 نصوص أدبية

عُقوق؟!

صحيفة المثقفيوم  إستبد الشتات بنا، وعلينا المنافي ضاقت

نسينا .. فشربنا من فم القنينة،

خلاخيلُ الذاكرة رَنّتْ ...

"مَنْ شَرِبَ ما قَطّره الكوزُ والناقوط،

لن يستطعمَ الماءَ اللقيطَ،المُعلّب في قناني .."

ذالكم، هو الحنين !

ي.ع

***

قالت العُربُ في السَفَرِ راحةٌ للنفوس ..

المُحدِثونَ رأوا في السَفَرِ ثقافةٌ ومتعة ..

صدّقْنا !.. بعدما سمعنا " خطبة التيه "،

غبارٌ مُشبَّعٌ بسوادِ الغربان حطَّ فوق المُدُنِ،

شَدَدنا الرحلَ .. حملنا ما تبقّى لنا من ضلوعٍ دون وداع،

تَهَشَّمَ الزمان و إنسكبْ ..

كيف سَنلُمُّه !

قلنا لسنا على سَفَرٍ، كبقية الخلق، كي نعود !

فالمكان يُبدِّل زواره .. وأحلامهم،

يُعِدُّ نفسه للهباء، يُسلِّمه مفاتيحَ أبوابنا..!

لكن مَنْ سينزعُ أسماءنا عن هوياتنا،

مَنْ سيمحو ذاكرتنا، نُرضعُها حليبَ الوفاء،

نصقلُ رخامَ الكلامِ، نُلمِّعُ معدنه تحتَ خيمة الحنين ..؟!!

**

أربعُ عقودٍ ونصف إنقضت .. والقطيعةُ لم تكتمل!

لم تُغيِّر الحروبُ حدائقَ الِعشقِ ولا كَفَّ الحَمامُ عن الهديل ..

فيا عُمْرُ كُنْ رئيفاً حتى نعود،

ويا عُمْرُ كُنْ رحمَةً، دُلّنا على الطريق ..

.. إلى أين ؟!

الطريقُ إلى أيِّ شيءٍ ..

نريدُ أنْ نزورَ الـ"هناك " حيث تركنا خيرَ ما فينا، ماضينا ..

.. زماناً، ضاعَ ولن يعود،

وطناً ضاعَ قد يعود !!؟

ونغتسلَ تحت قمر بغداد الليموني ..

نؤكِّدُ له أنَّنا ما نسينا ..

فهل يتذكرنا الماضي، لِنَطُلَّ سويةً على أفراحٍ صغيرةٍ، كأراجيح العيد..؟!

.. نُطِلُ بالأسود والأبيض.. بلا صوتٍ، كي لا نُحرجَ الصمتَ الكثيفَ!!

**

وهل يتذكرنا، ذاك السنونو بذاكرته "الماسية"،

يبني أعشاشه في سقوفِ غرفنا العتيقة،

يتدفاُ معنا .. كأنه يتسمّعُ لحكاياتِ الجدةِ لمّا نتحلّق حول موقد الجمر،

فيسكرُ برائحة الحرمل والدارسين (القرفة) ويغفو ؟!

أيحلمُ السنونو مثلنا ؟!

**

تركنا الخَطوَ يستدرجُ أَقدامَنا ..

هو سَفَرٌ ونَؤوب !

ما دَرَينا أنَّ الإيابَ، دونه المستحيل سيغدو !!

قُلنا نحمِلُ "الوطنَ" إلينا صوَراً ..

حتى إصفَرَّتْ، وما ..

رُحنا نَصُبُّ خَمرةَ الحيرةِ هَذياناً مُجعّداً،

**

أَنزلنا من الحائطِ "أيقونةً" خُطّتْ عليها قصيدةُ بريشت، غنّيناها :

" لا تَدق مسماراً في الحائطِ،

إرمِ معطَفكَ على الكرسي،

فأنتَ عائدٌ غداً !"

**

خبّأنا اللوحةَ خلفَ الخُزانة، هرَباً من " نقيضة " بين القصيدةِ والحال!

تناسلنا، حتى صارَ لنا أحفادٌ يَرطنونَ كأهل "بابل "!

صِرنا  نُراوغُ  حين يسألونا " متى ..؟!"

" هيَ شِدَّةٌ  عابرةٌ ونعود "، نقول ..

