 نصوص أدبية

الجيثوم

نادية المحمداويتبعتني أم محمد وابنتها الى المستشفى ودخلنا الممر المؤدي إلى الردهة بعد عناء ومحاولات استعطاف متكررة وممانعة من قبل الموظف المسؤول بسبب حظر الزيارات في ذلك الوقت من النهار. لكنني استطعت أخيرا أن أقنعه بالعدول عن ممانعته وادخل راكضة عبر الممر المؤدي إلى الردهات، كي أراه للمرة الأخيرة.

ها هو ممدد أمامي وحول سريره عدد من الممرضين رجالا ونساء. لم يتغير شكله عما هو محفوظا في ذاكرتي أو عما ألفته في الواقع، نظرات عينيه مذعورة مثل عيون الأرانب الهاربة، والممرضون يتهامسون حوله بلغة لا اعرفها وكأنهم كانوا يحضرونه لإجراء عملية جراحية لا اعرف ما هي أيضا. لكن طبيعة الاستحضار تدل على أنها عملية مصيرية خطيرة.

صورته التي الفتها في الواقع كانت مطابقة تماما لما هو عليه الآن ونظراته أثارت في نفسي رغبة الاحتضان وتملكني شعور أن ارمي نفسي بين أحضانه غير مبالية بهذا الجمع من العيون.

لحظات قاتلة تفصل بيني وبين اتخاذ القرار، تقدمت خطوتين نحو السرير واخترقت حاجز الممرضين بالخطوة الثالثة ثم احتضنتُ يده اليمنى بكلتا يدي تمهيدا لما سيأتي بعد ذلك.

أجهش في البكاء لوحده بينما لم تذرف عيناي دمعه واحدة، كنت أهدئ قلقه لكنه يزداد بكاءً ويتمسك بيدي خلسة للحظة أخرى، كان يتحفز للنطق ويفشل، غير أني كنت على يقين انه سينطق لو بقيت معه ساعة أخرى لكن الممرضين أطبقوا على السرير من جديد وأبعدوني للوراء بعصبية وقسوة،

لا ادري لماذا انضمت أم محمد وابنتها للممرضين وأمسكتا بي بقوة لم استطع مقاومتها وجرتاني خارج الردهة من بين رتاج الباب وكتف أم محمد رأيته يستسلم وكنت مصرة على متابعته بنظراتي المتوسلة لكن أم محمد صدمتْ راسي بالرتاج وصحوت يتملكني فزع شديد ويتصبب من جبيني عرق بارد، وأنفاسي لاهثة كأني كنتُ أركض في مضمار طويل

 

نادية المحمداوي

..........

الجيثوم: قد يبدوا عنوانا غريبا لكنه شائع في جنوب العراق وهو بديل عامي شعبي عن معنى الكابوس لذا وجب التنويه

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

توسع لغوي: شكرا للكاتبة نادية على هذه اللمحة القصصية عن الجيثوم عافانا الله جميعا من كل كابوس يزعج النفوس، وبالمناسبة يمكن أن نضيف هذا اللفظ إلى الكابوس لأنه يدل على نفس المعنى لأنه يجثم على قلوب، والحقيقة أن الذي دفعني إلى قراءة هذه القصة المركزة هو عنوانها بالذات لأني أريد أن أضيف اقتراحا وهو إمكانية استعمال صيغة أخرى مشتقة من نفس اللفظة وهي (الجاثوم) على وزن الكابوس: وقد لاحظت أن المترجم الذي قام بترجمة (رسائل جبران) ترجم (الكابوس) (بالضاغوط) وهي مناسبة لأنها مشتقة من الضغط لأن وزن(فاعول) أنسب لها، وهي جميعا تضيف إلى الكابوس كابوسا وإلى الضاغوط ضاغوطا وإلى الجثوم جاثوما وهموما، وما أشد حاجة من يكون في مثل موقف كاتبة هذه القصة إلى هذه الثروة اللغوية التي تعينه على تمثيل هذا الموقف الدرامي العميق.

نورالدين صمود
This comment was minimized by the moderator on the site

د مت استاذ وشكرا لمتابعتك القيمة
دام الق مرورك

نادية المحمداوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4726 المصادف: 2019-08-14 00:47:42