 نصوص أدبية

في محل والدي

صحيفة المثقفكثيرون هم الذين كانوا يأتون الى محل والدي، ليس فقط زبائن دائميين أوعابري سبيل، بل وايضا اصدقاء وجيران من المحلة التي نسكن فيها، يقضون أوقاتهم في الأحاديث وتبادل المعلومات والآراء. منهم من يرتدي العقال والدشداشة، وهم أكثرية، ومنهم من يرتدي البنطال والسترة، بعضهم يأتون مهندمين بربطة عنق عريضة وطويلة، مختلفة الألوان. مما يبدو انهم موظفون في دوائر الدولة، او معلّمون، هؤلاء يلقبونهم في مدينتنا بالأفندية. وكنت اتسائل في سري:

- لماذا  يخنق هؤلاء انفسهم  بهذه القطعة من القماش؟      

كما يأتي احيانا الى المحل، اشخاص، يرتدون ملابس لم تكن مألوفة، على الاقل بالنسبة لي، فأنا لم ار مثلها سابقاً، فبدلاً عن العقال يضعون على رؤسهم كوفية مكورة، وبدلاً عن الدشداشة يرتدون سروال عريض من الخصر حتى الركبة ثم يبدأ بالتقلص عند القدم، ويتكلمون بلغات ولهجات مختلفة عن اللهجة التي نتحدث بها نحن في مدينتنا. مرة واحدة اتذكر جاء رجل يرتدي قبعة تشبه قارباً مقلوباً، عرفت فيما بعد انها تسمى سدارة، وأن اكثر من يرتديها هم اهل بغداد.  ولهذا الرجل حكاية سأرويها لكم لاحقاً، اذ لها علاقة بمجريات أمور البلد السياسية والاجتماعية ...الخ. 

 اغلب الرجال الذين يأتون الى المحل، لديهم شوارب كثيفة، او خفيفة، تتجمع تحت ارنبة الأنف، أو على امتداد الشفة العليا، بعضهم ملتحون والبعض الآخر حالقوا الذقن.

لكن احد الاشخاص الذين يترددون على محل والدي وبفترات متباعده هو شيخ حسين، اعرفه لأنه قريب لعائلتنا، ولكن من بعيد، من اطراف العائلة. كان هذا الرجل، وهو شاب ربما يكبرني بعشر سنوات، أو أكثر بقليل، وسبب عدم وجوده الدائم في المدينه هو سفره للدارسة في النجف، في مدرسة تسمى الحوزة. هو متدين، يطلق لحية كثيفة، ويلف على رأسه عمامة بيضاء اللون. اتذكره انه كان محبوبا من قبل ابناء المدينة، خلوقاً وبشوشاً لاتفارقه الابتسامة، ابداً. لم يكن متزمتاً، كما سمعت من احاديث الناس عنه، ان اغلب اصدقائة ليسوا متدينين، فهم لا يؤدون الصلاة وماشابه من الطقوس الدينية، حتى أن بعضهم يشربون الخمر، يبتعاونه من الدكان الصغير الوحيد في المدينة، قرب الشط، وكان هو يحاول تقديم النصائح لهم بضرورة الالتزام بمبادئ الإسلام في الصلاة والصوم ...الخ، ثم يختتم حديثه دون ان يتخلى عن الابتسامة بجملة "الله يشهد انني بلغت" ثم تستمر جلسات السمر مع اصدقائة.

كان جلاّس المحل يقضون اوقات فراغهم في تبادل اخبار المدينة وما يدور في اسواقها، وخلف ابوابها المغلقة، لكن كثيراً ما يكون للوضع السياسي في البلاد مساحة كبيرة من تلك النقاشات، وفي بعض الأحايين تعبر النقاشات في الامور السياسية حدود البلاد الى بلدان اخرى.

- مدينتا ورغم صغرها وقلة عدد نفوسها، لها تاريخ سياسي مهم، وماتذكره الكتب عنها قليل جداً.

هذا ما سمعته، لأول مرة، من أحد الجالسين، بينما اثنى آخر على هذا الكلام..

