كريم الاسديمِن مختبراتِ الأنذالِ ومَن ندعوهم بعضَ الأحيانِ أساتذةً علماءْ

تتحركُ أَلويةٌ ضدَّ بني الانسانْ

أَلويةٌ بمشاةٍ ودروعٍ  واستطلاعاتٍ وجواسيسٍ تسندها أسلحةٌ للطيرانْ

لأنَ أساتذةَ المختبرِ العلماءْ

يريدون لكي يغدوا عظماءْ

أملاكَ الكونِ ومملكة َالأزمانْ ..

أمّا نحنُ فلسنا في أعينهم  مِن أهلِ الأرضِ ومِن أبناءِ الانسانْ !!

***

شعر : كريم الأسدي ـ برلين

.............................

ملاحظتان:

1ـ نعتذر هنا من العلماء الحقيقيين من أصحاب الضمائر المخلصين في بحوثهم للعلم و للإنسانية .

2 ـ زمان ومكان كتابة هذه القصيدة : في الثالث من نيسان 2020 ، في برلين.

 

 

 

سجال الركابيكما برق يقتحمُ ماء

فإذا الشذا دواليّ أعناب

وإذا الضوء إنهمارٌ

يكتسحُ الروح

ينبسطُ …

 يهيمنُ …

 يغنّي…

 الإيقاعُ !؟

 جنونُ خفقان

 الموازينُ ! ؟

 جموحُ رياح

 الحروفُ …!

 نبض ريحان

 الصمتُ …

 فراديسَ شعاع

 القلبُ …

 وِسعَ كونٍ مِن عطاء

 السكونُ…

 سكرة كنارٍ

 بلذاذات ثمار

**

فمتى انحسرَتْ تلكَ الفتنةُ الاسرةُ؟!

بينَ صحوٍ ورقاد !

لاحزنَ… لا ندمَ …لا إعتذار…

لملَمتْ سحرَ هيمنتها

سرقتْ ألوان الفراشات

تراقصَتْ

قوس قزَح ثمّ … ت ل ا ا ا ا ش تْ ………!

شفتاي لوّحتا بحنان وداع

***

سجال الركابي

 

احمد ختاويحين ناءت شًهب كورونا ...

***

ما شربت ُ ماءك زَلَمَا

ولا خضبنا حناء البنات بمرابعك زلفا

بًليدتي الرمضاء في قيظ كورونا ... ...

ملزوم ماء " الكبير " (1)

حين الوجد والمقام فيك زفرا ..

بليدتي .. أنين الزفرة مهما تعلقم طيبها

في كأس أحراشك عسلا ...

" أمينة " (2) قمّطها الملاك بمرابعك ..

فكان السناء من (سناء)(3) رَجْعا وصدى

زينب وأسماء وابتسام، وأمال وكل البنات بك وفيك رُطبا ..

تسّاقط من جنينات " السبت "(4) بين زوايا "

الورد فيك ومنك بَلَحا ....

يا بليدتي العذراء، حين أمتشق دحمانا (5)

أعشقك وحياضك نبيا : ثَمِلا ...

أطوف بالزفرات في غور مشاعر منابتك (خالدا) (6)

أذود عن حماك ما بعد كرورنا

,وأثناء الحجر و الجَلدا .. ....

أحاورها : أيا مريم

أنت الوريدة العذراء في خلدي ...

أسوقك لشوقي عروسأ

أشرب ماء شلالتك عطرا بَرَدا

كما نار ابراهيم، نزلت عافيتك من حمى آل بني مَيْسرا (7)

سكينة على كل من يشكو ضيرا، عوزا أو صمما .. :

يا بليديتي كوني بردا وسلاما على

من طاب مقامه بين أحراشك وشرب ماء الكبير زمزما ...

يا بليدتي ما رمضت عيني وجفوني

في وعكة كورونا

وأنا فيك بين الأنس والميمنة ..

حين غفت جنوبهم في مشافيك

كان الله في الأغساق رداء مرمرة ..

ولم تكوني بليدتي لا ذاك الزفير، ولا ذاك النفير

ولا الغرغرة ...

كنت عبق من عشقك الى الثمالة،

فكنتً وأترابي خالدا فيك

وكنتِ فينا حًلمة وبِرّا ومرتعا ..

أيا بليدتي، حباك الله بهاءك في مطيب الكلم

الساحر مغنما ومقصدا

وقد أسماك الكبار مدينة الورود ..

وقد جلجل في ريعك العتق من كل مسغبة ..

أيا وريدتي / القبلة، حين ينطق "البليدي"(8):

هلموا إلى صلاة الجمعة

يقشعر بدني من وجل، فأنسج أطياف من غدوا :

من بن سعدون (9) والكوثرا (10)

: حبك فيّ أذكى من جمر العتق : وعكة البلاء - في طيف الكورونا

وحين

أتحلق وعائلتي عشبة "حمامة" (11) حبا،فجوى ..

ينتشي فينا العشق مدى ....

***

كتب : أحمد ختاوي / البليدة

............................

هوامش

1) في إشارة إلى سيدي الكبير، الولي الصالح

2) أسم بنتي

3) اسم بنتي أيضا

4) في إشارة إلى باب السبت، بالبليدة

5) في إشارة إلى دحمان بن عاشور

6) في إشارة إلى خالد بن الوليد

7) قبيلة بني ميسرة، من اعرق القبائل بالاطلس البليدي

8) في إشارة إلى المقرئ الكبير، العلامة، الشيخ عبد القادر البليدي

9) مسجد عتيق بالبليدة

10) مسجد الكوثر الكبير بالبليدة

11) "حمّامة" أكلة شعبية بليدية لذيذة، تشبه الكسكسي . .

 

خلود البدريمعتادةٌ أن ألمح هذا الرجل الأعرج، المسمّى "فاطر"، يُحمِّل ظهره شوالاً قذرا دأب على تعبئته بما يلتقطه ممّا يُرمى أزبالاً عند جانبي زقاقنا. لكنّني أخافه، لعرج ساقه اليمنى!، فأهرب منه غير بعيدة. أرمقه متطلّعاً إليّ، دائما، وعندما تلتقي نظراتنا أفر مبتعدة عنه كثيراً.

إلى أن جاء ذلك اليوم السيّئ، هكذا سأنعته مذّاك، حيث زأرت خلاله ريح عاصفة، فتصاعدت أغبرة وتطايرت أزبال!،..

إذ رأيته رابضا في مكانه، مثل كلب أجرب، ثم، لكأنّما الريح العاصفة حرّكته، توجّه نحوي، أنا بالذات، إذ ترك شواله القذر، على الأرض، وبدأ يهرول باتجاهي، يتمايل يميناً فيساراً، بينما صرخت خوفا، حدّ الرعب، فما همّه صراخي، أبداً، حتى ضاع وسط صخب مجنون!

فجأة وجدت إحدى يديه قد أطبقت على ظهري، بقوة، فحاولت الصراخ، متململة، لكنه وضع يده الأخرى على فمي محاولا إسكاتي. دمعت عيناي فجذبني برفق، هذه المرة، محاولا أن يجلسني عند ظل حائط. بدا صوته منكسرا حين أَقسم أنه لن يصيبني بسوء، بتاتا، فقط يريدني ألّا أخافه هاربة منه بعيدا كلّما رأيته.

هنا أحسستني أهدأ، لكنْ قليلا، فأطوي قدميّ جالسة، ظهري للحائط، فيما راح يزفر:

في رأسي ذلك الضبّ الذي ينهش نابشا ذاكرتي، يأبى أن يفارقه، لكن، مهلا، تلك الرواسب ما زالت تأبى أن تنطمر فيه، محال، فهي كهذا الحيوان الذي اتخذ من الرمال جحرا له، لمّا يزل بين فترة وأخرى يخرج يتجول ينفث سمه في الأوردة بعدها يعود ويستقر في نفس العمق، فأرزح تحت سطوة الوقت للملمة شتات نفسي بعدما وجدتني أفكر بكيفية الانتهاء من كل ما يحيط بي، تتعاقب الفصول كأنها تتخطّاني، لا تلامس مني أي شيء، ولا تصيب حياتي بمنعطفاتها، فكل الأيام التي تُعدّ الأسوأ بنظر البعض هي لا شيء غدت عندي، يتغاضى بصري عمن يمر بي في بعض الأحيان..

كنا ننام مبكرا كالدجاج، طوال النهار لا نرى غير وجه أمي، أما أبي فكان يقضي وقته في محل حدادة، يتسامر مع أصدقائه حتى وجه الصباح، فجرا نسمع تعثره بنا أو بالأشياء الملقاة هنا أو هناك، بهمس يطلب من أمي أن تصحو لتشاركه ما جلبه معه من عشاء، ولتسامره، وليأخذ حاجته منها، نسمع أصوات همهماتهما، وحركاتهما، فتشمئز نفسي منه، لطالما شغلتني نظرات الناس لي ولأخوتي، تلك المتسائلة، تقتلع جذوري أصابع الاتهام التي تطالعنا بها العيون، نحن صغاره، ورغم قضاء أبي أغلب أوقاته من النهار وجزء من الليل خارج البيت، غير أن نظرتي لصغار أقاربي، الذين يفتخرون بأولياء أمورهم، تنزعني للألم من القاع وتهوي بي إلى أعماقي، فألفيتني بدلا من حبي له علمني كرهه، وبدلا من التعلق به اخترت الابتعاد عنه..

عادةً كان يحمل معه أكياسا مختلفة، من النايلون أو الورق، يلف فيها "البورك"، وقد طويت حافاته بطريقة جميلة، وهو ذو حشوة لذيذة ذات نكهة عطرة، متكونة من لحم وبصل وكرفس وبهارات، كانت أمي تقدم له حصته من العشاء وتحتفظ لنا بالبقية منه، وظل يجلب معه الأكياس المختلفة، مرة تمتلئ بالبلوط، ومرة بالجوز والتمر، فكنا نفتح كلّ تمرة كبيرة لنحشوها بدلا من نواتها جوزاً ثم نتلذذ بأكلها، أما البلوط فكنا نضعه على موقد صغير، تستعمله أمي داخل غرفتنا لتطبخ عليه طعامنا، خصوصا كبة البرغل التي تعوم بمرق أحمر وآخر أصفر..

إعتاد أبي ألّا يواصل عمله سوى لأيام معدودة فقط، ننعم خلالها بما لذ وطاب من المأكولات الغريبة اللذيذة، بعدها تبدأ أيام الكآبة والنحيب، إذ كان مزاجه متقلبا جدا، فهو طيب هادىء مسالم، لو طلبت منه ملابسه لما بخل بها عليك لكرمه، لكن سرعان ما تنقلب هذه الصورة رأسا على عقب ساعة انزعاجه، ربما من سوء المعاملة التي يتلقاها من شلة الأُنس، فيبدأ بالاعتكاف والنحيب والصراخ، يترك العمل متشاغل بعرق النسا الذي يمسك قدميه فلا يستطع الحراك، فيما أمي تندب حظها، ولم نكن نعلم إن كان حقا يشكو منهما أو يتمارض ليداوي روحه الممزقة دائما..

تمر الأيام وهو يراوح في مكانه يتخذ أحد أركان غرفتنا مُعتزَلا له عن العمل، فتقع على أرواحنا سوداوية نحيبه لفقر حاله، بينما تحتار أمي بكيفية تدبير المعيشة لخمسة أبناء مع زوج عاطل أغلب أشهر السنة، ممّا يضطرها لأن تطلب مني أن أعدو لبيت خالي، عندما ينتصف النهار فلا تجد ما يسدّ أفواهنا الجائعة، حيث أجتاز شارعا ذا مسافة قليلة لأصل البيت، بقفزات سريعة خلال خمس دقائق فقط، فيعطيني الخال ما نقتات به، كما اعتدنا منه، إذ تطبخه لنا الأم معطية لكل واحد منّا بضع لقيمات، ليست أكثر، بعدها نفرّ إلى اللعب كأنّنا بلا دواخل..

بتنا نتوقع أي شيء من أبي، يعتكف طوال نهاره، أمّا ليله فيتجول خلاله في الأزقة، لطالما ترك بابنا مشرعا، إذ صحوت ذات فجر على خطوات غريب في الغرفة، فتح دولابا، نضع فوقه تلفازا، لم يجد فيه شيئاً، إذ كان فارغاً، فراح يتأفّف، هكذا لمحته بضوء مصباحه اليدوي، ثم ألقى نظرة عجلى على أجسادنا، التي تفترش الأرضية، مولّياً وجهه صوب الباب المفتوح، يهم بالهرب، هنا قفزت عليه، ضارباً بطنه بكلتا يديّ، فأخرج بحركة مباغتة مسدّساً، كأنّما من ظهره، حيث أطلق منه رصاصة نحوي أصاب بها ساقي اليمنى...

 

خلود البدري

 

خالد الحليأرجوكمْ .. أرجوكمْ .. أرجوكمْ

البيتُ حديقةُ حبٍّ تزهرُ فيها كلّ أمانيكمْ

فابقوا في البيتِ بلا برمِ أو آهاتْ

لا شارعَ

         لا مطعمَ

                  لا مقهى تحميكمْ       

البيتُ نجاةْ

والمجهولُ المتربّصُ كورونا

يترقّبنا إنساناً .. إنسانا

لا تدعوا الموتَ يطلّ من الطُرُقاتْ

أرجوكمْ .. أرجوكمْ .. أرجوكمْ

اِبقوا أحياءّ

أرجوكمْ

***

شعر: خالد الحلّي    

ملبورن 24/3/2020

 

 

فتحي مهذبالشجرة المعمرة العمياء تتحسس بأصابعها الطويلة المغضنة  المتشابكة زجاج النافذة التي تشبه نافذة مظلمة في كنيسة مهجورة.

لتوقظ (ن) كما لو أنها أم مسكونة بسحر الأمومة الأزلي.

شجرة وحيدة حزينة تقف على ساق معقوفة إختفت عصافيرها في مكان ما من هذا العالم. قد تكون الأسباب ملغزة شائكة.

هذه الشجرة شهدت جنازات كثيرة في هذا البيت المتداعي.

