 نصوص أدبية

امرأتان

محمود سعيدكان علي ان انتقل الى فندق في بغداد استطيع من خلاله بسهولة الذّهاب الى المطار، إذا حان موعد طائرتي. كنت وحيداً، في بيت صديق لي ذهب الى الولايات المتحدة، ليتابع اجراءات الاقامة، لكن البيت في عطفة سَدّت الضّرورة الأمنية في المدينة أحد مخرجيها، فاصبح التّحرك منها معظم الوقت شديد الصّعوبة إلّا مشياً.

اتصل بي أخو صديقي، يطلب مني توصيل بعض الوثائق اليه، حين أصل الى شيكاغو. قال لي بالهاتف إنّ هناك من سيجلب الأوراق في الواحدة ظهراً، ثم اعتذر ورفع الوقت الى الثّانية، ثم الرّابعة، وأخيراً استقر رأيه على التّاسعة مساءً، وكان ذلك خنجرا في الخاصرة، فمن الصّعب جداّ مرور سيارة أجرة في العطفة، في تلك السّاعة وما بعدها، لكني فوّضت امري لله.

البرد شديد قارس، وأنا مصاب بانزلاق الفقرات القطنية، لا استطيع التّوقف أكثر من بضع دقائق، وحينما بلغت السّاعة التّاسعة والرّبع، كاد يغمى علي من التعب والزمهرير، فدخلت لأستريح في غرفة مدفأة.

كنت أخطو بصعوبة، وآلام الظّهر تمزّقني. قبل ان أجلس دقّ الجرس. تحاملت على نفسي واتجهت في الممر الطويل لأخرج على مهل، كأي مصاب بانزلاق العضلات، ثم سمعت الجرس يرنّ ثانية، وثالثة حتى وصل العدد تسع مرّات خلال دقيقتين. كنت استطيع أن اقول نعم، أو أنا قادم، لكن لا فائدة، فمهما أصرخ لا يسمعني من بالخارج. أخيراً وصلت المرآب الذي يفصلنا سياجه عن بعضنا، وهتفت: نعم. جئت. أخيرا توقّف الجرس.

تمالكت اعصابي كي لا انفجر في وجه من يستحثّني بمثل هذا الإلحاح، لكنّي لحظت امرأة في أربعيناتها، في غاية الانزعاج لإهمالي الرّد على دق الجرس، متجاهلة أنّها اشغلتني نحو سبع ساعات كاملات، بتغيير موعد مجيئها.

قلت لها: أنا مريض، لا استطيع أن أسير بسرعة، ومهما أرفع صوتي لا يمكن ان تسمعيني، لأن هناك بضعة أبواب حديد بيننا.

تجاهلت كلامي بتعال مؤلم، وبسحنة عبوسة قمطريرة مدّت يدها بالوثائق، من دون أيّ كلمة، وعيناها تقدحان غضباً، وأنفاسها تتالى احتداماً. لكني سيطرت على نفسي ثانية. تناولت الوثائق، ثم رجوتها، إن كان باِلإمكان مساعدتي بنقلي وحقيبتي الى أقرب شارع، يتيح لي إيجاد سيارة إجرة؟

بدا أن تلك الجملة كانت “من دون أن أدري” أكبر اهانة توجّه اليها، احتدمت تقاطيعها، ثم احمرّت، واخضرّت، وتقلّصت عيناها سخطاً وغضباً. حين وصل الأمر إلى هذه الحالة عنّ لي أن أقوم بشرح حالتي ومرضي، وعدم استطاعتي سحب حقيبتي الى رأس شارع مقطوع في تلك الساعة، لكّني عندما رأيت احتدامها، وعصبيتها، لجمت!

هتفتْ بالنبرة الملتهبة نفسها، وبصوت أعلى، وهي تهزّ رأسها: ومن يدعي الّا تمرّ سيارة أجرة من هنا؟ فقط قليل من الصبر! كلّ سيارات الأجرة تمرّ من هنا، بدون انقطاع حتى الصّباح.

لم تتوقف عن الكلام، وربما رأت أنّها سلبتني حريّتي للكلام، فطفقت تبرر ذلك بكشف حقيقة قيمتها، وعلو مكانتها: أنا صيدلانيّة معروفة، وبنتايا مثلي صيدلانيّتان، وزوجي صيدليّ مشهور كذلك.

لا ادرِ ما علاقة الصيدليّة بقضية إيصالي وحقيبتي إلى أقرب شارع، لكن مستوى احتدامها ازداد مع شدة الانفعال.

