 نصوص أدبية

التفاحة المحرمة

علي القاسميكان الجوّ بينهما مُكهرَباً، فنظراته مشحونةٌ بشهوةٍ مكبوتةٍ ورغبةٍ دفينةٍ، وعيناها الهدباوان خفيضتان منكسرتان باستسلام، كما لو كانتا تتأمَّلان لونَ حذائه البنيّ اللامع، بحيث أُتيحت لعينيه الحريّة الكاملة لترتعا في ملامح وجهها الجميل، وخريطة جسدها الفارغ الرشيق، وفستانها الحريريّ الطويل الذي بدا له مثل ستارة مُنسدِلة، لولا النهدان البارزان بقوّة وعناد، ولولا تقلُّصٌ عند الخصر كأنَّ نسيماً عليلاً قد ثناها في وسطها.

ليست هذه المرَّة الأُولى التي يجتمعان فيها على شاطئ البحر، وقد لا تكون الأخيرة؛ فقد دأبا على الالتقاء في مطعمٍ من المطاعم الراقية، أو في مقهى من المقاهي الفارهة، في أماكن قصيَّة عن المدينة. منذ أزيد من عام وهما يلتقيان هكذا مرَّة أو أكثر في الأسبوع، كلّما عَنَّ له أن يهاتفها ويضرب لها موعداً، مُحدِّداً الزمان والمكان بملءِ إرادته.

وعندما يلتقيان، يتبادلان تحيةً مقتضبةً، ثمَّ يسود الصمت وتتعطَّل الشفاه. ينظر إليها ويطيل النظر، ولكنَّ عيونهما لا تلتقي أبداً، فحالما يُحسّ بأنَّها سترفع وجهها المليح إليه، يُشيح ببصره نحو أمواج البحر الهائجة طوراً، الهادئة المنسابة بأناةٍ طوراً آخر. وتفعل هي فعله كذلك، فكلَّما وجّه نظراته إليها وهي تتأمَّله، تُسرِع في تحويل بصرها إلى حذائه، كما لو كانت تستكشف لونه البنيّ اللامع. ثمَّ تنظر إلى وجهه حينما يكون بصره طافياً على أمواج البحر. تحدّق في شفتَيه، تتأمَّل أنامل يدَيه الطويلة وعروقهما البارزة، وتقاوم رغبة شديدة في تناولهما بكلتا يدَيها وتقبيل أصابعهما واحدةً واحدةً، ثمَّ ضمّهما إلى صدرها بالقرب من قلبها الخافق.

تتساءَل في نفسها ما إذا كان سيتفوّه يوماً ما بالكلمة التي تنتظر سماعها منذ أكثر من سنةٍ كاملةٍ. تتساءل ما إذا كان سيجود يوماً بلمسةٍ من يده، طالت صبوتها إليها؛ لمسة يتيمة تمسح عن جفونها ظلال التيه والترقُّب والقلق؛ لمسة تهمي على يدها، ذراعها العارية، رقبتها الأنيقة؛ لمسة تكون مدخلها الفذّ لمدينة الأمل. علَّمتها خبرتها أنَّ لمسةً واحدةً تقول ما لا تستطيع الإفصاح عنه ألفُ همسة، فكثيراً ما تُغني الإشارة عن العبارة في لغة التواصل الإنسانيّ.

لم تطلب منه شيئاً، ولم تأمل من وراء لقاءاتهما أمراً ذا بال. إذن، ما فائدة هذه اللقاءات؟ وما الذي يشدُّها إليه، ويجذب مشاعرها نحوه، حتّى غدت أسيرة إرادته وطوع إشارته؟ تترك كلَّ شيءٍ وتنسى جميع المواعيد الأُخرى حين يُهاتفها هو. وتسير منوَّمة، حالِمة، فرِحة إلى المكان الذي يختاره في الوقت الذي يريد. أتراها وجدت فيه صورة الأب الذي افتقدته منذ طفولتها؟ أم أنّها تمارس إنسانيّتها المسلوبة حين تلتقيه؟

