 نصوص أدبية

صديقي الصغير

صحيفة المثقف..ألتقي به كل صباح على الساعة السابعة. يحمي رجليه بحذاء قاوم عناء السنين وصلابة الأرض. تستوطن جسده الصغير، ثياب واسعة، قد تكون لأبيه أو لأحد أبناء الجيران.جسمه لا يعرف الماء إلا نادرا. ومع ذلك يحتفظ ببياضه الناصع الجميل.وظل شعره الأصفر المثير للانتباه، يلمع مع كل إطلالة شمس. يحميه أحيانا إذا هاجمه المطر أو استقبله برد قارص يلسع الأبدان، بطاقية صغيرة تعلم أنها ملكا له. وربما هو الشيء الوحيد الذي يعتز بملكيته. له عينين رائعتين رغم إصابتهما بحول طفيف. ابتسامته تصل إلى قلبي وتدميه أكثر مما تفرحه. جميل في كل شيء كأنه يتحدى القدر الذي ألقى به في هذا المكان.

مكانه صغير مثله، أجده فيه عند بزوغ شمس كل صباح. قابع على كرسي من خشب وفي بعض المرات يستبدله بصندوق صغير متعدد الاستعمالات.يتكئ على حائط بجانبه، يترك رأسه يستريح ويتوه في عالمه بنظراته المتسائلة والحائرة.لما يسمع المناداة عليه، يقوم بخفة متناهية، يطيع الجميع دون قولة كلمة لا.

يلهو مع أصدقاء له في مثل سنه، عرفوه مثلي من كثرة جلوسه في ذلك المكان.يلعب بحرقة شديدة كأنه يعلم بقرب ساعة الحرمان المعتادة التي تدفعه للعمل وبيع السجائر. يكره الجلوس الطويل ومع ذلك يظل جالسا ويشارك الكبار عالمهم. ليست له ساعات متخصصة للنوم. عند العودة إلى بيته، يستقبله والده بالتهديد والمحاسبة. ويظل يقسم بإيمانه وصدقه، بأنه ظل جالسا لم يتحرك ولم يترك الصندوق، حتى يفلت من العقاب.

آلمتني حاله كثيرا. سألته مرة:

- لماذا أنت هنا؟ إجابته كانت بريئة:

- لأن أبي أمرني بذلك.

- ومن يوقظك في الصباح؟

- جدتي.إنها تعيش معنا.

- هل تفطر؟

- لا.أنتظر حتى الساعة العاشرة، وأعود للبيت وأفطر وأعود مرة أخرى إلى هنا.

- تأملته كثيرا وأطلقت العنان لزفرات متتالية، تاهت في الفضاء تبحث عن أجوبة لأسئلتي التي نمت بكثرة بداخلي منذ لقائي به. اضطررت إلى توديعه، واتجهت مسرعة إلى الحافلة التي ستنقلني إلى عملي.

في اليوم الموالي، كان الجو باردا مع أننا على عتبة فصل الصيف. تزور المدينة أحيانا، رياح برية آتية من الجنوب.محملة بسخونة غير طبيعية.لما وصلت إلى مكاني أنتظر الحافلة، وجدته هناك في مكانه مثل الأمس.لا يحرك ساكنا.يحمي جسده الصغير بيديه النحيلتين وينتظر زبائنه من المدخنين الذين يتهافتون عليه عند كل صباح.كان يحرك رجليه بخفة وفرح أيضا. كأنه يريد أن يريني حذاءه الجديد الذي رغم كبره بعض الشيء، إلى أنه يحمي أصابعه الفتية من قساوة الطبيعة.

سلم علي وكان وجهه مشعا ومضيئا كأنه قديس. قام من مكانه، تحرك جلس من جديد. ضرب كفا بكف محاولا القضاء على لسعات البرد التي تتسلل إلى جسده الصغير وتحدث خللا به. التفت إلي والتقت نظراتنا. ابتسم وقال لي:

-البرد...

