 نصوص أدبية

تَداعياتُ يومٍ ماطِر

صحيفة المثقفمَلَلْتُ الحَجْرَ المنزلي بسبب الكورونا .. ما أنْ تَلَحْلَحتِ القيود، بعد عدة شهور، وسُمحَ لمحلات الحلاقة والمقاهي وبعض المطاعم الصغيرة بمعاودة عملها وفق ضوابط صحية، خرجتُ مثل طائرٍ فَرَّ من قَفَصه، إلى مقهى أتردُّد عليه مع شلّةٍ من الأصدقاء، أحياناً .

النهارُ في برلينَ مُتردّدٌ، لا يعرف كيف يحسم أمره، أيكونُ صحواً، أم..!

تُطلُّ الشمس تارةً، وأخرى تتوارى خلف طبقة سميكةٍ من الغيم تُهرولُ نحو الشرق .

شَمَمتُ في الهواء رائحةَ مطر، لمْ تثنيني عن الخروج .

**

جلستُ إلى طاولة صغيرةٍ في المقهى، عند شباك زجاجيٍ كبير أمام مدخل متنزه فريدريش هاين .

بدأ المطرُ حُبَيباتٍ .. لم تلبَثْ أنْ تزايدَت نَثيثاً . بعدَها صارت مِزنَةً، فعاصفةً راحت تَجلِدُ زجاجَ الشبابيك، مصحوبة بقصف رعدٍ مخيف ...

وئيداً أحرّكُ الملعقة في قدحِ الشاي، لاهياً أرقب المطرَ ينهمرُ بخيوطٍ كثيفةٍ متصلة . إختنقَتْ فتحات الصرف في الشارع، كأنَّ سيلاً عارماً إجتاحَ الشارعَ ... قفزَتْ إلى خاطري قصيدة السياب  " إنشودة المطر "، لاسيما:

[ .. أَتعلمينَ أَيَّ حزنٍ يبعثُ المطرْ ..؟

وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا إنهمَرْ ؟

وكيفَ يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟ ]

**

المشهدُ، لوحده، وما إستدعاه "مطر السياب " يُغني عن وصفِ الفرقِ بين السرابِ والمطر !!

*  *  *

مَنْ أَنا ..؟!

أنا واحدٌ من أولئكَ المَطحونينَ بين رحى الغربة والوطنْ ...

أنا مَنْ نهبوا وطنَه وتأريخَه، حوَّلوه ساحاتٍ يرقُصُ فيها الردّاحونَ والمُنَوّمون بالغيب والخرافة،

إلى جانبِ قِطعانٍ من ميليشياتِ القَتَلَة المُنفَلِتة من كل عِقال ...

صَيَّروه نُكتةً للغادي والآتي.. وحكايا خُرافاتٍ ...

**

كمْ من مرةٍ قُلنا " نموتُ ولن يمرّوا "...

ها همْ ... !!

مُتْنَا ومَرّوا!.. بلْ مَرّروهم !!

أكنّا نتبعُ حُلُماً كي نراه، ويتبعنا كي يرانا..؟

أما كانَ في وُسعنا أنْ نُغافِلَ أعمارنا ونُربّي أيامنا قليلاً، لنَستشرِفَ ما سيأتي؟!

كُنّا نغنّي كي نُلهي المسافةَ عنّا، علَّنا نضفرُ بعزيمة جديدةٍ لنواصلَ المسير!

آهٍ من أرجُلٍ بَرَتِ الحجارةَ وقطَّعَتْها دروبٌ أوصلَتنا إلى أكثر من بيتٍ، إلاّ بيتنا !!

*  *  *

منذُ ماتَ محمدٌ إبنُ عبد الله، إنفَرطَ "الصَحبُ" ...

دُقَّتْ طبولُ الحربِ، وإشتعلَ التناحرُ على السلطة،

حربٌ سياسية / مَصلحيّة بإمتياز !! لا علاقةَ لها بالإيمان والمقدّسات كما يزعمون ..

سالَت فيها، ولمّا تزل إلى اليوم، أنهارٌ من الدماء ... وما من حكيمٍ أوقَفَ الفِتنَة / المَقْتَلَة !

**

ما شأننا نحن الآنَ، بعد 1368 سنة، بتلك اللعنة .. ؟!

أنكونُ جئنا إلى الحياةِ خطأً، لنكونَ أضاحي لهذا الخَبَل ؟!!

ما شأنُ أطفالنا وزوجاتنا بسلالة الجنون والمجون ؟!

