 نصوص أدبية

الأمير المقدس (17)

سليم الحسنييقول الذين عرفوه، إنه لم يكن بهذا التكبر والطغيان، كان بسيطاً متواضعاً، يعرف طوله وعرضه، فلا يجلس إلا في مكانه، ولا يتكلم إلا بما يعنيه، يجيب على السؤال بجواب محدود الكلمات، ينتقيها بحذر شديد، فقد كان يرى ما حوله عالماً يضجّ بالمخاطر، فوراء الباب عيون تترصد، وللجدران آذان، وفي الطرقات شرطة سرية. كان يعتقد أن خروجه من بيته الى الدرس مغامرة كبيرة، فحين يعود يشكر الله ويحمده على نعمة السلامة.

لم يستخدم حقيبة كتب، إنما يحملها تحت أبطه، يكشف عناوينها، فلا مجال لاتهامه بأنه يحمل كتاباً ممنوعاً.

يستخدم أكياس النايلون الشفافة حين يتسوق، فكل شيء ظاهر لمن يراه، ولو لا الحياء لكشف عن جلبابه وهو يمشي حتى لا يظن الشرطي السرّي أنه يحمل سلاحاً أو سكيناً أو عصا.

كان هاجس الشرطي السرّي يرافقه ليل نهار، وهذا ما دعاه أن يجهر في قنوته قدر الإمكان، فهو لا يدعو إلا بالعافية، وكان يرهقه الدعاء، فهو يتخير أكثرها وضوحاً وبساطة في الكلمات.

وقد فكّر مرة أن يدعو في سرّه، لكنه طرد الفكرة، فربما يظنّ الشرطي السري أنه يدعو ضد الرئيس. ثم ندم على هذه الفكرة ندماً شديداً، فقد تكون للفكرة علامة على الوجه، وسيقرأها هذا الشرطي. قرر أن يجلس في بيته أربعين يوماً حتى تزول آثار الفكرة تماماً، لكنه ندم مرة ثانية بعد مضي أسبوع، فقد وجد أن انقطاعه عن الدرس قد يفهمه الرقيب احتجاجاً على السلطة، فلبس جلبابه وانطلق الى المسجد مسرعاً.

في الطريق تعمد أن يسعل سعالاً متواصلاً، ليوهم المارة بأنه كان مريضاً. غير أنه توقف عن السعال حين اجتاز بضعة أمتار، فقد هتف صوت بدخله:

ـ ما الذي تفعله؟ سيقولون إنها إشارات خفية لعمل مقصود. تصرّف كما أنت، لا تأت بجديد، إن الجديد يوقعك في ورطة.

واصل طريقه من غير سعال، لكنه ظل قلقاً على الأمتار الأولى، ماذا لو سأله الشرطي عن سبب توقف سعاله فجأة؟

تدارك الخطأ بنوبة من السعال المتواصل، هكذا يكون الأمر أفضل. ثم ضربته صفعة ندم غاضبة:

ـ ما الذي فعلته؟ إنك تعيد الخطأ مرة بعد أخرى.

سقط كتاب من يده، هذه فرصة نادرة، انظر من حولك لتستجلي الزقاق، فتعرف من سمع سعالك ومن لم يسمع.

كان الزقاق خالياً، يغطيه الصمت والهدوء، ازدادت مخاوفه، فهذا الرقيب يترصده بذكاء، يختفي بسرعة شبح ماهر، إنه ينظر الي الآن، أنا مكشوف أمامه، وكذلك افكاري وهواجسي، لقد أوقعت نفسي في فخه، أحاطني بشركه، سيضع القيد في يديّ، لقد مكّنته من نفسي باخطائي المتلاحقة. سأقسم له بأني مريض، أو أقسم له بأني لا أعرف سبب السعال، لقد دهمني فجأة، أو أقسم له بأني أخطأت عندما سعلت.

لفّته الحيرة من كل جانب، شعر بأنه من غير ساقين، سيسقط على الأرض، لابد أن يسقط، ما الذي يجعله واقفاً؟ أيكون الشرطي قد أمسكه؟ أتكون نظراته لها قوة خارقة تتحكم بطريدته؟ إنهم يملكون من الأسباب ما لا يحيط به عقل، نعم، فهذا الشرطي يمسكني، إنه يقف خلفي، هذه أصابعه الصلبة، أحسها تضعط عظامي، صرت في قبضته، لا مجال للهرب. سأعترف له بأني لم أكن مريضاً وأن سعالي كان خوفاً، ولن أعود لمثلها ثانية.

أحس بقبضة الشرطي صلبة على مؤخرة رأسه، ضربة موجعة، استدار ليتوسل اليه، كان جداراً قديماً يلتصق به، والزقاق خال من المارة، إنه يوم الجمعة، والوقت مبكر، لا زال الناس في بيوتهم، عبّ نفساً عميقاً وعاد الى بيته، يشعر بتعب اللحظات الصعبة، سجد شكراً لله على نعمة السلامة.

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4575 المصادف: 2019-03-16 10:45:26