 نصوص أدبية

الشعر لمح

 نور الدين صمود(1) ثلاثيات

الغنيُّ الفقير

 

الشعر مصدر إشهارٍ لصاحبه

                   لكنـه في ذويـه غيرُ مشْتَـهِرِ

هو الغنيُّ بما قد صاغ من دررٍ

                   لكنه ليس ذا تـبـرٍ  ولا دُرَرِ:

هو الغنيُّ عن التعريف، مفتقـرٌ

                   لبعض مالٍ ليحيا غيرَ مفتقِـرِ

*

النعيب والنحيب

"قَضَى" صاحبي، في عالَمِ الشعر، عُمْـرَهُ

فصــــاغَ عُقودًا مثلَ دُرٍّ مُنظَّــــــــــــــــمِ

 

ولمــــــا "قَضَى"، ناحتْ عليــهِ جمــاعَةٌ

فلاحــــــــوا كبومٍ فوق قصرٍ مُهَــــــــدَّمِ

 

وأسكتَني الحُــــــــزنُ العمـيقُ فلـمْ أقُــلْ

فقلبي عليه مثـلُ كُـــــــــــــــوبٍ مُهَشَّمِ

*

النهر والشاعر

إذا لم يصبَّ النهر في البحر دائمًا

                       فليْس جديرا أنْ يُـلَـقّـَبَ بالـنَّـهْرِ

كذا الشاعرُ الخلاق، إنْ لم يكنْ له

           دَوِيٌّ، بأقصى الشرق والغربِ، ذو سحْر..

فَـما شِعْرهُ إلا وُعودٌ كَواذبٌ

                    وإيماضُ بـرْقٍ لَـيس يُختَمُ بالقَطْـرِ

*

عبء الشهرة

إنّ اِسْـمي قد صار أكبرَ مني

                     فهْـو عِـبءٌ يَهُـدُّ مني القَـوامَا

أسكرتني أمجادهُ، وهيَ وهـمٌ

                     ومتى كانتِ الظُّــنونُ دِعـامَا

إنّ قلبي تجِـيشُ فيـه المعانـي

                 غيـر أنِّ اخـتصرتُ فيه الكلامَا

                                                

 *                          

قال فقلت

تطاولَ البعضُ حتى قال قائلهـــــم  

قولاً تعاظَمَ فيـه سيـدُ الشُّعَــــــــرا:

 

- "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي"   

- (فلم يجد فيه شيئا يلفتُ النّظـَرَا)

 

- "وأسمعتْ كلماتي من به صمـمٌ "      

- (فسدَّ أُذْنَـيْــــه عما قلتَه وجرَى)

 *

 (2)  رباعيات

قال فقلت

شَطَّرْتُ بيتَ إمامِ الشِّعْرِ، في فئةٍ

                وهْوَ المُقَــدَّمُ فيـه، المُفْرَد العَلَمُ:

"أ غايةُ الدينِ أنْ تُحْفُوا شوارِبكُــمْ"؟

                وتُطلِقوها لِحًى يَعْـيا بها الجَـلَمُ؟

فصرتمو كقُــرودٍ أضحكتْ أُمَمًـا

          "يا أُمَّـةً ضحكتْ، من جهلِها، الأُمَمُ"

أبا المُحَسَّدِ عفوًا إنَّ شعركَ فـي

          شعرِي، يلوحُ كلمعِ البرقِ في الظُّلَمِ

*

كلمةُ حقّ...

