 نصوص أدبية

والله جوعان

جهاد الدين رمضانمن لا يعرف شحاذ حلب المشهور بوسيلته الطريفة بالتسول، حيث ينطّ في وجهك رجل نحيل طويل، كبير السن، رث الثياب، اشعث الشعر، تلوح في قسمات وجهه علامات غلب الزمان وقهر الأيام، يمد يده للأمام محني الظهر، ويقول متضرعاً: (والله جوعان)؟ اتخذ ذلك الشحاذ القسم الغربي من شارع "القوتلي" بين مقهى "الموعد" على ناصية تقاطع شارع " بارون" العريق مع شارع القوتلي، وبين مقهى "المُنتدى" المطل على ساحة "سعد الله الجابري"، كان يجلس القرفصاء على الرصيف الملاصق للمقهيين وبينهما، وما إن يقترب أحد العابرين منه، يهبّ واقفاً في وجهه نصف قومة رجل واحد، ويمدّ يده باسطاً راحته قائلاً بصوت عالٍ حزين يستدعي الإشفاق: والله جوعان.

أعجبني الرجل، واشفقت عليه مراراً وتكراراً رغم أنه لا يشبع أبدا، ودليل اتهامي له بعدم الشبع، أنني رأيته في أحد الأيام بعد انصرافي من المحكمة العسكرية مع زميلي وصديقي فيما بعد "أبو حمزة"، كان يأكل صندويشة فلافل دبل شغل محل "فلافل الفيحاء" تُشبع جَمَلاً كما يقال، ولما صرنا بجانبه امسك عن قضم اللفافة وامسكها بيده اليسار، ومدّ يده الثانية نحونا، ورفع عقيرته بنغمته المعتادة: (والله جوعان).

كيف يجوع وهو ما يزال يأكل؟ قلت في نفسي، وضحكت مع أبي حمزة في الحال، مع ذلك ناولته ما فيه النصيب والدعاء بالشبع، سحبني صديقي أبو حمزة من يدي قائلاً لي:

- وحق المصحف لو كان يشتغل مع "حنّا كعدة" في مطعم "الشباب" على شَوِي الفرّوج والشقف والكباب، ما راح يشبع في عمره.!

- لا تقل هذا، حرام عليك، هذا الرجل معه جوع مزمن، وربما لا تكفيه لفافة واحدة.

- طيب تعال نشرب فنجان قهوة على جوع في "الموعد" لأحكي لك كيف صار بي وبأبن عمتي "حسن" مثل ما صار مع "والله جوعان".

- يا الله هيا بنا.

قعدنا في المقهى جانب نافذة تطل على الشارعين، القوتلي الرئيس وبارون حلب، وأخرج صديقي باكيت "الحمراء" ذات الطول الفاخر، وناولني منه سيكارة مصنوعة من أفخر أنواع التبغ الوطني، وطلب لنا فنجاني قهوة "اسبريسو" فاخرين، وشرع يقصّ علي حكاية الجوع المزمن:

قصتي تبدأ في أول عهدي بالوظيفة في "الطابو" ولا تنتهي حتى اليوم، كان يتردد علينا في الدائرة أحد أغنياء حلب الكبار، الكبار في السن وفي الجاه والأملاك، صاحب أراضي وعقارات وعمارات كثيرة، خدمتُه لله عدة مرات، ويسّرت أمره لكبر سنه، وفي يوم من آخر أيام الصيف الماضي قبل التحاقي بخدمة العلم، عزمني الرجل على حفل "تلبيسة" ابنه في أحد "المقاصف" على طريق "الصنم"** نسيت اسمه، ألحفَ عليّ بطلب قبول الدعوة والحضور مع من أشاء، وأكد لي كذا مرة قائلاً:

- ها، لا تتعشى استاذ، الحفلة تتضمن عشاء فاخر يليق بالمقام !

