 نصوص أدبية

الجوزاء

باسم الحسناويبصَراحةٍ كانت بغيْرِ وفاءِ

                       أقبلتُ لكنْ لم تجئْ للقائي

في المرَّةِ الأولى التي قابلْتُها

                          فيها هناكَ بليْلَةٍ ظَلْماءِ

قد كانَ شعَّ الضَّوءُ من ضحكاتِها

                  فرحاً بتقبيلي وصوتِ غنائي

ما كنتُ أشعرُ أنَّني في حاجةٍ

                     للعيشِ معتزلاً عن الأشياءِ

إذ كلُّ شَيءٍ في الحقيقةِ ظلُّها

                    والظلُّ مشتقٌّ من الأضواءِ

فإذا رأيتُ الشيءَ أعرفُ أنَّه

                      داءٌ مميتٌ قلتُ فيهِ دوائي

ومن الغرابةِ أن تصحَّ جوارحي

                    بتناولِ السمِّ الزعافِ إزائي

من بعدِ تلكَ المرَّةِ الأولى بدت

                       وكأنَّها حلْفٌ مع الأعداءِ

بل صرتُ أذكرُهم بخيرٍ كلَّما

                      قارنتُ بينَهما بغيرِ غطاءِ

هم يرحمونَ عزيزَ قومٍ ذلَّ لو

                  ألقى سلاحَ الحَرْبِ والهَيْجاءِ

لكنَّها وأنا الصَّريعُ على الثَّرى

                  تَطَأُ الخيولُ بأمرِها أعضائي

بالرُّغْمِ من هذا أنا مُسْتَبْشِرٌ

                     بكرامةٍ منها وحُسْنِ عَزاءِ

بل كلَّما أبصرتُ حولي لم أجد

                        إلا سماءً تنتخي بسمائي

أنا ظامئاً فعلاً قضيتُ النحبَ لكنْ

                       كلُّ ماءٍ في الحقيقةِ مائي

وقضيتُ أيضاً جائعاً لكنَّما

                   يحيا الوجودُ بحنطةِ الشهداءِ

بل إنَّ ما رئةُ الحياةِ تنفَّست

                     من أوَّلِ الدنيا زفيرُ هوائي

أنا جئتُ للدنيا بعكسِ مسيرِها

                    فجميعُ ما فيها يسيرُ ورائي

وتحمَّلَتْ نفسي البلاءَ مضاعفاً

                         علماً بأنِّي مولعٌ ببلائي

إنِّي نظرتُ ضريحَ قبري في الذُّرى

                      متعجِّباً من قبَّتي الصَّفْراءِ

أنى تكونُ الأرضُ موضعَها الذي

                هوَ ليسَ يهدأ من نزيفِ دمائي

قبري عليهِ يجلسُ اللهُ العظيمُ

                      بوصفِهِ عرشاً من اللألاءِ

لا عارفٌ إلا ذؤابة رأسِهِ

                   موصولةً بكواكبي وضيائي

يوم القيامةِ يقبلُ الجمعُ المضيءُ

                       بكلِّ فخْرٍ كونُهم عُرَفائي

الكلُّ ذابوا في بهائي لا ترى

                        إلا جلالي وحدَهُ وبَهائي

هم وحدَهم عالونَ في عليائِهم

                     واندكَّتِ الأرْجاءُ بالأرْجاءِ

أرضاً ترى الجوزاءَ تمشي فوقَها

                     لتعيشَ ذلَّ كيانِها جوزائي

وتلاشتِ الأسْماءُ فهيَ بخارُ ماءٍ

                       ليس إلا في مدى أسمائي

أنا طيِّبٌ جداً وتعظمُ رأفتي

                  حدَّ البكاءِ على ذوي الشَّحْناءِ

لا سيَّما إن كانَ موضوعُ الأسى

                  عندي البكاءَ لأجلِ ثكْلِ نساءِ

فإذا علمتَ بأنَّ كلَّ مدينةٍ

                هيَ زوجتي قدَّستَ دمعَ بكائي

***

د. باسم الحسناوي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

باسم الحسناوي الشاعر الشاعر
ودّاً ودّا
محاسن الحداثة الشعرية يجدها القارىء متجسدةً في هذه القصيدة
فإذا أضفنا الى محاسن الحداثة ما احتفظت به القصيدة من محاسن أُمّها القصيدة
التراثية وهو الجانب الموسيقي تحديداً فسنكون أمام قصيدة ذات كيان خاص .