- اي والله يخوي ابوعمر لا عاب حلكك... تذكر ثورتنا بسنة الخمسه وثلاثين اشسوينا بالانجليز؟".

كان هذا الرجل ولا اتذكر اسمه الآن، يتحدث عن ثورة فلاحي المدينة عام 1935.

كنت كثيراً من الاوقات اجلس في المحل مجبراً، نزولاً عند رغبة ابي، بل بالأحرى هي أوامره التي يجب أن انفّذها كولد صالح. ولكن في بعض الحالات، والشهادة لله، يمنحني حرية اللعب مع اصدقائي، لبضع ساعات، خاصة ايام الجمعة، وهي عطلة المدرسة، والاثنين عطلة الحلاقين.

في أغلب الأحيان كنا نلعب في ساحة المدرسة.. كان الدخول اليها والخروج منها سهلاً، ونادراً ما كنا نستخدم الباب الرئيسي للمدرسة، حيث كانت مفتوحة من الجهة التي تقع فيها غرفة الصف الخامس، وهو الصف الأخير في مدرستنا، في تلك الفترة.. كان سياج المدرسة مهدّم وكأن هزة ارضية اصابت البناية، وباتت مفتوحة لاي كان الدخول اليها.

- صارت خان جغان، قال احد المعلمين ذات مرة.

اتذكر في إحدى المرات هرب ثور من المستوصف البيطري الملاصق للمدرسة ودخل الصف الخامس لاجئاً، لكنه خلق بلبلة وبث الرعب بين التلامذة الذين هربوا من الصف الذي أصبح حطاماً إذ كان مبنياً من القصب.

أكثر وسائل اللهو التي كنا نقضي فيها اوقات ما بعد المدرسة كانت لعبة كرة القدم. أنا كنت العب في اغلب المرات اما دفاع او يختاروني مراقب خط. لكننا كنا نلعب "الكعاب" و "الدعبل"، وغيرها. كانت المدرسة قريبة من بيوتنا، فنحن زملاء في المدرسة وجيران واصدقاء في المحلة. وكنت عندما أجد نفسي مجبراً على الجلوس في المحل، بعد المدرسة، احاول التهرب بحجج كثيرة، وفي بعض الاحيان كنت انسحب، بهدوء، دون أن يلحظ ابي خروجي من المحل، حيث يكون هو منهمكا في قص شعر زبون.

لكن حدث شئ ما، لا اتذكر تماماً ما هو، جعلني انشد الى الجلوس في المحل، فبعد أن كنت في البداية اشعر بالضجر، بدأت استمتع بأحاديث الجالسين. وخاصة ابي..

نعم، لقد تذكرت الآن، الشئ الذي جعلني أحب كثيراً الجلوس في المحل، فقد قرأنا في المدرسة قصة "الحلاق الثرثار".

كنت أتابع بنظراتي ابي وهو يحرك المقص مع المشط بالتوالي في شعر الزبون وباتجاهات مختلفة، وايقاع متواصل، وفي ذات الوقت يتحدث الى الآخرين، واقول في نفسي.." هنا بور آرثر وهنا انكسر كروباتكين وهنا انتصر يوهاما وهنا اندحر ..كنت اشعر بالخوف احيانا من ان ياخذ الحديث ابي ويلهيه عن عمله وهو يقص شعر الزبون، خاصة اذا كان يمسك بموسى الحلاقة، فتحدث الكارثة. كما في تلك القصة الخيالية للكاتب المصري احمد المنفلوطي، لكن لم يحصل شئ من هذا القبيل، فكل شئ كان تحت السيطرة. أو تحت موس الحلاق.

قصة الحلاق الثرثار تلك، كانت الطُعم الذي فتح شهيتي على القراءة بنهم.

مواقف واحداث كثيرة مرت وانا اتابعها واعيش تفاصيلها من خلال جلوسي في المحل، الا ان امرا واحدا ظل عالقاً في ذاكرتي بشكل راسخ، وهو حكاية احد اولئك الذين كانوا ياتون الى المحل لقضاء الوقت.

