 نصوص أدبية

أوَّلُ الآباء

باسم الحسناويكذبوا فما تلك البلادُ بلادُ

                       بل إنَّها صورُ الخرابِ تُعادُ

ولأنَّها بلدُ المجازرِ كلِّها

                       قد قيلَ عن بلدِ السَّوادِ سَوادُ

ولتطمئنَّ على الكوارثِ عندَها

                         بل ليسَ للموتِ المبيرِ نفادُ

لم ينقلب عرشٌ لنغلٍ ساقطٍ

                            إلا لنغلٍ آخــــــــرٍ تنقادُ

الأنبياءُ جميعُهم من نسلِها

                           والأولياءُ وليسَ ثَمَّ رشادُ

إني لأعجبُ كيف تغرسُ حنطةً

                         مثلاً ويأتي موسمٌ وحصادُ

فيكونُ مجملُ ما جنتهُ جهودُها

                         أنَّ الحصادَ حرائقٌ ورمادُ

شعراؤُها يتغزَّلونَ فربَّما

                      ذكروا سعاداً.. ليس ثَمَّ سعادُ

قصدوا الإجادةَ في القصيدةِ ليس إلا

                          حينَ حرَّكَ شجوَهم إنشادُ

فإذا انتهى دورُ الخيالِ فليس ثَمَّ

                             حبيبةٌ تُطوى بها الآبادُ

أما النفوسُ فإنَّهنَّ كزئبقٍ

                             أمّا القلوبُ فإنَّهنَّ جَمادُ

ولربَّما حراً يكونُ أبيُّها

                            لكنْ لهُ من نفسِهِ أصفادُ

يخشى المصيرَ إلى الجحيمِ وإنَّهُ

                         في قعرِها ألقى بهِ الإخلادُ

هو مؤمنٌ جداً بكلِّ خرافةٍ

                             فمآلُ إيمانٍ هو الإلحادُ

إنا نكافحُ زرعَنا بجرادِنا

                         أيظلُّ زرعٌ والمبيدُ جرادُ؟

في نفس أيّامِ الحدادِ زفافُنا

                            فزفافُنا يومَ الحدادِ حدادُ

دعت الإلهَ بحقِّهِ أورادُنا

                         لكنْ زنت بدعائها الأورادُ

ما أخلصت للهِ قيدَ دُمَيْعَةٍ

                             وليسقطِ العبّادُ والزهّادُ

إنّا نجاهدُ ضدَّ أنفسِنا التي

                         كفرت بأنفسِنا فنعمَ جهادُ!

القتلُ والتهجيرُ قربانُ التقيِّ

                         وكلُّ ما شغلَ الوزيرَ فسادُ

أما رئيسُ بلادِنا فدماغُهُ

                        كالسلحفاةِ مُخَيخُها الأكرادُ

آسادُنا لو أنَّها كأرانبٍ

                         فزنا.. كفئرانٍ هنــا الآسادُ

والله وا أسفا على شهدائِنا

                      بالرغمِ من طوباهمُ استشهادُ

أنْ تحتَ شاهدةِ القبورِ توسَّدت

                        حجراً فنامت تلكمُ الأجسادُ

ليكونَ بعدَهم المخنَّثُ قائداً

                          وإليهِ تُنسَبُ تلكمُ الأمجادُ

لو لم يكن سيفٌ لما ربحَ الوغى

                        شعبٌ، ولكن تُمدَحُ الأغمادُ

أما الدماءُ فمسندٌ ومصحَّحٌ

                   عنها الحديثُ وإن روى الآحادُ

بينا حديثُ شجاعةِ القومِ السراةِ

                             فدائماً لا يوجدُ الإسنادُ

السفحُ ليس الطودَ.. للأعلى إذن

                           فانظر إليها ثمَّةَ الأطوادُ

هم أوَّلُ الآباءِ لا آباؤُنا

                          فجميعُنا من صلبِهم أولادُ

وغداً نموت وكلُّ ما أصلابُنا

                        ولدت لهم هم وحدَهم أحفادُ

شكراً لجودِهم الكثيرِ فإنَّهم

                   جادوا بحيثُ سواهمو ما جادوا

بادَ الذينَ قصورُهم في لندنٍ

                        وهمو بأجداثٍ لهم ما بادوا

هم بينَنا يتسامرونَ فإن رأيتهمو

                             فلا تخبِرْ بأن قد عادوا

ما فارقوا أصلاً فما من عودةٍ

                       بل نحنُ عدنا، أو نعودُ نكادُ

***

باسم الحسناوي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

باسم الحسناوي الشاعر الشاعر
ودّاً ودّا

ليس هناك أوضح من هذا الشعر ووضوحه مقصود فلا يتوخى الشاعر
في هذه القصيدة سوى إيصال المقصود بأبلغ بيان , بيان يرفعه شعورٌ
جارف بفقدان الأمل , كأن التغيير والمرتجى أضغاث أحلام .

قصيدة عراقية تحدّق في ذاتها وتتعجب من أحوال مكانها عبر الأزمنة .