وقاسمت أهاليها الحلو والمر.

لم يبق الآن أحد غيره . ماتوا جميعا بوباء الكورونا بعد هجمتها الشرسة على بني الإنسان.

حتى  القطة السوداء  التي كانت تؤنسه آناء الليل وأطراف النهار نفقت منذ أيام يبدو أن رئتيها أصيبتا بجرثومة مستعصية لم يقف على حقيقة جوهرها جهابذة البياطرة.

جائحة تصيب القطط كل مائة سنة كما يتداول لدى كبار السن.

تشبه جائحة الكورونا.

وثمة فرضية أخرى قد تكون مساوقة للحقيقة وهي وضع مادة سامة في  غذاء مغر قد أودى بحياتها من قبل أحد الجيران الذين يكنون حقدا دفينا للحيوانات المنزلية وهذا متداول لدينا وبخاصة في الأحياء الشعبية التي لا تقيم وزنا لهذه الكائنات التي لا تعترف بكثافة الجدران وتنهد أحيانا إلى اكتشاف وغزو منازل الآخرين.

كان (ن) حين يختلي بنفسه يقلد مواءها المتقطع بشكل مذهل ويناديها بعبارات لطيفة كما لو أنها لم تزل على قيد الحياة.

حبيتي تعالي ها هي سمكة لذيذة في انتظارك.سأختار لك شريكا يليق بفخامتك. بجزالة طبعك المرن وروحك المتوهجة.

سيكون قطا فحلا قادرا على تمزيق بكارتك في رمشة عين.

ستحملين بسرعة فائقة وتنجبين قططا على قدر عال من الجمال والذكاء والخفة والرشاقة.

لكن القطة لم تكن حاضرة إلا في مخياله الشاسع.

بينما كان يجلس (ن) على كرسي خشبي رث غاطسا في تأملات لم يجن من ورائها غير مزيد من الأوجاع إذ غزاه صوت نابع من قاع عميق لا ضفاف له.

قطتك لم تنجب ولو فأرا ضئيلا

برغم عهرها وميلها إلى ممارسة الجنس مع قطط شتى .

ألم تنكمش في غالب الأحايين وتتضاءل حد إستحالتها إلى قطعة من البلاستيك أو قطرات من الزئبق لتمرق من شقوق الباب المليء بالتخاريم والشقوق.

لتمنح جسدها البض لأول قط وافد من الخارج ولو كان أفظع لص في الحارة. المهم أن يتسلق مؤخرتها ويطلق رصاصاته في أستها الحارق.

وهكذا يتداول عليها الغرباء من القطط اللقيطة دون مقابل.

وبرغم هذا لم تكن تفارق البيت طويلا.تتكوم مثل كرة من قماش رديء زائغة العينين مشبعة بنعاس عارم مأخوذة بمغامراتها الجسدية المكرورة.

يرتمي (ن) صوته مثل قطعة معدن في الحجرة الضيقة.

أنت تشبهين أمي تلك المرأة البائسة وهي تتخبط تحت كلكل الثور الشهواني الأهوج زوجها الثاني الذي اختلس ما تبقى من مشمش شبابها بعد هروب بعلها الأول إلى مدينة الضباب.

حين كنت أنام تحت سريرها الكلاسيكي مثل ذكر حمام مذعور.

مصغيا إلى تساقط الآهات على رأسي الصغير وصراخ حلمتي ثدييها بين مخالبها. مصغيا إلى زلزلة السرير وعواء العضلات وصفير الشهوة المتوحش فأتحسس عضوي الذكري موقظا وطاويط كهفي السفلي منتشيا بأنين الكمنجة الغريزية التي تنبعث من مفترق جسدين يتلوان قداسا فخما في كنيسة الروح المكتظة برائحة الخبز والنبيذ. رائحة الصلصال المحترق وأزهار الأكاسيا.

لقد اكتشفت تفاصيل جسدي تحت سرير والدتي في أعماق الليل حين يحمحم جسدها في غابة اللذة المترامية الأطراف مناديا الحصان الجامح الذي يقاسمها السرير.

وفي هذه البؤرة الموحلة انطلقت مهرة عادتي السرية لتكون جزءا ضروريا حميميا في حياتي المهزوزة.

إن (ن) لا يهاب الأوبئة ولا يخاف الموت لأن علاقته بالأشياء فقدت طعمها ولونها وجوهرها.

هو مثل قطته السوداء لم يتزوج ولم ينجب بيد أن له علاقات كثيفة بنساء كثيرات ما فتئن يشبعن نوازعه الداخلية المشتعلة.

لقد تعفنت روحه وشاخ جسده وها هو ينتظر قدوم الموت على جواد بطيء الخطى.

إنه آخر حبة عنب تحتضر ببطء في عنقود العائلة المندثرة.

***

فتحي مهذب

 

 

بكر السباتيندخل الجائع البستان المجاور لإحدى المطاعم الفاخرة. كان مغمض العينين. قرر أن يسرق ما يسد جوعه.. تسلق الجدار العالي بقدميه الحافيتين.. لم يأبه لنباح الكلاب المستعرة وقد مزق الصمت وهو يضج في أرجاء البستان الوارف الظلال.. لا يدري كيف واتته الشجاعة ليقفز إلى الجهة الأخرى.. تسلق شجرة التين دون أن يخفي معالم وجهه الشاحب، وبدت عيناه الجاحظتان مأخوذتين إلى حبة تين كاد لفرط استوائها أن يسيل من تشققاتها العسل الشهي، حتى سال لعابه.. مد إليها يده المنهكة المليئة بالعروق.. وباغتها بقطفة سريعة.

وهذه يده تقتطف حلمه الصغير الذي بات لقيمة سائغة في فمه المتساقط الأسنان.. وتنتشر حلاوتها في عروقه حتى استطابت له السرقة واندمج في آثامها؛ ليأتي على غيرها حتى أتخم من الشبع.. وحينما هبط على الأرض المرطبة استلبت نظره لوحة كتب عليها:

" إحذر.. أشجار البستان مرشوشة بالمبيدات السامة".

أكلت المفاجأة رأسه.. تراخت عضلات وجهه الشاحب، تقلبت عيناه في جفنيه الغائرين.. وبغتة أطلق الجائع ضحكة هزت بدنه النحيل وهو يتحسس بأنامله المرتجفة بطنه الضامر.. ثم استأنف الضحك ساخراً من الموت، هامساً في أعماقه بتوجس وارتياب:

"أين كنت وبطني الضامر لم يجد ما يسد رمقه حتى في الحاويات المركونة خلف المطاعم الفاخرة.. تعال أيها الموت الزؤام نتسامر في ظل هذه التينة إلى أن يحين موتي أو أتقيأك فأعيد الكرة من جديد".

ثم انهزم الجائع دون أن يقوى على شيء.. أسند ظهره إلى ساق التينة الهرمة فيما أرسل قناديل روحه لتوقظ أحلامه عساها تختطفه من موت محتوم.. ورغم ذلك كانت الضحكات الساخرة تنبعث من كل ركن في أعماقه كأنها تصرخ في وجهه المكفهر:

"يا أبله!

أمثالك لا يكترث الموت بهم..

فمن يشارك الفطط طعامها في حاويات النفايات يصبح من ذوي الأرواح السبعة ".

فسرت رعشة ارتياح في جسده الواهن وهو يتلمظ طعم حبات التين اللذيذة كأنه يلعق بلسانه الملتهب ما جادت به خلية نحل من عسل بري.. واستلبته غيبوبة النوم والكلاب تنبح دون أن يحرك ساكناً إزاءها.. لأول مرة يغطس في النوم العميق وهو شبعان.

***

قصة قصيرة..

بقلم بكر السباتين..

 

 

نبيل عودةافقت لتوي من غفوة عابرة، تثأبت وتلفت حولي مستنجدا خيرا من الملامح المتناقضة للمسافرين.

مددت عيني طولا وسحبتهما عرضا، ويقيني يقول لي أن لا شيء جديد بعد، حشد من الخلائق عبرتهم بنظراتي المتحررة للتو من اسر النعاس وسلطانه وحرت اين استقر بنظراتي.

(2)

مددت أطرافي بقوة وتشنج، محاولا أن أصل لأبعد مما أستطيع، وأنا لا أدري ان كان ما يمر بي هو نوع من القلق ام الزهق لطول الانتظار.

كان الزمن يمر بطيئا مثقلا بالهواجس. وقد جفت ينابيع افكاري او كادت من معاناة الانتظار، الذي يبدو ان لا نهاية له.

للحظات تتجلى لي رؤى غريبة، فانفضها غير قانع، ومن حيث لا أدري، كان يتسرب لنفسي اكتئاب شديد، فأحاول التخلص منه بالتنقيب عن فكرة جديدة، تأخذني لأجوائها فأخوض لجة التأمل، فينشط فكري وينشغل، حتى نرى ما يكون من أمر هذا التعويق في وصول الطائرة.

ولكن اكتئابي وهواجسي كانت اقوى من رغبتي، فلم أعد أطيق صبرا لما أنا به فأخذت ابحث عن الصغيرين بعيني، دون أن أتحمس لمغادرة مقعدي الدافئ.

للحظة مرت في فكري آخر أحداث الطيران. نفضت الفكرة من دماغي عندما لمحت الصغيرين يلهوان بسعادة، يجران عربة الحقائب، أحدهما يدفع والآخر يركب، وتكاد قاعة الانتظار الفسيحة لا تتسع لسعادتهما المنفلتة، غير عابئين بما يدور من هواجس وأفكار، يصدمان الخلائق بالعربة، ويتابعان شيطنتهما دون حساب لأنس أو جن.

(3)

في المحادثة التلفونية قبل ايام، أخبرتني ان طائرتها ستصل الساعة الثالثة والربع بعد الظهر، حسب توقيتنا المحلي. في اليوم نفسه اتصلت مرتين مع استعلامات المطار للتأكد من عدم حصول تغيير في موعد وصول الطائرة. قبل خمسة ساعات غادرت البيت برفقة الصغيرين، اللذين لم يتنازلا عن مرافقتي رغم كل الاغراءات ومحاولة البرطلة لإبقائهما في البيت. حسبت ألف حساب لشيطنتهما وعبثهما. في الساعة الأولى لوصولنا لحقتهما وحثثتهما على الهدوء. وعدتهما بعشرات الهدايا الرائعة التي ستجلبها "ماما" إذا كانا طيعين لا يعذبان ويسمعان الكلام، والا لا شيء، يعودان كما جاءا بلا هدايا، وربما بلا "ماما" التي سترى شقوتهما وتعذيبهما لي من الطائرة، وتعود من حيث أتت. هذه الانذارات والتهديدات لم تنفع الا للحظات، عاد بعدها كل شيء الى أصوله الشيطانية. ركضت ورائهما من زاوية الى اخرى، مخبئا وجهي كلما صدما شخصا بعربة الحقائب المنطلقين بها على سجيتهما، متمردين على الأصول متحررين من الضغوط. منفلتين ثائرين.

- خزيتموني .. ماما اتصلت من الطائرة تقول انها لن تجيء .. وسترجع مع كل الهدايا .. مع الدب ومع القرد ومع سنوبي ومع ليلى الحمرا.

استمعا لي بصبر، نظرا بعيني بعض، وأخذت ملامح ضحكة ترتسم على شفاههما، ثم انفجرت ضحكاتهما التي لا تعرف حدود الوجل وأطار المنطق. جلجلت وصدحت بسعادة منفلتة من قلقي المبالغ وحساسيتي المفرطة لتصرفهما التي هي عين المنطق كما يريان. لعنت الاولاد والذي يخلفهم، واستسلمت امام اصرارهما ساحبا نفسي نحو شاشة الاستعلامات، للتأكد من جديد بان الموعد المقرر لوصول الطائرة لا يزال بلا تغيير.

(4)

الهيت نفسي بتأمل وجوه المسافرين وما تبوح به من تعابير. ملامح الوجوه تكاد تفصح عما في النفوس. تتجلى تعابيرها المتناقضة بين الوجل والسعادة. بعض الملامح هادئة ومستقرة، ومن تعابير وجوههم تعرف ان الطيران صار روثينا في حياتهم.

في رحلتي الاولى بالطائرة أصابني الوجل ساعة قبل الصعود الى الطائرة، وما انفك عني الا بعد هبوطها بساعة او أكثر، واليوم انا أكثر قوة، او ربما أكثر استسلاما. السفر بالطائرة علمني ان اواجه المجهول بشجاعة .. او ربما بلا مبالاة.

بحثت عن الصغيرين بعيني، فلمحتهما في آخر القاعة، يتبادلان ركوب عربة الحقائب. نظرت الى ساعتي مستعجلا تقدم الوقت، انتهاء الانتظار، انتهاء المعاناة من تصرفات الصغيرين.

(5)

أيقنت بيني وبين نفسي أنى بالغت في تقدير الوقت، فخرجت ساعتين أبكر مما يجب، وهذه نتيجة تسرعي احصدها مع شيطانين. حاولت العودة لتأمل تناقض الوجوه وملامحها متفاوتة التعابير، ضحكة خافتة جذبت أنظاري، فرأيت عناقا مستفحلا بين فتى وفتاة، يكاد الفتى يفترسها برغبة مفضوحة، وهي مستسلمة ضاحكة كالعصافير، لا هم ولا غم. أحاول أن أتذكر أيام فتوتي، والساعات الرومانتيكية، وأقارنها بالحالة التي أمامي. ظلال لابتسامة تريح قسماتي المتوترة من الانتظار الطويل وشقونة الصغيرين. بمرارة غير مفهومة أغطس في مقعد مريح. يمضي الوقت بطيئا. تشدني السيقان الوقعة في مستوى النظر فأطلق لعيني العنان. هل يليق بي أن أتأمل اللحم المكشوف؟ نشب عراك بين نظراتي المنطلقة على سجيتها، وراء ما انجلى من جمال التكوين وأسس البناء، وبين ما يعرف مجازا بالأخلاق، الذي يشجب ما انا فيه من متعة النظر مع سبق الاصرار لما يسمى مفاتن النساء. رفضت فكرة ان يكون ما اراه عورات يجب سترها. بعض الملابس تضيق عن استيعاب هذا العاج المتلألئ الوهاج. لوهلة يخيل لي ان بعض السيقان ولشدة فتنتها، تكاد تخرج من داخل التنانير. انتظرت ولم يحدث. ربما الملل مما انا فيه يدفعني للعودة الى سني المراهقة وتأمل السيقان ومفاتنها. بدأ بالي يخلو شيئا فشيئا. أفكاري تخلو من الصراع وانا امارس على سجيتي اكتشاف عالم النساء الكامن في الطبقات المنخفضة، وبعدها لا أدري كيف .. أخذتني غفوة سلطانية تحت ظلالها.

