 نصوص أدبية

اللهُ يَفْخَر

باسم الحسناويسَأريقُ في طُرُقِ الخَيالِ خموري

              وأتوبُ من عَزْفي ومن طنبوري

ما حاجَتي للخَمْرِ، أنْتِ الخَمْرُ لي

                        أكْرِمْ بخَمْرِ العاشِقِ السِّكِّيرِ

ولأَنْتِ أغْنيَتِي التي لحَّنتُها

                  بدموعِ عَيْنِي وانْتِحابِ ضَميري

أطْلَقْتُ فيها كالطُّيورِ عواصماً

                   طارت وما عادت إليَّ طيوري

واللهِ لم أحْزَنْ عليها إنَّما

                       حزني لأنِّي خائنٌ لشعوري

فضَّلتُ أنْحائي عليها ظاهراً

                   وبدا لأصْحابي عظيمُ سروري

وأنا أرى فضْلاً لها حتّى على

                   ما في الجِنانِ من النِّساءِ الحورِ

بل لو نذَرْتُ العُمْرَ كُنْتُ مقصِّراً

                    حتى ولو ضِعْفاً وفيتُ نذوري

لكنَّ لي زَهْواً بأنِّي مُسْرِعٌ

                          لعناقِها حتى مع التقصيرِ

وبأنَّني إن لم أجِدْ شَخْصاً لها

                      أرثي الطلولَ وأشْتَكي للدورِ

وأحجُّ لا البَيْتَ الذي في مكَّةٍ

                            فأنا أحجُّ لبيتِها المعمورِ

أعْني الخيالَ إذا أتاني في الكرى

                            فأحالَني من جنَّةٍ لسعيرِ

فأنا السَّعيرُ ورغمَ ذلكَ لم تزل

                       في صَوْتِ ناري لذَّةُ التكبيرِ

وأنا الذي في قعْرِ نفسي معشرٌ

                      كفروا وهل من راحمٍ لكفورِ

بالرّغْمِ من هذا تراهم ركَّعاً

                    أو سجَّداً في المنزلِ المسجورِ

ويرتِّلونَ الحزنَ في أعماقِهم

                            ترتيلَ داوودٍ لآيِ زبورِ

يحتاجُ إسرافيلُ منهم نفخةً

                            لتعينَهُ في نفخِهِ للصُّورِ

لو أنَّ موسى كانَ صاحبَهم لما

                          صَعِقاً غدا لمّا أتى للطورِ

شعراءُ هم حتى النّخاعِ لأنَّهم

                      كانوا لصُلْبِ فرزدَقٍ وجريرِ

لم يدخلوا تلكَ الجحيمَ لكونِهم

                       ظلموا العبادَ كظلمِ شرِّ أميرِ

أو كونُهم أكلوا الحقوقَ كناسكٍ

                     كذباً يقولُ كفاكَ قُرْصُ شَعيرِ

في حين يَأْكلُ لحمَ ظبْيٍ كاملٍ

                          في وجبةٍ وينامُ مثلَ بعيرِ

وتراهُ يسكنُ في الأزقَّةِ منزلاً

                     رثّاً ويملكُ سعرَ عشْرِ قصورِ

دخلوا الجحيمَ لأنَّهم أبناؤها

                            في هذه الدُّنيا كأيِّ فقيرِ

برّاً بها لم يطلبوا من ربِّهم

                 في قعرِها المسجورِ غيرَ حصيرِ

وتوسَّدوا حجراً بها مثل المسيحِ

                         وربَّما صاموا بغيرِ فَطورِ

وإذا أتى الفجرُ القريبُ فما لهم

                        إلا دموعُهمو طعام سَحورِ

كانوا يعيشونَ الزَّهادةَ والسَّعادةَ

