 نصوص أدبية

إبنُ الأرملة

ريكان ابراهيمأشقى الرجالِ هو اليتيمْ

أشقاهمُ مَنْ ماتَ والدُهُ ولم يرَهُ

بما يُرضي هواهْ

هذا اليتيمُ يُطيلُ وَقْفَتَهُ،يُحدُقُ

في المرايا

وأمامَ صورةِ والدٍ هرئِتْ يُفتِّشُ في الخفايا

متسائلاً: أأبي أنا؟ أم أنّنيْ

هو ما أراهُ وقد تجعّدتِ الثنايا؟

أشقى الرجال فتىً تَعوَّدَ أُمَّهُ

وأضاعَ من يدهِ أباهْ

ويظلُّ (أُوديبُ) المريضُ مطارداً وَهْمَ

التخلّصِ من أناهْ

لا الأُمُّ كافيةٌ عليهِ، ولا أبوهُ

اذا أرتجاهْ

فأبوهُ ماتْ

هو لا يرى منه سوى ماصار ذكرى

هو لا يراهْ فيستعينُ بأُذْنهِ عن عينهِ سِرّاً وجَهْرا

الأُمُّ يسألها فتنقُلَ عنه ما يُغري النساءَ من الرجالْ

والكارهونَ له يَعيبونَ الكثيرَ

من الخِصالْ

والمُنصِفُونَ يُجمِّلونْ

***

بلغَ الفتى عُمْرَ الرجالِ وصارَ شاعرْ

وأرادَ أنْ يرثي أباهُ بمالديهِ مِنْ

مشاعرْ

ماذا سيكتبُ عن أبيهِ فقد تضاربتِ المراجعُ والمصادرْ

فأبوهُ لم يتركْ له أثراً،ورأيُ الأُمِّ مُختَلفٌ على تصديقهِ ،وكتابة التاريحِ تخضَعُ للكثير من المخاطِرْ

ومضى يُدمدِمُ ثم قال.

إني ّ هنا لا علمَ لي الاّ الذي قالتْهُ أُميّ

فأبي بقايا منْ ملابسَ في الخزانهْ

وأبي بقايا  صورتينِ على الجدارْ

وأريكةٌ كانتْ مُفضَّلةً لديهِ

بَعضَ ساعاتِ النهارْ

وأنا أُحاصِرُ  فيهِ ذاكرتي بما

قد قالَ شاعرْ:

إنَّ الفتى مَنْ قالَ :هاأنذا

و(هاأنذا) صنيعةُ وعيِ أُمّيْ

والأُمُّ طيبةٌ ،تُعلِّمُني الوداعةَ

لا الشجاعةَ،

والسهولةَ لا الرجولةَ ،تلك أشياءٌ

يُعلِّمُها أبي لو كانَ حيّا

لكنّني في ظِلِّ أمي صرتُ مخلوقاً حَيّيا

أشقى الرجالِ أنا اليتيمُ

وكُلُّ عمري مُشكلةْ

رُحماكِ يا أُميّ فليسَ لكِ الخيارُ

بأنْ تكوني أرْملَهْ

***

إستدراك ليسَ للأخفش

أشقى الشبابِ هو اليتيمُ

لأنَّهُ في البعض من انواعهِ

يغدوُ اليتيمُ مريضَ حالتهِ

ويُصبح مجرماً ، يؤذي،ويقتلُ

كُلَّما ظفرَتْ يداهُ بمنْ لهم

آباءُ، منتقماً من

الدنيا التي أخذَتْ أباه

***

د.ريكان إبراهيم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (32)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الدكتور ريكان إبراهيم
كل عام وكل عيد وأنت ومت تحب بالف الف خير.

قصيدتك جميلة سأتناولها بالتحليل لو سمحت.
تحياتي ومودتي

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

عفوا على الخطأ المطبعي:
الصحيح:وأنت ومن تحب ....وليس مت تحب

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اهي المبدع حسين الساعدي اشكر رضاك ويشرفني ان اقرأ نقدك للقصيدة

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي وليس اهي .قااتل الله كل خطأ وابعدنا عن الخطايا

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

اليتيم هو من تيتم علما وأدبا وخلقا
كثير من الأيتام ذكورا كانوا أو إناثا من وجدو ا الصدر الحنون والأم
الرؤوم فكونت منهم رجالا عظماء ونساء عظيمات في مختلف المجالات
ولكن يبقى أثر الفقد على ملامح اليتيم خاصة أولائك الذين فقدوا أباءهم
في سن مبكرة
القصيدة هادفة وجميلة . تحية تليق د - ركان إبراهيم
عيدك سعيد ودمت في رعاية الله وحفظه.

تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للمبدع الاستاذ تواتيت . القصيدة تتحدث عن سايكولوجية فقد الاب في جوانب محددة .اشكر لك رضاك عني ايها المبدع

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

البهي الكبير د. ريكان اليتيم فاقد الأم لا الأب فكم من أم أنشأت رجالا ما أحوجنا للأم التي تعني الوطن الزوج الأرض المحبة دائماً ينشغل الدكتور ريكان بموضوعات قلما تناولها الشعر ، ولكن ما قول العزيز كرابتي فيما يحضرني في هذا السياق أهزوجة كنا ننادي بها عندما كنا صغاراً
مفادها : " يا عجي يابن المكرودة بيع أمك واشتر البارودة ،"
ما تتطرق إليه عزيزي د. ريكان أرى أنها تُشكل ظاهرة في شعرك وموضوعاته لو تجمعها يا د . في ديوان
أضحى مبارك

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي د.وليد اخبرك انني الحقت بديواني الذي في المطبعة القصائد الثلاث التي نقدتها وهي الشاعر والقيامة والبحث عن زمكان الحب ورثاء الذات . تحياتي اليك

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

د. وليد المبدع وليد . في معجم التفاسير تم الاتفاق على ان الفطيم هو فاقد الام واليتيم فاقد الاب واللطيم فاقد الاثنين ثم صار ان اليتيم فاقد اي منهما . المهم ان المعني في القصيدة هو فاقد ابيه . نعم ان الاهزوجة شائعة في قرى العراق في ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني . اشكر رضاك عن القصدة

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الدكتور ريكان ابراهيم ... عيدك سعيد ومبارك بمشيئة الله انت وعائلتك الكريمة... الرمزية العالية والايحاء هو مايميز هذه القصيدة... ابتداءا من العنوان... فقد كان (( ابن الارملة)) ليثير تساؤلا لمَ لم يكن العنوان (( اليتيم)) ؟ فما ابن الارملة الا يتيم... ولكن هنا اراد الشاعر ان يضع داخل اطار الصورة معاناة اليتيم والارملة معا... واراد ان يفتح باب التخيل للحاجة العظيمة لدى الطفل - الفتى- الرجل اليتيم لابيه في كل مرحلة من مراحل العمر.... المسألة هنا كما ارادها د ريكان ليست مجرد مناقشة صبي فقد اباه... بل مسألة انحراف التاريخ ومعضلة المجتمع في غياب الموجه - السند - الاب. ان اكثر القصائد الهاما وفائدة ومتعة هي (( كهذه القصيدة)) التي تفتح باب التخيل والنقاش على هذه المستويات- المستوى الشخصي (( اليتيم)) المستوى العائلي (( اليتيم والام الارملة )) والمستوى العام (( بما تشكله ظاهرة اليتم من معضلة في المجتمع وباب محتمل لمختلف المشاكل النفسية والانحراف في السلوك العام)) ... وفوق كل هذا وقبل كل هذا يبقى الاستمتاع بهذه القصيدة لغةً واستعارات وموسيقى هو المتصدر كون كل ماطُرِح لايمكن ان يخفي اعجابنا بالزاوية التي تناول منها الشاعر موضوع مهيمن على المجتمعات المبتلية بالحروب خاصة واللغة الشفافة العاطفية التي وصف بها الموضوع وموسيقى القصيدة التي تماشت وتماهت مع موضوعة الفقد والمعاناة..... حبي واعجابي الدائم

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع الرائع احمد فاضل . اقسم لك ان ما اثرته في بداية حديثك كان محور تساؤل لم ابن الارملة وليس اليتيم وماذا تقصد يا ريكان وانت يا احمد فاضل يا اخي الغالي تعرف تماما ما اعني . كشفك للرمزية واستخدام مرمزات التحليل النفسي كان دليلا على ثقافتك النقدية . الم اقل لك انني لن استطيع معك صبرا فانفجر بك ناقدا كبيرا . تحياتي اليك