ودون أن ينتظر إجابة مني.ترك سجنه الصغير واتجه صوب موقف السيارات حيث التجمعات والحديث المسترسل. ذهب بحثا عن الدفء. تكلم كثيرا وضحك كثيرا. ثم جلس يستمتع بأحاديثهم رغم فارق السن. وفي الوقت نفسه، يراقب سجائره.

قلت لنفسي"انه يبحث عن الدفء. وقبل أن أمتطي الحافلة، سلمت على زميل لي ولاحظ شرودي فسألني عن السبب. فقلت له:

- لم أعد أرغب في الحضور إلى هنا. تفاجأ وسألني:

- لماذا؟

- بسبب هذا الطفل الصغير.

ابتسم زميلي ودون أي جواب طلب مني أن أسرع لأن الحافلة قد وصلت.

في الغد، كنت على موعد جديد معه.لكنني تأخرت بعض الشيء.وصلت إلى مكان الحافلة وأنا أتصبب عرقا. احتلت الرياح الساخنة المكان و لم نعد نعرف هل هو فصل شتاء أو صيف.رغم منظره البئيس الذي يقتل البسمة في شفتاي، إلى أنني أكره اليوم الذي أذهب فيه إلى عملي دون أن أراه و لا أتحدث إليه.اتكأت على الحائط لكي أستريح.لمحته هناك كعادته، جالسا على صندوقه. في كل مرة، يفتحه ويعد ما كسبه في ذلك الصباح ويعيد إقفاله بسرعة خوفا من العيون المتلصصة عليه. قلت له:

- صباح الخير.

ابتسم وعاد يعد نقوده.ثم استلقى بظهره على الحائط، الذي يعتبره ملكا له. بحكم قضاءه فيه أجمل لحظات عمره. فجأة، كأنه افتكر شيئا، فتح الصندوق بسرعة ودفع برأسه في الداخل، كأنه شيخ من شيوخ البخلاء. وأخذ يعد من جديد بصوت عال.في تلك اللحظة، افتكرت ما قاله لي يوما:"إن أبي يعد كل يوم ورائي. وإذا أضعت شيئا ضربني."

أصبت بحزن شديدو استمرت الأسئلة والأفكار تتزاحم بداخلي دون أن أجد لها جوابا.سمعت ضحكاته البريئة المجلجلة التي أطلقت سراحي وأعادت البهجة إلى روحي ولو بشكل مؤقت. وقف أمامه رجل يقارب الستين من عمره.أعرج.يتوكأ على عصا.يحمل على كتفه جلبابا ممزقا، يدخن سيجارة من الثمن الرخيص.نظر إليه صديقي الصغير و هو يضحك:

-أنت مجنون. أنت منافق. مصيرك السجن. مستشفى الأمراض العقلية.

والرجل ينظر ولا يتكلم، يدخن سيجارته والطفل يسب ويشتم. استرسل في ضحكه الهستيري. قلت "ربما يضحك من نفسه دون أن يدري.ما الفرق بينهما سوى الشيب." انصرف الرجل ولم يكف عن استهزاءه منه.

حل علينا الصيف هذا العام مختلفا تماما. تمتزج فيه الحرارة والبرودة. ليس هناك استقرار. لما وصلت إلى مكاني في موعدي المحدد، لمحت صديقي الصغير وأثار انتباهي شكله المختلف. لقد أزال القمصان الكبيرة التي كانت تستوطن كل جسده الصغير. فرحت له وتمنيت لو يظل الجو معتدلا حتى يستطيع أن يتحرك بكل حرية. ولا تجلد عظامه قساوة الطبيعة. برجليه حذاء نسائي، أكيد لأخته. ممزق. فوجئت به ولأول مرة، يحمل قلما وكتابا. طريقة لمسه للقلم وأخذه للكتاب دليل على أنه كان يتعلم قبل أن يحضر إلى هنا لبيع السجائر.كان ينظر إلي ويعود إلى قلمه وكتابه. اقتربت منه وسألته:

- هل كنت في المدرسة؟ أجابني بنوع من الخجل:

- كنت في مدرسة قريبة من بيتنا.وصلت حتى الثالث ابتدائي.