(6)

نظرت لساعتي فجفلت، اذ أن الوقت الموعود لوصول الطائرة مر بأكثر من نصف ساعة. هل أكون قد غفوت ساعة ونصف الساعة؟ نفضت عني بقايا النعاس ووقفت ابحث عن الصغيرين .. فلم أجدهما. أسرعت اجتاز القاعة من أولها الى آخرها، من يمينها الى شمالها. بحثت عنهما بكل انتباه ودقة، ولكن لا أثر لهما. تسارعت نبضات قلبي بعض الشيء وأنا حائر في مكان وجودهما. أتكون امهما قد وصلت واهتدت اليهما؟ ولكنهما يعرفان اين غفوت؟ خرجت من القاعة ملهوفا للبحث عن العفريتين، فاطمأنت نفسي حين لمحتهما يتشيطنان خارج القاعة، غير عابئين بما يدور حولهما. بشرتهما بان الطائرة وصلت، وانطلقنا لباب الاستقبال.

(7)

كان الزحام شديدا وبالكاد نرى الممر.

_ ارفعني لأرى.

أمرني الصغير. فامتثلت للأمر غير القابل للرفض.

- ارفعني انا ايضا.

أصرت الصغيرة وألحت مهددة بالبكاء.

أنزلته ورفعتها.

- أخ ..

حبست صرخة ألم، حين تلقيت ضربة ببوز حذاء الصغير في ساقي اليمنى، وأمرا لا يقبل الجدل:

- ارفعني.

توترت اعصابي وكززت على اسناني غاضبا:

- لماذا لم تبقيان في البيت؟

حملت الاثنين بشيء من الصعوبة والجهد الزائد.

- مرحبا.

حيا اخته وهو مرفوع.

- مرحبا .

ردت عليه منفلتة من الضحك.

- كفى حركة . لا أستطيع حملكما أكثر.

صممت بعصبية وأنزلتهما على الأرض. فواصلا التعشبق بعنقي، ولم أستطيع منهما فكاكا الا بجهد وضربتين على القفا.

(8)

مر الوقت وخرج عشرات الأشخاص دون أن أرى أثرا لزوجتي.

بدأت النرفزة من طول الانتظار تفعل فعلها في نفسي غير المطمئنة، المرهقة من الانتظار والأولاد.

استفسرت من أحد المسافرين ان كانت الطائرة التي وصل فيها قادمة من حيث تجيء زوجتي. فأجاب بالسلب. حرت قليلا وازداد شعوري بالإرهاق وصارت روحي في حلقي. أكاد أشعر بالاختناق، ولا أعصاب لي لمواصلة ارضاء الصغيرين.

هل تحضر ام لا تحضر؟

شاشة الاستعلامات لا تشمل رقم الطائرة المنتظرة فيما تبقى من طائرات. تركت الصغيرين وذهبت أتأمل مرة أخرى شاشة التلفزيون ... وعبثا بحثت بعيني. موعد هبوطها حان منذ أكثر من ساعة. ساعة غفوت، هل غفوتي هي السبب في عدم وصولها؟

ربما غفوتي لا تحسب في مقياس الزمن؟

استعدت في ذاكرتي للتأكد، تاريخ اليوم وموقعه من أيام الأسبوع، استذكرت استعلاماتي التلفونية مع المطار قبل خروجي من البيت، وحين وصلت بعد سفرة استغرقت ساعتين. قرأت رقم الطائرة وموعد هبوطها غير النهائي. ثم عدل الموعد بربع ساعة. وأصبح موعد هبوطها نهائيا. أمر محير. هل غفوت لأكثر من ساعة؟ لأكثر من يوم؟

هدأ الصغيران، اللذان لحقاني، من عبوسي الظاهر وعصبيتي الواضحة. التزما الصمت. هل يستوعبان ما يدور؟ يستجليان أفكاري؟ هل لمسا ما يعتمل في خلدي؟ هل يفهمان جوهر الموقف؟ يقدران خطورته؟

نظرت حولي مضطربا قلقا. ولت الوجوه والسيقان. ضاعت الألوان. واحتقن وجهي .. واستفحلت حيرتي.

صمت الصغيران بكآبة غير مفهومة فأثارا شفقتي. أمرتهما بانتظاري على مقعد قريب وعدم التحرك. فجلسا منصاعين. نظرت اليهما مرة أخرى، ولم أستطيع الا ان أنحني لأقبلهما هامسا:

- ماما تأخرت، سأذهب لأعرف السبب . فاهمين؟

هز الصغير رأسه بموافقة وتسليم. أما الصغيرة فعبست، وطأطأت رأسها وبانت الدموع في مقلتيها:

- أريد ماما .

- الآن ستجيئ .. لا تبكي.

سرت. ركضت. لا أدري. نحو مكتب الاستعلامات والقهر يمزقني. والحيرة تفعل فعلها، تزيدني نرفزة وعصبية، هل فعلتها وتأخرت أم يخبئ لي القدر مفاجأة؟

(9)

زحام شديد أمام مكتب الاستعلامات، وثلاث موظفات جميلات مشغولات بالرد على عدة هواتف، واعطاء الاجابات للحشد الكبير. بعد سؤال واستفسار عابر مع عدد من المحتشدين امام مكتب الاستعلامات، تبين لي انهم بانتظار الطائرة نفسها ... وأن شيئا غير مفهوم قد حدث.

خف همي قليلا لوهلة. وازداد قلقي أضعافا.

سألت شخص بقربي:

- هل وصلت الطائرة؟

- السؤال هل أقلعت؟ أجاب وغرق في صمته .

- هذا ما نحاول ان نفهمه ..

أجاب آخر دون أن أوجه له السؤال. قلت وكأني أكتشف شيئا جديدا:

- وما المشكلة في معرفة ذلك؟.. حين يعطون الموعد النهائي لهبوط الطائرة. معنى ذلك انه أقلعت وأقامت الاتصال مع برج المراقبة ...؟

- ربما..

- ربما؟

- هذا ما نحاول ان نفهمه منذ أكثر من ساعة .

- لماذا لا يعطون الجواب؟

- لا أعرف .

- هل خطفت الطائرة؟

- أفضل من سبب آخر .

- أي سبب؟

- مثلا سقوطها..؟؟

- سقوطها ..؟؟!!

لا لن يحدث ذلك. الصغيرين وأنا؟ أبدا. هذا صعب على التصديق.

قالت موظفة جميلة محاولة أن يصل صوتها للجميع:

- حتى الآن لا ندري شيئا . الطائرة قد تكون عادت للمطار الذي انطلقت منه. أو هبطت لسبب أو آخر في مطار آخر. أرجو الهدوء والاطمئنان. سنعلمكم بكل ما يصلنا من معلومات.

- عن أي هدوء واطمئنان تتحدثين؟

انفجر أحد المحتشدين فأسكته الحشد:

- ما ذنبها .. هي موظفة؟؟

- لماذا لا يخبروننا .. لماذا يتسترون؟؟

صرخ آخر.

وقفت صامتا اسمع ما يدور من حوار وصراخ وتعليقات وهمومي تتكاثر.. وأنا في حيرة من أمري.

مرت لحظات ثقيلة والكل غارق في تأملاته وتأويلاته. لم أعد اطيق الصبر والصمت والتأويل .. تركت الحشد وذهبت أطمئن على الصغيرين.

(10)

أخذت الصغيرين شبه النائمين الى داخل القاعة، أجلستهما على مقعدين، وتركتهما يغرقان في نومهما الهادئ.

كان الوقت يمر مثقلا بالهواجس، والقلق الطارئ يتحول الى خوف حقيقي من حادث مفجع. طلبت محادثة خارجية من البدالة الدولية، تحدثت مع أقاربي فأكدوا ان زوجتي سافرت بالطائرة في الوقت المحدد حسب البرنامج، وحسب ما يقدرون، يجب ان تكون قد وصلت. قطعت المكالمة تاركهم لحيرتهم وكأن سكين جزار ماهر قطعتني نصفين من وسطي. كآبة دافقة ملأتني. مرارة شديدة تتسرب لأعماقي. اتجهت نحو مكتب الاستعلامات .. كانت الوجوه مرهقة وتبدو عليها ملامح معاناة شديدة. بعض النساء أطلقن العنان لدموعهن، مما زاد شعور المرارة في نفوسنا، واشتد خوفنا من حادث لا ندري قدره.

- في أخبار العاشرة لم يذكروا شيئا ...!

ايقنت ان الحديث يدور عن طائرتنا. رفض فكرة حادث مأساوي كانت تتأصل في نفسي. ترى هل ينفع ذلك؟ هل له أثر فيما حدث بالفعل .. أو قد يحدث؟

هل من خبر جديد يزيل الكرب من نفوسنا؟ هل من كلمة تزيل قلقنا؟ قلت لجاري محاولا أن أنفس بعض همومي:

- الطائرة أقلعت .. الطيار أقام اتصاله مع برج المراقبة .. ثم انقطع الاتصال .. ولا يدرون السبب أين المنطق؟

لم ينصت لي أو أنصت .. لا أدري. قال مخاطبا نفسه:

- كيف أستطيع أن أعيش بدونها؟

واستأنف صمته الممتد كما يبدو ونظراته المكسورة تبحث عن بارقة أمل، ثم تسقط فوق الأرض.

وقفت مذهولا للحظات. تأملته وأيقنت أن في الأمر سرا، تصارعت في رأسي عشرات الأفكار المؤلمة. حرت فيما أستطيع فعله. رفضت الفكرة الرهيبة التي يقودني اليها تفكيري. نظرت لوجوه الموظفات الجميلات، اختيار ملائم لوضع غير ملائم. حاولت أن استقرئ ما تخفيه ثغورهن المصبوغة بالأحمر، وما تخبأه عيونهن البراقة وما يكمن وراء هدوئهن المبالغ لحد التصنع. عواصف من القلق. اشتد شعوري بالعطش الذي يلازمني منذ ساعة دون ان أعيه. لم تكن لي رغبة في شيء. . ولا حتى بقطرة ماء. تحركت حاملا ذهولي وحيرتي، وقفت أمام براد الماء، ضغطت بأصبعي. ارتفع ناقور الماء، انحنيت، رطبت فمي ولساني ولم أستطع أن أبلع الماء. تركت البراد وتوجهت الى الصغيرين  شاعرا بالألم . حاولت أن أفكر بشيء لا أدري ما هو. تأملت في نقطة غير مدركة وجلست. أخذت الصغيرين في حضني، ضممتهما بقوة، تنشقت رائحة الطفولة ودفئها، وزجرت دمعة كادت أن تفلت، وانتفضت كالملسوع. فتحت عيني. فركتهما لإزالة الغباش والأشكال السريالية للوجوه. اتضحت المعالم والصور. تذكرت الصغيرين، وانتصبت متثائب مذهولا مطلقا نظراتي في أرجاء القاعة بحثا عنهما ...

***

قصة: نبيل عودة

 

 

وليد العرفي لاحقُهُ الذّكرياتُ

فيهربُ

ماذا سيفعلُ لو أمسكتْهُ  ؟

2

مُتبعثرٌ في ذاتِهِ

أيُّ الأصابعِ تجمعهْ ؟!

3

ما الّذي قالهُ الغصنُ للطّير

إذْ حطَّ فوقَهُ حتَّى انتحر ؟!

4

ما الّذي يفعلُ الجذرُ في السرِّ

كي تتعانقَ أغصانُهُ علناً  ؟!

5

مَنْ منكِمْ شاهدَ شمساً تشرقُ في يومٍ غاربْ ؟!

أو شاهدَ بحراً يجـريْ في قارب ؟!

مَنْ منكمْ أبصـرَ رجلاً

يصعدُ ...يصعدُ... يصعدُ

نحوَ

الأسفل؟!

6

ما السرُّ أنّي كلَّما غَنَّيتُ راح الصُّـوتُ دون صَدَىْ

وأنّي كُلَّـما أطلقْتُ أطياري إلى صدر الفضا

يغتالُ أطياري المدى ؟!

*

7

كيفَ أصبحْتِ سَراباً ؟!

أنـتِ مــاءٌ بـعــــيـونـيْ

 

وأنــا فــــيــكِ يـقـــيــنٌ

قـد تجـاوزْتُ ظـُنـوني !

 

فـإذا أصـبـحـتِ مـنـفـى

لـي بـلادٌ مـن جـنـــونِ

 

ولـقـدْ كانَتْ مسـامـاتي

حـدوداً فـــاذكـريــنــي

 

ولـقــدْ كـنـْتِ بـعـيـنـي

دمـعـةً لا تُنـكريني ؟!

 

أنتِ مـنِّي ظـلُّ نـفـسي

لـو تـلـفَّـتِّ تـــريـنـي !

***

شعر د. وليد العرفي - سوريا

 

 

 

عبد الله سرمد الجميلرائحةٌ غريبةٌ في بيتِهِ،

ما شمَّها من قبلُ في حياتِهِ،

فبدّلَتْ زوجتُه الشراشفْ،

وعطّرَتْ بالصَّنْدَلِ الملاحفْ،

لكنَّها رائحةٌ خانقةٌ تجعلُهُ يبكي،

رائحةٌ تزيدُ في الليلْ..

***

د. عبد الله سرمد الجميل

 شاعر وطبيب من العراق

 

صحيفة المثقفتبقى أنت،

أم أنت في المنفى لتبقى؟

لا تبقى،؟

قد تمضي،

لا أحدٌ يعرف أين سيمضي

أن يمضي،؟

ليس وحيداً

في قعر الظلمة،

جمعٌ، لا أحدٌ يعرفُ احداً

 غرباء في قعر الظلمةِ

في أرضٍ قاحلةٍ مهجورة..