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

أشقى الرجالِ أنا اليتيمُ
وكُلُّ عمري مُشكلةْ

الأستاذ ريكان ابراهيم الشاعر المبدع والطبيب النطاسي
قرأت القصيدة مرات عديدة بحثاً عن ما وراء الظاهر ,
الظاهر يكفي وحده أن نقول بحقه : هذه قصيدة متميزة معالجةً وموضوعا ً ,
الموضوع أو ما يحتويه الموضوع من مأساة قَـدَرية تجعل منه مادة ً شعرية
وموضوعاً لا ينضب في الأدب .
ولكنني أعتقد ان بطل هذه القصيدة الموارب هو الحزن العميق الذي يغلّفها
تاركاً القارىء في حقلٍ ممغنط من الشعور الحاد أمامَ قسوةٍ قَـدَريّة لا يمكن دفعها ,
قسوة تقول بشكل غير مباشر ان الإنسان ضعيف .
هذه القصيدة هي دراما مِـن مَوَران داخلي وتعقّل خارجي كأن النطاسي
والشاعر بتمازج تامٍ قد كتبا هذه القصيدة فلا ريكان الشاعر بقادرٍ وحده على كتابتها
بهذه الصيغة ولا ريكان النطاسي ولا بد من الإثنين معاً .

دمت في أحسن حال وكلَّ عام وأنت بخير وإبداع يا استاذ ريكان

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع الكبير اللامع جمال مصطفى . هذه اشارة نقدية ذكية رائعة منك حين اعتبرت القصيدة رمزية كفى الظاهر منها الغاطس . بموجب ذلك صار ضروريا لكتابتها توفر نفسي للشعر وشاعر لعلم النفس فيها . انا مسرور جدا بهذه الملاحظة وكنت اتوقع تماما ان تقولها . تحياتي اليك

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الشاعر د. ريكان ابراهيم
كل عام وانت ترفل بالفرح والسعادة
والصحة والعافية
تناولت في قصيدتك هذه موضوع سايكولوجي
مهم ومهم جدا وهو فقد الأب وما عانى منه الشعب
العراقي بسبب ويلات الحروب التي خاضها بسبب
عنجهية وتخلف حكامنا كان تناولك موفق جدا
لحالة نعيشها وبغزارة ومازالت مستمرة
دمت مبدعا بأمتياز

رند الربيعي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخيتي الحبيبة رند . انا احب ان اقرأ لك دائما وكلما نظرت الى صورتك الجميلة شممت فيك رائحة اخت من ام لم تخلف لي اختا فعوضني الله بك .انا فخور برضاك عني وسعيد بالتفاتتك الى العلاقة بين النص والسايكولوجي . دمت اختا مبدعة

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ المبدع جمال مصطفى . لقد كتبت ردا على تعليقك العميق الجميل وللان لم يظهر . لا ادري ما السبب تحياتي .سانتظر

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر العراقي ريكان إبراهيم معالِجاً للروح وللجسد
نماذج من شعره


