 نصوص أدبية

جمع مؤنث حالم (2)

حنان عباسيبقيت الخالة نوارة وحدها بعد خروج البنات، بحّ صوتها وهي تُلاحق حورية غضبا من عنادها الغبي،  فهي تفعل كل ما يحلو لها دون مراعاة أحد، طباعها صعبة وتصرفاتها طائشة جدا وهي تخاف عليها من ويلات الزمن القاسي والأقسى أحاديث الناس الملوثة بالحسد والغيرة، فهُم منذ وفاة زوجها يرصدون تحركاتها هي وبناتها، وكأنهم ينتظرون لهنَّ زلة يُشيرون إليها بأصابعهم الكريهة ويصرخون "أنظروا لقد أخطأن، إنهن لسن ملائكة ولسن إلا تربية امرأة بدون رجل ".. فالمرأة يا سادة في هذا البلد ليست مدرسة وليست نصف دين، هي لعنةٌ ونقصان .في هذا البلد لا تكتمل امرأة إلا برجل يمنع عنها الأقاويل ويرفع عنها تهمة العُهرِ، يحمي سمعتها ويقطع الألسنة الحادة التي تشحذ مع كل مناسبة لتنال من شرفها ومن شخصها. وما ذنبها أن أصبحت أرملة في سن صغيرة؟ وما الضرّ في أنها لم تنجب إلا بناتا ولم يمنحها الله ذكورا؟ هل يعاقبها الناس على قضاء الله؟ هل تُحاسب حتى الموت على ما لا يدَ لها فيه؟ أحرقت الدموع خدها وعندما مدت يدها لتمسحها، ارتعشت وانهارت كومة حزينة فوق الكرسي، و.. بكت . بكت كل الوجع منذ وفاة زوجها، بكت وحدتها،  صمتها، ابتسامها للوجوه الكريهة التي تلتقيها كل يوم ولا تقرأ منها إلا الشر والحقد، "على ماذا؟" لا تدري، فهي جِدُّ مُسالمة، وهي لا تبحث في شؤون الناس وتكره مُجالسة الجارات أو مشاطرتهن أحاديث النميمة .. وربما اعتقدن أن هذا تكبرا منها، لذا ضاعفن كرههن لها وأسرفن في سرد الروايات عنها وعن بناتها، ولم يكن لهذا أن يستفزها للدخول في مُشاحنات كلامية هي في غِنى عنها بل وستكون فيها الخاسرة، لكنها كانت تحزن كثيرا لمدى الشر الذي يسكن قلوب البعض ومدى قدرتها على العبث بحياة أُناس أبرياء .ظلت تبكي والأفكار تتلاقفها مدّا وجزرا، فهي إن ذكرت طرائف حورية أو مواقف زوجها الساخرة من تصرفاتها الساذجة أحيانا انفجرت ضاحكة ترفقها الدموع دوما وهي تترحم عليه ملء ابتسامها، وإن عاودتها أيام مرضه واستبدت بقلبها ساعة فراقه أعلت صوتها بالنواح وبدأت في سؤال الرب "لماذا؟" دون أن تتلقى الرد سوى دمع غزير يملأ وجهها يأسا.

- أمي؟ ما بك؟

كان بكاء أمها قويا، فقد سمعت تنهداتها وهي تفتح الباب، ارتعبت ولم تقوى على وضع المفتاح في القفل بيديها المرتعشتين خوفا، وأرادت مناداتها، فلم تجد لصوتها صدى.. انفتح الباب اللعين بشق الأنفس، وركضت إلى المطبخ لِتجد العجوز البائسة تحمل رأسها بين يديها باكية بحرقة ..

- أمي؟

واحتضنتها قبل أن تسمع الإجابة، ولم تنتظر منها لا ردّا ولا تفسيرا فقد انطلقت هي الأخرى في بكاء شديد يُعادل عويل أمها ويكاد يتفوّق عليه، كانتا متعانقتين وهما تتبادلان الشهيق ومسح الدموع .. ثم فجأة نظرتا كل منهما إلى وجه الأخرى، صمتتا قليلا، ثم اهتزتا ضحكا، بل قهقتا حتى سقطت حياة أرضا على رُكبتيها وهي تلهث ..

- أمي !!

وهذه المرة ومن بين دموعها وبعينين مُغلقتين أجابتها:

- ماذا؟

- ارفعيني لا أستطيع النهوض

- وأنا أيضا لا أستطيع الحراك معدتي تؤلمني وشدقيّ سينكسران ..

ولم تكمل فقد عاودتها نوبة جديدة من الضحك ولحقتها حياة بضحكة هستيرية تردد صداها في أرجاء المنزل الصامت.

مرت دقائق قبل أن تستعيدا هدوءهما، وأول ما خطر بذهن العجوز هو سؤال حياة عن سبب عودتها مبكرة، وتذكرت أنها عندما عادت وجدتها تتوسد رأسها باكية فخشيت إن سألتها ترد هي أيضا باستفسارها سبب بكائها،  فاختفت بين الصحون محاولة بدأ حديث مُغاير.

