الثانية في كشف المعلومات الموثوقة فكون هؤلاء الجيران بحركة دائمة. الزوج يعود مرة في الاسبوع. وبالكاد تراه ابراج المراقبة، رغم ان كل التحركات ترصد وتبلغ لمجالس السهرة بتفصيلاتها الدقيقة، وحتى نلتزم الدقة، هناك اضافات لا بد منها لجعل السهرات ”رومانتيكية” كما يقول البقال، وقد فهم أهل الحارة ان الرومانتيكية هي المبالغة، غير ان البقال عجز عن اعطاء التفسير الواضح، فطلبوا اليه حفظ سخافات الصحف في تجاويف دماغه. أما الصعوبة الاخرى فكون الزوجة تعمل بالتعليم وتتعلم مساء وهي دائمة الانشغال او “تعمل حالها مشغولة” كما تقول ام إبراهيم.

وهي لذلك تعتذر عن الاشتراك بقعدات القهوة وفتح البخت ومعرفة المخفي، الذي لا يخفى على ام رياض، وام رياض طعنت في السن وبدأت تخربط بين أسماء أحفادها، ويقال ايضاً بين اسماء ابنائها، لكن المستقبل لا يخفى عنها وتورده كما في نشرات الاخبار، مفصلاً ومطولاً، ومليئاً بالتعليقات والتحليلات والتوقعات، والإمكانيات المطروحة، وهي تؤمن ان الانسان ليس مسيراً تماماً لكنه ليس مخيراً بشكل مطلق، وانه يقدر في حالات ما، ان يتوكل على عقله ويغير بعض الامور، لكنه لن يغير المصائر. والحاجة ام سليمان وافقت ام رياض بالكامل لكنها لا تدري اين سمعت هذا القول “اعقل وتوكل” فهي متأكدة انه مكتوب في الكتب.

وما يميز ام رياض كفتاحة بخت هو نصائحها التي لا بد منها لمواجهة كل طارئ تكتشفه داخل فنجان القهوة. وكثيراً ما انقذت (برؤيتها الثاقبة للطالع المثبت في فنجان القهوة) ابناء الحي من غدر عزرائيل او من مصائب اقل قسوة، وهذا مؤكد على ذمة نساء الحارة مجتمعات ومنفردات، ويقلن ان ام رياض كانت تنذر صاحبة البخت بما هو معلوم وواضح في قعر الفنجان او على حوافه، وكيفية الاستعداد الكامل للطارئ القادم، وأحيانا تعطي اشارات لا بد من تذكرها والانتباه لها، وانه لا بد من الاستعانة عندها بالحاجة ام سليمان لتبخير المنزل وتلاوة الآيات الكريمة ورش الملح خارج البيت، اذ يقال ان الارواح الشريرة لا تحب طعم الملح وترتعب من تلاوة القرآن، ومن ثم اذا كان الطارئ مرضا، يجب الانتقال للطبيب، ليواصل ما بدأته الحاجة من علاج وطرد للأرواح الشريرة، مما يسهل استمرار العلاج.

توصلت النساء الى ضرورة اخذ اسرارهم من صغارهم اي من اولاد الانعزاليين الذين يشاركون اولاد الحارة بعض العابهم قبل استدعائهم بلهجة آمرة للعودة الى البيت. لكن الاولاد مقلون بالكلام، نسخة من اهلهم. حثت النساء اولادهن على استقاء المعلومات عن الضيف الغريب من ابناء الانعزاليين، غير ان الاولاد لا يقلقهم ما يقلق ذويهم وينسون ما اوكلوا من مهام حينما تسخن اللعبة.

اشتدت الحيرة بالحارة، وحتى لا نغفل امر ما يجري لا بد من ان نسجل ان محاولات بعض النسوة لاستدراج اولاد العائلة الانعزالية في الحديث لم توفق، وفشلت فشلاً ذريعاً، وكاد يصل حد الفضيحة، اذ انتبهت الام ومنعت اولادها من النزول للعب.

