 نصوص أدبية

دعوة

مالكة عسالفتحت بابي، فلمحت شيئا كالورقة، يرقص على هبة ريح منسلة من الفتحة، اقتحمت طويّها في فضول جميل، انفرج مبسمها عن عبارة: الحضور ضروري لحفل زفافي ياشقيقي ورفيق دربي، الذي تقاسم معي عقوق الأيام، ولعنات القدر في عرين الطفولة..أنا اليوم سألتحم بنصفي الآخر ..

يريد أن يكمل جسده..أليس الزواج تكملة، ودق أوتاد الرزانة في فدافد الشغب والاستهتار، وترويض طفل المراهقة، بسببه قضى ليالي تحت تهاطل الأمطار، ولفحات الشمس ليسكته، وفاعلا حقيقيا لإبادة حشرات الوحدة مستفزته بطنينها الأحمر، ورادعا قويا بإغلاق أبواب مطارة الجنس الآخر في وجهه، على الأقل في البداية.. ؟

لكن لا تسألني عن الشريكة حمالة حطب المقبل في جيدها، فأنا أجهلها تماما..على كل حال هي امرأة ككل النساء ...لرهافة قلب صديقي، ستعيش حياة ببريق الماس، تنجب أو ينجبان هما الإثنان، لا أدري، لا أدري أتنجب هي أم ينجبان هما معا ذرية الاستمرار، وترسيخ الا سم في سجل الحياة ..و لكن لا أدري أهي صالحة أم ليست كذلك، ولا هي عاقر أم ولود ...بيني وبينك أليس الزواج لعبة شد الحبل في ميدان التعب وحرق الأعصاب في رماد الأشقياء..؟ يا أخي من يرد الغطس في بحيرة هادئة يرها، ومن يرد خوض حمم السعير يرها.. وما شأنك أنت وهذا التحليل المريض؟ فأنت خارج المربع، تعيش فرخ حمام في أعلى أسفل الأبراج... فإن أضعت مفاتيح قفص الزفت هذا في برك شطط القدر، فذا شأنك ...اُتركِ الثرثرة والاستفهام، فاللحظة تضيق بهما، وهيئ نفسك لتعلن للصداقة وفاءها ......

بقرت بطن الصوان الذي تخلى عن دفتيه، لأنتقي خيرة الملابس ..تسربلت القمصان والسراويل في هدوء..لا شيء منها يدعو إلى الغبطة ...حتى الحذاء فاتح شدقه منذ أسبوع.. ماذا أفعل ؟أأجمع قشاتي في عشي وأمرر إليه اعتذاري ؟...يا أخي أية ذريعة تقنع صديقك بالقبول، اِلْوِ جسدك في أية ملاءة وانصرفْ، واستفذ من حصتك هذه، فما زالت أمامك مثل هذه الأجواء...أتمزح ؟فمبلغي المادي يتعرض للقضم قبل الوصول إلي هيكلا عظميا.. وما تبقى تساومه فواتير الماء والكهرباء والكراء .......

بعثرت الملابس، والتبعثر أُدْمِنت عليه منذ الصغر، هكذا علمتني أمي، فحين لفظني رحمها بعد البنت الثانية، كربة الأسرة، ومعبر نحو الشؤم كما تراها الأسرة، لكونها رديفة البكر، كأنها غلطة العمر..البنت مصيبة إذا عَنَستْ، وترى فيَ أنا ذكر البيت ومبهجه...أتتفق أنت على أن البنت كارثة، رغم بحر حنانها المتدفق، وتحملها جزءا من مسؤولية البيت ؟أعوذ بك من لغوك المخروب هذا ......على إثر التبعثر كنت أجد ملابسي منسقة كالآيات القرآنية، والتغيير يتم على ذوق أمي أو أختي من حيث انسجام الألوان ..والوسخة أرميها أشلاء في الجنبات ..ولا دراية بالطبع أية أنامل جمعتها ونظفتها، وأعادتها مرصفة إلى مكانها..والتلبية بنفس الإيقاع حين تهاجمني صراصير الجوع، ولا شأن لي بالمائدة وأوانيها، فارس البيت كنت، أمشي فيه أميرا .....ولما بعثرتني الأيام، أعيش الآن بأسلوب التبعثر، حتى غدا النظام من كبريات المعضلات..غرفتي، أِلفتُها هكذا مبعثرة..لأن التبعثر هو الذي يريد...... قمصان منكمشة، وربطات عنق: أسمال بالية لا غير ..يالهذه الدعوة البلوة، التي غدت اليوم فاتورة دين يجب تسديده..ركنت إلى سريري تتجاذبني متاهات وعيناي مبسوطتان على الملابس ..قمت ثانية بعثرتها يمينا، شمالا..لبست قميصا أصفر، فأصبحت ككنائس الضوء..

ومنظري أبشع من وجه ميت ..نزعته..ولبست آخر أحمر، فذكرني بإشارة دورية الليل، وبقع دم الضحايا المهرقة غدرا

فأقلعته أيضا ..تصور دعوة فرح تجر عليك سيلا من المشاكل..جلست على حافة السريرأتمعن في الأحذية : أانتعل الحذاء الرياضي مع السروال ؟أي تناسق؟ ألا تعرف مقلبه في الأجواء الحارة؟تجاوزْه ياعم ..الصندل :أظن لا اعتراض فالرِّجل لها منفذ لاستنشاق الأكسجين.. الصندل مع السروال ؟ أية غرابة وأي تبعثر؟...أنا قلت لك منذ قليل :إني مبعثر ونشأت على التبعثر ...

أنسيت حذاءك؟ .. حدثتك عنه سابقا...اِلتحفْ أية خرقة وهيا لتبتر هذه الليلة من قائمة الليالي الماردة، فتروِ صحراءك الجدباء ..حل ترقيعي لِرَي القشور أما تحت الضلوع فالدود ينغل..أعدت الملابس إلى مزبلتها ثم تسمرت في مكاني، متتبعا مروق ذكرايات من حافة الطفولة مبتسما، مقطبا ... انتفضَ الحذاء ضاربا النور في الجوانب يلمع بشكل مدهش، جوربان بلون رمادي تقفزان من الدرج، وتحطان عصفورتين على الحذاء، أفرك عيني، أغمضهما، أفتحهما أُرمِشُ.. يتدلى القميص ببياض مشع كحيوان رخوي، تركض وراءه بذلة دهماء، ربطة عنق رقطاء تتلوى كثعبان ..تزحف الجماعة نحوي ..أربعة أياد بلورية تُلبِسني..تُقوّم الخلل..أنا الآن في تمام أناقة الأمراء ..مشطت شعري ..

ابتسمت، التفتّ، انحنيت، قمت، عاينت سحنتي في المرآة، تأبطت الهدية وانطلقت كالسهم نحو العرس ..انتبهت على

صفارة سيارة الشرطة.. جلبة وغوغاء ..الحمذ لله إذ مازلت في بيتي..

***

مالكة عسال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4886 المصادف: 2020-01-21 02:44:20