منذ عامٍ ونَيِّف وهما يلتقيان هنا وهناك على شاطئ البحر. يجلسان متقابلين والصمت ثالثهما. وبالرغم من أنَّ بصرها مُثبَّت على حذائه البنيّ اللامع، فإنَّها كانت تُحسُّ بلسع عينيه على شفتيها المكتنزتين الحمراوين، وعنقها العاجيّ الطويل، وخصلات شعرها المنسكبة مثل شلالِ نورٍ على كتفَيها؛ فيصعد الدمُّ حارّاً إلى خدَّيها، فيلتهبان حمرة وجمراً؛ ثم تشعر بانزلاق بصره إلى صدرها الناهد ليغفو عليه، فيزداد وجيب قلبها.

ويتساءل هو في نفسه ما إذا كان هذا اللقاء سيكون الأخير. في كلِّ مرَّة يلتقيها يعقد عزمه على عدم الاتصال بها ثانية. ولكنَّه حالما يبتعد عنها يوماً أو بعض يوم، يشعر بالشوق إليها يتلظّى بين الجوانح، فيسرع لمهاتفتها. ولكن لا شيء في هذه المكالمات الهاتفية سوى السؤال عن الصحة والحال. يكاد يكون السؤال نفسه في كلِّ مرَّة والجواب ذاته، لا غير. اللغة هنا أمست مفرغة من مضمونها. إذن، ما جدوى هذه المكالمات الهاتفيَّة، وما فائدة تلك اللقاءات الصامتة؟ أهي تمرين على ممارسة الصمت واختلاس النظر، تمرين نظريّ لا فائدة عمليّة تُرجى من ورائه؟ كلُّ ما يخلِّفه هو شعورٌ بالذنب، وحيرةٌ في القلب.

في كلِّ مرَّة يلتقيان، كان ينظر إليها، يتأمَّلها، يُحدِّق في ملامحها، كأنه يبحث عن شيءٍ فقدَه أو افتقده، وهو طوال ذلك الوقت صامت هادئ، كما يبدو للناظر، في حين تغلي الفِكَر في أعماقه مثل غليانِ الحمم في أغوارِ بركانٍ ساكنٍ. كانت رغبته الدفينة تضطرم بين ضلوعه، تحرق قلبه، تدبّ في شرايينه، ثمَّ تتوقَّف فجأةً عند شفتيه، فيرتجفان. كانت تبدو له مثل تفّاحةٍ شهيّةٍ مقضومةٍ، يكاد يقطر منها عصيرها، فيشعر بجوعٍ وعطشٍ، ويهمُّ بالتهامها ليشبع سَغبه ويروي ظمأه، غير أنَّ شيئاً مُبهماً في أعماقه يأبى عليه ذلك. إنَّها التفاحة المحرَّمة بذاتها، وهو متأكِّد تماماً من عدم قدرته على أكلها، حتّى لو عزم على ذلك، بالرغم من الحرمان الذي يمضُّ نفسَه. سيُشَلُّ فكاه عن الحركة، وستنطبق شفتاه بلا إرادة منه، ولن يستطيع القضم، ناهيك بالابتلاع.

إنها تفاحة مُحرَّمة. هكذا يصرخ فيه كلَّ مرَّة ذلك الصوت الداخليّ الآمر الناهي، صوتٌ في باطنه يُطلِق أوامره ونواهيه، يُصدر أحكاماً على سلوكه، يُحسِّن له بعض الفعال ويرتضيها له، ويقبّح بعضها الآخر ويحذّره من مغبتها، حسبَ قواعد أخلاقيّة لا يعرف كيف انغرست في نفسه. كلَّما فعلَ شيئاً يتماشى مع تلك القواعد، أحسَّ بالارتياح في نفسه ونشوة اللذَّة، أمّا إذا خالف تلك القواعد، شعر بكثيرٍ من الندم والتأنيب والتبكيت. إنّه صوت قويّ مُتمكِّن من نفسه. بل هو صوت النفس ذاتها، يعلو على كلِّ صوتٍ حوله.