- تكرم يا حاج، سأحضر بإذن الله.

أخذت منه "كرت" الدعوة الفخم لأستدل على مكان العرس، ودعوت حسن لرفقتي. لبسنا أفخم الثياب، وتهندسنا على أكمل وجه، ومضينا في سبيلنا إلى الحفل بدون عشاء. كان الحاج "الزنكين" (الثري) والد العريس يستقبل المعازيم على باب المقصف مع بعض الشباب، سلّم علينا بحرارة ولطف مع كثير من الشكر، وقادنا إلى طاولة مميزة قرب المسبح، وأوصى بنا الخدم خيرا، وانصرف معتذراً من عدم جلوسه معنا. وبالفعل أحسن علينا الخدم بالخدمة والضيافة بشكل ملحوظ، هنا أركيلة "تنباك عجمي" وهناك أركيلة "معسل" تفاحتين فاخر، وكل قليل يصبّ لنا "الكرسون" فنجان قهوة عربية مُرّة، ثم يكسره تحت أقدامنا طمعاً في البخشيش، حتى مرمرت معدتينا وخوّرت من الجوع، وحسبنا الكرسون يملك مصنع فناجين "بورسلان" متصل بمطبخ المقصف.

توقف الراوي قليلاً، وارتشف من فنجانه رشفة كبيرة، وأخرج سيكارتين لي وله من باكيته الثاني "البول مول " الورقي الطويل، وأكمل قائلاً:

هادا يا طويل العمر، وبلا طول سيرة، كانت معدتي تقرقع مع كل قرقرة في ماء الأركيلة، قلت لرفيقي حسن الذي بان عليه الجوع بشكل حسن، طوّل بالك بعد شوي يأتي العشاء، لفيت "القمجة" (النربيش) على الأركيلة مثل رفيقي، وحلفت على صاحب القهوة المرة بأن أكسر الدلّة على رأسه إن عاد.

كان داعينا والد العريس يتفقدنا كل حين، ويسألنا كيف الحال؟. قلت له الحمد لله كل شي تمام وعال العال. لكن في الواقع لم أقل الحقيقة للرجل إذ قتَلَنا الجوع، وعصافير بطوننا كادت تنتحر من كثرة ما زقزقت وناحت، وتأملنا بسرعة الشفاء في صواني العشاء الفاخر، وكم كانت خيبتنا كبيرة عندما حضر العشاء: قطعة موز وتفاحة وصرّة "ملبّس" فيها قطعة راحة بالفستق الحلبي أصغر من أصبع الببو الرضيع ..!

قام حسن عن كرسيه قومة رجل واحد كاملة، وشدني من يدي حالما شاهد "سفرة" الطعام، وزمجر في وجهي بغضب ملحوظ:

- هيا قم. عليك اللعنة انت و"معزبك" البخيل، عليّ الحرام أفقر واحد من حارتنا في "المرجة" أكرم منه ومن أجداده، قال زنكين قال.!

- والله معك حق يا خال، أنا تفاجأت مثلك وجقمني الجوع، هيا ننصرف قبل أن يرانا "المعزب" *** ويعذبنا أكثر من الجوع.. "وبا" ان شاء الله .

توقف أبو حمزة هنا قليلاً ليسحب أنفاسه، وكم سحبة من سيكارته الثالثة مع بضع رشفات من فنجان القهوة، فسألته بعد سكوت طال:

- اي، شو عملتوا بعدها؟

- انسحبنا بهدوء على "النسّ النسّ" كيلا نلفت الأنظار، وخرجنا من الحفل بسلام، اوقفنا تكسي على السريع وقلنا يا فكيك، ولما صرنا في المرجة قرب " الحاووظ " شاهدنا بسطة " شوّا " على باب الزقاق، قلنا للسائق توقف ها هنا بالله عليك خلّنا نسدّ رمقنا ببعض اللقيمات الشهيات، نقدناه أجره الرسمي وزيادة، وقلنا يا ميسر نحو رائحة الشواء، طلبنا من الشوّا لفافتي كباب محترمتين، ونزلنا فيهما بلا رحمة ولا شفقة مثل صاحبنا الشحاذ الجوعان، ولولا تأخر الوقت لأيقظت أمي لتضع لي المزيد من الطعام بعد التهامي لتلك اللفافة الكبيرة من الكباب .

