 نصوص أدبية

الحسناء والكلب

صحيفة المثقفمن عدسة بابي ارقب خطواتها المغناج، تسكن في الشقة المواجهة لي تماما، يفصلنا ممر بطول عشرة أمتار، كنت أميز عطرها من على بعد كبير حين تدلف من باب العمارة التي نقطن فيها بعد تجوالها اليومي مع كلبها، كنت استرق السمع لوقع خطواتها على السلم فأهرع بأتجاه عدسة الباب لاتأملها وهي تقطع الممر الفاصل بيننا متموجة بخطواتها التي طالما دكت قلبي دكا فتنتابني حالة من الدوار اللذيذ، كانت تعرف بفطنتها الأنثوية من اني اقف دائما عند عدسة الباب فترشقني بأبتسامة وهي تغلق خلفها باب شقتها .

كم هي ساحرة هذه المرأة وكم هي قادرة ان تسلب قلوب الرجال واستطرد مع نفسي، ترى اي نوع من الرجال قادر ان يكبح جماح هذه المرأة الشاهقة . ذات يوم فتح بابها فهرعت كعادتي بأتجاه عدسة الباب، كانت تقطع الممر الفاصل بيننا بخطى واثقة حافية القدمين وكأنها تتجه صوبي بينما كان كلبها يقف عند الباب ينظر إليها متمعنا واذا بها تطرق بابي، تيبست اطرافي في مكانها اشحت بعيني عن عدسة الباب بعد أن قطعت أنفاسي تماما، عاودت الطرق ثانية وبصوت خفيض قالت، اعرف من انك تقف خلف الباب لقد جئت لادعوك لشرب القهوة معي لقد أعددتها للتو، انا بأنتظارك ثم عادت إدراجها .

صعقت وانا اعيد وقع كلماتها في أذني ثانية وبسرعة فائقة ارتديت اجمل ثيابي، انطلقت نحوها مرتعش الاوصال لأجدها واقفة عند الباب بأنتظاري .

تفضل بالدخول وأشارت لي بالجلوس على كنبة وثيرة بنية اللون كلون كلبها تماما، استأذنت بالذهاب لإحضار القهوة بينما بقي كلبها يجلس أمامي يرمقني بنظرات تحد لم أستطع تفسيرها، بعد برهة قصيرة عادت تحمل أقداح القهوة ناولتني أحدها لتأخذ هي الآخر بعد أن جلست بجواري، كانت قريبة جدا من حتى اني كنت اسمع أنفاسها صعودا ونزولا، كان يبدو عليها الارتباك وهذا ما اشاع الفرح بداخلي من انها لا محال قد وقعت في شباكي، أوشكت على شرب قهوتي لكني بدأت احس بثقل رأسي حتى ان اكتافي بدت عاجزة على حمله ثم بدأ الخدر يدب في اطرافي حتى عدت غير قادرا على تحريك اي طرف منها لكني جاهدا أبقيت عيني مفتوحتين لأرى ما عساه أن يحدث لي وبأبتسامة ماكرة أومأت لكلبها برأسها فركض هذا بأتجاه مكان ما ليعود جارا ورائه حبلا قابضا عليه بأنيابه، تناولته وبدأت توثق يدي ثم رجلي وانا أشاهد كل هذا عاجزا عن فعل اي شيئ، انتهت من تكبيلي بأحكام ثم أومأت لكلبها من جديد ليركض هذا بأتجاه المطبخ هذه المرة عائدا بعد قليل قابضا بأنيابه على سكين ذات نصل طويل تناولته حسنائي وبصوت مرتجف قالت خذ هذا يا جميلي واذا بطعنة في بطني، عاليا صرخت لكن صوتي ظل حبيسا في فمي، صرخت ثانية لكن صوتي لم يتحرر أبدا، استمرت في شق بطني واخذت بتقطيع أعضائي رامية اياهم لكلبها الذي انهمك بأكلهم بلذة فائقة وهو ينظر لي منتشيا بما تفعله سيدته .

كنت ارقب كل شيئ بيأس مطلق أما حسنائي فما زالت تلقي بأجزائي لكلبها الذي غدى أكثر وحشية وهو يلتهمني، لم يبق إلا القليل قالت، سوى قلبك الذي اوهمك الوصول لي واذا بها تشق طريقها بأتجاهه وحينها صرخت صرخة مدوية اهتزت لها كل أركان المكان ثم سقطت ارضا، وإذ بي اسمع طرقا شديدا على الباب ركضت اتجاهه وفتحته، كانت هناك جمهرة من القاطنين في المبنى هرعوا فزعين إثر تلك الصرخة المدوية، قاتلتي كانت ضمنهم تقف مأخوذة بالمشهد حافية القدمين، هرعت مسرعة مع الآخرين بملابس نومها تضع شالا على كتفيها العاريين يقف خلفها كلبها مستطلعا الحدث بذهول، لا شيئ فعذرا، عذرا لكم ثم اقتربت منها جاثيا على ركبتي رافعا رأسي نحوها آه، آه منك يا قاتلتي الحسناء ...

 

شفق ريحاني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شفق الريحاني المبدع سرداً و شعرا
ودّاً ودّا

قصة جميلة , في سردها شاعرية ورشاقة , وقد جاءت خاتمتها شعريةً
بامتياز .
خطر في بالي سؤال : تُرى ماذا لو كتب سارد هذه القصة على شكل
قصيدة نثر ؟
أظن ان مثل هذه الفكرة تنجح كقصة كما هي عليه الآن إذا انخرط كاتبها
في معالجة الفكرة معالجةً تصاعدية ذات بدايةٍ ومتن ٍ وخاتمةٍ بمعنى أنْ
يتصدى الوعي متسلحاً بشيء من الخيال لخلق بنية مستعيناً بالسرد .
ولكنها قصة شاعرية وسردها إيهامي كالسرد في القصيدة وليس سرداً إخبارياً
وهذه هي الشعرية كما يجب ان تكون في السرد إذا رغب السارد في ذلك ووجد
ان موضوعه بحاجة الى هذا التلوين الشعري , أمّا الشعرية المصطنعة فهي
الإنغماس في تقليد الشعر داخل القصة واختلاق جملة محض شعرية وحشرها
في المتن السردي دون مبرر بنائي لوجودها , شعرية القصة في رشاقة فكرتها
وفي فنتازية الحدث فيها وليس في العناية بالمفردة كشيء مطلوب لذاته كما هو الحال
في القصيدة .

عاملَ شفق أعضاء الجسد معاملة العاقل وهذا خروج عن القاعدة :
أخذت بتقطيع أعضائي راميةً إياهم : إياها أو بها .
الذي انهمك بأكلهم : بأكلها .
وملاحظة أخرى : حتى عدت غير قادراً : غير قادرٍ .
قرأت لشفق قصائد نثر وها أنا أقرأ له سرداً جميلاً , شفق إذن يحلّق بجناحين :
جناح السرد وجناح الشعر .
دمت في صحة وإبداع يا الريحاني .

This comment was minimized by the moderator on the site

يسعدني مرورك الجميل والمميز وبتسليطك الضوء الفاحص والناقد والكاشف لمواطن الخطأ ومقوما له بالعين الثاقبة الشاعر المبدع والناقد الجميل جمال مصطفى ، دمت بخير و بأحسن حال . مودتي .

شفق

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4543 المصادف: 2019-02-12 09:20:33