وتساءل ما إذا كان ذلك الصوت هو الذي يسمّونه الضمير، وما إذا كانت تلك القواعد أو القيم الخُلقية التي يراعيها ضميره هي أزليّة عالميّة، يتَّفق الناس عليها  ويبجِّلونها في كلّ زمان ومكان، أم هي نسبيّة يختلفون حول قيمتها ووجوبها. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يحقُّ له اليوم أن يخرق إحدى هذه القواعد أو يتناساها، مادام أنَّه في أشدّ الحاجة إلى قطف تلك التفاحة اليانعة؟ وتساءل كيف أصبح ذلك الصوت الداخليّ بهذه القوَّة والسطوة، وكيف صارت تلك القواعد بتلك الصلابة والرسوخ؟

تذكَّرَ أن أباه الفقيه هو الذي غرسَ تلك القيم الخُلقيّة في نفسه منذ أنْ كان صبيّاً. لم يكُن أبوه يراجع معه دروسه المدرسيّة فقط ، ولكنه كذلك كان يمضي الساعات الطوال في تلقينه الخير والشرّ. كان يقول له: عليَّ أنْ أعلِّمك ما لا تعلِّمك المدرسة. كان يُقرِئُهُ القرآنَ وكُتُبَ الأخلاق مثل "الأدب الكبير"  و "الأدب الصغير" لابن المُقفَّع، و "أدب الدنيا والدين" للماوردي، و"الرعاية لحقوق الله" للمحاسبي.

 كان أبوه يريده أن يتجنَّب شرور الدنيا ليفوز بالآخرة. وتركّزت تلك الشرور في ثلاثة: الكذب، والخمر، والجنس الحرام. فكان الأب لا ينفكّ يُحدِّثه عن قبحها وإثمها ونتائجها الوخيمة، بحيث أصبح الصبي يشمئزّ حتّى يكاد يتقيأ من رؤية الرجل وهو يكذب، وأمسى يُصاب بالدوار عندما يشمّ رائحة الخمر، ويغشيه الغثيان حينما يرى واحدة من بنات الهوى في الطريق. كان يميّزهن من كثرة مساحيق التجميل على وجوههن وطريقة لبسهن. لماذا فعلتَ بي ذلك، يا أبي؟ ألم تعلم أنَّ الدنيا مليئة بالكذّابين والمخمورين والفاسقين والذئاب؟ لماذا فعلتَ بي ذلك، يا أبي، وأنتَ تعلم أنّي أحبُّك وأنتَ تحبّني، ولكنّي أحبكَ أكثر مما تحبني، لأنَّ لك أولاداً آخرين وأنا لا أبَ لي سواك؟

في هذه الجلسة، وبينما كان بصره طافياً على أمواج البحر الممتدّ باتساعٍ أمامه إلى ما لا نهاية، تذكَّرَ كيف التقى بها أوَّل مرَّة. كان ذلك في المطار حينما كان في طريقه إلى مدينة ساحليّة لإلقاءِ محاضرةٍ في جامعتها. وبعد انتظارٍ لم يطُل في صالة المطار، خرج مع بقيّة المسافرين ليركب الحافلة التي كانت ستنقله إلى الطائرة الرابضة على مدرج المطار. وكانت حقيبته كبيرة بعض الشيء، ثقيلة كثيراً بفعل عشرات النسخ التي حملها من أحد كتبه ليوقعها لمن يقتنيها من الأساتذة والطلاب، في حفلٍ سيعقب المحاضرة. وكان ينوء تحت ثقل الحقيبة عندما همَّ بصعود الحافلة. وفجأة وقعت عيناه عليها. التقت نظراتهما. ولا شكَّ أنّه انبهر بحُسنها وهي جالسة بقامتها الفارعة على أحد مقاعد الحافلة، فقد ارتبكتْ حركاتُ ذراعية وساقيه. كان بحاجة لشيء من التوازن في حركاته يمكِّنه من ارتقاء درجة الحافلة وهو يحمل تلك الحقيبة الثقيلة، ولكن ذهنه أُخِذَ بجمالها.