اتهم الرجال نساءهم بأنهن قليلات خبرة في مجال التحري والتحقيق. بل واحتد أحد الرجال واتهمهن بأنهن قليلات عقل. وذكر رجل آخر آية قرآنية كما قال، تؤكد صحة قلة عقل النساء. احدى الزوجات تحدت زوجها غاضبة ان يجلس حضرته ويجري التحريات وعمليات الرصد وجمع المعلومات بدلاً منهن، بدلاً من التلفظ بالتهم الجائرة والاهانات. صاح رجلها بغضب، ان الجواسيس كانوا دائماً من الرجال، وتحدى ان تذكر اسم جاسوسة امرأة؟! ودعم كلامه بأسماء معروفة، مثل رأفت الهجان، الذي شاهدوا حلقات المسلسل عنه في الصيف الماضي، واضاف اخر حتى جواسيس اعدائنا كانوا من الرجال. هل سمعتم باسم ايلي كوهين وما فعله بالسوريين؟! وقال آخر، انه حتى في امريكا، ام المساواة، الجواسيس من الرجال، فهذا بولارد يتجسس لإسرائيل، وصاح شاب متحمس انه حتى الجاسوس جيمس بوند كان رجلاً وان النساء كن لمتعته فقط. فنزل الصمت على رؤوس الرجال، فهم لم يسمعوا بهذا الجاسوس، ولا يريدون ان يظهروا جهلهم امام نسائهم، ثم ان قصة تمتعه بالنساء كانت ثقيلة وغير لائقة لتقال في محضر مشترك بين رجال ونساء الحارة. وكان أفضل لو تركها لجلسة رجالية، وهنا نطق شيخ الحارة حكمه غير القابل للرفض وهو ان الرجال كانوا دائماً قوامين على النساء ديناً وشرعاً وعقلاً.

انسحبت بعض النساء باستنكار، ولأول مرة يحدث انقسام واضح رغم الصمت الذي تواصل بسبب حذر النساء من تأزيم زائد للموقف. ومع ذلك بقي المخفي يستفز اهل الحارة ويثير حيرتهم.

كان الضيف/الساكن الجديد يخرج باكراً كل صباح، مهندماً على آخر طراز، يفوح منه عطر ذكي، مما دفع الرجال للاقتراب منه ومبادلته ابتسامات واسعة وتحيات صباحية عطرة، متنشقين رائحة عطره الذكي، وقد اثار نوع العطر وثمنه خيال الحارة، خاصة الرجال. واضاف حججاً جديدة لضرورة الكشف عن المخفي. البعض قال انه عطر مستورد من مصانع البغاء في الغرب، التي تصنع هذه العطور لجعل المرأة طوع بنان الرجال. آخرون استخفوا بهذا التحليل وقالوا ان صناعة العطور اليوم حدودها السماء، وانه من الخطأ مقارنتها بالكولونيا الرخيصة والمغشوشة التي تباع ببقالة الحارة. وان العطور اليوم اثمانها تشابه اثمان الذهب، هذه المسألة استصعب الرجال استيعابها. اما النساء فتحسرن، مما أثار حفيظة وخوف بعض الرجال، فقطعوا حديث العطور، وقالوا انه من الواضح ان الضيف/الساكن مليونير من اياهم وبالطبع لم يكن من الصعب الطعن بهذه النظرية، لعدم امتلاك الضيف/ الساكن سيارة فاخرة، فهو يستعمل نمرة 44 وهي اشارة للحذاء. وكان الضيف يعود اخر النهار مهندماً معطراً كما لو انه محفوظ في براد. وثار تساؤل جديد، كيف يطيق الضيف ربطة العنق والجاكيت في هذا الحر؟ واضيف هذا السؤال الى لائحة المخفيات التي لا بد من توضيحها وتفسيرها.