-قررتُ أن أطبخ لكُنّ اليوم طبقا جديدا شاهدت مراحل إعداده في التلفاز، ولكنني أخشى ألا أتقن طبخه فنبقى بلا عشاء .

مضى الزمن ساكنا لدقائق قبل أن تهز ضحكة الأم شرود حياة

- ماذا؟

- عاودتني ذكرى حادثة وقعت لي وأنا في أولى أشهر الزواج

-كيف ذلك؟

- كنتُ وقد تزوجتُ في سنٍّ صغيرة لم أطل المقام في المطبخ مع أمي ولم أتعلم منها إلا القليل، فلجأتُ إلى برنامج إذاعي يقدم كل يوم أصنافا جديدة للطعام، وقررتُ ذات غداء أن أُجرّب إحدى تلك الوصفات، وكان والدك قد خرج لقضاء بعض الشؤون، فابتعتُ ما يلزم وشمرتُ عن ساعديّ وانغمست في إعداد الطعام انغماس رسام في خلق لوحة ..

و عندما عاد برهان وجد الطاولة مُزركشة بالأطباق والكؤوس، ووجدني في آستقباله بآبتسامة منتصر أنهى للتو معركته .. وجلسنا عروسين سعيدين وبدأنا الأكل " قطعت سردها بعد أن عاودتها الضحكات المجنونة بينما حياة لاتزال فاغرة فيها تنتظر بلهفة سماع بقية القصة .

- هيا نوارة أكملي ماذا حدث بعد ذلك

-لقد بصقنا اللقمة الأولى معا، كان الطعام حُلوا بلا روح ولا نكهة.. وكنتُ من فرحي قد اختلط عليّ الأبيضان فلم أنتبه إلى أني استعملت الحلو عوض عن المالح ."

وانتهتا من جديد إلى الضحك وهما تُشيران إلى بعضهما كطفلتينِ مُشاغبتينِ قامتا للتو بعملٍ شقي .

عادت الأم إلى حوضها الممتلىء عملا، ونهضت حياة مسرعة إلى غرفتها قبل أن تدرك نوارة أنه عليها سؤالها عن سبب عودتها في غير ميعاد ..

تسللت إلى الفراش تحمل معها تنهداتٍ كلهيب نار . تكدّست متكورة كرضيع تحت الغطاء، ونامت .

 

حنان عباسي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة أكتملت دورتها القصصية في جزئها الثاني ببراعة
وقدرة فائقة على التصوير ونقل الحدث لتحقيق الحلم الذي يراود
النفوس والعقول بأسلوب يشد القاريء بجاذبية اللغة السردية
المجسدة للمعنى والمغزي . تقبلي تحياتي أستاذ حنان مع كل الود
والإعجاب . ودمت في رعاية الله وحفظه.

الأستاذ / تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

صباحك ينابيع فرح أستاذ تواتيت نصر الدين،. أسعدني أن الجزء الثاني أعجبك أيضا و هذا يزيد من حماسة قلمي.
الف مبروك لكم فوز الجزائر بكأس الأمم و دمت بكل الخير.

حنان عباسي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا أستاذة حنان على تهنئة الجزائر بفوزها بكأس أمم إفريقيا
دام تشجيعك وحبك . ودمت في رعاية الله وحفظه.

الأستاذ / تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة المبدعة
لقد برعتم في هذه الحلقة ايضاً , بهذه الصياغة الشفافة بالسرد . ومنصاتها تدل على ان الام وابنتها , تحمل هواجس الهموم الحزينة . وطالما تركتم النهاية مفتوحة . فمن الممكن مواصلة حلقات القصة اكثر , بفتح مسارات حدثية جديدة , اي توسيع رقعة النص القصصي اكثر . والخروج الى الفضاء الواسع , خارج جدران البيت , وتوسيع الرقعة السردية بأضافة احداث جديدة . يعني توسيعها اكثر في الحلقات القادمة . طالما بنيتم الاسس المتينة في نص القص . ولا اعتقد ان هذه الحلقة هي النهاية . بل انها مقدمة للمواصلة اكثر
تحياتي لكم

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم جمعة عبد الله، لقد قرأتم فتعمّقتم و نقدتم فأفدتُم. و هذا يدفعني دفعا جميلا لإتمام الرواية فشكراا الف شكر لك سيدي.

حنان عباسي
This comment was minimized by the moderator on the site

رائع... رائع....قدرة فائقة على و صف الأحداث . شكرا حنان

الناصر الموحلي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرااا لك أستاذي على القراءة 🙏

حنان عباسي
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم جمعة عبد الله، لقد قرأتم فتعمّقتم و نقدتم فأفدتُم ، و إني بكلمات كهذه لعازمة على مواصلة الرواية التي أعجزتني أحيانا ، فهُنّ ثلاث بنات و أمهن و ما أثقل حكايا النساء على النساء. و لكني في إثرهن حتى أوافيكم بباقي قصتهن.

حنان عباسي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4701 المصادف: 2019-07-20 08:15:51