                           في مكانٍ موحشٍ كقبورِ

فتمسَّكوا بهما وهذا ديدنٌ

                         للرافضينَ بلادةَ الجمهورِ

اللهُ يشكرُ سعيَهم ولذا لهم

                        حشرَ الجنانَ بداخلِ التنّورِ

قد زارَهم فيهِ الملائكةُ الكرامُ

                            وعانقوهم زائراً لمَزورِ

هم سادةُ الأكْوانِ في جوزائِها

                         ما بينَ ربٍّ شاكرٍ وحبورِ

الله يفخرُ أنَّهم في ملكِهِ

                         ملكوا زمامَ العالمِ المقهورِ

***

باسم الحسناوي

الأحد/21/7/2009م

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

نادراً ما يخرج الشاعر باسم الحسناوي عن صراط العرفان في شعره وإذا خرج
يكتب عن موضوع عاجل أو طارىء وحتى في هذه الحالة فإن شعره لا يتخلى
عن اللغة المشبّعة بأجواء عرفانية .
هذه القصيدة من صميم اشتغاله وفيها يجد القارىء خمراً وحبيبة في الظاهر
وإشارات صوفية في العمق .
وفي هذه القصيدة خاصيّة اسلوبية أو ( المتوقع والمباغت ) : فما ان
يطمئن القارىء الى صورةٍ شعرية سبق له وقرأ مثلها في الشعر حتى يباغته الشاعر
بانزياح لم يكن في حسبانه :
(ولأَنْتِ أغْنيَتِي التي لحَّنتُها ) هذا مثلاً شطرٌ لا جديد فيه إذا أخذناه بمعزل عن
عجز البيت ولكنْ ما ان نقرأ الصورة كاملة بعد اكتمال البيت حتى تتغير الصورة
الشعرية من العاديّ المتوقع الى المفاجىء الجديد كلّ الجدّة :
ولأَنْتِ أغْنيَتِي التي لحَّنتُها
بدموعِ عَيْنِي وانْتِحابِ ضَميري

تتكرر هذه التقنية : تقنية استدراج القارىء بمدخل مألوف ثم مباغتته بما لم يتوقع :
برّاً بها لم يطلبوا من ربِّهم
في قعرِها المسجورِ غيرَ حصيرِ

اللهُ يشكرُ سعيَهم ولذا لهم
حشرَ الجنانَ بداخلِ التنّورِ

وعلى النقيض من هذه التقنية الإبداعية تسللت بعض الأبيات الجاهزة الى القصيدة
يمكن أن نسمّيها (مسكوكات شعرية ) توارثها الشعراء بتحوير لا يكاد يغيّر شيئاً
وفيها يجر الأسم متعلقاته كلها معه فما ان يحضر (موسى ) حتى تأتي (صعقاً )
في حشو البيت ثم لا يبقى إلا المتوقع تماماً وهو ( الطور ) لاسيما إذا كانت القصيدة رائية ,
فإذا كانت القافية قافاً فإن (صعقا ) تتأخر بينما يتقدم ( الطور ) , وهذا أشبه ما يكون
عند القراءة بمطبّات في القصيدة المحلّقة , وقس على هذا البيت بيتاً آخر احتوى على
اسرافيل والصور .

هذه قصيدة عمرها عشرة أعوام , هي إذاً من قديم الشاعر .

دمت في صحة وإبداع أخي الحبيب الشاعر المبدع باسم الحسناوي

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

عفوا..كتبت القصيدة في 21/7/2019، وليس 2009

باسم الحسناوي
This comment was minimized by the moderator on the site

باسم الحسناوي الشاعر الشاعر
ودّاً ودّا

كنت قد أرسلت تعليقاً على هذه القصيدة ويبدو أن تعليقي
ضلّ طريقه في دهاليز الشابكة العنكبوتية .