- لماذا لم تستمر؟ سكت بعض الوقت وقال بصوت خافت:

- يجب أن أساعد والدي...لم يتتم كلامه. وضع الكتاب والقلم جانبا وذهب يبيع سجائره لأحد الزبائن.

استيقظت باكرا في  ذاك اليوم.و أخذت طريقي الذي أسلكه عند كل صباح.كان هناك  زميلي الذي التقيت به في المرة الفائتة.ابتسم و قال :"هل ما زلت تهتمين بذلك الطفل الصغير؟"لأنه لاحظ فور وصولي كأنني أبحث عن شيء ما.أجبته بصوت حزين:"حرام أن يعيش هذا الطفل بهذا الشكل؟"قال بنوع من اللامبالاة:"لا يمكنك تغيير العالم."تجاهلت رده ،و لمحت عيناي ،صديقي الصغير،صامت،ينتظر من يشتري منه سيجارة.لون بشرته البيضاء تلون بلون التراب من كثرة تراكم الأوساخ عليه.نظر إلي.لم يقل شيئا.لكن نظراته المتكررة و المترددة كانت تريد أن تبوح بشيء.آلمني حاله.كان شاردا."هل هو مريض؟"فجأة،تكلم معي و قال:

- صباح الخير.

- صباح الخير. هل أنت مريض؟

ضحك من سؤالي.وعدل من قميصه الواسع.وقال:

- لم أنم جيدا. وأريد الذهاب إلى البيت لآكل شيئا.لكنني أخاف من أبي.

و في تلك اللحظة، أتت بفتاة تكبره بعض الشيء،أظنها أخته،تحمل  خبزا و شايا.انبسطت أساريره و ضحك كثيرا و فرح كثيرا.أخذ أكله و اتكأ على حائطه و لزم الصمت يستمتع بما جادت به أيادي أخته.التي بدورها تحمل أغلالا تكبل خطواتها الطفولية.

هذا الصباح، استيقظت بصعوبة كبيرة.وجدت وجهي مبللا كأنني جريت أميالا. اليوم ينذر بحرارة شديدة. حتى العصافير التي كانت تصاحبني عند كل صباح، غابت عني.لما وصلت إلى مكان وقوف الحافلة التي تأخذني إلى عملي، وجدت المكان مكتظا بوجوه لم ألفها من قبل."يا ترى ما   سبب هذا الزحام اليوم؟ «بحث عن صديقي الصغير. كان هناك في الجانب الآخر من الشارع، يرتدي قميصا شفافا وسروالا قصيرا، بهما آثار السنوات الخوالي. كان يجري في كل اتجاه ويلعب مع أولاد آخرين في كل مرة، يقف وينظر اتجاه سجائره هل ماتزال في مكانها، هل لا يوجد زبون. كان يحمل نشاطا غير عادي.يسلم على كل من مر من جانبه.سلمت عليه من بعيد ورد التحية بابتسامته البريئة وتابع جريه وضحكه ...

لا أتصور أن يمر يوم دون أن أراه. قال لي يوما بخجل:

- ما اسمك؟ تذكرت ساعتها أنه لا يعرف اسمي.جلست إلى جانبه وهمست إليه:

- أمينة.

ضحك كثيرا حتى كاد أن يسقط أرضا.لم أفهم سبب هذا التحول المفاجئ عنده.سألته:

- لماذا تضحك؟ وكدت أنا أيضا أن أضحك.

- أختي أيضا اسمها "أمينة".

مسحت على رأسه بيدي.وودعته على أمل اللقاء في الغد.

توالت الأيام بشكل عصيب، كنت ساعتها أبحث عن منفذ للراحة.روتينية العمل كادت تعصف بروحي.استحال جسدي إلى آلة تتحرك بشكل أوتوماتيكي. لاحظ صديقي الصغير عزوفي عن الكلام والسؤال عنه. لكن كان يكفيني أن أراه يتحرك ويفعل ككل أطفال الدنيا وفي في نفس الآن يحاول أن يرضي والده. أتى إلى جانبي وابتسم كالعادة. سلمت عليه ولكي أقتل صمت اللحظة. سألته:

-هل أكلت شيئا هذا الصباح؟

- لا. لأنني أصحى باكرا ولا أجد شيئا يؤكل.

