 نصوص أدبية

جموح

حنان عباسيسحب السيجارة  الأخيرة من جوف العلبة البيضاء وألقاها أرضا بحركة تلقائية، نظر إليها وقد توسدت كيسا بلاستيكيا أسودا كان يعانق الاسفلت وحيدا، بدت الصورة  مضحكة وتخيل لوهلة أنهما ورغم تناقض الشكل واللون والمادة بينهما إلا أن تناغما غريبا يجمعهما وكأنهما التقيا ليؤنس أحدهما الآخر،و انتهى به الظللُ إلى حديثِ في بهجة اللقاء، يبدؤه الكيس الراقص مُهلّلا بالزائرة وهاشًّا لمقدمها السعيد، وتكمله العلبة المنكسرة في استحياء تشكر له جميل ترحابه وتسأله فيمَ كان حزنه . لكنه لا يردُّ إنما يظلُّ مُغاليا في مدحه لصفاء لونِها ورونق الحروف المرسومة على جنباتها، مُطيلا التحديقَ في ثناياها حتى يبلغ بها الخجل منتهى الصمت،فتلقي ببصرها نحوه صاغرة لحلو الكلام  وشاكرةً في ابتسامة خفية صاحبها الذي اختار أن يرميها بين أحضان شاعر ..

أكمل سيجارته متضاحكا لما آل عليه المشهد في النهاية، وقرّر أن يختار لتلك السيجارة المتبقية مجلسا بين سجائر أخرى حتى لا يتركها ضالةً بين الأرصفة .. ورغم جنون الفكرة وغرابة البحث بين الركام عن قبيلة سجائرية المعشر إلا أنه جدّ في تنقيبه حتى أرشده الدرب إلى زاوية مظلمة تحت كرسي خشبي يتوسط الحديقة العمومية ،فأنزل العقب المحترق بتؤدة وأسكنه قرب أشقائه وهو يتمتم الوصايا ويتوعد العقاب لمن لا يطيعه ..

اختار تغيير كل خططه لذلك اليوم، وارتأى أن اللحظة مؤاتية لكل ضروب الخبل .. لقد بدأ صباحه كأغرب ما تكون الصباحات، وانحرفت أفكاره عن كل دروب العقل، فانصرفت عن التقيد بلوائح الاتزان والوقار، وجاهرت بالعصيان .. كان أول التمرد إغلاق الهاتف الشيطاني،ذاك الذي لا يتركه يهنأ بأي لحظة جلاء نفسي .  تأكد من همود الجهاز اللعين ومن ثمة دفنه في جيب بنطاله، اطمأن لتلك السكينة التي سرت كنسيم بين خلاياه . تسربت إلى فمه شبه قهقهة وهو يتخيل نوبة الغضب التي ستغمر رئيسه عندما يتصل به فلا يلقى من مُجيب إلا ذلك الصوت الآلي المُستفز يردد في نبرة ساخرة أن رقم مخاطبه ليس في وضع آستخدام حاليا .. ولم يقدر لضحكته الصاخبة ردعا، فعَلتْ زهزقة  وسط الجموع  الراكضة في كل الآتجاهات . وعندما أدرك ثباته كان قد توقف أمام واجهة بلورية عكست شبح رجل يشبهه خلقة ويُخالفه رؤيا . تفحص ملامحه المنتشرة في فوضى جميلة، بدا كغريب رأى في الجهة المقابلة من الشارع أحدا يشبهه ..كان ذاك العديل يرتدي ثيابه في ترتيب مزعج، أنيقا في آستقامة ثقيلة، يوحي لناظره بانه يمتلك تلك الصفات العجيبة لرجل سويّ الخُلق، مؤدب القول، رشيق الحرف، رجل علت منزلته وسمت عزته، رجل روتيني الوقع، سليل الملل وقريب السأم . لم يعجبه التطلع أكثرفأدبرعن مثيله كارها تلك الهيئة، وأزمع على الجموح غير مذعن لصواب التعقل في مثل هذا العزم على التحوّل إلى غير طبع والتعلق بغير حياة .. استعاد خطوه الحثيث نحو وجهته المجهولة، عازما على التمادي في انتفاضته، مُقرا في أعماق روحه  البحث عن تلك السعادة التي ألِفها الكيس البلاستيكي الأسود عندما ألقى بين جنباته تلك العلبة الكرتونية البيضاء .

 

حنان عباسي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي سيدة حنان
الحق أقول ، هذا النص الثاني الذي أقرأه لك ، ووجدت فيهما ما يمتع المتلقي من حلو الكلام والسرد ، وأحلى ما قرأت في هذا النص أن الفكرة مهما كانت بسيطة وغير متداولة أو معروفة لا تقلل من النص والذي يكسبه الحلاوة والمتانة هو اسلوب الطرح وكيفية تناول الفكرة واحاطتها بالمتطلبات الفنيّة ، شكراً لك ولي في مقتبل الوقت في نصوصك الجديدة وقفات نقدية وليس الثناء والمدح فقط ، تقديري

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

شرفتني بعمق قراءتك سيد سردار و مشاركتي النص إحساسا ، فأول بهجة الكتابة أن تلقى فيها من يُبادلك ذات الحياة التي أولدت . و تزيد على ذلك بشكري و أنت الأولى به ، فبترقبك نصوصي القادمة أنت تشجعني على ما كنت أظنني أعجز عنه : و هي الكتابة مجددا . فشكرا لك و لي في قادم الزمن نصوص أنتظر بشغف طفلة نقدك لها . محباتي

حنان عباسي
This comment was minimized by the moderator on the site

سردية ماتعة جدا
تحية تليق أستاذة حنان ودمت في رعاية الله وحفظه

الأستاذ / تواتيت نصرالدين - الجزائر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4640 المصادف: 2019-05-20 11:30:49