- يعني ما شبعت يومها، ونمت جوعان؟

- لا والله، ليش الكذب؟ شبعت. وحمدت ربي أنا وأبن عمتي حسن كثيرا.. نحن شغلتنا درويشة وعلى قدّ الحال، صندويشة فلافل أو "فشافيش" أو معلاق أو صحن "مجدرة" تشبعنا، لك حتى خبزة حاف نأكلها ونشبع، ونحمد الله على ما قسم لنا .

- بس قلت لي قصتك مع الجوع لم تنتهي حتى اليوم، كيف هيك؟ ما فهمت عليك!

- قصدي نحن ناس شبعانين من جوّا بفضل القناعة، رغم بساطتنا وبساطة مدخولنا، ما في شي بعيوننا.. بس للأسف بعض الناس تأكل الأخضر واليابس ولا تشبع، ألا ترى هؤلاء الباعة وأصحاب المطاعم والمحلات في المحكمة العسكرية ما أكثر قضايا الغش والتدليس المحكومين بها؟ هل نسيت قضية الغش في اللحم التي اسميناها قضية لحم الحمار؟ ألا تتذكر كيف ورد فيها بأن بطلها كان يخلط لحم الحمير بباقي اللحوم، ويقدمها للزبون على أنها من أجود أنواع اللحم البلدي؟ هل نسيت ذلك الرجل بياع الفرّوج الذي لم يكتفِ بنقع الدجاج في الماء وحسب، بل كان يحقنهم بأبر المي لزيادة وزنهم بضعة غرامات؟... الطمع يا صديقي ليس له شبع.. وهذا الشحاذ صار جوعه وسيلة لجني المال، فكيف يشبع من لفافة فلافل أو اثنتين؟ لم يعد يسعى لتسكيت جوعه للطعام بقدر سعيه لتسكيت جوعه للمال.!

- نعم، صدقت في هذه يا صديقي، بعض الناس عيونها لا يملؤها إلا التراب. صحيح أن القناعة كنز لا يفنى، لكن لا تقنعني بأنك ستشبع من صندويشة فلافل أو فشافيش بعد سماع هذا الحديث المفجع ألماً وجوعاً... هيا بنا نسكت جوعنا في شي فروجة دسمة مشوية على مهل بمطعم "الكهف" القريب، لعلنا نسدّ كهف المعدة الخاوي من الطعام .

***

جهاد الدين رمضان - فيينا

........................

* النص من وحي مذكراتي وبعض خيالي .

** الصنم: تمثال لشخصية شاعر حلب "أبو فراس الحمداني" يزين مدخلها الغربي، اعتاد أهل حلب التنزه في الطريق المتفرع منه إلى جهة الشمال المسمى بالمحلق، لانتشار الأشجار والمطاعم والمقاصف (الكافيتريات) على جانبي الطريق.

*** المعزّب: المُضيف صاحب الوليمة. والفشافيش: ضرب رخيص من لحم المري والرئتين، يقطع ويشوى ويباع على البسطات وفي المطاعم الشعبية. والمجدرة أكلة شعبية قوامها العدس والبرغل أو الرز المسلوق والمقلي بالبصل والزيت أو السمن . والأسماء بين قوسين صغيرين مزدوجين هي أسماء أماكن وأشياء وأشخاص يعرفها معظم سكان حلب، ويمكن الإطلاع على شرحها بالرجوع إلى النت بسهولة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4664 المصادف: 2019-06-13 07:17:59