في تلك اللحظة هبّتْ واقفةً من مقعدها، وبخفّة الشباب وعنفوانه، أسرعت إليه وتناولت الحقيبة من يده ورفعتها إلى جانب المقعد المجاور لها. فما كان أمامه خيار إلا أنْ يجلس في المقعد الشاغر بجانبها. لم ينطق بشيء ولا حتّى بكلمة " شكراً ". كان مأخوذاً بحيويتها، ممتناً لشهامتها، منبهراً بحُسنها. كان في حاجةٍ إلى بعض الوقت لالتقاط أنفاسه. وبعد ذلك كلِّه، فرحلة الحافلة إلى الطائرة لا تستغرق أكثر من دقيقتَين، وهما لا تتسعان لكيفية الشكر التي يريدها.

جلسا متجاورين في الطائرة. لم تفُه بشيء. كان إحساسها على يقين من أنّه سيوجّه الكلام إليها. وانتظرت بصبر. أما هو فقد أغمض عينَيه وأخذ يتمتم بدعاء السفر عند إقلاع الطائرة. وبعد قليل، فتحَ الحقيبة، تناول منها نسخةً من كتابه، التفتَ إليها، سألها عن اسمها قالت: " وسناء". كتب على الصفحة البيضاء الأولى من الكتاب: " إلى وسناء، مع شكري وإعجابي"، وناولها الكتاب.

ألقتْ نظرةً على عنوان الكتاب في صفحة الغلاف الأولى: " مفهوم الحبّ في الثقافة العربية "، فلاحت ابتسامة باهتة على شفتيها تكتنفها سخريّة غامضة. قلّبت الكتاب، وقرأت التعريف الوجيز بالكاتب في صفحة الغلاف الأخيرة. قالت: " إذن، أنتَ الكاتب. زميلتي اقتنت هذا الكتاب، ووعدتني أن تعيرني إياه بعد الفراغ من مطالعته. شكراً."

لم يكُن على وجهها شيءٌ من مساحيق التجميل. لم تلوّن أهدابها، ولا ظاهر جفنَيها، ولا خدَّيها، ولا شفتيها. وإذا كانت قد استعملت تلك المساحيق، فلا شكّ أنّها خفيفة وذات ألوان طبيعيّة، وأنَّها وُضِعت بمهارة وخبرة. فبدا وجهها المليح طبيعيّاً بلا مساحيق. ومع ذلك راودته شكوك في نفسه.

التفتَ إليها، سألها بلُطف:

 ـ ماذا تعملين؟

رمشت عيناها، تردَّدت، غضَّت من بصرها، خفضَّت صوتها، وقالت بتوريةٍ:

ـ أعمل.. أعمل.. في السياحة.

***

قصة قصيرة

علي القاسمي     

......................

* من مجموعة قصصية عنوانها "دوائر الأحزان" صدرت طبعتها الثانية عن دار الثقافة في الدار البيضاء هذا العام، وكانت طبعتها الأولى قد صدرت عن دار ميريت بالقاهرة عام 2004

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (13)

This comment was minimized by the moderator on the site

يطل علينا القاص المبدع الأستاذ الدكتور علي القاسمي هذه المرة بقصة قصيرة مثقلة بحمولات الدوافع النفسية والغرائز المكبوتة التي طالما تحدث عنها سيغموند فرويد في كتاباته. ويمكن تلمس آثار هذه الحمولات من البداية في عنوان القصة (التفاحة المحرمة)، فالتفاحة هنا هي رمز إغواء الأنثى للذكر في الذاكرة الجمعية للشعوب، ثم إن إلحاح صورة الأب في القصة ولا سيما الالتفاتة العرضية التي تتحدث عن أن انجذاب الأنثى هنا إلى الذكر قد يكون مرده إلى رؤية صورة الأب فيه، الأب الذي تتوق إليه وإلى ذكراه، وكل ذلك يذكرنا بعقدة إلكترا التي أطال علماء التحليل النفسي الحديث عنها. أما تجليات صورة الأب للذكر والصراع النفسي الذي يعانيه بسببها فتذكرنا بالصراع المشهور بين الهو والأنا الأعلى في نظرية فرويد للتحليل النفسي. ولا شك في أن هذا ليس هو كل ما تختزنه هذه القصة من اعتلاجات نفسية واختلاجات شعورية، لكن هذه الأفكار السريعة جالت في خاطري وأنا أقلب نظري في سطور هذه القصة الفريدة.