لكن " العبورَ " غدا عسيراً !!

هكذا ننسى فنجمعُ ما تبقّى من ترابِ الروح،

نطرِبُ للصدى الغادرِ،

نتبعُ  سَفائنَ  تنأى،

نستذكِرُ شُرُفاتِ الخُوَرنَقِ والسَديرِ،

مثل الكنعانيينَ يدكّونَ الريحَ فوقَ سُفُنِ الأغريق،

**

إمتَهَنّا فنَّ الحَكيِ ، نَدرَاُ  به نِبالَ التقريعِ،

صِرنا في مُعجمِ " العامة " أهلُ شَتاتٍ، أَغرابٌ ..

قُرادُ "رفحاءَ" و "الجنادرية" صيَّروهم"الأُصلاءُ والسادةُ"،مثل الجحوش وغلمان"بدر"،

مُعَلاّةٌ لهم "كؤوسُ الطِّلا "!!

مَنْ بقيَ من الأهل والصَحب يثابرُ في إستنطاقِ الغيب .. متى .. حتى مَ ...!

**

مُتشدّقو "ما بعد الحداثةِ" في أرضٍ "ترفِلُ" بزبالة ما قبل الحداثة، يرموننا بأنّا

أهملنا غاندي ومانديللا !!

أيةُ مقارنة عرجاء ؟!!

كلُّ الأبوابِ سُدَّتْ أمامنا ..

لم يبقَ لدينا إلاّ الركوع أو الدفاع عن كرامتنا !

فقد كان فينا من الشهامةِ ما يمنعنا من الركوعِ،

كي نُطلَّ على ضوءٍ ينسرب من بين السحاب ..

حيث رأينا غيرَ ما قد رأى السُفهاءُ،

أخطأنا في التفاصيلِ ..؟!

نعم .. وألف نعم !

لكنْ لم يكن لنا خيارٌ آخر، غير أنْ  "نحمل السلمَ بالعرض"!!

ما كُنّا نرى، حتى في الكوابيس، أَنّا سنزيِّنُ الجمعَ بين النقائض كلها!!

نقولُ لهولاكو العصر: إنّا معك، قد تركنا ماضينا وغدونا طيبين !!

**

أما كان في وسعنا ألاّ نكون مع "السائرين" على دروب كسرى وقيصر،

حتى لا تبقى بواباتنا مُشرعةً على الحروب والرحيل..!!؟

أنكونُ أُصبنا بعدوى " التقيَّةِ "،

نَضَوْنا عن جلودنا ما نَسَجَه الشهداءُ والأسبقون ؟!

لَبِسنا ثوبَ السراب "الجميل" كي نصبحَ  مقبولين !!

فنجلسَ إلى مائدة اللئام ..!!

لمْ نكن على بَيِّنةٍ من ذلك .. ولمْ يخبرنا أحدٌ ..!!

لكن حَدسَنَا الفطريَّ لمْ يَخُنَّا ...

تلك أيامنا السابقات مُتعبَةً تمُرُّ أمامنا،

يَرمينا الشهداءُ بزهور ذابلةٍ، يغمزوننا على ما وصلنا إليه ..!!

تُرى مَنْ سيرتِّق فَتْقَ عقوقِ مَنْ؟!!

أنحنُ أم "الوطن"؟!!

***

يحيى علوان

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

يحيى علوان هنا يسأل لكي يجيب هو وليس نحن . هذا هو الأساس الذي تقوم عليه كتابة فن المقامة. انها رائعة عند يحيى علوان . رحم الله الحريري ومدني صالح واطال في عمر يحيى .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي المبدع

يحيى علوان

وكأنّك بهذا النص الهائل لسانُ حال كل المغتربين و نُزلاء

المنافي. الطيّبين الحالمين بالعودة الكريمة البعيدة .

أو كأني بك تكتب. سيرة. أكثر من جيل. دونما حرجٍ

أو وجلٍ تنعى هزائمنا و خيباتنا وأخطائنا و خطايانا

و تلعن كل من تركونا بلا خيارٍ سوى. الرحيل .

