 نصوص أدبية

الأمير المقدس (7)

سليم الحسنيكان مزاج الأمير معروفاً لمن حوله، فأزالوا من رؤوسهم أشياءً كثيرة، وحشوها بأشياء كثيرة، لم يكن لديهم غير ذلك لينالوا رضاه، أو يرحلوا. وكيف يرحل عاشق المجد عن عالم الأوهام؟

ظنّوا أنهم بالخضوع لمزاجه المتقلب، سيقتربون منه، فتنافسوا على الانصياع، يسبق بعضهم بعضاً في رجيم الكرامة، ويُسرع المُتعجّل منهم الى إزالتها طبقة طبقة، كأنها قشور بصل.. هكذا تتحول عندهم أغلى جوهرة الى رأس من البصل الرخيص.

نال قسم منهم الحظوة عنده، جالسوه كتفاً بقدم، ساروا خلفه يطأطئون رؤوسهم خشية أن يلتفت إليهم فجأة، فيرى رقابهم مستقيمة. ومن رعب هواجسهم، اعتادوا النوم برقاب مطوية، فقد يراهم الأمير في منامه، فيغضب، وغضبه مقدّس تلحقه اللعنة والطرد من جنّة رضاه.

قال أحدهم:

ـ إن اردتم الحظوة عنده، تعلّموا صنع الأقنان، ناموا بها أربعين ليلة، ومن يفعل ذلك، يقترب منه خطوة. ولا تنسوا رجيم الكرامة، لقد جربّه كل الذين حوله، أما ترونهم حين يسير يتزاحمون خلفه فلا يطردهم؟

شحّت الأقنان من المدينة، لكن كثر الدجاج.

كان أهل الحظوة عنده، هم كبار الحاشية، منزلة لا يُلقّاها إلا من دخل بعض كهوفه، وقرأ في ظلامها الدامس رموزه المرسومة على جدرانها. فالأمير يكتب سطوره على ملامح وجهه، فمن يقرأها يدنيه من مقعده.

والأمير لا يفصح عن رغباته بالكلام، لقد جعل لسانه في عينيه، فمن يسمعه، يفز بشيء من رضاه، ويقرأ عليه قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) وعند ذاك يعرف أنه نال رتبة القرب....

استبدل بعضهم عمامته بأخرى من قماش مغشوش، قالوا إن الأولى لا يهواها الأمير، يرى في سوادها ما يذّكره بالمعلم الأول، ويرى في بياضها ما يذكّره بالشيخ القتيل، فاستبدلوا عمائمهم بما يريحه، ويهدئ مزاجه، ويطمس الألوان المذبوحة.

لقد عرفوا ذلك من سنوات الفتنة الكبرى، حين أزعجته عمامة العامليين. وتيقنوا أكثر حين لمسوا نار غضبه يشعل المدينة القديمة لعودة رجل أحبه المعلم الأول. وهو الذي أقسم بالحقد صادقاً أن يزيلهم من المدينة وبحرها. وكانت حاشيته تبتهل له بالنجاح والفوز، يدعون له في سرّهم وعلانيتهم، فلقد انتهى عصر المعلم الأول، وجاءت أساطيل ما وراء البحار.

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4543 المصادف: 2019-02-12 09:16:53