لا أحدُ يعرف وجه الاخر

منْ جاءَ بهم في عتمةِ هذا الليل

بقلوب مقرورة..؟

خوفاً  هلعاً  رعباً

والكلُ، يهربُ من لآشيءٍ

 ولا يهرب من وجه الله

وقلوب الناس اراها

تسحب مجرورة..

**

المنفى منفان،

والاخر يحمل في جوف الاخر تابوت

ِيمشي في الشارع

ينتظرُ السقطة كي يمضي،

نحو القعر وأسوار المدن المنذورة..

كلٌ، يحملُ تابوتاً في عينيه

ويطوي صفحته في دنيا الله

وأيام القدر المحدودة..

**

اليوم هنا، تتخطى قامتها

كالطاووس جمالاً،

يتلاشى السحرُ

في منفى آخر

والكلُ، يحصي

ساعات اللحظات المعدودة..

وقلوبٌ تترائى أشباحاً مشدودة..

نحو الغيب،

حيث صحارى الكون القابع في الظلمات..

تموت الضحكات،

وتبقى الشهقات..

**

شاءت أقداري أن أبصر

منفى يولد في منفى،

والعالم يرزح في 

الذعر القابع بين الجدران..

منفى يحمل كل نهايات العالم

كي يبقيه طرياً في عينيه

كي لا يبقيه طريداً

او يمسيه شريداً بين الشطآن..

كي لا يبقيه غريبا في قعر الوجدان..

غريباً مشطوراً نصفين :

نصفٌ يحصي أعداد الموتى،

ونصفٌ ينتظر الغيب ليأتي ..

**

لا أحدٌ ينهضُ من محنتهِ

كي يعرف كيفَ يكونْ

في هذا الكون الملكوت..

**

الكلُ يراجعُ موته

الكلُ يلازمُ بيته..

في الشارع

في المشفى

في الحارة

ما عاد الوهم شفيعاً في القاراتْ..

يبدو العالم ماتْ..

في الشارع

في غرف النوم

وفي الردهات..!!

**

تبقى أنتَ كما أنتَ لتبقى .؟

كلا، لا تبقى،

قد تمضي،

لا أحدٌ يعرف أينَ سيمضي

لستَ وحيداً أنت

في قعر الظلمة

جمعُ، لا يعرف أحدٌ أحداً

الكل وحيد،

غرباءٌ في قعرِ الظلمةِ

في أرضٍ قاحلةٍ مهجورة..

خوفاً، بل رعباً

والكلً، لا يهرب من وجه الله

**

المنفى منفان،

والاخر يحمل في جوف الاخر تابوت

الكلُ يموت،

والاخر يمشي في الشارع

ينتظر السقطة

كي يمضي نحو القعر

واغوار المدن المنذورة..

كلٌ، يحمل موته في عينيه

يطوي صفحته في دنيا الصخب

وفي دنيا الحب

وايام القدر المهدورة..

**

اليوم هنا تتخطى

قامتها كالطاووس جمالاً

يتلاشى السحرُ في منفى آخر

والكلُ يحصي،

ساعات اللحظات المعدودة..

وقلوب تتراءى مشدودة

خلف منارات المدن المكدودة..

**

البعض، يروح الى العرافات..

ثم يجاري هوس العزف على الاموات..

والبعض ينتظر المنفى

والآخر يبقي المنفى كي يمطر آهات..

والبعض يجاهر في بيع العهر

وشراء الصفقات..

العالم يمضي سريعاً

بين المنفى والمنفى

بين ظلام النور وبين الظلمات..

**

انشطر العقل نصفين:

نصفٌ، يحلق في خارجِ منفاه

ونصفٌ، يغرق في قعرِ المنفى

لا يعرف أحدٌ أحدا إلا الله ..

***

د. جودت صالح

2/04/2020

 

محمد نجيب بوجناح(مسرحية في فصل واحد)

الشخوص:

- عبد الحميد: في الستين من عمره.متقاعد منذ يوم فقط.

- سارة: زوجة عبد الحميد

المكان: مكتب عبد الحميد في بيته. رفوف المكتب مرصوصة بالكتب والتحف الصغيرة.

عبد الحميد: (يبحث بعصبية في أدراج المكتب) أين القلم..وضعته على المكتب منذ لحظة..من أخذ قلمي.

(تدخل سارة وفي يدها أكلة خفيفة)

سارة: ماذا هناك؟ لماذا تصرخ كالمجنون؟

عبد الحميد: قلمي. لم أجد قلمي.

سارة: (بتهكم) ومتى كان لك قلم في البيت؟

عبد الحميد: هذه المرة وعلى غير عادتي أدخلت قلما جافا للبيت. إنه آخر ما أخذت من مكتبي قبل أن أغادره إلى الأبد.

سارة: مكتبك؟ ليتك لم تغادره..

عبد الحميد: لماذا، أليس من حقي أن أتقاعد؟

سارة: ياله من تقاعد! بدأ حقاً كما كنا نحلم به.

عبد الحميد: (متظاهرا بعدم سماعها) أين القلم؟ لا بد أن أجده.

سارة: (تأكل) ابحث عنه تحت المكتب. إن لم يكن فوقه فلا بد أنه تحته.

عبد الحميد: ( يهم بالبحث تحت المكتب فيسقط نظارته ويصطدم برجل المقعد. يتأوه..ينهض بعد لحظات مشهرا القلم بيده اليمنى) وجدته..وجدته..يا له من قلم حرود. لماذا يهرب مني؟

سارة: (تضع باقي الأكلة على المكتب وتمد له نظاراته) لعله خائف من هواماتك!

عبد الحميد: هوامات؟ هل تسمين الكتابة هوامات؟ (ينتبه إلى الأكلة على مكتبه) ما هذا القرطاس؟

سارة: أكلة خفيفة.

عبد الحميد: أكلة خفيفة على مكتبي؟ لماذا ولمن ومن أين؟ ألم يبق لنا طعام في البيت؟

سارة: لعلك نسيت أننا منذ ساعات كنا على وشك السفر، لذلك افرغت الثلاجة وأعطيت ما تبقى لنا من خضر وزبدة وجبن لجارتنا.

عبد الحميد: ليس هذا سبب كاف لتدخل أكلة خفيفة، قذرة إلى المنزل (يتشمم الأكلة بتقزز)

سارة: (تأخذ منه القرطاس) قلت لنفسي بما أننا عدلنا عن السفر فإنه من حقي أن أواسيها ببعض الأكلات الخفيفة التي كنا سنتناولها بعيداً عن هنا. تحت الشمس.

عبد الحميد: لكننا سنسافر. ما إن انتهي من كتابي حتى آخذك أنى تريدين.

سارة: في إنتظار إقلاعك، سأجلب الطعام إلى البيت من مطعم يوناني يوماً وصيني يوماً آخر، وسأضع بذلة البحر في البيت.

عبد الحميد: لا تكوني عنيدة يا سارة..إن تأليف كتاب لا يستغرق وقتا طويلا.

سارة: كان يمكن لك أن تؤجل ذلك إلى ما بعد عودتنا.

عبد الحميد: لكنني لا أستطيع يا سارة..لا أستطيع تأجيل لحظة الإلهام. عندما تحضر يجب أن نقبض عليها وإلا فإنها تذهب بلا عودة.

سارة: (لنفسها) أتساءل لماذا لم أسافر بمفردي.

عبد الحميد: لن تستطيعي.

سارة: (بغضب) لماذا لا استطيع السفر..هل رأيتني مقعدة في كرسي متحرك أو أتوكّأ على عصى حتى لا أستطيع السفر بدونك؟

عبد الحميد: (محرجاً) لا أقصد ذلك..بل لأنك لن تستطيعي أن تتركيني بمفردي في مثل هذه اللحظة الحاسمة من حياتنا.

سارة: (ساخرة) حاسمة..حاسمة بالنسبة إليك ربما..

عبد الحميد: وبالنسبة إليك أيضا..ألا يهمك أن أصبح كاتبا؟

سارة: في الستين من عمرك؟ يوم تقاعدك؟ ألا ترى أنه قد فات الأوان؟

عبد الحميد: (جاداً) كثير من المبدعين المشهورين بدأوا الكتابة في سن متقدمة عن سني.. لا أستطيع ذكر الأسماء لكنهم وجدوا..أو ربما سيوجدون قريبا..بالتأكيد.

سارة: أتساءل لماذا استسلمت لإلحاحك..هذ الرحلة التي أعددنا لها منذ مدة طويلة كانت ستخلصك من الكثير من الأوهام.

عبد الحميد: لماذا تلحين على إفساد هذه اللحظة التي انتظرتها مند ثلاثين سنة.. ثلاثون سنة أحلم بأن أُخرج كتاباً للناس.

سارة: ثلاثون سنة ولم تكتب أبدا..واليوم تقرر ذلك..يوم رحلتنا..رحلة العمر التي ظللنا نعد لها منذ أكثر من ثلاثين سنة.

عبد الحميد: صدقيني يا سارة، انني لا أتعمد ذلك..أن أيضا أرغب في هذه الرحلة لكن الإلهام تملكني اليوم فقط..منذ ثلاثين عام أؤجل هذه اللحظة من حياتي..ثلاثون عاما ادفع عني رغبة الكتابة..تجتاحني وأدفعها.. أدفعها..(حالماً) كل مرة كنت أهم فيها بقراءة كتاب، مهما كان نوعه، علما، سياسة، أدبا، إقتصاداً..إلا وشعرت بأنني قادر على تأليف كتاب مماثل ..ربما لهذا السبب لم أقرر الكتابة حتى الآن..كنت مقسما بين كل هذه الاختصاصات والأنماط: مسرح، رواية، فلسفة، تأملات، شعر، إقتصاد..في الإقتصاد  نفسه عدة اختصاصات: إقتصاد المؤسسة..إقتصاد السوق..الإقتصاد المخطط..الكتابة أيضا يا عزيزتي رحلة..رحلة ممتعة.

سارة: (ساخرة) رحلة طويلة في قطار سحري..لكنك بقيت واقفاً على عتبة الباب. لم تصعد ولم تنزل.

عبد الحميد: (غير مبال) وأنت، ألا تهمك الكتابة. لن أستطيع أبدا أن اكتب بمفردي رغم كل عزيمتي..

سارة: لا تعول علي في مساعدتك.

عبد الحميد: بلى، بلى يا سارة. سنكتب معاً. حياتنا حتى الآن كانت حياة واحدة. وكتابي، الكتاب الذي أنوي تأليفه سيكون كتابنا نحن الإثنين..سنتقاسم حقوق التأليف والجوائز والمجد.. والكتابة أيضاً..من المستحيل، بل من الحمق أن أكتبه بمفردي.

سارة: منذ لحظات كنت تقول أنك ملهم، أما أنا فإن الإلهام لم يزرني أبداً.

عبد الحميد: ستلهمين، ستلهمين. والحقيقة أن ما أشعر به الآن ليس بالظبط الهاماً..انها بعض العزيمة ..العزيمة.. ذلك ما يلزم الكاتب.لقد ألهمت عدة مرات في الماضي..كل مرة فتحت فيها كتابا إلا وانتابني الإلهام. لا أنهي الكتب التي أفتحها..أتوقف عن القراءة بعد عشر أو عشرين صفحة. وفي كل مرة أتصور خاتمة من خواتمي..أدخل شخوصي في الروايات، أخلاقي وتصوري للعالم في الكتب الفلسفية. فرضياتي ونظرياتي في الكتب العلمية، برامجي في المؤلفات الإعلامية. نفس الحكاية مع كل مؤلف..كل كتاب كان مغامرة جديدة وإلهاماً جديداً ولكن كانت تنقصني العزيمة. ال..ع..ز..م..ة. لم تكن لي أبداً العزيمة التي تجتاحني اليوم. في هذه اللحظة بالذات.

سارة: لم يبق لك سوى أن تكتب إذن..لن تفيدك مساعدتي في شيء.. أنهيت دائما الكتب التي شرعت في قراءتها..بعض الكتب قرأتها مرتين..بل انني كنت محددة في اختياراتي. لا اقرأ سوى الروايات والروايات الواقعية بالتحديد. استمد منها أخلاقي..لم اتجر أبداً على التدخل في سير الحكايات..احترم الشخوص، الأشرار والطيبين، لأنه بدون الأشرار لا وجود للطيبين.

عبد الحميد: لن يغير ذلك شيئاً فحتى العزيمة والإلهام مجتمعين لن يكفيا لوضع كتاب ولو في صفحة واحدة، لأنه لا بد من الكلمات..الكلمات هي التي تجسم الأفكار وتوصلها إلى القارئ..

سارة: كلا..كلا..لا تعول على كلماتي أرجوك. انني لست متأكدة من أنها ستكفيني لتحمل عنادك وجنونك.

عبد الحميد: كوني عاقلة يا سارة. ليس من منفعتك أن تهمليني.

سارة: (بغضب) هل صرتَ تهددني؟

عبد الحميد: أبداً، لست أهددك. ولكنه برناج حياتي في الأيام القادمة..أقدم لك رسمياً هذا البرنامج: لن أغادر هذه الغرفة قبل أن أنتهي من كتابي. لن أنام سوى ساعة أو ساعتين في اليوم، هنا  وفي هذا المقعد وس..

سارة: (مقاطعة) يمكنك حتى الإضراب عن الطعام.

عبد الحميد: أبداً، لن أضرب عن الطعام. لست معارضاً سياسيا، أو عاملاً مستغلاً. يالها من فكرة رديئة..لكنني استطيع الإنتحار هنا.. في هذه الغرفة.

سارة: يمكنك أن تنتحر منذ الآن إذا أردت..ضع النار في البيت أو ألق بنفسك من النافذة فلن يثنيني ذلك عن الرحيل (تهم بالخروج)

عبد الحميد: (يعترض طريقها) إلى أين أنت ذاهبة؟

سارة: إلى الجحيم! (تجهش بالبكاء) من الأكيد أنهم هناك أقل قسوة منك.