في البيت الأخير من هذه القصيدة براعة جميلة جداً في اقتناص القافية
وقد يظن بعض القرّاء ان الشاعر قدّم نعود على يكاد مضطراً وهذا
غير صحيح بل ان القافية في هذا الموضع هي من هبات اللاوعي وقد
جاءت كأجمل قافية في القصيدة كلها .

على هامش هذا التعليق القصير أو ان أضع رابطاً لكتاب نقدي رائع
للناقد الفلسطيني الراحل يوسف سامي اليوسف بعنوان ما الشعر العظيم
وما دفعني الى ذلك هو شعر الشاعر باسم الحسناوي الذي يتغذى على
الكثير مما في الصوفية والعرفان أدباً وذوقاً ورموزا وكتاب هذا الناقد
هو الآخر يمتح من بئر التصوف مع ثقافة شعرية عالمية كبيرة أيضا .
إذا كان صديقي باسم لم يطلّع على هذا الكتاب من قبل فسيجد فيه ضالّته
النقدية عمقاً وذوقاً ولغةً وتحليلاً على الرغم من بعض الأغلاط المطبعية
التي لا تخفى على ضليع باللغة مثل الشاعر باسم الحسناوي
هذا هو الرابط
وhttps://ia800905.us.archive.org/5/items/WhatsGreatPoetry/%D9%85%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81%20%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81.pdf

دمت في صحة وإبداع أخي الحبيب

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

قمت بتنزيل هذا الكتاب الصغير وساقوم بقراءته ان شاء الله، الف تحية لك صديقي الشاعر والناقد جمال مصطفى المحترم، انا ممتن لك

باسم الحسناوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
قصيدة تضعنا امام واقع مرير . تضعنا امام ماهية الجمال الشعري واغراضه ؟ . واي جمال يتوخى الشاعر في مخاطبة القارئ ؟ تضعنا امام حقائق مرة . وما وظيفة الشعر الجميل بالصياغة المبهرة والمدهشة . امام واقع يقول مهما بلغ الجمال الشعري بالصياغة الجميلة , والفذة في الابداع يبقى ناقصاً امام مجريات الواقع .المحسوس والفعلي , بأن هذا الجمال الشعري المتألق , يبقى ناقصاً , او بالاحرى أعور يرى بعين واحدة . مهما كانت مديات الجمال الشعري . لان الواقع والحياة سلكت طريقاً منحرفاً وشاذاً . ويحاول هذا الشذوذ ان يكون سنة وناموس الحياة والواقع . لذا فأن الواقع والحياة تحتاج الى جمال شعري , آخر يسعف جراحه ويخفف من وطئة معاناته , هو جمال الشجاعة الشعرية . ان يضع الشاعر نفسه امام الموقف , ازاء الضمير والاخلاق والروح الانسانية . ان يخلق السؤال والتساؤل . حول الخراب الذي ييط بنا ويقمعنا , ان يضع الواقع الفعلي في ميزان ضميره . من منصات الحياة التي انحرف عن جادة الصواب والمنطق والعقل . ما قيمة الوطن والدين . اذا لم تتوفر الحياة والعيش الكريم . اذا لم يتوفر الامن والامان . اذا لم يشعر الانسان بقيمته ومكانته الانسانية . اما ان يشعر بغصة الوجع والالم من هذا الخراب العام . المليء بالكوارث والنوائب والحداد . فما قيمة الدين الذي تحركه الخرافة والشعوذة . والاهم ماهو موقف الشعراء كشريحة مثقفة . فقد ولى زمان , بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ . حين اينما يلتفت يجد الخرائب والدخان والحرائق حوله , بماذ القلب متبول بصخام الوجه . متيم اثرها لم يفد مكبولُ .. بماذا متيم بالضحايا الابرياء الذين ( يروحون بوله بالشط ) متيم بالجراد الوحشي الذي هلك البلاد والعباد . متيم بالحداد الاسود ؟ أم متيم بالفقر والجوع في بلد يرقد على بحر من الذهب الاسود . ام متيم بالدين الذي داست قيمه النبيلة بالاحذية والاقدام , في مهرجانات التهريج بالنفاق والدجل . لذا فأن الشجاعة الشعرية هي موقف الرجولة وقيمها ازاء منصات الواقع
كذبوا فما تلك البلادُ بلادُ

بل إنَّها صورُ الخرابِ تُعادُ

ولأنَّها بلدُ المجازرِ كلِّها

قد قيلَ عن بلدِ السَّوادِ سَوادُ

ولتطمئنَّ على الكوارثِ عندَها

بل ليسَ للموتِ المبيرِ نفادُ

لم ينقلب عرشٌ لنغلٍ ساقطٍ

إلا لنغلٍ آخــــــــرٍ تنقادُ
قصيدة تنزل الى اعماق الجرح العراقي , بهذا الطرح الشجاع
ودمت في خير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد القدير جمعة عبد الله المحترم:
نعم نحن بحاجة الى القصيدة البليغة والواضحة في نفس الان، لا نحتاج الى شعر وطني ملغز ليقال اننا نكتب شعرا عظيما، احسنت التعليق صديقي الرائع، ومثلك من يحسن القراءة النقدية المعمقة للنصوص، تحية احترام لك اخي الناقد الحقيقي، ولك المحبة

باسم الحسناوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4706 المصادف: 2019-07-25 11:13:04