 نصوص أدبية

الأمير المقدس (16)

سليم الحسنيبلغ القلق بالأمير مبلغه، فالسطور على الجدران تزداد عدداً، وراح الناس يقرأونها على مهل، وتداولوا حال الأمير وما كان يخفيه عنهم، فغطى الهمّ وجهه وملابسه، وهجره النوم أياماً، كان يغمض عينيه ثم يفز كالملدوغ يسال خادمه، عن السطور هل زاد عددها أم تناقص؟

في جوف الليل، وقف في طرف الزقاق صبيّ ينفخ في بوق كبير من النحاس، يردد ترنيمة المجد الكاذب، هدأت نفس الأمير، نادى خادمة:

ـ من هذا المبوّق المحترف؟ لقد هدأتْ روحي بترنيمته، وخفّ عني القلق، لقد سمعتُ ترنيمة المجد الكاذب سنوات عديدة، فما وجدتُ مثل هذا يجيدها، كأنه من جبال قره داغ، بل هو أفضل منهم في عزفها.

استبشر الخادم خيراً بما سمعه، وأجاب:

ـ مولاي، إنه مطرود من رحمتك، لقد مَثُل بين يديك، فأغلظتَ له القول، وطردته عند حلول الفجر الصادق، ومن تطرده في هذا الوقت لا تصفح عنه أبداً.

غاص الأمير في رأسه، فكّر طويلاً، لقد عرف الصبي، وتذّكر قولاً كان يردده حين ينفخ في بوقه:

(بوقي نحاس تبريز وأجرتي من إبريز)

وتذّكر كيف كان يقف أمامه فيجلس عند قدميه يقرأ عليه قصائد الشاعر القديم الذي اشتهر بمدح الملوك والأمراء (قطران التبريزي) يُخرجها معسولة ممزوجة بروح مستعارة، ويزيد عليها نشيج المحزونين، ودمعة المعتاشين، فيجازيه الأمير بقطع من ذهب الإبريز، يلتقطها الصبيّ ويمضي مسروراً، وكان أكثر ما يسرّه رضا الأمير، يقول مع نفسه إن المال يأتي من هذا أو من ذاك، أما رضا الأمير فلا سبيل له إلا منه، وإن نالني رضاه تفتّحتْ الأبواب وتقرّبتُ من الأعيان، وصرتُ وجهاً من وجوه القوم.

أشار الأمير بطرف اصبعه، فهم الخادم أمره، فأسرع الى الصبي يبارك له رضا الأمير، وأن عليه أن يردّ المعروف بألف ألف ضعف.

دار الصبي ببوقه على البيوت، يدخلها واحداً تلو آخر، ينفخ بوقه بأشد ما فيه من قوة، ينشد بأعلى صوته انشودة المجد الكاذب، وراح يضيف عليها من عنده نغمة العاشق.

وكان كلما خرج من بيت وقف عند الباب يلعن كل من لا يحب الأمير، ثم يقول لأهل الدار: (اشهدوا لي عنده، فرضاه بركة في الدنيا، وما نحن من دونه سوى خشبٌ مسنّدة).

عاد الصبي ببوقه النحاسي الى بيت الأمير، طرق الباب ساعة أو ساعتين، توسل بالخادم أن يتشرف بلقاء الأمير، زجره الخادم بصوت سمعه أهل الزقاق:

ـ لقد صفح عنك الأمير، لكنك لم تحفظ عهده، ولم تصن نعمته، لقد قرأتَ الأشعار وحدها، ولم ترفقها بدعاء اللعنة الكبرى، أتخدم الأمير خدمة منقوصة؟ ادخل عليه وقبل الأرض بين يديه حتى يمنحك بركته.

خفض صوته بالجواب أمام الأمير:

ـ لقد نفختُ يا مولاي في البوق حتى انقطعتْ انفاسي، وقرأتُ أشعار الديوان كله، وزدتُ عليها من عندي، لقد حرّفتُ بعضها وأبدلتُ الأسماء بالأسماء، واختلقتُ الوقائع والحوادث، وأوقدتُ نار هذا لأحرق بها ذاك. ولو أردتني أن أدور على المدينة راكضاً حافياً أنفخ بوقي لما ترددت.

صمت الأمير برهة وهو يسمع توسلاته، ثم قال:

ـ سأنعم عليك باسم الشاعر القديم، فانت أفضل منه في مدح الأمراء، أنت قطران التبريزي وليس ذاك.

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4572 المصادف: 2019-03-13 08:06:45