من المعروف أن الأمراض التي تصيب بني البشر نوعان: أمراض عضوية وأمراض روحية. وقد ثبت بالدليل القاطع أن الكثير من الأمراض العضوية هي بالأساس أمراض روحية. في هذا النوع من الأمراض لا يمكن علاج ما أصاب الجسد إلا بعلاج ما أصاب الروح أولاً. وقد كان اليونانيون أول من اكتشف قوة الشعر وتأثيره على النفس البشرية. وقد تجلى تقديسهم للشعر ودوره في تقديس "أبوللو" إله الطب والشعر أي إله الجسد والروح. وقد كتب أرسطو عن "التطهير" الذي تحدثه التراجيديا في الملاحم الشعرية.
وقد كان الطبيب الروماني سورانوس الذي عاش في القرن الأول بعد الميلاد أول من استخدم الأدب في التداوي. وفي عصرنا الحديث بدأ استعمال الشعر كأداة علاجية تماماً كالموسيقى وغيرها من الأدوات والوسائل العلاجية قبل ما يقارب المئتين وخمسين عاماً في الولايات المتحدة وبالتحديد في العام 1751 في مستشفى بنسلفانيا. ومارسه الدكتور جاك ليدي في بروكلين بنيويورك في العام 1959 في علاج الكثير من الحالات المستعصية. وفي العام 1969 أصدر كتابه "العلاج بالشعر".
معروف في تراثنا العربي أن الكلمة تجرح كالسكين وتداوي كالبلسم وقد برز ذلك في أشعار شعراء معروفي كقيس ابن الملوح (مجنون ليلى) الذي قال:
وما أسرف الإيفاع إلا صبابة ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
فالشعر كان دواءه الوحيد مما أصابه في عشقه لليلى. كذلك كان حال امرؤ القيس في بكائه على الأطلال:
وإن شفائي عبرة مهراقة فهل عند رسم دارس من معول؟
المقطوعة الشعرية التي تصلح لتكون مادة علاجية يمكن طرحها أمام الفرد المعالَج أو أمام المجموعة المعالَجة يجب أن تتوفر فيها العناصر الأساسية التالية:
1- الوضوح: يجب ألا تكون موغلة في الرمز أو اللغة بحيث يصعب على المتلقي فهمها وإدراك مغزاها.
2- الصدق: يجب أن تكون صادقة في تعبيرها عما يجيش قي نفس كاتبها. فبدون هذا الصدق لا يمكن أن تصل إلي مشاعر المتلقي.
3- العفوية: فالتصنع يجعلها بعيدة غير مستساغة وغير قادرة على الدخول إلى روح المتلقي.
4- إنسانية: المقصود أن تتناول هم إنساني يصيب أو يشغل الجميع ولا يسلم منه احد.
هذه المقطوعة أو القصيدة تُلقى على المعالَج أو تُكتب على الحائط ويتم إعادة قرائتها والتعليق على ما جاء فيها وهو ما سماه أرسطو بعملية التطهير. ويمكن تسميتها بعملية النبش لما ضُغط في أعماق النفس عند الحدث – عندما قامت النفس بتشغيل نظم الدفاع المعروفة في علم النفس.
يقول د. ريكان إبراهيم في إحدى قصائده مخاطباً أمه. (ومن ليس له أم؟):
يا أمَّ ريكانَ....خلّفتِ ريكانا
للهمِّ ... ليتَ الذي خلّفتِ ما كانا
من لا يقول ذلك في ساعة ضيق أو في حالة إحباطٍ أو حتى في لحظة تأمل؟ طرح ومناقشة مثل هذا الكلام ينفس عن الروح ويساهم في نبش ما ضُغط فيها من أوجاع وآلام في ساعة عسر. فترتاح النفس قليلا مما يثقلها.
في قصيدة "أريدُ ما لا أرى" أكثر من مقطوعة تصلح أن تكون مادة علاجية ممتازة. فهذه المقطوعة على سبيل المثال ملائمة لمعالجة المصابين بالكآبة أو الاكتئاب:
"هناكَ الكثيرُ الذي لم أرَهْ
ففي (أنتَ) وجهٌ أراهُ وآخرُ
ما زالَ لم يُكتشّفْ
وفي (هذهِ) بعضُ (هذا) ولكنني
لا أراهُ،،، وفي أسودٍ أبيضٌ
وفي أبيصٍ أسودٌ،، ولكنني لا أراى كلَّ ما عليَّ اختلفْ
وبين الذي قد رأيت وما لا أراهُ إلى الآنَ
كونٌ من الغامضاتْ
وسرٌّ يُسمى الحياة"