د. كيان أحمد حازم
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز المفكر الأديب الدكتور كيان حازم احمد،
شكراُ لاطلالتك النفسية على قصتي القصيرة، فثقافتك الرصينة الواسعة ونظراتك النافذة إلى أعماق كينونة الأشياء والقبض على جوهرها، تيسر لك تناول القصة القصيرة الواحدة من زوايا متعددة، ويظل لديك الكثير مما تستطيع أن تقوله وينفع ، وقد لا يراه الآخرون بمَن فيهم الكاتب نفسه.
فشكراً جزيلاً مقروناً بأطيب تمنياتي لك بالصحة والهناء والخير.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا إليك أخي علي
يا ملهم الحرف الندي
ما كنت إلا فارسا
للحرف في الزمن الشجي
تلك البراعة شمسكم
وأنا بهذا المقدس
.... وتقبلوا تحية أخيكم أكرم جميل قنبس

الشاعر الدكتور أكرم جميل قنبس
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الكريم الشاعر المتألق الدكتور أكرم جميل قنبس
تغمرني بقصائدك القصار التي أصبحت من مميزات شعرك السامق، في الحِكم والإخوانيات.
وأنا لست بشاعر، كما أنني لا أملك خيلاً ولا مالأ لأجيزك. فليس لدي ما أقدمه لك إلا كلمات شكر
نابعة من شغاف القلب، وألفاظ امتنان تلهج بها الروح.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