في هذه القصيدة اعتمد الشاعر تقنية إستدراج القارىء بالمتوقع
ثم مباغتته بانزياح في نهاية البيت .
ولأَنْتِ أغْنيَتِي التي لحَّنتُها
كهذا الشطر مثلاً ثم يأتي عجز البيت بانزياح غير متوقع :
بدموعِ عَيْنِي وانْتِحابِ ضَميري
وهكذا على هذا المنوال :
برّاً بها لم يطلبوا من ربِّهم
في قعرِها المسجورِ غيرَ حصيرِ
وفي أغلب قصائد الشاعر التي قرأتها لا يغادر الشاعر باسم الحسناوي
عوالمه العرفانية ومناخه الصوفي وهذا يجعل من قصيدته قصيدةً ذات
ظاهر وباطن فهي غزلية خمرية من الخارج وصوفية بالعمق .
على انني وجدت بعض الأبيات تلعب على الرموز الشائعة دون
تغييرها تغييراً كبيراً فجاءت كأنها اقتراضاً من الشائع كهذا البيت
أو البيتين اللذين لعبت القافية لعبتها في استدراج الشاعر الى الجاهز :
يحتاجُ إسرافيلُ منهم نفخةً
لتعينَهُ في نفخِهِ للصُّورِ
لو أنَّ موسى كانَ صاحبَهم لما
صَعِقاً غدا لمّا أتى للطورِ
دمت في صحة وإبداع أخي الحبيب باسم الحسناوي أيها الشاعر الحقيقي

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الحقيقة اني صححت تاريخ كتابة القصيدة، فهي قصيدة مكتوبة في التاريخ الحديث جدا، الا ان هذا لا يغير من الموقف شيئا، فالنص هو النص سواء كان قديما او جديدا، الا اني انتفعت من نقدك الثر ان القصيدة على الرغم من احتوائها على سبك قوي، ورغم اعتنائها بتدوير المعاني واحداث الصدمة والمفاجاة، الا ان بعض الابيات بقيت تدور في اطار المعاني المتوقعة، رغم اللعب الاسلوبي، كما هو الحال مع البيتين الخاصين بموسى واسرافيل
الواقع ان ما تفضلت به صحيح، الا اني احب ان انوه الى شيء، وهو اني في بعض مقاطع القصيدة لا اعتني بقضية احداث الصدمة او المفاجاة، بقدر ما يهمني خدمة المقطع للغرض العام للقصيدة، في رايي ان القصيدة العمودية لا بد ان تحتوي على ومضات، لكن ليس من الصحيح ان نجعل جميع ابيات القصيدة مكونة من هذه الومضات، الومضات محطات تحقق نشوة المفاجاة للقارئ وتستدرجه الى الغوص في معاني القصيدة ككل، اشكرك فعلا لانك اثرت هذا الموضوع، وهو في رايي مهم، ولي راي فيه، وقد ابديته الان، لانني ربما لم يتسن لي عرض هذا الراي سابقا، مع انه يشكل ركنا اساسيا من قناعتي، الف تحية لك صديقي الشاعر الناقد جمال مصطفى، وتقبل التحية

باسم الحسناوي
This comment was minimized by the moderator on the site

ما حاجَتي للخَمْرِ، أنْتِ الخَمْرُ لي

أكْرِمْ بخَمْرِ العاشِقِ السِّكِّيرِ

ولأَنْتِ أغْنيَتِي التي لحَّنتُها

بدموعِ عَيْنِي وانْتِحابِ ضَميري

أطْلَقْتُ فيها كالطُّيورِ عواصماً

طارت وما عادت إليَّ طيوري

واللهِ لم أحْزَنْ عليها إنَّما

حزني لأنِّي خائنٌ لشعوري

----
من بستان قصيدتك المخملية قطفت هذه الزهرات اليانعة الفواحة بعطرها
الذي يمتد شذاه في أفق الأرواح الحلمة بالحب والجمال
قصيدة محكمة البناء والصياغة فكريا ولغويا . تقبل تحياتي أستاذنا الغالي
ودمت في رعاية الله وحفظه.

الأستاذ / تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الشاعر تواتيت نصر الدين المحترم اشكر مرورك العطر وتعليقك الجميل وتقبل التحية

باسم الحسناوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4703 المصادف: 2019-07-22 08:34:48