المسألة التي تستحق وقفة خاصة ان الراصدات من النساء، اكتشفن ان الضيف ظهر حتى هذا الوقت ب (7) بدلات مختلفة الالوان والتفصيل وب (12) قميصاً بألوان مختلفة. واختلفوا على عدد ربطات العنق، بسبب صعوبة التمييز بين الوانها من نقاط المراقبة والرصد، فمنهن من تصر انها (8) ربطات عنق حتى اليوم، ومنهن من تصر على (12) ربطة عنق تماماً بعدد القمصان. لكنهن اتفقن ان يبقين هذه المعلومات طي الكتمان عن مجلس الرجال، نكاية بهم من الاهانة الجماعية التي طالتهن، غير ان سمر ضعيفة النفس، التي تشترى وتباع بابتسامة من زوجها، اعترفت في لحظة ضعف بهذه المعلومات السرية. وكاد اعترافها يحدث طوشات بيتية بين الازواج وزوجاتهم، بسبب شعور المهانة وفقدان الهيبة، واستهتار النساء الظاهر بمركز الرجال، بإخفاء أسرار يجب الا تخفى، حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه، ويتدهور امن الحارة واستقرارها، وما ينقص رجال حارتنا في هذا الزمن الرديء ان يتعطلوا عن اعمالهم للقيام بمهمات الاستطلاع والرقابة؟! حقاً النساء قليلات عقل، بل وقليلات دين ايضاً كما قال شيخ الحارة وأضاف: “ان كيدهن لعظيم”، اما المسألة التي استصعب رجال حارتنا هضمها، فهي كيف يعرف زوج سمر، الحديث العهد بالزواج والمسؤولية، هذه الاسرار وهم ذوو النفوذ والسطوة تخفى عنهم؟

وجهن النساء اللوم لسمر التي فضحتهن، وتقرر فرض مقاطعة نسائية كاملة عليها عقاباً لها للخروج عن كلمة النساء وفضح اسرارهن. غير ان زوج سمر لم يهزه الامر. طمأن سمر بأن هذه المقاطعة لا تختلف عن المقاطعة العربية لإسرائيل، سرعان ما تصبح فتحاتها أكبر من فتحة طبقة الاوزون. قد يعالجون فتحة الاوزون، مهما طال الزمن، اما اوزون المقاطعة العربية فيتسع باستمرار، ونفس الحالة مع نساء الحارة، وقال لها: ابدئي بجارتنا الحجة ام سليمان فهي المفتاح. تحملي كشرتها وادعيها لتبخر البيت، فهي تعشق هذه المهمة وتكرس لها كل وقتها وتفكيرها واحلامها.

قالت له سمر انها لا تؤمن بهذه الخرافات والتقاليع. طمأنها بأنه لا يختلف عنها، ويعتبرها تمثيليات مسلية، لكننا ابناء حارة يسري علينا ما يسري على الجميع ونقبل ما يقبلون، هكذا السياسة يا سمرة. وبهذا الشرح الوافي والواضح تعلمت سمر اول دروس السياسة، وبناء عليه كشفت لزوجها معلومة جديدة بأن الراصدات سجلن حتى اليوم، استعمال الضيف لـ (3) ازواج من الاحذية المختلفة، فطالتها قبلة من رجلها، وهكذا كان.

مع صباح اليوم التالي، رصدت سمر خروج ام سليمان لبلكون بيتها، مقابل بلكونها بالضبط، فسارعت سمر تلقي على جارتها تحية الصباح بصوت قصدت ان تسمعه عاشر جارة. اجابت الحجة ببرود وبعدم رغبة ظاهرة في تبادل ما هو أكثر من التحية. غير ان سمر عاجلتها بطلب تبخير البيت، خوفاً من ارواح شريرة تكون وراء فلتان لسانها وتخريب سر نساء الحارة. وقالت انها كئيبة وتشعر بتوعك وأنها لولا ذلك لما فتحت فمها، اذ ان زوجها رأى حالتها واصر ان يعرف ما تعانيه ويبدو انها كشفت السر وهي غائبة عن الوعي.