عبد الحميد: ما دخل الجحيم الآن..لقد كنت دائما طيباً معك..أليس كذلك.

سارة: دعني أذهب يا عبد الحميد

عبد الحميد:: اهدئي يا سارة، ليس هنالك من سبب يستدعي غضبك.

سارة: (محاولة التخلص منه) أتركني أذهب.

عبد الحميد: (غاضباً) أبداً، لن تخرجي من هنا. (يجلس على كرسي قرب الباب) لماذا تتركيني وأنا في أشد الحاجة إليك. هل تعتقدين أنني أتعمد إزعاجك..لم أنخرط في مثل هذه اللعبة أبداً..وهل أقدر على ذلك. كل ما في الأمر أنني أشعر بأنني مسلوب العزيمة أمام هذا الوحش ، ألا وهو العزيمة. العزيمة تتملكني من رأسي حتى أخمس قدمي. جسدي كبيت مسكون (يتحسس جسده) إنها في ساقي اليمنى (يقبض على  ساقه) بل في اليسرى ( يقبض على اليسرى) كلا، ليست هنا. (حزينا) طارت..(ينظر إلى الأرض) غريب، انها تقفز (سارة تنظر إليه بقلق) سأجن. ربما جننت بعد (يلطم وجهه ورأسه) انها في كل مكان من جسدي. لا تتركني..يجب أن أعبر عنها. يجب أن أتخلص منها (يرمي بنفسه في مقعده منهارا) أنا متعب.

سارة: (تقترب منه وتضع يدها على كتفه) إهدأ يا عبد الحميد.. ليس بهذه الطريقة يمكنك أن تؤلف كتاباً. ليس هكذا.

عبد الحميد: (يمسك بيدها دون أن يرفع رأسه) هل أنت هنا دائما يا سارة؟

سارة: نعم، إنني هنا يا عبد الحميد.

عبد الحميد: هل ستبقين؟

سارة: ليس لي الإختيار على ما يبدو.

عبد الحميد: (يقبلها على جبهتها) شكرا يا سرور..سترين. لن يكون ذلك أمراً صعباً..بمئة صفحة يمكن أن نؤلف كتابا هذه الأيام. هل ستساعدينني؟

سارة: سأبذل قصارى جهدي.

عبد الحميد: إذن إلى العمل (ينهض متأوهاً) أحس بدبيب نمل في كامل جسدي. لعله شكل من أشكال العزيمة.

سارة: ربما.

عبد الحميد: من الأكيد

(صمت)

سارة: ماذا نفعل؟

عبد الحميد: بماذا؟

سارة: بالكتاب.

عبد الحميد: لست أدري.

سارة: لابد من أن تكون لك فكرة.

عبد الحميد: ولا واحدة.

(صمت)

سارة: (بحزن) ولا واحدة؟

عبد الحميد: ولا واحدة..أو تقريبا..ولكن ليس ذلك أهم ما في الكتابة. البعض يقول إن الأفكار تُغرف من نهر الحياة، وأن وحده شكل الوعاء الذي نستعمله يميز بين هذه الأفكار..

سارة: (متهكمة) لا أصدق!

عبد الحميد: بلى، بلى. ذلك أن هنالك تفاعلات بين الأفكار والأوعية التي تصبغها وتخرجها مختلفة للناس، رغم أنها نفسها في البداية.

سارة: الأوعية؟

عبد الحميد: بل الأفكار. إنه مجرد تشبيه..الأوعية هي أشكال الكتابة والله وحده يعلم كم هي متعددة.

سارة: وماذا سنفعل؟

عبد الحميد: يجب أن أقرر. يجب أن أختار بين الأشكال الموجودة إلا إذا كنت أنوي تطوير شكل جديد.

سارة: ليس ذلك ضروريا بالنسبة لكتاب أول. اكتف بالأشكال الموجودة.

عبد الحميد: أنت على حق..إذن هنالك الرواية، المسرح، الشعر، القصة..

سارة: أكتب رواية.

عبد الحميد: (بعد تفكير) كتابة رواية عملية صعبة..يلزمها العديد من الحكايات..والحكايات تستلزم الخيال، والخيال لا يكون إلا بالتجربة، والتجربة تستدعي حياة طويلة.

سارة: إنك في الستين من عمرك، ألا يكفي ذلك،

عبد الحميد: ليس بالسنوات تقاس الحياة ولكن بالتجارب. انها حياة داخل حياة ولكنها تغلّفها.

سارة: لا بد أن يكون لك شيء من ذلك.

عبد الحميد: كلا..لا شيء.

سارة: ولا شيء؟

عبد الحميد: (بأسى) ولا شيء يا سارة. ليست لي تجارب خاصة أو تجارب أصيلة، متميزة. ليس ذلك سهلا أتعلمين.. كنت دائما رجلا عاديا. ربما كانت لي بعض المواهب لكنني لم أطورها..لم اعتن بها.

سارة: إنها مشلكلة فعلا.

(صمت)

عبد الحميد: في حياتي العاطفية مثلا لم أعرف سوى إمرأة واحدة.

سارة: (تقف) إمرأة؟

عبد الحميد: (حزينا) لم أعرف سواك يا سارة.

سارة: (تجلس) لن تندم على ذلك الآن..

عبد الحميد: أبداً لست نادما.. إنني سعيد معك. أو لنقل أننا لم نعرف مشاكل تذكر. منذ لقائنا الأول أحسست أننا خلقنا لنعيش معاً. كان ذلك في المطعم الجامعي..أذكر كل الجزئيات. كنتِ جالسة خلف طبق من فولاذ. جلست بجانبك وقلت لك إن البطاطا جيدة الطبخ..(متذكراً) لم تجيبي. سألتك كم الساعة. لم تقولي أنك لا تحملين ساعة. فسألتك إن كنت تقبليني زوجاً..بعد شهر تزوجنا..

سارة:(لنفسها) ربما تسرعنا.

عبد الحميد: الأمر بسيط..لم أتألم في حياتي أبداً.. لا يخلق الشيء العظيم سوى الألم العظيم.

سارة: هل أنت متأكد..على كل حال لم تبذل مجهوداً من أجل ذلك..من أجل أن تتألم.

عبد الحميد:: ليس لنا  أطفال.

سارة: رفضتَ أن يكون لنا..ولم يكن ذلك يزعجني.

عبد الحميد: أعترف بذلك..ولكن لو كان لنا أطفال لكانت لنا بعض المشاكل..ليست سوى فرضية.(صمت) إنها المشاكل التي تنقصني اليوم.

سارة: ألم تعرف مشاكل طوال ستين سنة؟ (صمت) أنا أيضاً.أمر غريب.

عبد الحميد: نعم.. غريب. هل إقتنعت بأنني لا استطيع أن أكتب رواية. لم أُهيء لذلك.

(صمت)

سارة: أكتب مسرحية.

عبد الحميد: (بعد تفكير) كلا..غير ممكن.

سارة: لماذا؟ لا بد أنك قادر على ذلك..كنت دائما تختلق مشاهد تتركني مندهدشة.

عبد الحميد: ليس نفس الشيء يا سارة. جربوا المسرح قديما على الهضاب، في الشوارع، والمصانع ولكن لا أحد جرب المسرح في البيت..وحتى لو أن هذا المسرح موجود فإنه غير معترف به..غير مصنف وسيكون من الصعب علي أن أفرضه على الجمهور..

سارة: بما أن المسرح لا يناسبك أيضا فإنني لا أرى حلاً آخر. (صمت) أكتب الشعر..

عبد الحميد: أكره الشعر..لغته صعبة. إنه مثل الرياضيات لا وجود لها إلا في رؤوس من ابتدعوها ورؤوس من رضخوا لها. لا، الشعر لا يناسبني أيضا.

سارة: من الأفضل أن تتنازل عن هذه الفكرة يا عبد الحميد. ربما كان من المتأخر الآن تأليف كتاب. أجّل ذلك لمرة اخرى. يمكننا دائماً السفر. قد يساعدك ذلك على الكتابة في المستقبل.

عبد الحميد: لم يعد ذلك ممكناً. لقد إلتزمت. دبيب النمل في كامل جسدي. يتحرك..يغوص في عروقي..في قلبي..يضغط على معدتي. لن يتركني النمل أبداً. أعرف ذلك. لو أن هذه الرغبة في الكتابة اجتاحتني قبل ثلاثين سنة لكانت غيّرت أشياء كثيرة في حياتي. لكنت كيّفتُ أيامي حسب نسقها وعدّلت طموحاتي على تموّجاتها. (حزينا) لم أبالغ أبداً في طموحاتي. كنت واقعيا. ربما واقعياً جداً.

سارة: لا فائدة من التندم الآن. كنت دائماً قنوعاً بما يحصل في حياتك. تشتغل ثمان ساعات في مكتب فاخر..ثمان ساعات ونصف أحيانا. كنتُ أتبع نسق حياتك. لم يحرجني ذلك أبداً. نخرج مرة في الأسبوع، نشاهد فيلماً أو نتعشى في مطعم صيني ..كل سنتين نقضي بعض الأيام في الجبل..لم نشتك أبداً من نسق حياتنا.

عبد الحميد: كلا..لكنني الآن أشعر بثقوب في ذاكرتي لأن عيني لم تمتلئ بالأشياء التي كانت تبصرها. أرى نفسي واقفاً أما عربة مكتظة بالمسافرين، لكنني أجهل كل ما يحدث داخلها رغم أن النوافذ شفافة. مجموعة من الأطفال تمر أمامي دون أن أميز بين ألوان محفظاتهم أو طول شعورهم. لا أقدر على أن أقترب منهم أو أن أخاطبهم رغم أن الكلمات لم تنقصني أبداً. كانت لي أفكار أيضاً..أين اختفت الكلمات والأفكار الآن.

سارة: ابحث في ذاكرتك. إذا كانت قد وجدت فإنها لن تضيع . الذاكرة تحتفظ بكل شيء. هنالك اللاوعي أيضاً. كل شيء محفوظ يا عبد الحميد.

عبد الحميد: يجب أن تساعديني يا سارة.

سارة: سأساعدك يا عبد الحميد للخروج من هذه الحالة لكنني لا أعرف ما المطلوب ..ماذا تنتظر مني؟

عبد الحميد:الكلمات..الكلمات توقظ الأفكار..الأفكار تتفاعل مع العزيمة فنصنع كتاباً.

سارة: (محرجة) لا أفهمك.

عبد الحميد: انطقي ببعض الكلمات..انطقي بها بصوت مرتفع حتى تلامس ذاكرتي..تهزها.

سارة: أي نوع من الكلمات؟

عبد الحميد: كلمات ذات معنى. وحدة..صداقة..حب

سارة: (تعيد الكاملات بطريقة آلية) وحدة. صداقة.حب.

عبد الحميد:لا، ليس هكذا. انها تبدو جافة. أريد كلمات مشحونة.

سارة: وحدة

عبد الحميد: غليظة. بخط كوفي.

سارة: (بحزن) وحدة. صداقة.

عب الحميد: نعم..نعم..هكذا (يقود سارة من يدها وهي في شبه غيبوبة ويمدّدها على المكتب) انطقي كلمات من إختراعك..سأجلس للكتابة (يجلس خلف المكتب)

سارة: وحدة..صداقة..حب..روتين..أنانية..طفولة..أمومة..شيخوخة

عبد الحميد: ( يأخذ القلم ويحاول الكتابة عند كل كلمة دون نتيجة) لقد كانت لي أفكار.. (تنهض سارة يائسة) الكتب..الكتب (ينظر إلى رفوف المكتبة) الكتب..يكفي أن أفتحها. (يصعد على كرسي. يأخذ الكتاب تلو الآخر، يتصفحه لحظات ويلقي به على الأرض. فجأة يفقد توازنه. يتشبث بالرفوف..يسقط وتسقط معه الكتب والتحف. يصرخ. تهرع إليه سارة.)

سارة: عبد الحميد! ماذا حدث؟

عبد الحميد:(متألماً) لا شيء..سقطت من السماء.

سارة: (تبحث بين ركام الكتب) أين أنت؟

عبد الحميد: هنا.

سارة: هل تتألم؟

عبد الحميد: بعض الشيء

سارة: (تهرع إلى الهاتف) سأطلب النجدة. مما تتألم بالظبط.

عبد الحميد: ليس الأمر خطيراً..لا داعي لإزعاج أحد.

سارة: قل لي مما تتألم عوض أن تتأوه هكذا.

عبد الحميد: (متألما) لا أستطيع التفكير يا سارة. لم يزرني الطبيب أبداً..(محرجاً) لم أعرف جسدي..أسئلتك كثيرة..ثم إنني لا أتألم من شيء..(يتألم) تقريبا من لا شيء. تعالي إرفعي عني هذه الكتب.. إنني أختنق.

سارة: حالاً،حالاً. (تترك الهاتف وتقصد كوم الكتب ترفعها بعجلة. تصطدم عفوياً برف آخر فيلقي بكتبه على عبد الحميد)

عبد الحميد: (صارخاً) سأموت يا سارة.

سارة: لا تيأس.

عبد الحميد: أحبّك.

سارة: لن تموت يا عبد الحميد.

عبد الحميد: ستملين من الحياة وحيدة.

سارة: كلاّ كلاّ..بعض الشيء.

عبد الحميد: إعتني بالحديقة.

سارة: أية حديقة؟

عبد الحميد: حوض النافذة.

سارة: سنعتني به معاً.

عبد الحميد: ليس لنا أصدقاء..ماذا ستفعلين بمفردك؟

سارة: كوّنّا عالماً خاصاً بنا وكنا سعيدين فيه.

عبد الحميد: لم نعرف الأشياء إلا بأبعادها..الفصول بمقاييس الحرارة. لو أخرج سليماً سأكتب كل هذا..

(سارة ترفع دائما الكتب. يصمت عبد الحميد)

سارة: عبد الحميد! أجبني..عبد الحميد..عبد الحميد.

ستار.