بدون شك بأن العلامة الاديب يمتلك براعة متناهية في التقنية في الفن السردي الحديث , الذي يستند على معين من المعارف المتنوعة التي يملكها بشكل فذ . بخبرته الطويلة في المعارف العلمية والادبية , لذلك ان نصوصه السردية تمتلك هذه الخلفية المتنوعة , او تملك الخلفية الفكرية . هذه مميزات نصوصه السردية , في التناول والطرح والمناقشة , في الاهتمام الجدي والحريص , في طرح موضوعات كثيرة ومهمة تشغل البال في الحياة اليومية , وهي تشير الى الرؤية العقلية والثقافية في المجتمع . اي أننا امام اسلوبية مميزة في الادب السردي , التي لم تشبع رغبتها في جمالية الحكاية السردية الواقعية , يقدمها بشكل بسيط في لغتها الجميلة المشحونة بالتشويق والمتعة . لكن يجعلنا بكل براعة أن ننظر الى خلفيتها الفكرية الجميلة التي قدمت نفسها من خلال عوالم المتن السردي الجميل . ان نكتشف ابعادها ومغازيها الهامة , التي تعتمد على ثنائية الكشف والانتقاد , في عينات العتبة السردية . لذلك انها تجعل القارئ يفتش عن خلفيتها الفكرية , وان يتمعن في مدلولاتها الدالة بما تحمل من اشارات معينة يسوقها الاديب العلامة في ثنايا النص السردي . لذا فأن القصة القصيرة ( التفاحة المحرمة ) نصطدم في العنوان المغري , الذي يثير جملة تاؤلات وتأملات وتأويلات , يتبادر الى الذهن الى المدلولات الدينية والاجتماعية , ويروح المتخيل والمتأمل الى تفاحة أدم وحواء , والتي تحمل في طياتها المتداخلة . الغواية , الاشتهاء . الرغبة المحرمة . لذلك أليات النص السردي , احتوت وتضمنت هذه المفردات , وزاد عليها في الطرح المفردات الموروثات الاجتماعية والدينية . أو في المعنى الادق في سايكولوجية الموروثات , التي تخلق الصراع الداخلي كامواج البحر , بين الهيجان والهدوء , لاشك تلعب هذه الموروثات الاجتماعية دوراً بارزاً في حياة الشخص وهذه الموروثات تمثلت في سلطة الاب . الذي لعب الدور الناهي والفاعل والمحذر والمفتي في الممارسات اليومية , بين الفعل الشرعي واللاشرعي . ( كان أبوه يريده أن يتجنَّب شرور الدنيا ليفوز بالآخرة. وتركّزت تلك الشرور في ثلاثة: الكذب، والخمر، والجنس الحرام. فكان الأب لا ينفكّ يُحدِّثه عن قبحها وإثمها ونتائجها الوخيمة، بحيث أصبح الصبي يشمئزّ حتّى يكاد يتقيأ من رؤية الرجل وهو يكذب، وأمسى يُصاب بالدوار عندما يشمّ رائحة الخمر، ويغشيه الغثيان حينما يرى واحدة من بنات الهوى في الطريق. كان يميّزهن من كثرة مساحيق التجميل على وجوههن وطريقة لبسهن. ) اي ان دور هذه الموروثات السايكولوجية , تدخل عجينة في تكوين الشخصية , وتدخله في داخل شرنقتها , بحيث تجعله خاضعاً لها , بعدم تمزق شرنقتها في الممارسات الحياتية . ان تخلق صراع داخلي او أزمة داخلية , نتائجها , التردد والخجل والتلعثم والصمت , بعدم التصريح برغبته الروحية والوجدانية , او كشف عواطف الوجدان , في العلاقة والحب , لذلك اكثر من عام ونيف . يلتقيان سوية ويكتفيان بالتأمل والصمت . وكل منهما يغلي في صراعه السايكولوجي الداخلي بعدم الاقتراب من التفاحة المحرمة ( لماذا فعلتَ بي ذلك، يا أبي؟ ألم تعلم أنَّ الدنيا مليئة بالكذّابين والمخمورين والفاسقين والذئاب؟ لماذا فعلتَ بي ذلك، يا أبي، وأنتَ تعلم أنّي أحبُّك وأنتَ تحبّني، ولكنّي أحبكَ أكثر مما تحبني، لأنَّ لك أولاداً آخرين وأنا لا أبَ لي سواك؟ ) وكل منهما يحاول شق هذه الشرنقة من الموروثات . شق لغة الصمت بالتفوه بأي كلمة او عبارة . كسر الحاجز السايكولوجي الذي يلفهما سوية , في التعبير عن الرغبة الروحية في العلاقة وفي الحب . كسر هذه المرجعية الاب وهي رمزية لمرجعيات الموروثات الدينية والاجتماعية . التي تحدد الشرعي واللاشرعي في الحياة اليومية . دون فحص محتويات الشرعي واللاشرعي , ومضامينها وتوافقها الحياتي , في مسألة الاخلاق والرغبة الروحية . وحالة التشخيص في التأمل والتفكير في السلوك الشرعي واللاشرعي . لذلك نجد الصراع السايكولوجي الداخلي , يفور بين الرفض والقبول في ناصية هذه المرجعيات . لذلك تخلق ازمة سايكولوجي ونكوص متعثر . ولكن ذائقة الاديب العلامة الفكرية والادبية , لا تجعلنا ندور في حلقة مفرغة من الاستسلام للقدر , بأن الموروثات قدر لا محالة في كسرها , سواء شئنا أم ابينا , سواء كانت ملائمة لمفردات الواقع او غير ملائمة . ولكن الحالة يجعلها تخرج من الحلقة المفرغة ( الدجاجة من البيضة , او البيضة من الدجاجة ) لذلك الصراع الداخلي يؤدي لا محالة في كسر حاجز الصمت . كسر الصراع الداخلي وشرنقته , ان يبدأ بالنطق والكلام , واول الغيث قطرة . ان تكون الخطوة الاولى في دق مسمار في جدار الموروثات والمرجعيات . كسر حاجز الصمت والتردد والتعلثم والخجل . وبالفعل كان اول الغيث قطرة , في بناء جسر الثقة :
التفتَ إليها، سألها بلُطف:

