 نصوص أدبية

كيف أشفى منكِ؟

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

كيف أشفى منكِ :

وأنتِ شهيَّةٌ

كأحاديثِ الرُّوحِ

طَرُوبٌ كصوتِ الأغصانِ

حين تُغازلها نسائمُ اللَّيلِ ؟

**

حاضرةٌ

كأنَّكِ شعائرُ العيدِ

قُبيلَ موعدِ صلاةِ العيدِ ؟

**

صافيةٌ

كمياةِ الينابيعِ

كالفجرِ يستقبلُ

حضورَ الشَّمسِ ؟

**

أليفةٌ

كأنَّكِ السَّلامُ

بعدَ الخِصامِ ؟

**

بكَّاءةٌ

كأنَّكِ النَّايُ

حين يئنُّ عند الغروبِ ؟

**

غنَّاجةٌ

كأنَّكِ ليلةُ وصلٍ

بعدَ غيابٍ ؟

**

حرَّاقةٌ

كأنَّكِ الجمرُ

بعدَ انطفاءِ النَّارِ ؟

**

ودودةٌ

كأنَّكِ النَّدى

حين يعطِفُ على الزَّهرِ

وهو ينتظرُ بكلِّ الصَّبرِ

أن يلثُمَ ثغرَ الفجرِ ؟

**

ناعمةٌ

كريشِ نعامٍ

كخدِّ طفلٍ

كتفَّاحةٍ

كحريرٍ شفافٍ

لم يكتسِ لوناً

ولم يعانقْ جسداً

ولا مسَّتهُ يدُ انسانٍ ؟

**

لن أشفى منكِ :

وأنتِ وضَّاءةٌ

كوجهِ أُمِّي ..

حنونةٌ

كقلبِ أُمِّي ..

**

غفَّارةٌ

كلَّ أخطائي

كروحِ أُمِّي ..

**

لن أشفى منكِ :

وأنتِ عنيدةٌ

كمهرةٍ عذراءَ ..

**

خفَّاقةُ القلبِ

كغزالةٍ يحوفها صيَّادٌ  ..

**

حالمةٌ

كمراهقةٍ عشقت نفسَها

أمامَ المرآةِ ..

**

وادعةٌ

كالشَّمسِ

حين تؤولُ إلى الغروبِ ..

**

هادئةٌ

كالبحرِ قبلَ أن يمسَّهُ إعصارٌ ..

**

كيف أشفى منكِ :

وعيناكِ سرَّانِ

من منافي القِدَمِ

لا كاهنٌ يفكُّ غموضَهما

ولا عرَّافُ اليمنِ

أهدابُهما ضِفَّتا نهرٍ

يسكبُ النَّبيذَ

في خلايا دمي

كلَّما شربتُ قدَحاً

اجتاحني الظَّمأُ ؟

**

كيف أشفى منكَ :

وأنتِ أغاني الصِّبا

في خاطري

والنَّحيبُ بينَ جوانحي

والعِطرُ الخالدُ في ذاكرتي ؟

**

كيف أشفى منكَ :

وأنتِ العمقُ

في أفكاري

وسِفرُ التَّكوينِ

في تاريخي

واسطورةُ الخيالِ

في منابتِ حرفي

ويقيني ؟

**

لن أشفى منكِ :

وأنتِ رعشةُ القلمِ

بين أصابعي

والضُّوءُ الذي يشقُّ

عتمَ مدامعي ..

**

لن أشفى منكَ :

وأنتِ أوَّلُ الذُّنوبِ

المُقدَّسةِ

وآخرُ الخطايا ..

**

يا حبيبةُ :

كيف أشفى منكِ :

وأنتِ النَّارُ

التي أشقُّ فيها

عتمَ الدُّروبِ

وستائرَ المستحيلِ ؟

**

كيف أشفى منكَ :

وقد لملمتِ شحوبي

وآلامي

ودموعي

والأزهارَ الذَّابلةَ

من عمري

والحروفَ المُعذَّبَةَ

من شِعرِي

وما تبقَّى من شدوي

ومن فكري

وجعلتْنِي أصوغُ

من حمَّى الحرمانِ

ألماً

ومن صرخةِ الرُّوحِ

حُلُماً

ومن ناي الرَّاعي

نشيداً ..

**

حسبكِ الآنَ

ما سكبتِ

في كأسِ الرُّوحِ

من نورٍ

لا ينطفي ..

**

حسبكِ الآنَ

أن تعرفي أنِّي

لن أشفى منكِ

إلَّا لحظةَ موتي ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4790 المصادف: 2019-10-17 02:06:40