توردت خدود الحجة وفتحت عينيها بيقظة، وانهالت تخاطب سمر ب “يا حبيبتي ويا روحي ويا ضو عيني، ويا فلذة كبدي، والعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن العفاريت والجن”، وتمتمت بآيات مقطعة، وصلت كلمات متناثرة منها لا يربطها رابط بمعنى واضح، وقالت بصوت مرتفع لتسمعها الجارات: “انا في الطريق اليك يا سمر يا روح امك، لن ابقي لهم اثراً بإذنه تعالى”.

وهكذا انتقلت المعلومة من بيت الى بيت، بأسلوب يضاهي بسرعته وانتشاره أفضل محطات التلفزة، مثل تلك التي نقلت لصالوناتهم حرب العراق المسماة "الجزيرة" وحتى أفضل من سرعة انتقال الاخبار المفبركة لدار الإذاعة الإسرائيلية.

دب النشاط في الحارة، وتجمعت الجارات داخل وخارج بيت سمر لحضور طرد الارواح الشريرة من بيتها.

قامت الحاجة بجهد واضح، وبذلت ما في وسعها من قدرة صبر وقوة ايمان، حتى ظهرت شرايين عنقها وأجهدها التعب والعرق، وما ان اتمت مهمتها، حتى تساقطت متهالكة على الكنبة، فسارعت اليها سمر بكوب ماء بارد.

اما المفاجأة الكبيرة التي لم يتوقعها أحد فهي ان الراصدات في الصباح التالي ابلغن المتجمعات في بيت سمر ان الضيف لم يظهر هذا الصباح، فأصابهن الخبر بالذهول والحيرة ومضت عدة ايام وصار عدم ظهور الضيف مرة اخرى حقيقة متجلية.

وتعطلت او كادت مشاريع الرقابة وتوقفت النقاشات واختلافات الرأي وبدأ الملل يتسرب للبيوت، فتطفأ الاضواء في ساعات مبكرة ويلهو كل رجل بما كتب له.

وفي صباح أحد الايام وحتى قبل ذهاب الرجال الى اعمالهم، طرقت ام سليمان باب بيت سمرة بقوة، صارخة بفرح شديد انها تعرف الان حقيقة الضيف المزعوم، فهو ظهور للشيطان بصورة بشرية بهية، اختفى حينما نجحت ام سليمان بإخراج روحه النجسة من بيت سمر وانقذت الحارة من احابيله، فالحمد لله!!

***

نبيل عودة

 

عادل الحنظلفي ليلٍ بدّدَ وحدتَه الوحي

توضّأَ بالشِعْرِ وصلّى

وتَلا بضعةَ آياتٍ

من أشعارِ التوْق

سلّمَ من غيرِ سجود

سبّحَ بضعَ ثلاثاتٍ

في مسبحةِ الشوق

رتّلَ من وحي ضرامِ الوجد

سُوَرا أحرفُها خمرةُ صَبّ

كتَبَتْها فوقَ سطوعِ البدر

جنيّةُ وحي

عاشقةٌ لم يرَها منذُ فروض

ودَعا بعضاً من أدعيةِ الغاوين

ممّن هاموا في اوديةِ الحب

ممن إنْ قالوا فعلوا

جعلوا الحُبَّ سُلافَ وضوء

اوَليسَ الحبُّ عبادة

كتبَ المجنون بليلى

أبلغَ آياتٍ صوفية

أَوَلَم تكُ ليلى عشتارا

ذات الحسنِ وسيّدة الاكوانِ السبعة

تُنْزِلُ أطراسَ الوحي

قصائدَ قدسية

تخبُرنا

منذُ رأى سيّدُنا في حوّاء

كتلةَ شهْد

عشقَ الشعراءُ نساءا

جعلوهنّ محاريبَ صلاة

أتقولُ لمَنْ قامَ الليل

يتضرّعُ في السُهد

ليناغي أينانا

وليسقي فينوسا خمرَ رضاب

تُشرِكُ بالأعرافِ وبالأقداس

بئسَ ذميم القول

أنا أعرفُ أنّ الحبَّ إله

يجلسُ جنبَ إلهَه

يثملُ مثلي

يلثمُ مثلي

يعلمُ كلّ غيوبِ العشق

لا يرسلُ للنارِ سوى

من ينشدُ قدّاسا

غيرَ صحائفِ عشتارِ الابدية

***

عادل الحنظل

 