***

تأليف: محمد نجيب بوجناح

 

صحيفة المثقفعلى عتبة اليقظة.. دهم مَسمعي ما يشبه دوي انجراف حمولة واد، من مياه وحصى وأتربة.. إنه صوت المحركات الانفجارية يصدر من بعيد.. من جهة ما، وقرقعة إناء متقطعة؛ إنه الجار يتوضأ لصلاة الصبح، وبكاء رضيع ارتفع فجأة في هَدْأة الغَسَق[1]؛ تُبكيه معدته الفارغة، ونهيق حمار ثلم جدار الصمت، وزعيق[2] قطين يتأهبان لنزال دام، وسعال يخدش حنجرة صاحبه.

وجدتني ممددا على ظهري، ورأسي غارق في الوسادة الليّنة. وجهي إلى سطح الغرفة. فتحت عَينـيّ.. أضواء الشارع تُجاهد ظلمة تغرق فيها معالم المكان. كما يومض البرق في ظرف لحظة، فيخطف البصر، وكما يُزلزل الرعد السحب الثقيلة، والجدران.. يُجهر مكبر الصوت بتكبيرة المؤذن، تحمل صداها نسائم الصباح؛ لتُرَجِّعها شعاب نائية.

يستحث الآذان؛ ويُذكّر؛ ويُنذر.. أفي اضطجاعي ما يوحي بالموت.. بالفناء؟ ليل الفجر ضارب في الظلمة الحالكة؛ في السكون الطاغي، والهدوء المطبق.. إنها رهبة القبر.. تخنقني. يعاودني الإحساس بذنوبي الكثيرة.. أفي استلقائي ما يوحي بمومياء لإنسان لفظ أنفاسه؛ فمدد كهنة جثته، في بواطنهم تغــور أســـــرار التحنيط؛ على قاعــــدة من حجـــر الصلصال أو (الكَرانيت)، يشقون بطنه، وينتشلون منها الأمعاء والقلب؛ ثم يعالجون جلده بمحاليل، ويلفونه بلفائف من ثوب.. إنها قماطه وهو وليد لم تتفتح بعد عيناه على الدنيا؛ بطقوس دينية مهيبة تذكر بيوم البعث؟

وما رأيته أيضا في حلمي منذ لحظة؟

أسرعت دقات القلب، وانتظمت الأنفاس في حركة صاعدة وأخرى هابطة، وتفجر العرق من الجسم، وضايقتني سخونة مضجعي، ومَخَطَ الأنف هواء لافحا.. أرزح تحت غمة الحلم.. تغلف قلبي أهواله .. لحظات اللذة يَغْصِبُها منا العمر الطويل، ورغبة الشباب الطافحة، والنفس اليانعة تفور بالحب.. كنت أقول.. وتزحف الشيخوخة؛ فتفتر الأعضاء، وتضمحل الإفرازات، وتخبو الشهوات، فينكفئ الجسد وينطوي على نفسه.. حينئذ تفيض الصدور بدعاء الغفران..

وفي حُلمي بلغت من العمر عِتِيّا.. تشنجت راحتي على العُكَّازة .. أتكئ بجسد واهن.. عروق يدي ديدان بارزة من دم قانئ[3]، وصديد[4].. عظامي تكلّست.. يبس الجلد، في كهف صدري تذهب أنفاسي ثقيلة وتؤوب بحشرجة تختل لها دقات القلب.. صغر وجهي في قبضتي .. تَكَرَّش جلده، وبرز الصدغان، وغار القذال، وذابت الشفتان.. عيناي تلتمسان النظر من عدستين سميكتين، فلا يخب مسعاهما، فأرى أطيافا تروح وتجيء، وهياكلا وأحجاما. ضربت يدا بيد في حزن ويأس.. ويحي ضاع العُمْر، ومسحت ارتجافات أناملي دمعة.. ويحي ولا نأمة عفو من الرّحمن.

رحلتي على سطح الأرض كانت بلا هَوَادة[5]، أسري ليلا لأسرق نعمة الآخرين، وأصبح مُقامرا مفلسا، أو رابح الورقة المغشوشة. أمسي ويداي تلملمان ما تبرأ منه عرق الجبين، لحيتي بيضاء كالثلج، أواري عنها خجل الزلة، وحبيبات العرق يندى بها الجبين. اِنغرست في شعرها أصابعي..كان شيبها كثٍّا.

تلفت حوالي بذهــول.. اِنتفضت مذعــورا.. نساء كثيرات تزوجتهــن، وأبنائي وحفدتي ينزرعون كسيقان السنابل.. في خلاء ضارب في الامتداد، وزوجاتهم حملــن بعد وحام عسير، ينتظرن مواليـــدا، ورأيــت بناء هنا، وبناء هناك، وآخر هنالك، وامتد البصر.. اليابس من الأرض بدا في مقلتي شظية من صخر بلوري مخدوش بوجوه الجداران، ولم أر أثرا للشجر.. البناءات تماسيح شرهة التهمت الشجر واستساغت خضرته. تقهقر عَجَبي، فطأطأت رأسي.. عيناي تنطقان بشهادة إثبات.. في يدي حزوز، بطشت في يوم ما بنبتة لحظة انفلاق البذرة، وبشجيرة تلوح عليها براءة الصغار، وطفحت في يوم ما على الوجه آية حماس يختلج في الأعماق؛ حين هدر بسُعَار مُحرك جرافــة الأتربة؛ والعشب والشجر، ومُمهدة مسالك، وطُرق، ورافعات تخرق السحب بلبنات من الإسمنت، والرمل، وأسياخ الحديد..

بعد مائة عام كان عصر الإسمنت قد ولى، فأقفر تراب البراري بذُرَارة جُدُر[6] خضخضوها عُنوة، فانشقت، وتهاوت، وسُحقت، وجيء بالزجاج المانع لأشعة الشمس، و( الألمنيوم ).. عمود يعلوه آخر، فتعاقبت الأعمدة.. وما بعد السحب ترددت طبقات وعوالم.. مدن في الأرض وأخرى في السماء..

ظل الأشجار كان يُنعشني.. الكلأ حين تجتره الأنعام تداعب رائحته أنفي.. الزهر.. التُّرع.. العيون.. الغربان.. السمّان ..لم يبق من هذا شيء.. حنيني إلى نعيق النوارس.. إلى خوار البقر.. إلى عواء الذئاب.. إلى نباح الكلاب ..إلى صياح الديكة.. إلى زعيق تيس.. إلى صهيل حصان.. وندى الصباح.. وضياء القمر.. وحمرة المساء...

كِسْرة رغيف من طحين الشعير، مُجمّرة على نار وقودها روث الدواب يبسته أشعة شمس الصيف الحارقة، تُشعرني بشظف العيش وبالزُّهد.

في بهو سقفه قبة غارقة في زرقة تتلألأ فيها نجوم سماء، وأجساد في دبيب لا ينقطع.. تروح وتجيء.. تتحلق بقامات مختلفة الطول حول بيت من زجاج.. تحيط وجوهه الأربعة بشجرة ينسرب إليها بمقدار عبر أنبوب أُكسجين مُعبّأ، وتنبت في تربة غير التراب، وتُسقى بسوائل كيميائية، يُسلط عليها ضوء كاشف ثابت، اِسترعت انتباهي لوحة تومض كلمات جملة:

"هذه شجرة من غابة منقرضة "

كتمت السؤال: "أفي مدينتنا شجرة ؟".

قد أثير سخرية قوم لم أعد منهم أنا الذي أهْرَمني الدَّهْـر.

"هل هي حقا شجرة، أم هي فقط صورة لها" مرة أخرى سَرَّ خاطري السؤال، ورنوت إلى الشجرة، وإحساس مُفاجئ بالزهو يغمرني، فافترت شفتاي عن ابتسامة الظفر، ارتخت له تقاطيع الوجه، ودب في العينين، فنظرة خبير بالأشجار باردة.. تسلقت الشجرة في صباي، وعبثت بأعشاش الطيور، وصنعت من فروعها قوسا، ونبالا وسيفا وصولجانا، و تمددت للقيلولة تحت ظلال أوراقها الوارفة وقت الحر.. فمن ذا الذي يَدّعي معرفة الشجر؟ هؤلاء أفراد من أجيال متأخرة لم تر الشجر عن كثب.. كان البناء قد زحف وابتلع طوفانه التراب الخصيب والشجر.

أوراقها لا تهب عليها الرياح، فهي ثابتة.. لونها أخضر غامق.. نظيفة، تعكس بريقا.. يبدو أن يدا تُعنى بها، تمتد إلى طبقات الغبار فتزيلها برفق، وتغسلها بسائل ما، وفروعها مقلمة بعناية، تنفلــق عيدانها عن فروع أخــرى طرية، ووريقات تنِزُّ خضرة يانعة..

تذكرت الجذع؛ فحدجته[7] ببصري.. حفر العشاق أسماءهم في لحائه، وتواريخ هيامهم، وقلوبا تدميها السهام، و قرأت عليه تعييرا، وما نعابه من كلام، وإمضاءات، وكتابات مبهمة، وكنية امرأة ذائعة الصيت، تحكي قصة ليالي المباح في زمان ما من تاريخ المدينة العريق، وبه آثار قيد وسوط، وكلمة الشعب، وخدوش دُبّ، وثقوب منقار الطائر النقار، وحروف تختزل اسم فريق كرة القدم، وفرع متفحم، وشعارات، وأمثال، وآية منشار ميكانيكي، وموعد لقاء محموم،  ومسمار مدقوق، وسلك مغروز..

عاث السُّوس في بعض أجزائه نخراً.. همست له:

"تصنّت بوجد يائس لعاطفة هسيس، ولهمهمات، وللُهاث وأنين.. إني أغبطك في صبرك، فما صبر أيوب عليه السلام إلا النزر القليل من صبرك.. فما أعظم كتمانك، وجميل حِلْمك..لم تلِن أو تنكسر.. وقفت صامدا فلم تنل منك نوائـــب الدهر، ولا عوادي الزمـــن. أوغروا في جسمــك سكاكين وخناجر، فكان نزيف صَمْغك[8] دما، وأضرموا النار في جانــب من جذعك، ولاذ بظلالك هارب من قيظ الظهيرة، وراع غنم تغنى بِنايِه، واستحملت رجلا قضى حاجته، فلم تُبد ضجرا أو تأففا.. أنت زاهد متنسك، اصطبرت أذى الناس. استمسكت بخُلوتِك ولُذت بمِحْرابك؛ فلم تزغ عن طريق التوحيد".

جِذع شجرة يسرد يوميات من حياة مدينة اندرست، وأصبح اسمها فقط على ألسنة الرّواة وفي كتب التاريخ.

كان صفحة من كتاب أجهد عيني، فتنحتا قليلا إلى أعلى رحمة ببؤبؤيهما، فاكتشفتا صدفة أشرطة من أثواب مربوطـة إلى الفــروع في ألوان قوس قزح، ومناديلا، وأحزمة من خيوط مفتولة، وألبسة داخلية، وخضابا بالحناء.. إنه من فعل نساء ضِقن درعا بحماقات أزواجهن، أو كابدن حياة العنوسة، أو أصابت إحداهن لوثة[9]..

فالشجرة إذن كانت تركن إلى جدار ضريح ولي صالح، تتودد إليه، تلتمس حمايته، تعانق فروعها الكثيفة قبُّته بلهفة، وتظلله بأوراقها.. وهو يتشمم عطرا أخضرا، ويتحسس طراوة لحائها.. وهي تنعم بالاستقرار، والهدوء في كنفه.. يدرأ[10] عنها استئصال الجذور، واجتثاث الفروع، وتتنشق المسك والطيب والنّدّ في حضرته، وتتغذى جذورها بما يُدلق على الأرض من ماء بئر لا ينضب..

ونقلت عيني إلى وجوه الواقفين، نسخ لأصل واحد.. ساكنة.. اندمغتهم الشجرة، فعكست صفحات الوجوه أثر ذلك: الشَّدَه[11].. وجذبت إلى حقل مغناطيسها عيونهم، وانصهرت أحاسيسهم المتضاربة، وميولهم المتنافر في مِرجل التعدين؛ فتدفقت رحمة.. نطقوا بذات الأسئلة:

- أفي مدينتا شجرة؟ من أي نوع هي من الشجر؟ أ لهذا الحد تؤول الشجرة.. حبيسة صندوق زجاجي؟

أنتم يا أجداد الأجيال اللاحقــــة رصصتم بنـــاء بجانب بنــاء.. بجانب بناء، وراكمتم بناء فــوق بناء.. فوق بناء، فلعقت البناءات الماء، والتهمت الأرض والشجر..

جدي.. جدي.. جدي..

أصخت السمع.. أيعنيني النداء؟ أفسدت الذاكرة ما أنعم به من لحظات الطمأنينة بما تختزنه من المسكوت عنه.. من جرم فاعل، وجريرة المذنب؛ لم أسنح لهامتي فرصة التفاتة إلى مصدر الصوت.. فقط شزرت عيناي في تنكر.. آه ما أقسى عتاب الأبناء!

إنه أحد حفدتي، شدت يده أطراف جلبابي بإلحاح، لا أعرف له اسما لكثرة ما تفرع عني من بنين وبنات.. لا يهم فهو حفيدي وكفى، وجميع حفدتي سيان عندي، يداه في حركات مترددة، يطوح برجل ويهمز بالأخرى، نظراته سريعة؛ ينقلهما من وجهي إلى الشجرة؛ ثم يعود ليجول بها في هيئتي، أشار بعصبية بسَبَّابته إلى الشجرة، سأل:

- ما هذا يا جدي؟

- هذه شجرة..

نظر إليها برهة ثم إلى نقطة أنأى منها، خمنت أن في ذهنه غموضا ما يزال يكتنف هذا الشيء الذي يستفسر عنه:

- وما هي الشجرة؟

- كما ترى.. شجرة لها جذور وجذع ضخم، وفروع مختلفة السمك والطول، وأوراق خضراء.

أعاد ما سمعه مني بصوت خافت، وسألني للمرة الثالثة:

- من صنعها؟

ونحن بعد أطفال كنا نسأل نفس السؤال فيجيبون: الله، فأجبته بلا اكتراث:

- الله سبحانه وتعالى.

- الله؟

- نعم الله

صمت لحظة وسأل:

- من الله؟

- هو الذي خلقني وخلقك.. والأرض والشجر والحيوان.. هو خالق كل الكون.

