 نصوص أدبية

أخجلُ من عروبتي !

عاطف الدرابسةقلت لها:

لا تحاولي أن تسرقي النَّدمَ من عينيَّ

أو من تفاصيلِ الجسد

فلن أحجبَ عن نفسي وعنكِ

خيبةَ الأمل !

*

كلَّ يومٍ أقتربُ من الحقيقةِ

كلمةً أو كلمتين

أحاولُ أن أُمسكَ بكلِّ الخيوطِ المجهولةِ

التي تُحرِّكُنا كالعرائسِ في مسرحِ الحياة !

*

لن أهربَ من هزائمِنا

لن أهربَ من أسرارِ عذابِنا

أو أسرارِ فسادِنا

لن أهربَ من جهلِنا

ومن حمقِ أحلامِنا

لن أهربَ من عينيكِ

حين كانت تنظرُ إليَّ باحتقارٍ

وهي تُفتِّشُ عن معاني الرُّجولةِ

أو البطولةِ

في ملامحِ وجهيَ المهزوم !

*

هل تعرفينَ ؟

لقد خلعتُ إرادتي على ذلك السَّريرِ

وتركتُ كرامتي تتألمُ على وسائدِ اللَّيل

وفقدتُ شهامتي على شواطئِ شفاهِ بناتِ اللَّيلِ

لم أعدْ أُتقنُ المشيَ واثقاً دونَ انحناء

لم أعدْ أجيدُ الغضبَ

لم أعدْ أُتقنُ لغةَ الثَّورةِ

أو فلسفةَ الرَّفض

باختصارٍ ..

 لم أعدْ أنا .. أنا !

كلُّ الدموعِ التي أذرفها

لا تُطهِّرُ إثماً واحداً من آثامي

فالغارقُ بالآثامِ لا يخشى الخطأ !

*

أخجلُ من عروبتي

وعينايَ لا ترى سوى امرأةٍ

بثوبِ نومٍ أحمرَ

وشعرٍ على الصدرٍ منثورٍ

وعطرٍ يفوحُ بالعبيرِ

وشفاهٍ بلونِ الكرزِ

أو بلونِ القرميد

وجسدٍ يفيضُ رغبةً

كموجِ البحورِ

وكأسٍ مُعتَّقةٍ

وسريرٍ في فندقٍ لا تَحدُّه النُّجومِ

وغرفةٍ مجنونةِ الألوانِ

مجنونةِ الشُّموع

ترقصُ فيها الأضواءُ

على الجدرانِ

كدوائرِ الماءِ

حين يتنزَّلُ عليها المطرُ !

*

أخجلُ من عروبتي

وعينايَ لا ترى

سوى وطنٍ من الغثيانِ

يضيعُ

يتبخَّرُ كالماءِ دون درجةِ الغليانِ

يتجمَّدُ على درجةِ حرارةٍ فوقَ الأربعين !

*

أخجلُ من عروبتي

وعينايَ ترى كالأعمى بلا عصا

أفكاراً مُستعادةً

أحلاماً مُنتهيةَ الصَّلاحيةِ

شباباً ينامُ على حافَّةِ اليأسِ

نساءً لا تلدُ إلا القهرِ

آااااه

ما أكثرَ البعوضَ في ليلِ وطني

لا أعلم :

هل الدَّمُ الذي يجري في شراييني يكفي ؟

*

أخجلُ من عروبتي

والكذبُ يتسلَّلُ إلى دماغي بتثاقلٍ

كأنَّه دودةٌ عجوزٌ

أو سلحفاةٌ عمياءُ

تشبهُ اقتصادَنا

وصوتٌ كاذبٌ يخطبُ في الحشودِ :

افتحوا كلَّ الأبوابِ

واتركوا البلادَ

تعبثُ بها أيادي الفساد !

افتحوا كلَّ المعابرِ

للعُهرِ وشياطينِ الاقتصاد !

افتحوا كلَّ المنافذِ

وكلَّ الأسواقِ للبيعِ والشراء !

فالأسعارُ هنا - كما علَّمنا حكماؤُنا الجهلاءُ - أرخصُ من التُّرابِ

فضاعَ كلُّ التراب !

آاااه

ما أفسدَ ثقافتَنا !

وما أغلى التُّراب !

***

د. عاطف الدرابسة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
انظر بأعجاب الى اسلوبيتكم الفكرية في ثنايا الشعر . في طرح القضايا الحساسة بكل شجاعة وجرأة . حقاً ان مخالب الواقع كثيرة لا تعد ولا تحصى , تدفع الى الانهزام والاحباط , والزمن مفتون بالفساد والجهل والغباء والهزائم . سوى البحث عن بطولات ايروسية في فراش المضاجعة . للبحث عن الرجولة الضائعة والمفقودة
لن أهربَ من هزائمِنا

لن أهربَ من أسرارِ عذابِنا

أو أسرارِ فسادِنا

لن أهربَ من جهلِنا

ومن حمقِ أحلامِنا

لن أهربَ من عينيكِ

حين كانت تنظرُ إليَّ باحتقارٍ

وهي تُفتِّشُ عن معاني الرُّجولةِ

أو البطولةِ
اقول اذا كنتم تخجلون من عروبتكم , فنحن نخجل من طائفتنا الدينية , في عقليتها الساذجة والغبية . لا ترى سوى الطفولة في ثوب احمر للنوم والمضاجعة , وبعمر تسع سنوات للزواج شرعاً . هذه العقلية العمياء والمتهورة والحمقاء , بحجة الدين والشريعة . انهم يقتلون الطفولة في مهدها
تحياتي لكم

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الألق د. عاطف الدرابسة
تحياتي العابقة بالود

فضاعَ كلُّ التراب !
أروع ما قرأت عن وجع الوطن. سيرجع الوطن لأهله أخي عاطف مهما طال الزمن. دمت بكل خير وصحة وأمان.

بالغ تقديري واحترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4552 المصادف: 2019-02-21 09:11:09