 نصوص أدبية

قدستُ أشيائي القديمة.. سبعُ قصائد

باسم الحسناويتوضيح:

أوضِّحُ الفرقَ بينَ الحبِّ والذلِّ،

           لا سيَّما عند شَخْصٍ شاعرٍ كَهْلِ

أنا أحبُّكِ يعني أنَّني رجلٌ

               أحقُّ محترفٍ للحبِّ بالوَصْلِ

يعني كذلكَ أنَّ اللهَ ميَّزني

       فليسَ في الكونِ شخصٌ رائعٌ مِثْلِي

هم يعشقونَ أذلّاءً نساءَهمو

               وإنَّني شامخاً أهواكِ كالنخْلِ

وربَّما كانَ لي مثل الورى ولدٌ

              وانَّني مثلهم أحنو على نجْلِي

لكنَّني ناظرٌ إن كانَ كوكبةً

             من النُّجومِ وإلا ليسَ من نسْلِي

إني منحتُكِ بَعْلاً من سنا قمَري

           فبوركَ القمَرُ المَطْعونُ من بَعْلِ

        **

قدستُ أشيائي القديمة

في كفِّها نهرُ الفراتِ، ودجلةٌ

             في كفِّها الأخرى ولاتَ عراقِ

قلتُ استجيبي للعناقِ فأرهصت

                   بعناقِها لولا وأدْتُ عناقي

وإذا أردنا أن نعانقَ بعضنا

                     لعناقِنا نسعى بلا أعناقِ

أنا راغبٌ فيها بكلِّ نبوَّتي

                   لكن أمعراجٌ بغيرِ بُراقِ؟

ما لي سوى الشفتينِ من وطنٍ ولي

               علمٌ يرفرفُ من سنا أحداقي

قدَّستُ أشيائي القديمةَ كلَّها

             وعلى الجديدِ أنا قذفتُ بُصاقي

         **

خلاف

لسنا بمتَّفقَينِ فيما نشعرُ

                 أنا أندبُ القتلى وأنتَ تكبِّرُ

كبَّرتَ من أجلِ الحروبِ تشنُّها

                   علماً بأنَّكَ عن إلهِكَ مدبِرُ

لو كنتَ تقصدُ أنَّ ربَّكَ حاضرٌ

                فعلاً بحربِكَ ما رأيتُكَ تفخَرُ

أنْ قد قتلتَ الألفَ في يومٍ وفي

             يومَينِ، بينا ألفَ شخصٍ تأسِرُ

الحربُ بنتُ الكلبِ تكرهُ بعلَها

               ومن الطبيعيِّ الخؤونةُ تفجرُ

يهتزُّ من طربٍ متى قدّامَهُ

           تزني الحليلةُ.. بئسَ هذا المنظَرُ

ويشاءُ إقناعي بأنَّ القحبةَ

          الشوهاءَ من ماءِ السَّحابةِ أطهَرُ!