- أين هو أريد أن أراه؟

- إنه بيننا يعكس وجوده كائن الشجرة.. ألا ترى لمساته الفنية في جذعها، وفي أوراقها.. وصَنعتُه في فروعها.. مجرد شعورنا به يؤكد حضوره..

أتى بإيماءة برأسه أن نعم.

أعقب الحوار لحظات صمت.. تذكرت وقائع الماضي، صور من مذابح الشجر تتراءى لي؛ كانت جذوعها تُجزّ بفظاعة. غالى الضمير في تأنيبي، ولاحظ حفيدي احمرار الخجل يكسو وجهي، وارتباك يكتنف حركاتي، فخاتلته:

- ما رأيك يا صغيري في رحلة البحث عن البقايا المتحجرة للغابة المنقرضة؟

رفرف كعصفور من الفرح، وصدح مُعبّرا عن التمرد.. صيحته تشي بنفس متعطشة للانطلاق نحو المجهول، فسلكنا مسارب لا حد لها.. وعرة وضيقة، واخترقنا بذهول فجاجا عميقـــة، وهبطنا بقلوب مروَّعة في وهـــاد معتمة، وتسربنا في كهوف مظلمة أدمتنا نواتؤها الكارسطية، بأدمغة يكاد يتلفها الخوف.. ولم نعثر على أثر للغابة المنقرضة.

 

تمّت.

أحمد القاسمي

..............................

مرجع شرح الكلمات: المعجم الوسيط  الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

[1] الغسق: ظلمة الليل.

[2] زعق: صاح صيحة مُفزِّعة.

[3] قانئ: شديد الحمرة.

[4] الصّديد: القيح الذي يفسد به الجرح.

[5] هوادة: اللين والرفق.

[6] جُدُر:  جمع جدار .

[7] حدجه ببصره: أحدَّ النظر إليه و حدَّق.

[8] الصَّمْغ: مادة لزجة كالغِراء تتحلب و تسيل من بعض الأشجار.

[9] اللوثة: الحمق و الهيجان .

[10] دَرَأَ الشَّيء: دفعه.

[11] الشده: الدَّهشة والحيرة.

 

 

عبد الجبار الحمديهوس وصراع يلبسه متاع طريق، عَزِفَ الحياة لجأ الى الوحدة التي قامرت على أن يكون أحد أتباعها، فروادها ملوا كثرة الزحامات والاختلاط تحت عناوين او مسميات، صحبة، صداقة، زمالة، رفقة، تعاون جميعها وسائل لتمشية أحوال وأغراض شخصية.. لا ضير فالعالم يسير دوما بشكل مقلوب وليس معكوس فعادة الإنسان ان يوغل في ما لا يعلم حتى يتعلم، يمسك برأس قداحة يفركها بأبهامه كي يستنطقها على ما فعلت تلك التي تسببت في هلاك من أحب، لا يعي نفسه فالصدمة كانت اكبر منه فأنفصل يتصارع معها جعلته يلعن نصفه المتسبب في جريمة له يد فيها، اللعنة.. وهو يفرك القداحة بشدة حتى يكاد يحطمها لولاك لما ماتت أنت السبب... هذا ما يستوقفه عادة فتلك ذروة الانفصام في شخصيته التي لا شفاء منها، حاول الاطباء ان ينتشلوه منها لكنه أبى إلا ان يكون ذو انفصام الشخصية شيزوفرينيا التأنيب والألم... تأسف عليه من عرفه عن قرب، فراح يسرد حكايته، عُرِفَ بين من يرتادون المقاهي او متسلقى الأرصفة ذهابا وإيابا، بينما يركن الى الجزء الأخير في نهاية الشارع، يقف يتناطح ونصفه الآخر... أنت السبب لولا أنك رغبت في شرب السيجارة لما حصل واحرقت من تحب، كنت السبب الرئيس في ذلك لا أعفييك ما حييت، فولاك لكنت الآن ربما في مكان آخر..

أولم تصدق بأن العالم يعيش في سلام؟  إن كمياء رأسك تتخبط في الصور المزدوجة التي ترسمها، فمعركة البقاء حيا غالبا ما تودي به الى حافة الخطوط التي لا إكمال بعدها، لكل عنوان بداية ونهاية، لم تقتنع فعرجت على دواخل نفسك، أخذت تنسل إليها خلسة تجردها من قناعاتها لتجد لنفسك عالما جديدا تستنبط فيه الكمال وتنسى أن لا كمال في عالم الفسوق والفجور، فحتى عالم التقوى يشوبها العثة، أو لم تعي بعد أنك إن حظيت بمجرفة لتحفر ساقية لابد لك من أن تهرق دما؟ فما مجرى الماء بحياة إن لم يكن هناك قربان، وقربانك كان ما فعلت، احرقت بعقلك الباطن ما تحب حتى تعيش حالة الوجود بشكلها التام، تنشيء عالمك الخاص الذي ترغب.. ها انت تعيشه دون منازع لا ينافسك عليه أحد إلا من صنعته ندا في صراع، تخال نفسك إنسانا سويا الآن، رغم أن الناس يعلمون بحالة انفصامك ولو تحققوا لوجدوا كل له حالة إنفصام في اللاوعي، حتى الوعي نفسه أحيانا لكنه لا يتعدى الرغبة في ان يسكن ملكوته، لذا يعتادون بأنفسهم على الدخول والخروج الى عالم الشيزوفرينيا، صدقني لا يوجد أحد لا يحمل نصفه القلق معه، فتراكيب العقل فُصِلت كذلك، وخير دليل من لا يحمل معه عقله الباطن؟ وهل تظنه يحيا دونه؟ كن واثقا أن عالمك الموحش أفضل بكثير ممن تراهم أموات في عالم الاحياء، فحياتهم لا تتعدى سوى النقد والتبختر والمباهاة، لا أحد يبحث عن التغيير والمستقبل لأنه يعلم جيدا أنه لاشيء يقارن بعالم الموجودات التي تتلاطم فبعوضة ما أفضل وأعظم بما كل ما يفكر به، أتذكر في مرة سألتني لماذا خلقنا الله؟ ألعنة هي الى قدر مسمى؟ أم تبيان لقدرة عظيمة؟ أو فقط كي يثبت لمخلوقاته سطوته وجبروته؟ إن الكون بكل ما فيه قدرة وإعجاز، وفي رأيي أن كل ابداع يحتاج الى عيون تراه فخلق الله إبداع كان للملائكة فقط، ربما شاءت قدرته ان يوسع من سلطانه بما خلق مع قدرته وعلمه أنه لاحاجة له بما يخلق فهو في كل يوم في شأن، لا تعلو من شأنه مخلوقات فهناك ما هو اعظم الكواكب السيارة وجنات عرضها السموات والارض  الأفلاك المجرات .. الخ، قدرة مهولة خارقة، شاء الإنسان ذو الفصام أن يصنع عالما له مثل الله فخلق ابداعه، مد سيطرته، استحوذ على ما تراه حولك كل من زاويته يراه سلوكا سويا وينسى أن لكل شيء ثمن ونذر اعني القربان، القربان يا صديقي لابد ان يكون بدم ونادرا ما يكون بعكسه، كلنا قرابين يا صديقي فلا تلم نفسك على جريرة كنت احد أسبابها، فلولا أنها مقدرة من قبل ما كانت ولا صارت إليك... فكل الأحداث صائرة الى كتاب ولوح محفوط ما لنا فيها قيد أنملة، يظن من يظن أنه القادر وينسى أنه مخلوق لا خالق فاراك يا عزيزي تمزق العناوين وتنشيء غيرها، لا تعي أنك تمزق نفسك، فكل ما مزقتها زادت الفجوة بين الواقع والهلوسة، ترانا نلجأ الى الهلوسة في حال عجزنا الى تحقيق ما لم يكن لنا من نصيب.. فغزو عالم القرابين يرمي بنا  لنفكر بوسائل تدفعنا الى كسر زجاج كل القيم، فعالم الخضراء منال كل سابق ظله تاركا الظلال الورافة التي خطها الخالق بحدود من تعداها لا رجعة له... اتعي ما قلت؟

هز رأسه وهو يفرك برأس القداحة كأنه يعيد الأحداث الى الوراء فقال:

ماذا لو فركت رأسي بدل القداحة ثم أخرجت صور الوجع والألم؟ أتشتاق نفسي لغيرها، أنت تعني الحياة وأنا أعنيها هي، كانت كل حياتي، لم أشعر أني مخلوق بكيان إلا وانا معها، كأني أنتمي الى الله في حالة العشق الذي أعيشه وأنا بصحبتها، كانت حواء التي لو اقسمت على الماء لتجمد، هي كذلك بالنسبة لي خالق لروحي أذوب جوا في أنفاسها لا أعني هنا الغريزة أبدا بل الاحتواء الروحي لكأن الكون كله توقف حالما تتكلم، صوتها مزامير لا أمل من سماعه، لعل سبب جنوني بها أني اقدسها كأنثى، فعالمي يا هذا مثل عالم آدم كان خاليا مجردا من الحياة حتى خلقت حواء فصار طعم الحياة متغير ذائقته تغيرت صار لا ينفك يبهر حواء حتى دلس له من رامه مخلوق متندي، فأغواه أسقطه عن صهوة هيبته، في تلك اللحظة كأن الشيطان أغواني كي أحرق من أحب حفاظا على كيانها، صدقني هذا ما حصل... عالمي تغير مزقت نفسي هناك لحظة فقدانها قسمتها بيني وبينها، فلها النصف الذي تحب والنصف الذي لا أرغب كان لي، لا تخبرني عن الاقدار والمسميات فجميعنا لنا آجال، جميعنا مصابين بالشزوفرينيا حتى وإن أقنعنا أنفسنا اننا عكس ذلك، فمذ ان خرج آدم من جنته وأنثاه هام يبحث عن الغفران والربوبية الدنيوية، خلق له عالما ظنه صنعه فعاش بدساتير وضعها لحياة خالدة، وعندما رأى أجله آت زعم أن الموت هو الحالة الثانية من إنفصام شخصيته سيعود ولكن على شكل صورة ذكريات وخيال.. لا يستفرغ طمعا في الحياة لذا ألبس نفسه القداسة ليكون سيدا عالما وشيخا جليلا يُعبَد كالحجارة التي لا تموت ابدا.. إني يا هذا أعيش الخلود لنفسي حتى يأتي أجلي لأدخل عالم الغيب والنسيان مثل كل الازمان والعصور التي انصرمت فأين أهلها؟ اين أنبيائها؟ أين فَجَرَتها وأتقيائها ؟كلهم الى زوال سيطالنا الفيضان فلا عاصم بعده من العودة الى النفس الأولى وتلافيف الذاكرة الأولى التي ذاقت الموت قبل أن تولد.

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي     

 

جواد غلومغام صباحك أيها الكورونا

ساء مساؤك ضجرا ونحسا

حتامَ تتربص لقطع الأنفاس الرائقة للحياة !!

توقظ الأدعية في أفواه العاجزين

تبعث الهلع في القلوب المستكينة

غُمّاً لك أيها الرعديد الأصمّ

شُلّتْ يداك الملطختان وباءً

بُترتْ أصابعك يا شوك البذاءة

خرسَ من سمّاكَ تاجاً

سقماُ لكَ يا خانق الرقاب العصيّة على الانحناء

هيضَ جناحُك الطائر في الظلام

خرجتَ من كهوف الخفافيش نجساً

جعلتَ من صباحاتنا ليلاً  أدهم

أخفتَ أطفالنا رعباً وفزَعاً

وشيوخَنا ميتةً  فاطسةً

وحواسنا  فوضى متشابكة

فلتعثْ بنا موتا ومشافي لا تنام

لكن المقبل سينتهي بموتك

في مختبرات العقل الناجز

لا في تكايا وخلوات العقل العاجز

ستقبر أيها الكورونا

أنتَ وحبيبتي البدينة بالعشق

 وأنا الناحل اشتياقاً ولهفةً

***

جواد غلوم

 

 

محمد المهديتَجُول في عيناكَ الكلمات،

و تَنْثَـني الهَمساتُ حَسيرةً..

تَرقُب أنفاسَ الياسمين المُنْدَسّـة خلفَ الجدار.

ها قد جاء الرّدى من كل حَدَب،

يُصارعُ الحُبَّ المَدْفونَ فينا منذ آلاف الحِقب،

و يخنُق الشّوقَ المنبعثَ من رَدْهات الحنين..

تَمُورُ الأحـلام بأطياف العاشقين،

حيثُ تَمادى الحنين في الاحتراق

على وَقْـع الصمت المطبق فينا..

فتَوارَتِ القُبُلاتُ والهَمساتُ

و الهدايا والعَطايا خَلف الإسمنت

الممتد مِـنّـا إلى أعماق الأرض!!

سريعا تَداعَتِ الذكريات المحبوسة،

و الأصواتُ المبْحوحة تناهتْ،

تَـرسُمُ زمانـا كان قبل الحِصار..

و تُؤَثّـِـثُ سماءً أُخرى،

مُقبِلَـةً على ليل من دون قَـمر .

و من دون أشجار تُواِري ظِلالُنـا

المنبطحة على ضفاف الساحات

عَورات عّـراها الوبــاء .

هل انقطع المسيرُ نحو الغد الهروب !

هل أسْمَعَتْـنا أصواتُ الآتين من خلفِ الموت

ترانيمَ القيامةِ على مَضض!

هل صار الحب مُجرد نَـزَق

يَغْفو كُلما أَوغل الخوفُ فِينا،

أو كلما عَـزّ اللقاء !!

فُرادى صِرنا نَنُـوءُ بِأحمالِ الوَجع

المتَرَسِّـــبِ فينا منذ الأزل..

حَيارى تُـهْنــا بين انسِدال الأفق وشُقوق الأمـل.

عَشْعَشَ الحزنُ فيــــــنا،

قلوبنا كومةٌ من قَشّ تآكلت من لظى الحَــــــر ..

كمِزْرابِ شَمسٍ تَقاذَفَتْـها الرّيــحُ على عَجل.