تألمت لهذا الموت البطيء الذي يحاصر كل منا لكن بشكل آخر. تجرأت أكثر وسألته:

- هل تتمنى أن تعمل شيئا آخر غير الجلوس هنا كل يوم؟

- كانت ضحكته ملائكية.رد بكل عفوية:

- لكن أبي قاسي جدا.

- كم من أخوة وأخوات لديك؟

- خمسة اخوة.

- لا أحد يدرس ؟

-......

أعطيته بعض الدراهم واشترى في الحين خبزا والتهمه كأنه لم يأكل مند مدة.

رغم كل الضغوط التي تتربص بي، ما إن أصل إلى موقعي، حتى تنعتق روحي من وحل صدئ لا يبرح المكان. أضحك مع صديقي الصغير وأنعم بلحظات من الصفاء والجلاء رغم وخز الأشواك.

كان اليوم في مكانه، في جنته المنزوعة منه. كان فرحا. يطلق أصوات لا افهم معناها ..يتكلم كعادته..كان بجانبه طفل آخر. عند كل مرة، يلتفت إليه ويصرخ في وجهه كأنه يدافع عن مكانه الذي سجل في تاريخ الإنسانية. سلم علي وانطلق. قلت له "الى لقاء آخر يا صديقي". وانطلقت بي الحافلة بسرعة. كانت سرعتها تحملني فوق كل الأسئلة التي عجزت عن أجد لها حلا.تركت رأسي في مهب الرياح الآتية من النافذة علها تسعفني وتمسح عني آثار كل الأشواك السامة.

التقينا من جديد، عندما أتى المساء. كان الجو غاضبا ينذر عن عاصفة محملة بالتراب. تغير لون السماء. كان بجانبي، يحتمي بيديه من آثار هذه العاصفة الهوجاء. يتمنى أن يبيع أكثر وأكثر. سألته:

- كم تربح في اليوم؟

- لا أعرف.لا أعدهم.

غيرت سؤالي وقلت له:

- هل عينك اليسرى سليمة؟

- لا. لا أرى بها شيئا.

صمت من هول الصدمة.كادت دموعي أن تنفلت مني. تداركت صمتي المبكي وسألته:

- لماذا لا تذهب إلى المستشفى؟

"مستشفى؟ «كلمة فلتت دون رقابة. وهل لمثله مستشفى. ظلت نفسي تبكي حاله الحزينة. ومع ذلك تحملك ضحكاته فوق كل الأشجان.سمعت صوتا من بعيد يلقبه "بالأعمى". كانت أخته الكبرى. أتت تسأله عن النقود التي جمعها ذلك اليوم.

سامحني يا صديقي الصغير، اليوم رايتك لكن لم أكلمك.كنت على عجلة من أمري.عالمك يعذبني كثيرا ومع ذلك أحببت الحديث معك. تركتك هناك تعيش مع أحلامك الطفولية. وضحكاتك البيضاء.

وأنا في طريقي إلى عملي الملعون، كانت أصوات تتطاير في فضاء الحافلة.أصوات شبيهة بسوق أسبوعي، الكل يتكلم ولا تفهم شيئا. أخرجتني، رغما عني، من حواراتي الداخلية وجعلتني أبدل كل ما في وسعي لإدراك ما يقال وفهمه. خبت الأصوات فجأة وعم صمت رهيب سافر بي إلى حيث يقطن صديقي الصغير مع عالمه الصغير. افتكرت وأنا في الحافلة بأنني لا أعرف اسمه ولم أطلب منه يوما ذلك. فلم أجد أجمل من أناديه بصديقي الصغير.

 

أمينة شرادي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4607 المصادف: 2019-04-17 09:34:43