       **

بطولة

أنا ملكٌ يبكي بكلِّ بطولةٍ

      فما ليَ من شعبٍ سوى معشرِ الدَّمْعِ

أقاتلُ أهلَ الزيغِ من أهلِ ملَّتي

    فهم بَصَري من دون شكٍّ وهم سَمْعي

إذا ما تشهَّيتُ النساءَ وجدتَني

     تزوَّجتُ أنثى من بني السيفِ والنطعِ

أنا لا أظنُّ الحبَّ ظناً وإنَّما

             إذا ما أنا أحببتُ أحببتُ بالقطعِ

وليسَ مهمّاً حين أصبحُ نخلةً

               إذا لم أكن إلا المسافةَ للجذعِ

ولا فرقَ بين الماءِ والنبعِ إنَّما

            نضحتُكَ ماءً فانتميتَ إلى نبعي

         **

في ذكرى الحرب

أتحاولُ الآنَ الوقوفَ على الجحيمِ

                  لكي ترى أبناءَكَ الشُّعراءَ

ماذا يهمُّكَ من توهُّجهم بتلك

                    النار ما دامَ الدخانُ نساءَ

هم يشربونَ خمورهم في قعرها

                 حتى إذا سكروا بدوا أشلاءَ

فكأنَّهم خرجوا لتوِّهمو من

                الحربِ التي لا تقتلُ الأعداءَ

بل تقتل الأخَ والصديقَ بنَبلِ من

               شربَ الأخوَّةَ والصداقةَ ماءَ

يا ليتَ من شاءَ الدفاعَ عن الحمى

                    ببطولةٍ فتكت بنا ما شاءَ

أبطالَنا الأمواتَ قوموا جانباً

                   حتى نرى أبطالَنا الأحياءَ

                **

الأحرار العبيد

هم الأحرارُ أجمعُهم عبيدُ

                      شعارُهمو نفيدُ ونستفيدُ

لقد ركضَ الزمانُ بنا سريعاً

                     ولكن قطُّ ما قربَ البعيدُ

نعم نمنا طويلاً في كهوفٍ

                    إلى أن ملَّنا الزمنُ المديدُ

ونحمدُ ربَّنا أنا مددنا

                    ذراعَينا ليذكرَنا الوصيدُ

وإلا لم نجد كهفاً لنومٍ

                 على حجمِ الكسالى أو يزيدُ

وأنّا كلَّما عهدٌ تقضّى

                     فذا من نكسةٍ عهدٌ جديدُ

                 **

إعلان

باسمي وباسم النهر أعلنُ أنَّنا

                لسنا لأن نبكي على استعدادِ

بل نحنُ من فرحٍ نزفُّ كلامَنا

                 في موكبِ الأولادِ والأحفادِ

لنقولَ شيئاً واحداً هو أنَّنا

                متفائلونَ بقتلِ حرفِ الضادِ

فيكون رمز نضالِنا وجهادِنا

                    في أمةٍ خلقت ليومِ جهادِ

إن تفتخر فلها افتخارٌ بالذي

             اضطهدَ الجميعَ بخطَّةِ استبدادِ

إياكَ لا تخدع بظاهرِ مدحِها

                   للراغبينَ بلحظةِ استشهادِ

لو كانَ حقاً مدحُها ما سلَّمت

                   شرفَ البلادِ لخسَّةِ القوّادِ

                ***

باسم الحسناوي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أنا راغبٌ فيها بكلِّ نبوَّتي
لكنْ أمعراجٌ بغيرِ بُراقِ؟

باسم الحسناوي الشاعر الشاعر
ودّاً ودّا

(سـبع قصائد ) مائدة شعرية باذخة كمّاً ونوعا .
التعليق بطبيعته لا يسمح بالوقوف على كل صغيرة وكبيرة فـليس على المعلق سوى أن
يركّز في تعليقه على نقطة أو اثنتين كلّ مرّة تاركاً ما يبقى وهو كثير الى تعليق قادم .
باسم الحسناوي شاعراً يكاد يكون بلا أشقّاء يشبههم في الملامح الشعرية ويشبهونه ,
حتى أخوانه من أمه : ( القصيدة العمودية ) تراثيةً ومعاصرة تختلف ملامحهم كثيراً عن ملامحه .
فرادة شعرية بلا شك وراء هذا الصوت الشعري الأصيل الجديد معاً .

وإذا أردنا أن نعانقَ بعضنا
لعناقِنا نسعى بلا أعناقِ

صراط التقليد الشعري المستقيم دربٌ معبّد وهذا مفروغٌ منه فإذا جنح مبدع عن جادة ذلك الصراط
فإنّ لجنوحه فرادةً وفذاذة وان لجنوحه أيضاً مخاطرَ ووحشةً وأعراضاً جانبية أخرى .

في شعر باسم يلمس القارىء المتابع بعضاً من تلك المخاطر : قصيدة باسم لا تخلو من تشنج
وفيها غضب مكبوت على ما حولها يتجسّد كحِدّة تعبيرية قاطعة وهذه الحدّة القطعية وذلك
التشنج يصيب بشراره القارىء فينعكس ذلك كمسافة رمادية بين الصدود والإنجذاب ما بين القصيدة
وقارئها .
هناك قطعية تعبيرية محببة بكل تأكيد وهذه عريقة في الشعر كهذا البيت للحسناوي :

أنا لا أظنُّ الحبَّ ظناً وإنَّما
إذا ما أنا أحببتُ أحببتُ بالقطعِ

وهذا البيت يذكرني ببيت قطعي أيضاً لنزار قباني :

هو الحب عندي جِدّةٌ وتطرّفٌ
وتحطيم أبعادٍ ونارٌ لها أكلُ

هذه القطعية شبيهة بالمبالغة التي نراها في كل تعبير شعري وهي تأكيد على المعنى الذي
يريد الشاعر أن يشدد عليه ولكن هناك قطعية سلبية تجر التعبير الى أن يكون عدمياً يرين
عليه التمحّل .
الأريحية في التعبير مطلوبة كجسر لكسب القارىء وللأريحية مداخل منها الإبتعاد عن اليقين
التعبيري القطعي كأنه رديف التزمّت , ومن المداخل أيضاً تحاشي القسوة في الصورة إذا
كانت غير ضرورية داخل السياق الشعري وتخفيفها أو تلوينها وجعلها غير مباشرة إذا كان
لا بد منها , خذ هذا البيت كمثال على القسوة التعبيرية الفاقعة :
وعلى الجديدِ أنا قذفتُ بُصاقي
هذه فورة تعبيرية تهبط بالمجاز المحلّق الذي اخضلت به القصيدة من أولها حتى هذا الشطر
الناشز , ولا بد من الوقوف هنا قليلاً عند الفورات التعبيرية فهي قد تكون مغرية جداً في
لحظتها ولكنها على المدى الطويل والمتوسط تنكشف كنزق تعبيري حاد كان يجب تحاشيه
كي لا تبدو القصيدة محض مزاجٍ تنطفىء القصيدة بزواله وتبهت خضرتها التعبيرية .
للشاعر بكل تأكيد كل العذر إذا ما جاء بعض شعره متأثراً بواقعه وصدى له وكلنا يعرف
ان العراق شعباً وأرضاً عانى ما عانى ولا يزال معاناةً لا مثيل لها .

دمت في صحة وإبداع أخي الحبيب أيها الشاعر .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الشاعر والناقد الناقد جمال مصطفى المحترم
تبقى هادرا في الشعر والفكر على السواء
احييك على كل ما يجود به قلمك الرائع من ثمرات الشعر والنثر

باسم الحسناوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4729 المصادف: 2019-08-17 01:17:45