كان ذلك رجلاً في متوسط العمر، وعلى ما اتذكر يعمل موظفا في البلدية. كان هو الوحيد الذي يجلس مرتديا معطفا بياقة واقفة يغطي بها اذنيه. صحيح الطقس في الشتاء عندنا بارد جداً لكن هذا خارج المحل، واما في الداخل فهنالك "صوبة علاء الدين" التي تنشر في المحل حرارة تجعلني مضطرا لأتحرر من سترتي التي كنت ارتديها على دشداشة البازة المقلمة.

كنت اتابع حديث هذا الرجل الذي يبدأ رزيناً ينطق الكلمات والحروف وكأنه استاذ امام تلامذة، لكن وبعد برهة من الوقت، يبدأ حديثه يتباطئ، ويلوك الكلمات بطريقة لم افهمها، ثم تتهدل شفتيه ويظل ينطق مخارج الحروف بصعوبة شديدة.

في بداية الامر لم انتبه الى تلك الحالة فقد كنت مشغولاً بالاصغاء الى النقاشات التي كانت تدور على السنة الجالسين بشكل دائم، دون نقاط او فوارز، حتى بعد مجئ خلف القهوجي وهو يحمل صينية سطرت فوقها استكانات الشاي. فهم يواصلون الأحاديث مع ايقاعات الملاعق الصغيرة التي يحركون بها السكر الذي يحتل نصف الاستكان ويذوبونه بها في الشاي.

لا اريد الاسترسال بالوصف حتى لا افقد تسلسل الحدث في ذاكرتي، اعود الى حكاية الرجل. قلت اني لم اكن مهتماً به في البداية، لكن ما اثار انتباهي هو عندما كان يهم بمغادرة المحل، فهو ينهض من كرسيه بحذر وبطء كمن يحاول استرجاع توازنه. حسبته بادئ الامر يعاني من مرض ما، يجعله هكذا، وكدت ان اسأله ان كان يحتاج الى مساعدة، لكنني انتبهت الى  امر آخر انه كان بين فينة واخرى يخرج من جيب معطفه قطعة خيار يلوكها دون ان يسمع لها صوت وهو يطحنها بين اسنانه.. هذا الاكتشاف اثار فضولي اكثر وجعلني اتابع كل حركاته بإهتمام شديد..

في احدى المرات فطن الى انني انظر اليه فابتسم وطلب مني ان اجلب له ماء من الصنبور المنصوب في زاوية المحل:

- عمي ما تجيب لي أمّية يرحم موتاك.

- إي عمي صار.

حملت له كاس ماء بارد من الصنبور حيث أراد أن اتركه مفتوحا ليتخلص من الشوائب التي تأتي مع الماء عند فتحه ثم ينساب بارداً صافياً.. شكرني وكرع الكأس دفعة واحدة. في تلك اللحظة وبينما كان يرفع رأسه لارتشاف الماء رأيت امراً غريباً، شيئاً لم اعرف سبب وجوده. كان ذلك يشبه انبوبة رفيعة سوداء كما لو كانت سلكاً كهربائيا مقطوعاً ومفرغاً من محتواه، بانت من تحت اليشماغ الذي كان يلف به رأسه وعنقه. اردت ان اسأله عن ذلك الشئ، لكني لسبب ما لم افعل ذلك، فلربما اعتقدت انه مريض، وتلك الانبوبة من لوازم العلاج.. لكنني وعندما قلت لأبي ما شاهدت، ابتسم الوالد، بعد أن طرق يفكر، وكان قد اخذته الدهشة قليلاً بادئ الامر، ثم قال:

- هو يشرب دوه على شكل سائل، فقلت:

- يجوز، لكن ليش الخيارة كل ساع ياكل شوية منّهه؟

اجابني والابتسامة لاتفارقه.

- لأن الدوه اللي يشربه الرجل مر  ما ينجرع، فيحتاج الى شئ يزيل المرورة. 

 

طالب عبد الأمير

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4551 المصادف: 2019-02-20 06:08:19