أكملتُ قولَ دَعِيٍّ راحَ مفتـخِرَا   

                     بشِعْره، منْشِدًا شعرٌا قـدِ اشتُهِـرَ:

- (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي)

                     - فلم يَجِدْ فيه شيئا يلـْفتُ النَّظـَرَا

- (وأسمعَتْ كلماتي مَنْ بهِ صمَمٌ)

                       - فَسَـدَّ أُذْنَيْهِ عَمَّا قُلْتـَهُ وجـَرى

إني لأرجو من "الكوفي" معذرةً

                في عالَمِ الشِّعرِ، إنْ شوّهتُ ما ذَكَرَا

*

سرب الحمام

 قل لسـرب الحمام في الجــوِّ حلـِّقْ

                          أنتَ في عالـَم المشاعِـر مطـلـَقْ

ولـْتطرْ في رفارف الشعر واحملْ

                        شوق قلبي لمَـن أُحِــبُّ وأَعــشَـقْ

وأْتِـني مـن خيالها بقصيــدٍ

                        واسكبِ الشعر في دمائي ورقرقْ                   

وتأمَّـل في صمتِـها، فهْو شعـرٌ

                        إنّ صمتَ الحِسانِ بالشعر ينطِـقْ                              

 ***

نورالدين صمود

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الدكتور الشاعر نور الدين صمود
للّه درّك في هذه اللّمع الشعريّة / الحكميّة التي تبهر القاريء الناظر المتأمّل المتذوّق بعمقها وسدادها وطرافتها وفرادتها ..إنه قلب الشاعر ذلك الكون القائم الماثل العجب العجاب ..
هو الغنيُّ عن التعريف، مفتقـرٌ
لبعض مالٍ ليحيا غيرَ مفتقِـرِ
أعادني بيتك أعلاه إلى واقعة ذكرها ألبير كامو في بعض كتبه وهو الذي نشأ يتيم الأب تربّيه أمّ من أصول إسبانيّة تشتغل معينة منزليّة لتعوله وشقيقا له يكبره بسنتين وكانت كسمة الأرامل في تربية أبنائهن شديدات الحذر والخوف عليهم والاحتراس خوفا على الفلذات وهم في ضعف الطفولة وهشاشتها وسط عالم لا يرحم البراءة وإن كان يخشى القوّة والبأس ..وكما يعبّر عن ذلك التونسيّون (تربية هجّالة)..كانت هذه الأم وقد ترمّلت شابة توصي ولديها قبل مغادرة البيت بتجنّب هؤلاء الذين يبدو عليهم التشرّد وسوء الهيئة..فلا يحادثونهم ولا يلتفتون إليهم ولا يلبّونهم إن هم دعوهم خوفا من أن يكونوا من الفعلة الباحثين عن ضحاياهم الضعفاء ..ذات نزهة وبعد أن كرّرت الوصايا على مسامع ولديها ..نزلت من شقتها بمدينة وهران الجزائريّة بصحبتهم وما أن خطوا خطوات حتى اعترضهم رجل فرنسيّ زائغ البصر يلبس معطفا قديما يشبه تلك المعاطف العسكرية التي كان يلبسها ستالين ..وقد نما شعر ذقنه وظهرت قارورة الخمر أعلى جيب معطفه الرثّ ..بعد أن حيّاها لم تكتف بردّ تحيّته بحرارة بل وقبّلت يده وسألته عن صحّته وأحواله أمام تعجّب ولديها واستغرابهم .. بعد أن ابتعد الرجل سألها ألبير في ذلك معتبرا أنها تعمل عكس ما توصيهم به ..فأجابته قائلة : لكل قاعدة استثناء وهذا الرجل الذي رأيتم هو استثناء القاعدة ..إنه شاعر وكان صديقا حميما لوالدكم ..لا تنظروا إلى هيئته المتواضعة ولكن انظروا إلى قلبه المفعم بالإحساس والمعنى والأشعار ..استوعب الطفلان الدرس و لعلّ أحدهما تحصّل بذلك وبغيره على نوبل للآداب.. ولم يمنعه يتمه ولا فقره من ذلك بعد أن استكمل عدّة الإبداع ..تذكرت تلك الطرفة التي رويتها لي عندما قابلت الطاهرالخميري أول مرة أمام مبنى المسرح البلدي بتونس وكان همزة الوصل بينكما البشير العريبي ..عندما قال : لأول مرة ألتقي شاعرا أنيقا جميلا معطارا..وكأن التشرّد والفقر والهامشيّة قدر الشعراء ..إلا من رحم ربّك ..
دمت بلحظة إبداع ممتدة ودمت شاعرا أنيقا سامقا بقلب كبير
محبتي

