 نصوص أدبية

القَمّامة

صحيفة المثقفكان المساء العذب الخجول قد مضى لشأنه، وبدأ الظلام كضيف ثقيل ينصب سرادقه حول وفوق الحي الشعبي بسرعة غريبة .  فمن يرى السوق الآن لن يتعرّف عليها. فشتان بين الزحام الذي كان يلفها قبل أقل من ساعة وبين الوحشة الغامضة التي تركها انسحاب الشراة والباعة . الآن ما عدت ترى الا بعض الاشباح  التي تخرج بين حين وآخر - كأنها قطرات تنساب من مزراب عتيق بعد انقطاع  المطر- تخرج من الازقة والبيوت المجاورة المزدحمة والمختنقة بالناس تريد النزهة في الاماكن البعيدة التي يسكنها المرح البريء. وكان مسؤولو الحافلات الحكومية قد جعلوا ابتداءها ومنتهاها عند طرف السوق نفسها. لذا كنت ترى اُسرة بكافة أفرادها تجتاز السوق أو الشارع المجاور لتصل الى موضع الحافلات وبعضهم يحمل عشاءه في أكياس بلاستيكية . فمن مرّ بالسوق مرّ حذرا وعجلا ينظر الى مواطىء أقدامه حيث لا تزال بقايا الفواكه والخضر زلقة ترقد بين أكوام القمامة. فهو ان غفل قليلا لابدَّ أن يطأ بعضها .

وهنا أحسست بعينين ترصدان التفاتاتي ومواقع نظري، فانتبهت الى شابة ترتدي ملابس مدنيّة من الطبقة المتوسطة توارب النظر نحوي، امرأة تجوس أرض السوق بحذر كبير، ولمّا رأتني أنظر نحوها أخذت تتظاهر بانها تنادي طفليها ليسرعا اليها، وكانا على مبعدة بسيطة عنها ينكبّان على أرض السوق يبحثان بهمة عن شيء من الخضر التي تجعدت غير انها لا يزال فيها بقية خير، لذا يمكن ان تطبخ أوتؤكل، كانت تناديهما غير ان لا لهجتها ولا صوتها كانا حقيقيين بل كان كل ذلك زيفا و ذرّا ً للرماد في العيون . لأنها كانت تطلب منهما في الحقيقة أن يبحثا أكثر فأكثر وأسرع فأسرع عمّا يمكن أن يكوّن وجبة غذائية كاملة بين البقايا . كان الولدان يجمعان البقايا الصالحة شيئا ما  بسرعة وهمة فهما يستبقان حافلة جمع القمامة  التي ستصل في أيّة لحظة .

كانت المرأة في الحقيقة تحارب الجوع الكافر بما تستطيع وهو لملمة طعامها وغذاء طفليها من أكوام الخضار المهترئة والتي بدأ الفساد يغزوها .

نسيت أن اقول لكم أني كنت مسافرة بعيدا عن وطني  للاستجمام والتخلص من حر بلدي القاتل  وانقطاع الطاقة الكهربائية اللجوج المتواصل، ولم أقل كذلك ان هذه المرأة كانت من بلدي عرفت ذلك من لحظة رؤيتها. لعلها لم تكن تبالي لولا انها عرفت اني من نفس موطنها، لذا لزمت الحذر واضطرت لهذا الادعاء .

كان في هيأة المرأة وشكلها ما جعلني أعرف اني رأيتها وانّي أعرفها شكلا لا فعلا، لذا أخذت أنبش في زوايا ذاكرتي بلا جدوى فلم أستطع ان احزر أين رأيت هذه الشابة سابقاً ولا من هي .

وظل السؤال يتعلق في ذهني متشبثاً ويمد لسانه نحوي ساخرا من النسيان الذي لحقني باكراً، ما الذي اضطر شابة ان تبتعد عن دارها ووطنها لتستجدي من السوق الشعبية  بقاياها؟؟!!!.

***

سمية العبيدي

....................

* من دفاتر الغربة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4783 المصادف: 2019-10-10 01:11:49