ـ ماذا تعملين؟

رمشت عيناها، تردَّدت، غضَّت من بصرها، خفضَّت صوتها، وقالت بتوريةٍ:

ـ أعمل.. أعمل.. في السياحة.
ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

بين ثنايا أسطر القصة ...تلوح حقيقة هي سبب معاناة البطل بين الصح و الخطأ ,,الحلال و الحرام ,,,بين الرغبة في العيش دون قيود و أساور الأخلاق التي زرعت فيه ,,,تلك الحقيقة التي تجسدت في إمرأة طالما هرب من لقائها أو طالما كرهها و احتقرها ,,,ليجد نفسه مأخودا بها ,,,رغم اعتلائه أسوار الفضيلة ,,,,يمارس شغبه باحترام ,,,,ليس لها ,,,بل لذكرى أبيه ,,, .

ص,ص
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز المفكر الأديب الأستاذ جمعة عبد الله،
صباحك حرف وفكر وعسل.
أشكرك على غوصك القدير في أعماق النص، لتصطاد لآلئ نادرة لم يدرِ الكاتب بوجودها، فهو عندما يكتب قد لا يفكّر بمعنى كل كلمة وعبارة وجملة يسطّرها. فالنص يكتب نفسه أحياناً، وقد يتولى العقل الباطن فعل الكتابة وهلة.
أذكر أنني، بعد أن انتهيتُ من كتابة هذا النص، عدتُ إليه لمراجعته بعد بضعة أيام، فاستوقفتني تلك المحاورة ( لماذا فعلتَ بي هذا يا أبي؟...إلخ.)، فدُهشتُ لوجودها في النص. وهممت بحذفها لعقوقها. بيد أني قلتُ: ما دامت تسللت إلى النص، فلتبقَ هناك . وأتيتَ أنتَ ووضعتَ يدك عليها، ايها السباح الماهر.
فكّرتُ في جمع تعليقاتك مع القصص التي تناولتها بنقدك الباهر، ونشرها في كتاب لفائدة أبنائنا الطلبة الذين يتخصّصون في النقد الأدبي. فما رأيك؟
أكرر شكري ومودتي واحترامي.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي / عزيزتي ص. ص.
أشكرك شكراً جزيلاً على ما تفضلت به من آراء صائبة حول القصة. فالنص يتناول قضية الخير والشر، الصح والخطأ، في هذه الحالة.
ويكمن المشكل في أن كثيراً من فلاسفة الأخلاق يطرحون السؤال: هل قواعد الصح والخطأ هي كونية تطبَّق في كل مكان وزمان، أم أنها قابلة للتغيُّر؟
مع أطيب التمنيات.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب العلامة
اشكرك جداً على هذا الوسام والشرف . من اديب كبير , متنوع العطاءات الفكرية والادبية . وعلامة فارقة في الادب الروائي والقصصي , بتقنياته المتطورة في الصياغة والتعبير . الامر تابع لك ايها العزيز , فأنت الاستاذ الذي يقدم فائدة للعلم والادب والنقد .
تحياتي وشكري من الاعماق