خالد الحليهل تكفي الكلمات..؟!

أسئلة تغرقنا

لي .. ولكمْ

وللذين كانوا قبلنا

أسئلةٌ تصرخُ حولنا

وحولهمْ

كيف لكمْ ..؟

تبريرَ صمتكمْ ..؟

أسئلةٌ تغرقنا

أسئلةٌ تغمرهمْ

هل تستوي الشموسُ والضبابْ؟

هل يستوي الحضورُ والغيابْ؟

هل يستوي الواقعُ والسرابْ ؟

- 2 -

كلّ منّا

ضيّعَ حُلْما

في يومٍ ما

واليومُ أتى ما ضيعناه من الأحلامْ

يسألُ عنّا

كم نتمنى

أن يقرُبَ منّا ..؟!

لكنّي أسألُ

هل توجد أحلامٌ أجملُ

من أحلامٍ تتورّد في ساحاتِ التحريرْ ..؟!

ملبورن 7/12/2019

***

تسلسل

قالوا لي: لا تسألْ

صرخوا بي:

سلسلْ مالمْ يتسلسلْ

رحتُ لوحدي ألهثُ

في هلعٍ أبحثُ

عن أيامٍ ضائعةٍ

وحروف هاربةٍ

تتغطى بخسوفٍ لا يعرف بدراً

و كسوفٍ لا يأمنُ شمساً

هل يمكنُ أن يتسلسلَ ..

ما لنْ يتسلسلْ؟

قالوا والسيفُ قريبٌ من عُنُقي:

صَهْ لا تسألْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


تظاهراتنا القديمة

لا تتناسب أبداً

مع رواتبنا التقاعدية

علينا إرجاعها

أو دفنها

قبل أن نُدفن.

**

أنا من زرع القضبان الحديدية في الحديقة.

كُلُّهَا سَتُزهر

حتى وإن لم يُصَدق الموتى.

**

أحقاً؟ وصلتكَ رسالة؟

مزقها.

سنجمعها بعد ذلك

قصاصةً قصاصه

وسنلصقها ثانيةً

ونقرأها

ألا تسمع رصاص المواجهات؟

**

أتنتظر بأي ثمنٍ

أن أقول لك:

"ليس الأمر هكذا"

إنه هكذا

بحذر قص أظفرك

فالمقص يلمع.

**

ما الضير فيما

لو أنني كذبت قليلاً؟

فكلها: ذنوب مغفورة

أن نتنفس

حتى وأن لم نَرغب بذلك

السلة الفارغة

التاج الزجاجي.

**

تَصعُب الكلمة

يَصعُب الصمت

على المسمار المتين

حَبلٌ قصير

سَلةٌ تتأرجح

بخبرٍ قليل.

**

أنباءٌ متضاربة

ريح ونار وتهديدات.

سيدة بالأمس على الضفة

انطلقت تتمشى

ثيابها بين السحاب رفرفت

فنسينا الراية.

**

هذا الضوء

الوحيد

هنا عالياً على قمة الجبل،

القتلى هم الذين صعدوا به إلى هنا.

ألا تتذكر؟

**

أما المرمر

العاري تماماً

الأبيض تماماً

فلا ينتظر أن يكون تمثالاً

**

لكل شيء سِرَه:

لظل الصخرةِ

لمخلب الطيرِ

للشِلّيلةِ

للكرسي

وللشِعر أيضاً.

***