محسن العوني
This comment was minimized by the moderator on the site

صباح الخير يا محسنْ ء ويا مَــن دائمًا يُــحـسِــنْ
كــتبتَ االيـومَ تعليــقــا * على شعر ي، فما أحسن !
وما أبهى وما أشهَـــى وما أبهَـى وما أثـــمـــنْ
وأما إشارتك إلى وجوده مع شقيقه وأمه في وهران فيوحي بأنها مسقط رأسه والحقيقة أنه من مواليد وهران وأعتقد أنه مولود في تيبازا على شاطئ البحر المتوسط بالجزائر فما الحقيقة في ذلك؟ وتقبل أطيب التحيات واالسلام
جمعنا الله بك هنا أو هناك والسلام ن ص

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 7 اشهر بواسطة admin نور الدين صمود
This comment was minimized by the moderator on the site

شاعرنا الأستاذ نور ..تحية متجددة
ولد ألبير كامو في مندوفي Mondovi قريبا من عنابة (بونه سابقا ) / 1913 وتوفي على إثر حادث سير في فيل بلوفان Villeblevin بفرنسا 1960 وكان برفقة غاليمار ناشر أعماله ومعهما زوجتاهما ..توفي غاليمار على التوّ بينما توفي كامو بعد ربع ىساعة ونجت الزوجتان فقد كانتا تجلسان في المقاعد الخلفية لسيارة الناشر وهي من نوع دييس ملكة الطريق كما كان يطلق عليها في فرنسا والتي كان يستقلّها رؤساء فرنسا La DS, la reine de la route....أذكر أني كنت كتبت بعض الصفحات في مشروع مقال عن اليهوديّان ألبير ممّي وألبير كامو الأول تونسي من أهل البلد كان أستاذا للفلسفة باللّيسيه كارنو بتونس العاصمة قبالة المعهد العالي للموسيقى حيث درّست أستاذ نور بينما كان الثاني مهاجرا فرنسيا من هؤلاء الذين جذبهم المشروع الاستعماري الاستيطاني وفرص الإثراء على حساب أهل البلاد وكان والده معمّرا وفلاّحا صغيرا توفي مخلفا ولدان الأكبر أربع سنوات والأصغر سنتان وهو ألبير..أذكر أني اقتنيت نسخة جديدة من آخر رواية / سيرة ذاتية كتبها كامو ووجدوا مخطوطتها في محفظة كانت معه وقت الحادث المريع ..من نهج الدبّاغين بتونس الشبيه بشارع المتنبي ببغداد..عنوان الرواية / السيرة الذاتية " الرجل الأول" وهي غير مكتملة نشرتها ابنته بعد وفاته العام 1994 وصدرت عن دار غاليمار Le Premier Homme (Gallimard, 1994 ; publié par sa fille), roman inachevé خصصها للحديث عن الوجع الذي خلّفه غياب الأب في حياته ..كم من العبر في تاريخ المنطقة المغاربية قديما وحديثا ..قيمة التاريخ ما نحن عليه بالضبط ..وهو علم شريف جمّ الفوائد ..كما قال علاّمتنا ابن خلدون ..دمت مبدعا

محسن العوني
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ محسن السلام علبكم وشكرا على البحث المعمق في التعريف بفيلسوف العبث وبعد فعندما كنت في مدينة تيبازا قال لنا أحد سكانها إن ألبير كامو مولود بها فهل كان من الكاذببن؟
والرجاء أن نلتقي أو أن نتهاتف مع أحبابنا والسلام ن ص

نورالدين صمود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4506 المصادف: 2019-01-06 11:50:14