حروبٌ تتناسل حتى الساعة، ليس لنا فيها ناقة ولا جَمَلْ ؟!!

تَجوعُ الناسُ وتَعرى، وما فَتىءَ البرابرةُ يقرعون طبولَ الموتِ ،

ما شأنُ مئات الآلاف من القتلى، من "الجزيرة" حتى خراسان وما بعدَ خراسان ؟!!

*  *  *

إذا كُنّا نَقيسُ المدى بمنقار لَقْلَقٍ، وغمزةَ الحبيبِ بشفرةِ وردة ...

فما بالُنا نعجزُ عن توصيفِ مَنْ يَفتَدينا كي نحيا ؟!!

أَترحَمُنا البَسمَلَةُ والحوقَلَةُ حين نسألُ الليلَ حُلماً جميلاً ؟!

وهَلْ يمرَضُ الحلمُ كما يمرضُ الحالمون ؟!

رصاصٌ لئيمٌ أَفزَعَ الشهداءَ من ذكرياتٍ لمْ يُدونونها ...

أما كانَ من حقِّهم أنْ يزرعوا النعناعَ كي تَقلَّ رائحةُ الظُلمِ والظلام ؟!

ويناموا أَبعدَ من مدى "البَرنَوْ" في زمنٍ تحجَّرَ فيه الكلام ؟؟

**

أيها النائمونَ فينا، مِنّا عليكم السلام !!

إذهبوا إلى النومِ، سنصحو ونَحرسُ ذكرياتكم / أحلامكم من عَبَثِ مُتزلّفي الرثاء ..

ومن تُجّارِ الرِثاء الرَث، "الرَوزَخونيّة"* !

ناموا قليلاً، هذا المساء ... لنْ نُعاتِبُكم على طولِ الغياب،

ناموا ، خبّأنا أسماءكم في شغاف القلب،

لنْ تَكبروا أو تمرضوا وتشيخوا مثلنا ...

ناموا، وكونوا نشيدَ الذي لا نشيدَ له ...

ناموا ، فمن حقِّكم أنْ تُصدِّقوا أحلامَكمْ، وتُكذّبوا ما يُلفِّقونَه الآنَ من "وطن !"..

تُصبحونَ على وطن، عَصيٍّ على التصدير إلى "الجوار" !!

وطنٍ يأبى التَفَتُّتَ كبَعْرِ الماشية !

تُصبحونَ على وطنٍ معافىً، بلا خُرافاتٍ ... مليءٍ بشقائقِ النُعمان، حلوٍ كأحلام الصغار ...

***

يحيى علوان

...................

* الروزخون، هو مُقريء في كتاب (روضة الشهداء) يستخدمه خطيب المنبر الشيعي حين يروي قصة مقتل الحسين بن علي. والروزخون منحوتة من أصلٍ فارسي (روزة خوند) بتحويل الضاد زاياً في الفارسية ! وحُذفت الدال لتسهيل النطق بالعربية . يرادُ بذلك باللهجة العراقية ودول الخليج إنتقادَ ترديد مقولاتٍ قديمة جرى تحنيطها خارجي سياقها الزمني لأسقاطها على كل كل زمانٍ ومكان ...!!

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب يحيى علوان
تحية معطرة

كم جميلة هذه التداعيات. وكم زادها المطر جمالاً واناقة. أنت في برلين كما فهمت من تداعياتك ولكنك تحمل العراق على ظهرك وفي قلبك النابض بحبه. ليس العراق فقط وإنما كل الوطن العربي بهمومه وغيومه.
كل الديانات جاءت لتكرم الإنسان وتعزه فحولها إلى اداة لجلده وقتله. هذا هو الإنسان منذ هابيل وقابيل إلى يومنا هذا. الإنسان لا يظلمه مخلوق آخر كما يظلم هو نفسه وبني جلدته.
عبرت عما يجيش في صدورنا أحسن تعبير.
هل التغيير قادم حقاً؟ هكذا تسول لي احلامي. لا ادري
حفظك الله ورعاك
تحياتي ومودتي

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أحبُّ ما يكتبه المُبدع.

يحيى علوان. لهذا السبب :

آهٍ من أرجُلٍ بَرَتِ الحجارةَ وقطَّعَتْها دروبٌ أوصلَتنا إلى أكثر من بيتٍ، إلاّ بيتنا !!

أي. لشجاعته. و نزاهته و صدقه. في محاسبة نفسه

أوّلاً. ونفوسنا ثانيةً .

