 نصوص أدبية

رأسٌ يذرفُ

شوقي مسلمانيرأسٌ يذرفُ

المسألةُ ألاّ نقولَ: "فاتَ الأوان"

الحديثُ عن مسألةِ حياةٍ أو موت ليس بديهي

ليس الإزدحام عفويّاً، ليس الإعتداء عفويّاً

القهرُ ليس عفويّاً، المؤامرةُ ليست عفويّة

ليس الفقرُ عفويّاً، ليس الجوعُ والعطشُ والترمّد عفويّاً

الإزدحامُ له جُذور، الإعتداءُ له جُذور

جُذورٌ للمؤامرة، الفقرُ له جُذور

الجوعُ له جُذور، العطشُ له جُذور

جُذورٌ للإحتراقِ، جُذورٌ للترمّد

الإضمحلالُ له جُذور

للكلِّ. 

**

مِنَ الشرقِ جاء، مِنَ الغربِ جاء

مِنَ الجنوبِ جاء، مِنَ الشمال 

مِنْ شمالِ الشمال، مِنْ جنوبِ الجنوب

مِنْ ذاته، مِنَ الماءِ والبرقِ والرعد

مِنَ الجهةِ والجهةِ المعاكسة

مِنْ غربةٍ، مِنْ حصانِ إبليس

مِنْ براثن، مِنْ صخور 

كان يقولُ: إنّها تجارة

سطْوٌ مسلّحٌ تمارسُه أمم

أناسٌ أدمغتُهم عَلَقٌ

البعضُ تغازله الإمبرياليّة

الرجعيّةُ عندَ البعض: الشمسُ والقمر  

المفاجأةُ بقلّةِ الأمانة، المفاجأةَ بقلّةِ الشهامة

بكثرةِ الإرتداد

أن تنظرَ إلى النسِر ينقلب إلى دجاجة

أن تنظرَ إلى الحمل ينقلب إلى ذئب

أن تنظرَ إلى الأسد فإذ هو فأر

أن تنظر  إلى الأخضر  فإذ هو يابس 

المفاجأةُ أنّه لا يزال يتفاجأ. 

**

مقارنة بينه وبين القمر

كِلاهما منير، لطيف وحالِم

مقارنة بينه وبين النجمة

هي بعيدة وهو بعيد

مقارنةٌ بينه وبين البرقِ والرعد

يشرقط ويهدر مثلهما  

مقارنةٌ بينه وبين التمساح

معاً يشقِّفان الضحيّة

مقارنةٌ بينه وبين العقرب

العقربُ يلدغُ مثله

أذهله الشبه بالتفاصيل.

**

الصعودُ أن ترفعَ رأسك

النظرةُ الحالمةُ موسيقى

الشمسُ المشرقةُ قبضتُك. 

**

قيلَ: "كلّما اشتدَّ الليلُ اشتدّ القمر"

"تعدو الذئابُ على مَن لا كلابَ له

وتتّقي صولةَ المستأسدِ الضاري"

"لا تقهروا الإنسان" 

رحلةٌ طويلةٌ ومؤسفة. 

**

بعضٌ ممّن فيه

يعرف ولكنّه لا يصرّ

بعضٌ ممّن فيه يمشي موارِباً

بعضٌ غاضب، بعضٌ شجاع

بعضٌ يائس، بعضٌ أسأتُ إليه فأساء إليّ 

أنكرتُه فأنكرني، لم أنصره فلم ينصرني.  

**

ويبدو ثابتاً

لكنْه في الواقع يتحرِّك

بأسلوبه، بغريزته

بعضُه أقبلَ مشرِقاً

بعضُه آفلاً معتِماً

بعضُه اختنقَ

امّحى أثرُه

وها هو منه حجر

بعضُه وحده

وعلى مسافةِ مئات ملايين الأميال

مِن كوكبنا

يصطاد بقصبةٍ مِنْ ضوءٍ 

تنهيدةً

في النهرِ اليابس

بعضه عند قمّة جبل

ولكي يطلعَ الفجرُ مطمئنّاً

يقف شامخاً كتمثال

شجرةَ تفّاحٍ

سرقتْ تفّاحتَه الوحيدة. 

**

رأيتُه يرى المساحةَ الخضراء

رأيتُه يرى المساحةَ الرماديّة

رأيتُه لا يرى المساحة، رأيتُه تحتَ المساحة

رأيتُه يحرث ويبذر في المساحة

رأيتُه يحبُّ ويرى الزهورَ والورود

يصغي لشدوِ الطيور

عندَ المساحة.

**

يعبر مِنْ دون أن يلتفت

مستغرِقاً، قبلَ آلافِ السنين

نزلَ على سطحِ القمر

يومَ أوّل مرّةٍ نظرَ إلى السماء

وأمعنَ النظر 

يومَها رأى أناساً آخرين

رأى غابات وطيوراً وبحيرات

وبحاراً وجبالاً شاهقة وأوديةً سحيقة

وسهولاً ومروجاً وحقولاً

وبيوتاً وحُبّاً وحروباً وأمراضاً وآمالاً

وقردةً على أجناس، ودوابّاً مِنْ أجناس

وطيوراً مِنْ أجناس 

وزواحف أجناساً، وبرمائيّات أجناساً

ومائيّات مِنْ أجناس

وفيروسات مِنْ أجناس

كان ينظر مليّاً

وعندما لم يكن ينظر مليّاً

كان يهبط

حوادثٌ تتكرَّر

يمضي واثقاً، يمضي متردِّداً

لا يريد أن يفهم

هو ذاته الغريب

ويتساءل إذا يوجد غرباء؟  

الفاتحُ أو الغازي

الغريبُ ذاته يفكِّر

على نحوٍ منطقي

وعلى نحو غير منطقي

أوّلَ ما نزلَ على القمر

قبلَ أحقابٍ بعيدة 

لمّا أوّلَ مرّةٍ استلقى

قريباً مِنَ النار.

***

محور مائل (3)

شوقي مسلماني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4799 المصادف: 2019-10-26 01:16:53