يصاب الإنسان بالاكتئاب عندما يفقد الأمل ويشعر انه أمام حائط مسدود ليس وراءه شيء. بواسطة هذه المقطوعة نجد أن هنالك الكثير من الأشياء التي لم نكتشفها بعد. وحتى في الأشياء ذاتها التي نظن أننا ملمون بها هنالك الكثير من الجوانب التي لم ننتبه لها ولم نرها. حتى الأبيض فيه من السواد ما لم نره وفي الأسود هنالك البياض الذي لم ندركه. والأهم من كل ذلك هنالك سر الحياة وما يتطلبه من تفكير وتأمل. عندما يشعر الإنسان بالاختناق خير دواء له هو المدى المفتوح.
قصيدة "البحث عن زمكان الحب" تصلح بكاملها أن تكون مادة علاجية غنية. وسأختار أجمل مقطوعة فيها في رأيي لأبين ما أقصده:
"لا شيءَ أرقى في الحياةِ من امتلاءِ
فراغِ كأسِكَ بالبياضْ
إنَّ البياضَ بدون ألوانٍ هو الألوانُ
أجمعُها وسَيّدُ كُلِّ أزهارِ الرياضْ
وفراغُ كأسِكَ صُورةٌ غنّاءُ من صُورِ المكانْ
بل لوحةٌ تحكي لياليكَ المِلاحَ
وتستعين على ضياعِكَ بالزمانْ
هذا هو الزمكانُ،فاحذرْ أنْ تُحِّبَ
وأنتَ خارجَهُ فتخسَرَ في
الرِهانْ؟"
في هذه المقطوعة الجميلة ما يكفي من الصور والرسومات المثيرة للدهشة والمحفزة على النقاش وإبداء الرأي. مما يوقظ في المعالَج روح المشاركة والتفاعل. الباب مفتوح على مصراعيه والمجال مشرع لمن يريد التجوال في أعماقه أو الاكتفاء بالبحث في حواشيه وجوانبه. هذا الشعر يستنطق القارئ ويغريه في التطلع إلى ذاته وتأمل ما لم ينتبه له من قبل.
في قصيدته "أبي" يمارس الشاعر إشعال حرائق فَقْد الأب بصدق وعفوية ليعبر أجمل تعبير عما يشعر به كل من فقد أباه. هذه الحرائق ما هي إلا "التطهير" الذي نحتاجه لنواصل الحياة الروحية السليمة:
يا ليتني جئتُ من أُميّ بدون أبٍ
كي لا يموتَ فألقى فيه كارثتي
او أنّها أنكرتني أنْ اكونَ لهُ
أو أننيّ مَيّتٌ في بطنِ والدتي
أو أنَّ ذاكرتي شاختْ على صِغَرٍ
حتّى اذا ماتَ لم يخَلدْ بذاكرتي
أو أنْ يعودَ أبي من موتهِ ليرى
حُزْنَ العواطفِ في روحي وأوردتي
أقولها وأنا منها على ثقةٍ
وصيحةُ الصِدْقِ في أوتارِ حَنْجرتي:
لن يعرفَ المرءُ حُبَّ الوالدينِ لهُ
حتى يصيرَ أباً أو ثَدْيَ مُرضعة
هذا الذي يفوق البكاء هو مادة علاجية جيدة جداً لأنه يتناول الضعف الإنساني المشروع أمام فقدان الأب الحتمي والذي لا يسلم منه أحد. السلامة منه هو أن يولد الإنسان دون أب أو أن يموت الابن قبل أن يولد ويرى أباه ويتعلق به. أو أن يفقد الابن ذاكرته فلا يذكر أباه. هذه البدائل وهذا التفكير\الهذيان بما يحمله من مشاعر إنسانية صادقة حتى لو لم يكن واقعياً إلا أنه ينفس من الاحتقان ويخفف كثيراً من معاناة لا خيار فيها. هذه المقطوعة (كما القصيدة) غنية بالصور والخيارات التي يمكن مناقشتها مع المعالَج بأساليب مختلفة وفيها من الظلال ما يمكن المعالِج من الإبداع والابتكار.
في قصيدة "رثاء الذات" يحرر الشاعر ريكان إبراهيم النفس البشرية من قيود الموت أو الفناء ويغوص عميقاً في الذات المرعوبة الخائفة التي وصلت حد تمني الفناء وتفضيله على البقاء. لان البقاء الذي نهايته الفناء لم يعد يحتمل.
لمن باق؟ وقد عز البقاء
وأصبح أنجع الحل الفناء
تغزل بالذي ولى وجهز
لآتيك الرثاء كما يشاء
كفى بك موريات القدح عزما
وحسبك أن يخلّدَك العطاء
على متنيك قد رقصت هموم
وأمحل عارض وزها شقاء
وفي عينيك من سهر الليالي
قذى وبريق شمعتك انطفاء
هذا القلق وهذا الخوف من الفناء لا مفر منه وخير دواء له هو الحديث عنه وتناوله من مختلف الزوايا التراجيدية. كثرة الحديث عن الشيء تجعله عادياً مهما كان مرعباً ومخيفاً. هذا الإيمان المطلق والتسليم بالمصير المحتوم هو أنجع دواء للخروج من مأزق القلق والخوف من الفناء.