فهل لِتِـيـــهِنــا من أجَل؟؟

هل نعاودُ لعبةَ الحب بعد حين؟

هل تعود روابينا كفراشات تداعب الريح،

و تَسْتَــرِق النورَ من خيوط الشمس؟

فنُسابِـق انْسِلال الماء بين مَفاصل الصخر،

"و تدنو المسافات بينا"

و ينشر القمرُ رِداءَ السّهـر ..

هل سنُحِبُّ من جديد!!

و نعشقُ خضرة الرّبيع كما كنا وسقوط المطر!

هل سنستَعيد أيامَـــنا الخَوالي،

وأشعار الحب وحكايات الغـَجر؟

فَلْترحلْ أشباحُ الموت القادم من أقصى الأرض،

و لتمضِ أوقاتُــنا وئيدَةً ..

فنحن قومٌ لا نَحيا على عَجَـل.

هَكذا أَنبأتـني الأغنيـات..

و أَسَرَّت إلي عصافيـر الأمــل.

***

محمد المهدي – المغرب

01/04/2020

 

 

سوف عبيدكانتِ السّماءُ

بِشَمسِها وقَمَرها

ليستْ أعلى مِنْ شَجرةِ تِينٍ أَوْ تفّاح

أوْ داليةٍ

نقطفُ منها حتّى النّجوم

*

العيونُ والسّواقي كانت رَقراقةً

زُلالاً

نَسقي منها في أكفّنا العصافير

تُرفرفُ حولنَا

ثمّ تَحُطّ قُربنا في سُرور وحُبور

*

كان النّاس جميعًا أطفالا

يَعرف بعضُهم بعضًا

حتّى إذا ما تَشاجرُوا

تَشاجروا على كرة قَشّ أو دُميةِ خَشبٍ

*

كان الناسُ أطفالا

لا تَتجاوزُون السّابعةَ أو العاشرة

ومَن يَشيخُ منهُم

يُعمّر عامًا أكثرَ… أو عامين

ثم يُرفرفُ مع الملائكةِ في جنّة السّماء

*

سنةً بعد سنةٍ

جاء زمنٌ

طالتْ أعمارُ أولئك الأطفال

حتّى طالتْ لِحاهُم وأظافرُهُم

فما عادت الأرضُ أرضًا

ولا الدّنيا

دنيا

***

سوف عبيد

 

 

تواتيت نصر الدينفي الغد القادم قد يأتي إلينا

قادما من ملكوت الخلد …

يختال بهاء ووقارا

طاهر الثوب نقيّا

سوف يسقينا شرابا

وغراما أبديّا

فنرى الكون بهاء

ونرى الدنيا جمالا

تزهر فلا ووردا

ترسل عبقا شذيّا

في الغد القادم قد يأتي إلينا

من سنا الفجر …

ومن نور الثريّا

ابشري يا بهجتي العذراء هذا

غدنا أمسى وشيكا

وطلوع الفجر قد صار بهيّا

إنّه الحبّ فهيّا ياملاكي

بايعي من جاءنا اليوم رسولا

حاملا وردا شذيّا.

***

تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

 

عبد الجبار الجبوريكنتُ أمشيْ، ويمشيْ على الماءِ قَلبي، وظّلي يَسبقُني، وكنتِ جائحَتي، والنساءُ هلَاكٌ، أعرفُ سوفَ أبْقى، وسوف أشْقى، وسوفَ أمشيْ على الماءِ وحْدي، يأخذُني البحرُ من يَدي الى البَحر، يُجرجرُني من قصيدَتي، فينبلجُ من بين نِهدّيكِ ذلك الصباحُ الذي كُنْتِهِ، وتبكي بين يديكِ الغيومُ، وتلمعُ بين مقلتيكِ الشموسُ، وكنتِ جائحَتي، كنتُ أنا والبحرُ نجلسُ على ضفة البحَّر، كنتُ أُلوِّحُ لكِ بقصيدَتي، وتُلوِّحينَ لي بشالكِ الأحمر، شالُكِ الذي مَزَّقْتُهُ الريح، ألليلُ يطولُ، لأنَّ الليلَ لمْ يتمَّ نوَرَه لي، وفرحَ الآخرون، هكذا جمعْتنا الجوائحُ والنوائحُ والهَوى، وحين إلتقيتُكِ (صدفة)، بعد ألف عام، في سوق النبي يونس، أصبحَ ذلك المكانُ لي مزاراً، وكُنتِ مَزاري، عندها أدركتُ أنَّ كلَّ خطوةٍ للحبيبةِ مَزارُ، وكنتُ أحلمُ أنْ أبتَّني لكِ بيتاً من الشِّعرِ، تنامُين فيه ووالقصائدُ سَكْرى، أعرفُ أنكِ الآنَ تُفليّنَ قصائدي، وتقرأينها حَرفاً حرفاً، وتُقبلّينَ الفوارزوالسطوروالنقاط، وتشُمّينَ رائحةَ الكلماتْ، كما تفلّي النجوم ُشعرَ الصباحْ، كنتُ أحلمُ أنْ أموتَ بين يديّها، وأتشبثُ بذيلِ عباءتِها، حين تلتقي النجوم، فيهربُ مِنِّي الموتُ، لأنها تميمةُ الروحْ، وتعويذةُ الزمانْ، تلقفتكِ الرياحُ، أخذتكِ الى بلادٍ، ليستْ لها سماءٌ ولا قمرْ، ليستْ لها أنجمٌ ولاغيومٌ ولا شجرْ، بلادٌ وسْعُ المَدى، كأنّها الرَّدى، أنتِ جائحَتي، وماءُ الكلام، سيدةُ الحزنِ، ومَعْنى الغَرام، كيفَ يسبِقُني الموتُ إليكِ وأنتِ مَعي، وكيفَ تدركُني الجوائحُ، وأنتِ نجمةُ جوائحي، وحَتفُ نَوائحِي، وشَجنُ أيامْي المثقلاتِ بالمَطر، قلتُ لكِ، جائحَتي أنتِ وأنتِ الملاكْ، وكلُّ النساءِ بعدكِ جوائحٌ وهَلاكْ....

***

عبد الجبار الجبوري

الموصل- أيام جائحة كورونا

 

 

امين صباح كبةآرقني شوق غلب، وقلب قُلّب، فقد عُدتُ هوىً أعشوشب قبره، وأزهر قفره، فحللت بوادٍ تهيم فيه الأوهام، وتدور الأفكار فيه دوران المستهام، قد ناجتني أرضه بأن أعود، ورمت لي حبائل الوعود، فلمّا سرت مقتفيًا آثاره، وأصغيته يوشوش أسراره.

قد طال السرى فيه وحار النظر، ورمقت بطرفي آفاقه، فتململت وقد خشخش النهار جيبه ورحل، واقتعدت أناجي بدره الذي حلّ، وقد آرقني عند قعودي انتظار الفرج، فتسليت باستذكار أغاني أبي الفرج، فلما أعياني طول الأمد، وحصحصة الكمد، وانحسار الأمل وبلوغ الأجل أنشدت:

 (خيرُ الجمال هو الجمالُ المحتمل

والنقص أشبه بالكمال من الكمال

وربّ قولٍ عندما نقص اكتمل).

ولمّا خنقتني أبخرة النعاس، نمت حتى بلغ الليل غايته، وروى الفجرُ روايته، واستيقظت على غبار ورماد، فاستعذت برب العباد، وبقيت محتارًا حتى (أشرقني الخجل بريقه، وأرهقني المكان بضيقه)؛ وسرت بلا هدىً وسمعت أحدهم يصيح:لا تستعجل (فالأمور مرهونةٌ بأوقاتها)، وأنشد:

 (كم طالبٍ من جهله للمطلبِ

يدفعه مطلبه للعطبِ).

وأقبل ومعه جمع من الناس وهم يلطمون على رؤوسهم وقد نسج الأجل منهم ثوب الكفن قالوا:اللهم أعمر بعودتها بلادك، واحم بها عبادك، وأنعم علينا بطلعتها الرشيدة، وغرّتها الحميدة.

فقد حرمنا منها زمن أعمى، وتاريخٌ معمّى.

ثم صاحوا ورتلوا مجتمعين قوله (فانتظروا إنّي معكم من المنتظرين).

الشمس تمارس مهنتها بضجر، والسماء بنفسجية، والكلمات هنا تشعر بالشيخوخة، الكمنجات تعزف، ومن رنين صوتها تشعر أنها مرتاحة، والكل يردد بخشوع:يا راوي القفر بعد الجفاف، ويا مخلّصنا من السنين العجاف، كحّل انظارنا بظهور إيلاف.

ثم التفّوا حولي وقالوا: أيّة نارٍ شببت في قلبك إذ شببّت؟، وإلى أيّ أرضٍ نسبت نفسك حين نسّبت؟، دأبك ترديد الغناء، وتضمين نفاثات الشعراء، هائما على وجهك، راكبًا رأسك، لاهيًا عن كتبك وأطراسك، مشغولا عن أهلك وناسك وأنشدوا:

 (دعنا نصفق لانهيارك وانكسارك

هل أنت حرٌ هل سعيد في حصارك؟

سجنتك تمثالًا بدارك

دعنا نبارك).

ثم خاطبني أحدهم وهو ملثّمٌ على فرسه كأنّي غريبٌ عن المكان وقال:يا صاحب المقامات، لقد صحبتُ طويلًا رجالات قومك، وخيالات نومك، وكلّ مَن عاش وعمّر، وكلُّ من احتضَر واختَضر، أنا سمير السمّار، وحاصد الأعمار، (سيانٌ عندي شيخ القوم وشرخها، وشكلان عندي قشعم الطير وفرخها).

ثم هبط من على فرسه، وقبض قبضة من تراب الوادي وأرخى كفّه فتساقط بعض منه وقال: هذا ما بقي من عمرك.

وتركني للجمع وهم يتفحصونني بعيونهم القلقة فأجبتهم:

 (لستُ ضئيلًا لا ولا غير أبي

ولا فقيرًا أو هزيل النسبِ).

وهمس أحدهم بأذني: (تحدَّثْ إليها كما يتحدَّثُ نايٌ إلى وَتَرٍ خائفٍ في الكمانِ

كأنكما شاهدانِ على ما يُعِدُّ غَدٌ لكما

وانتظرها).

٢

صحبت همًا لا ينهضني حاله، ودعوت الله أن يدلّني مقاله، فلما واجهت مع القوم الأقدار، ورجوت منه حسن الأختيار، فقد كان قلبي محشوًا بصور الأثار، مزدحمًا بالهموم والأفكار، مشغولًا عن الواجبات والأذكار، ولمّا كانت (الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له)، فقد حفرنا ذكرى إيلافنا في الصدور، وانشغلنا بشؤوننا لساعة الظهور،

وقد شكونا الله عصرًا اتسعت آماده، وقلّت أمداده، وازداد أوغاده، فقد عشنا صنوف المظالم، فابتلهنا بالشهور الكرائم

 (وجئنا وقد ساق الولاء قوافلًا

بكل بقاع الأرض كل العوالم).

ولا نملك عدة غير الدعاء، ولا حيلة إلا البكاء، ولا أملًا إلا الرجاء، وتباكينا وتشاكينا على ما نلناه من هزائم، وعلى ما فقدناه من شيمٍ ومكارم، و على دَيننا لديننا (فإن ضياع الدين عيشُ البهائم)، ولمّا كان (ورود الإمداد، بحسب الاستعداد، وشروق الأنوار، على حسب صفاء الأسرار)، فقد ثرنا وأصلحنا، فلمّا أُلهِمنا الوصول، وخرج القوم وقد جمعوا بين البأس والندى، وداوروا بين الحياة والردى، وجرت على الأرض دماؤهم حتى تخضّبت وأحمرّت، وتساقطوا واحدا تلو الآخر حتى امتلأ الوادي بجثثهم ورؤوسهم المقطوعة، فانحسر الأمل، وازادد الوجل، وعمّ الوباء فقطف من بقي حيًا منهم، وتكسّرت الكمنجات، وانحسر لحنها، وحجّ الأطفالُ إلى القبور، وصفّرت أرض الوادي من الخواء، فلما شهدتُ حوادثه وبكيت، حفرت قبري وكتبت على شاهدته وغنيت:

 (وبرجع تاني وأقولك ريّحني الله يخليك

عشان المركب تقدر تمشي بيّا وبيك

ماتفوتنيش أنا وحدي . أفضل أحايل فيك

ماتخليش الدنيا تلعب.. بيا وبيك

خلي شوية عليّا.. وخلي شوية عليك).

٣

قالوا :ياغاية النهاية، ويا صاحب العناية، يا غافر الزلّات، ويا مقيل العثرات، ويا كاشف الكربات، ويا مجيب الدعوات، قد شقّ الخوف قلوبنا، وقطّع الهلع أنفاسنا، حررنا من رقِّ الآثار، وحكم الأغيار، وأورد علينا من فضائل نعمك، وأخرجنا من سجن وجودنا إلى فضاء شهودنا*، وأسبغ علينا بظهور النور، لتبرد النار التي في الصدور .

فلما شاهدوا نورها وقد رنا نحوهم، مسّهم طيف جمالها، فانفجر البرق، وتخثرت العتمة، وألفوها متلألأة في الظلمات، فلما هبطت وسارت بينهم ؛استقبلوها بالطبول، والمشاعل، والرايات والأغاني، والأهازيج.

قالوا: ظهرت من تبرأ السقم وتفني الهموم، لتعيد الناكب إلى الطريق الموسوم؛ فترجع لأغانينا صداها، وتروي أرضنا وتخلصها من صداها، فلما غفل جمع القوم وتلاهى، أخرج صاحبهم أحاديثه وتلاها؛فهزت كتفيها ونظرت إليه وإليهم بإشفاق ورحلت.

 

أمين صباح كُبّة

...................... 

* الأصل في الحكم العطائية (أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك، إلى فضاء وجودك. وسجن وجوده هو سجنه لنفسه مراعاة لحظّه، وفضاء شهوده: أن يغيب عن ذلك بشهود عظمة الله، ورؤية قيام حركاته وسكناته به)