دمت. مُبْدِعا

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
هذه الطاقة الابداعية المتمكنة , والتي تستطيع ان تفجرها في نصوص اديبة , تحمل تقنيات سردية متطورة , بالغة الدقة والدلالة والتعبير , بالغة الرؤية العميقة في التعبير الدال . تملك انسيابية في تدفق الافكار والصور المركزة . التي تغطي الدلالات المكانية والزمانية , لسنوات القهر العراقي . لقد نطقت بحواس كل مغترب بما يدور في ذهنه وهواجسه . لقد تكلمت عن الوطن المقسم بقسمة ضيزى , بالعدالة المقلوبة , او بشريعة القرقوشية . بالتفريق والتمييز بين ابناء الوطن . تكلمت عن المناضل الحالم بالوطن بأنه سيرجع غداً , لكن طريق الرجوع صعب الوصل . صعب الوصل الى ايثاكا . فكل طرق الوطن مسدودة . ومفاتحيها بيد التيجان وعروش اومراء الحرب والصولجان . في سلاطين الحرباء الذين يغيرون جلودهم حسب الحاجة والعرض والطلب . ولكن عند الانسان الاصيل الذي يحلم بالوطن بالوفاء , لانه شرب حليب الوفاء . لذلك يظل يحلم بالوطن البعيد , غم انه خارج منطقة التغطية . لكنه متشبث باحلام وذكريات الوطن , السوداء والبيضاء . لكن العبور الى الوطن عسير , العبور الى الاستراحة في خيمة الوطن فيها وجهة نظر , فيها جواب وسؤال , واختبار , سوى يسمح لدخول الوطن من يحمل الزيف والنفاق , ومن يجعل من الوطن بقرة حلوب من هذه الاصناف ( قُرادُ "رفحاءَ" و "الجنادرية" صيَّروهم"الأُصلاءُ والسادةُ"،مثل الجحوش وغلمان"بدر"، / مُعَلاّةٌ لهم "كؤوسُ الطِّلا "!! ) انا قرأت قبل ايام نشر احدهم وصل التقاعد لجماعة رفح , يعني اكثر من مليار دينار عراقي . صدق أو لا تصدق . خيالية خارج عن المنطق , ولكنها الحقيقة المرة والمزرية . اما بقية الجحوش , فأن خزائن العراق المالية مفتوحة لهم , ليغرفوا حسب ما يرغبون ويشأون . فالعراق اصبح ملكاً او ضيعة لهم وفي جيبهم ,غيرهم خارج منطقة التغطية . هذه الشريعة العرجاء والعمياء والبكماء في الوطن , الذي كنا نحلم به .
أربعُ عقودٍ ونصف إنقضت .. والقطيعةُ لم تكتمل!

لم تُغيِّر الحروبُ حدائقَ الِعشقِ ولا كَفَّ الحَمامُ عن الهديل ..

فيا عُمْرُ كُنْ رئيفاً حتى نعود،

ويا عُمْرُ كُنْ رحمَةً، دُلّنا على الطريق ..

.. إلى أين ؟!

الطريقُ إلى أيِّ شيءٍ ..
ودمت بصحة وعافية ايها العزيز

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ والشاعر د. ريكان إبراهيم
مرحباً وشكراً جزيلاً لأطلالتك على "عقوق" وما وجدته هناك. وبما أنك طبيب نفساني وشاعر في الوقت عينه، أظنُّ أنكَ إستشعرتَ في النص شيئاً من "أنفاس" بتلهايم و بول فاتسلافسك.

كل الود والتقديرلك

يحيى علوان
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ والشاعر مصطفى علي
سُررتُ لوقفتك عند النص وما إستخلصتَ منه. فأذا كان النص قد تخطى حدود الأنا الفردية لينطق بلسان كثيرين ، أكثر من جيل، كما تفضّلتَ،سيكون قد وُفّقَ في إيصال "رسالته"وهو المراد.

دم عزيزاً سالماً في دروب الحرف والإبداع، لأن فيها من المنعرجات والمطبات ما يكفي !حماك الله وإيانا منها!

يحيى علوان
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق العزيزالمثابر دوماً جمعة عبد الله
كثير الأمتنان لك ولآرائك في ما ترى من نصوص تسعى أن تلامس الجرح بحنوٍ، دون أن تنكأه .. أنْ تصبَّ شيئاً من "مرهم" الخيال والأبداع ، كلنا بحاجة له ، لكن الجرعات مختلفة !!

دمت يا أبا سلام بعافية وخير ، نحتاجهما لمواصلة ما تبقى المشوار

يحيى علوان
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4789 المصادف: 2019-10-16 01:29:07