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أشكر أستاذي الجليل الدكتور علي القاسمي على هذه التّحفة الفنيّة الرائعة، والتي أرجعتنا إلى أصل ولادتنا وتربيتنا الأولى، (الأم والأب) فالفطرة الإنسانيّة العربيةّ الإسلاميّة ترسخ في الإنسان منذ نعومة أظافره معاني الإنسانية ومعاني الإسلام (الحلال والحرام)، فالتربية الصالحة هي ذخر الإنسان في بقية حياته، فعلا الإنسان معرض لمختلف الشوائب الحياتيّة الدنياوية (الحرام بأنواعه الخفيف والثقيل) لكن الإنسان الخلوق الذي تعلم من والديه الأصل لا يمكنه الوقوع أينما حلّ وارتحل، خصوصا وصيّة الوالدين،وفي القصة نجد تحذير وتوصية الأب لإبنه بتجنب: الكذب، والخمر، والجنس الحرام.فالقصة شخصت معاني التربية الصالحة ورسخت قيمة الأبوة الصالحة، ومن منظوري الشخصي فربما الإنسان ضعيف بفطرته يتعرض للحبّ والإعجاب ، وهذا ميول طبيعي فطري لا يمكن نكرانه، فالأنثى تنجذب للرجل والعكس صحيح، ولولا هذا الإنجذاب لما وجدنا (الزواج الشرعي)...فالقصة تناولت قضية مهمّة تتعلق بتواصل الأنثى بالرجل من النوع الصامت (السؤال عن الحال وعن الصحة...وعن أمور حياتية أخرى...) لكن لا وجود لهدف معين منها؟؟وهذا النوع من العلاقة يُفضي للحيرة العاطفية الكامنة، فالقصة وَرَّثَت الإبتعاد عن الكذب والخمر والجنس الحرام في شكل وصية أب لأبنه وبالتالي فهي دعوة صريحة للزواج الحال. وأعتقد أنّ التواصل بين المرأة والرجل (الحيرة الإعجابية) تحتاج أيضا للزواج.
أشكر أستاذي علي القاسمي على هذه القصة القصيرة الرائعة التي تعكس عالمنا العربي المعاصر والذي فيه ملايين القصص من نوع: السؤال بين الرجل والمرأة (الحيرة الصامة).

كمال لعناني
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الدكتور كمال لعناني
شكراً لكريم اهتمامك الأدبي، وجميل تواصلك.
ولعل متابعتك لقصصي القصيرة والكتابة عن كل واحدة منها هي طريقة ذكية للتمرّن على الكتابة بأسلوبك الجميل وثقافتك اللغوية المتينة.
وأتفق معك في تحليلك العميق لقصتي القصيرة، لأن من وظائف الأدب تزويد القارئ بالثقافة التي تمكّنه من تحقيق الهدف الأساس للإنسان في الحياة، وأعني به ترقية معيشته وتحقيق سعادته.
مع أطيب تمنياتي لك .
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

وأنا أقرأ قصص الدكتور الأديب علي القاسمي تغمرني السكينة والراحة وكأني أمشي في حرم آمن ، منتشية بلذة القراءة وجمالية الأسلوب ونقاء العبارة وشغف الوصول ،
مضمون قصة التفاحة المحرمة غني وثري بمفردات ومعان ،تعبر عن فطرة الإنسان وماأودع فيها من غريزة وميل إلى الجنس الاخر عبر عنها علي القاسمي بأسلوب جميل شاعري يجلب النساء خاصة، وفي نفس الوقت النص حمال قيم برع الكاتب في إيصالها وذلك ضمن نسق فريد إذ تم غرس هذه القيم قيم العفاف في الطفولة. والقيم التي تغرس في الطفولة تلعب دورا مهما في صنع شخصية انسان المستقبل، وصعب اقتلاعها.
حفظك الله أيها الأديب الموسوعي الخلوق.
فرح الشعرة

فرح الشعرة.
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي الأديبة المتألقة الأستاذة فرح الشعرة ،
أشكرك من القلب على كلماتك الرقيقة بحق قصتي القصيرة. لقد تناولتِ القصة من جوانبها المختلفة، مضموناً وأسلوباً، وقيماً، وأنت الأستاذة المربية ذات الثقافة العالية.
في اتصالنا الهاتفي تمنيتُ عليك أن لا تحرمي القراء المثقفين من نصوصك الأدبية البديعة. واقترحتُ عليك نشرها في صحيفة المثقف الواسعة الانتشار. وآمل أن تجدي الوقت لذلك.
مع دعواتي الطيبة لك بالابداع والتألق والخير والهناء.
علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4757 المصادف: 2019-09-14 02:45:16