أعني هذه. المُراجعة. الجسورة. الصدوقة. النازفة دماً

لتجربته. الذاتيّة وتجارب. جيلهِ بالكامل.

ليس من أجل التنفيس والانفراج عن طريق إظهار الندم

بل في سبيل. عدم. تكرار الخطأ .

خالص. الود

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ والشاعر حسين فاعور الساعدي،

ممتن كثيراً لمرورك الكريم على " تداعيات "وآسف للتأخر في الرد ، لأن كابل مغذي النت في المنطقة أصيب بعطل أمس بسبب أعمال بناء...
أما بشأن ما إذا كان التغيير آتٍ مثلما تحلم ونحلم ، فأقول ما تردده الحكمة عند كثرة من الشعوب في أوربا [ آخر من يموت ، هو الأمل ..]

مع فائق الشكر والتقدير

يحيى علوان
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر مضطفى علي ،
أرجو أن أكون حقاً بما وصّفت وأهلاً لثنائك الباذخ على ما إستبطنته الـ" تداعيات .." من رؤىً وأفكار. فهذا هو أيسر ما يمكنني الآن تقديمه وسط ظلمة تُطبق على الوطن والناس ...

مودتي لك وشكري لأطلالتك

يحيى علوان
This comment was minimized by the moderator on the site

آسف أيها الصديق العزيزالشاعر مصطفى علي للخطأ الذي إرتكبته في كتابة إسمك ، إذ زحف الأصبع من الصاد إلى الضاد ولم أنتبه إلاّ بعد أن وضعت نظارة القراءة وقرأتُ .. أستميحك العذرمن جديد

يحيى علوان
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
ما تكتبه يحمل نكهة خاصة , لانها تخرج من اديب خاض معالم الحياة , شرقها وغربها . وسلك الطريق الوعر والمعبد بالاشواك والعناكب السامة من اجل الوصول الى الحلم الثوري , لكن الوصول الى روما كانت الطرق والجسور مقفلة ومسدودة . إلا طريق الغربة والمنفى لذا في المقطع الاول عن الحجر المنزلي او السجن الاختياري , هو اختبار ثقيلاً لمقياس درجة تحملنا . بما نفرزه من ارهاصات وتداعيات , مثل ما لاحظت في الحس الوجداني الحبيس , سقوط المطر في برلين , مقارنة مع سقوط مطر السياب , لذلك لولا الظرف الوخيم الضاغط , لتداعى سقوط المطر في تداعيات مختلفة . والمقاطع الاخرى لها حضور للوطن الذي ينزف بحراحه وقراحه دون انقطاع . فكيف الحال في الغربة والوطن في روح المغترب , راقد الوطن بقدسية في اعماق الذات في الشجن والاشجان الغربة . فكيف يكون حال الغريب والمغترب . حينما يرى الوطن على السرير تعبث بجثته مشاطر المليشيات والعناكب السامة , والذيول الطويلة التي باعت ضميرها وشرفها الى مولاها الصنم المقدس خامئني . لتكون مشاطر جارحة للوطن في الضياع الكلي . نعم كنا نقول لن يمروا إلا على جثثنا , ولكنهم مروا على جثة الوطن , وضاع الاخضر واليابس في الانفلات الامني . نعم قلت الصواب بأن العراق مصاب بعقدة الماضي البغيض . في المطالبة بالثأر والانتقام في تقطيع جسد الوطن , بحكم الخرافات والشعوذة هذا الماضي البغيض .ان يكون هذا الزمن الارعن زمن الرزوخون الذهبي . زمن الغربان السوداء وهي تكشر عن مناقرها الجارحة . ان الوطن اصبح معبئ بالخرافات الرزوخونية , انها قنابل موقتة , ألله يستر اذا انفجرت دفعة واحدة . عندها سيكون اكثر فلتاناً ووحشية , من وحشية اليوم المرعبة
ودمت بخير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق العزيز جمعة عبد الله
وداً وداً..
أجدني متفق معك في تشخيصك لحال " البلاد والعباد في أرض السواد!" . ويبدو لي أن هذا " قَدَرُنا !!" قبل أنْ ينبلجَ فجرُالإنعتاق من ربقة الخرافة والغيب والتخلُّف ، الذي أناخَ بثقله المشؤوم طويلاً ... الأملُ بالشبيبة المسلحة بالوعي والثقافة والعلوم الحديثة ....

دمت أخاً عزيزاً ، شكراً لك على مرورك الكريم

يحيى علوان
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5052 المصادف: 2020-07-05 03:19:18