ولكن ما هي محاسن الحداثة التي تميز هذه القصيدة ؟
باختصار هذه قصيدة لا تؤخذ بيتاً بيتاً بل تؤخذ كوحدةٍ متكاملة وقد بدأت من
نقطة ثم تنامت حتى غايتها وقد تأكد لي كقارىء ميل شاعر هذه القصيدة الى التدوير
حين يكتب على بحر الكامل ويبدو ان هذا الميل سببه انغمار شاعر هذه القصيدة
بإسلوب يطغى فيه ترجيح المعنى على المبنى ولو قليلاً ليس زهداً بجماليات الشكل
بل هو ربما ميل مستحكم في ذات الشاعر الى ترجيح المضمون على الشكل دون
الإخلال بالشكل في نهاية المطاف , وهناك ملمح حداثي آخر وهو قدرة القصيدة
على المراوغة فلا تبوح بأسرارها دفعة واحدة بل تبقى محتفظة بقدرة على التمنّع
والدلال التعبيريين وبهما تضاعفت شعرية هذه القصيدة .
ليس في قصائد باسم الحسناوي انخلاع أو مكابدة أو تمزق روحي
وحين يخلو الشعر من الإنخلاع
والمكابدة : مكابدة الحرمان من ما يمكن أن نسميه (برد اليقين ) فإنه يخرج من دائرة
الشعر الدرامي (أقول الدرامي كتشبيه وتقريب وليس بما يحيل اليه مصطلح (درامي)
من معنى معروف في الأدب ) , إذن ما الذي يميز شعر باسم ؟
ما قرأته من شعر باسم الحسناوي يتميز بمناخ صوفي يوحي ويشير الى ان صاحبه
مطمئن الى المآل وكل ما هنالك ان الشاعر يصف مشاهداته وأشواقه في طريقه الى
ذلك المآل والغاية وشعر بهذه المواصفات سيكون تعويله على المخيلة كبيراً بلا شك
وسيصاحب المخيلة جهد فكري متعمق مصدره مثاقفة واستقراء .
وهنا يمكن إثارة سؤال قد يخامر القارىء وهو : بماذا تختلف إذن قصيدة باسم عن
جدتها قصيدة ابن عربي أو ابن الفارض على سبيل المثال لا الحصر؟
اعتقد ان الفارق يكمن في توسع المخيلة فقد أضفت الحداثة على قصيدة باسم رحابة
تعبيرية تجاوزت الإعتماد على الدوران في الغزل واستعارته للتصوف , أي اتسعت
رموز قصيدة باسم وتجددت استعاراتها ولكن هذا لا يعني بالضرورة تجاوزها لفتوحات
سابقيه على صعيد اللحظة الصوفية ذاتها بل ان التجاوز منحصر في التجديد الشعري
والتلاقح مع تقنيات الحداثة الشعرية في الشكل الفني أما جوهر المضمون بوصفه
توجهاً مرتبطاً بذات الشاعر وليس بالقصيدة فهذا أمرٌ آخر .
دمت في صحة وإبداع أخي باسم .

.

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

اي نقد هذا؟
هذا هو النقد الذي يوسع بالفعل من افق التاويل في ذهن القارئ
لا النقد الجاهز المتذرع بالحداثة وما هو منها حقيقةً في شيء
يقولون ان المؤلف مات
لكن هذا النقد يقول ان المؤلف حتى عندما يموت له مقصدية يجب احترامها في جميع الاحوال
ويقولون ان النص ايضا قد مات
وهو ليس الا مناسبة لان يلقي عليه القارئ الحان عويله بهذيان خاص
ويقول لهم هذا النقد، ان النص ما هو الا التجلي للذات العميقة للمؤلف، المؤلف المبدع الذي لولاه ما كان هذا النص، فحياة كليهما مما يجب تقديسه على كل حال
ويقولون ان القارئ حر في اضفاء المعنى الذي يريد على النص، وللقارئ الاخر حق ان يضفي المعنى المناقض، ويكون كلاهما محقا، ويكون تاويل كليهما صحيحا رغم التناقض
ويقول لهم هذا النقد، نعم للقارئ هذا الحق، لكنه حق المجتهد العالم بتاويل النصوص، وليس هو حق الجاهل الذي لا يعتبر مؤهلا لفهم الكلام العادي احيانا فضلا عن النص الابداعي المحكم
ساقتبس هذا التعليق، واضعه في الذاكرة الخاصة للجهاز، فربما تكون منه كتاب نقدي قيّم في يوم من الايام

باسم الحسناوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4692 المصادف: 2019-07-11 07:39:44