قدّرت انّها ستنفجر الى شظايا تتوزع على المنطقة كلّها، إن لم ألجأ الى إيقافها، لكن كيف؟ ثم أدركت أن تلك غاية مستحيلة. حسناً لأهدئها بأي كلام، هتفت: رجاء.

“بلا رجاء، ولا استعطاف”.

خشيت أن يخرج الجيران ليروا مستوى هذا السّعار المنفلت، فيزداد الأمر تعقيداً، ثم بدأت بلوم نفسي، فقد تظنّ أنّني أريد بها شرّاً ان جلست وحيداً معها في سيارتها. قلت: لا بأس اذهبي، رجاء، لا أريد شيئاً.

لكنّها لم تتوقّف: من أنت لتأمرني بالذّهاب؟ وقبل كل شيء كم يوما قضيت في هذا البيت؟

نعم، غلطتي كبيرة، لكني لم أفه بأيّ كلمة، تراجعت مهموماً، لأدخل الدّار، واجلب حقيبتي، اسحبها بهدوء كي لا تؤثر على فقراتي.

اختفيت في داخل البيت، خلتها ستذهب حالاً، لكنّها استمرّت تتكلم، وحين أدركت أنني انسحبت مهزوما في المواجهة، غادرت ليسود الصّمت والبرد وألم الفقرات.

لم تكن العطفة منارة، كما لم تكن معظم سيّارات الأجرة في بغداد مزوّدة بعلامة تميّزها ليلاً عن باقي السّيّارات كما في مدن العالم، وفي الليل المظلم، لا ترى لونها لتفرقها عن غيرها، عادة، فكل الألوان صماء ليلاً.

بعد نحو خمس دقائق مرّت سيارة على بعد قدم مني، لحظت اللون الأسفل منها اصفر، وهو لون سيّارات الإجرة، لكنّ الّلون الأعلى كان أبيض، اذن فالسّيّارة خاصة، لكنّي مع ذلك تشبّثت بأملي، استجمعت شجاعتي، هتفت: سيّارة أجرة؟

توقّفت السّيّارة، ميّزت شابا وسيماً، في ثلاثيناته، وقربه امرأة حسناء وضّاحة، مشرقة الملامح، في العمر نفسه، لم يرد عليّ بلا، أو نعم. بدا ذكياً جداً، أدرك واقع ندرة سيّارات الاجرة في هذه العطفة المقطوعة، في مثل هذا الوقت. قال: أتريد أن أوصلك الى مكان ما؟

سمعت صوت الإمرأة تقول، وهي تبتسم ببهجة: أهذا سؤال؟ نعم يريد. أوصله، اّلا ترى الطّريق مقطوعاً. ثم نهضت من كرسيها في المقعد الأمام. قالت لي: تفضل عمّو.

أشار مرافقها الى حقيبتي: أهذه فقط؟

“نعم”.

سأضعها في صندوق السّيّارة، ثم فكّر لحظة قبل ان يختار فرعاً من اثنين أمامنا. في خلال دقيقتين لا أكثر كنا في شارع “كرادة خارج” المزدحم المنار، الصّاخب، توقّف، أشار الى سيّارة اجرة، تكلّم مع سائقها، ثم حمل حقيبتي الى سيّارة الأجرة.

قال لي، اتفقت معه ان تدفع له خمسة آلاف دينار. إن لم يعجبك المبلغ، نرى غيرها، بينما كانت المرأة تحييني وتودعني، وابتسامة عريضة، تخطف نصف وجهها الجميل.

غمرني العرق والخجل لطيبة هذين الكائنين الرّائعين، ولطفهما وأدبهما، وأنا اشعر أنني تائه في حل لغز شائك: أهناك وشيجة رحم بين الجمال والوسامة وفعل الخير من جهة والقبح والشر وسوء الأدب من جهة أخرى؟

 

محمود سعيد

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والروائي القدير
قصة من عمق الواقع وتجاربه اليومية . وقد برعت في احترافية جميلة ومتألقة , في سوق الحدث , والخيال السردي بلغته المشوقة والممتعة . وافرزت ببراعة متناهية التناقض الذي يلف الحياة الواقعية . التي تحمل الجميل والقبيح . بين التعالي الاناني , والتواضع الانساني الجميل , بالضبط مثل واقع التناقض في الحياة العراقية , في ازدواجيتها المعقدة والغريبة والمتشابكة , والتي يصعب حل طلاسمها , بين الجميل والقبيح
ودمت بخير عيد سعيد وكل عام وانت بالف خير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا أخي جمعة. بارك الله فيك ناقدا ومبدعاً

محمود سعيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4725 المصادف: 2019-08-13 04:03:50