في قصيدة "ابن الأرملة" يصل الشاعر ريكان إبراهيم إلى ذروة البوح الصادق المعبر عما تجيش به نفس الابن الذي فقد أباه والذي يفوق كثيراً البكاء:
أشقى الرجالِ هو اليتيمْ
أشقاهمُ مَنْ ماتَ والدُهُ ولم يرَهُ
بما يُرضي هواهْ
هذا اليتيمُ يُطيلُ وَقْفَتَهُ،يُحدُقُ
في المرايا
وأمامَ صورةِ والدٍ هرئتْ يُفتِّشُ في الخفايا
متسائلاً: أأبي أنا؟ أم أنّنيْ
هو ما أراهُ وقد تجعّدتِ الثنايا؟
هذا الضعف الإنساني مشروع لابن يقف أمام صورة والده الذي لم يره حياً بكل ما في الأمر من حسرة ولوعة لا يمكن تعويضهما. ابن يُعاقَب وهو لم يقترف ذنباً. وهذا العقاب متواصل ويساهم فيه الآخرون دون قصد:
"أشقى الرجال فتىً تَعوَّدَ أُمَّهُ
وأضاعَ من يدهِ أباهْ
ويظلُّ (أُوديبُ) المريضُ مطارداً وَهْمَ
التخلّصِ من أناهْ
لا الأُمُّ كافيةٌ عليهِ، ولا أبوهُ
اذا أرتجاهْ
فأبوهُ ماتْ"
أقسى ما في هذا الفقد هو الشعور بالذنب واتهام الذات بالشراكة فيما حدث. فالتعوّد على الأم هو مدعاة للشقاء! هذا التناقض أو هذا الشرخ في الروح هو العذاب بعينه. لأنه يشعر انه بسبب هذا التعود على الأم أضاع أباه. لكن هل يمكن ألا يتعوّد على الأم؟ موضوع للنقاش قد يوصل المعالَج إلى بر الأمان.
في هذه المقطوعة أعلاه تبلغ تراجيديا اليتيم منتهاها فهو بسبب ما ينتابه، فقد أمه أيضاً بعد أن فقد أباه "لا الأم كافية....وأبوه مات". لكنه لا يستسلم بل يُجمّع قواه وحواسه لاستجلاء صورة الأب ومقارنتها بالصورة التي رسمها من خياله:
"هو لا يرى منه سوى ما صار ذكرى
هو لا يراهْ فيستعينُ بأُذْنهِ عن عينهِ سِرّاً وجَهْرا
والكارهونَ له يَعيبونَ الكثيرَ
من الخِصالْ
والمُنصِفُونَ يُجمِّلونْ"
أراد صورة حقيقية عن والده الذي فقده. لكن كل من حوله خذله لأن كل واحد منهم أعطاه صورة صنعها هو وليست الصورة الحقيقية لوالده. هكذا هي الأشياء في هذه الحياة كل واحد يراها بمنظاره فما نراه قبيحاً قد يكون جميلاً في أعين آخرين.
"فأبي بقايا منْ ملابسَ في الخزانهْ
وأبي بقايا صورتينِ على الجدارْ
وأريكةٌ كانتْ مُفضَّلةً لديهِ
بَعضَ ساعاتِ النهارْ"
هذه الأشياء التي تخص والده قد تكون مصدراً قيما تفيده في رسم صورة قريبة لأبيه. الملابس تعطي صورة من كان هذا الأب أي الألوان كان يحب هل كان طويلاً أم قصيراً وهل كان نحيفاً ام سميناً. كما تعطي الأريكة المعلومة عن نمط حياته وهي أمور قد تكمل الصورة التي أعطاها الآخرون أو ربما تعدلها وتصححها. ما على الابن إلا الجد والاجتهاد في البحث والتنقيب للوصول إلى الحقيقة.
"وأنا أُحاصِرُ فيهِ ذاكرتي بما
قد قالَ شاعرْ:
إنَّ الفتى مَنْ قالَ :هاأنذا
و(هاأنذا) صنيعةُ وعيِ أُمّيْ
والأُمُّ طيبةٌ ،تُعلِّمُني الوداعةَ
لا الشجاعةَ،
والسهولةَ لا الرجولةَ ،تلك أشياءٌ
يُعلِّمُها أبي لو كانَ حيّا"
الابن يقارن بين تربية الأب وتربية الأم وهو يعتمد في وجهة نظره على المتعارف الذي اكتسبه من المجتمع المحيط به والذي قرر أن الأب يعلم الرجولة والشجاعة بينما الأم تعلم الوداعة والسهولة. قد تكون بداية التطهير الذي تحدث عنه أرسطو. فتراجيديا فقد الأب وصلت إلى ما وصلت إليه من أبعاد مأساوية بالنسبة للابن بسبب كل هذه التداعيات التي ترافقها ومنها نوع التربية التي توفرها الأم. لكن الابن يستدرك لشعوره بالظلم الذي ألحقه بأمه نتيجة أفكاره المكتسبة من البيئة والتي لا تنطبق على أمه. إلا أنه بسبب القلق يعود ويؤكد أن اليتيم هو أشقى الرجال حتى وإن حظي بأم مثالية ربته أحسن تربية. فالأب لا يمكن تعويضه والطفل أي طفل بحاجة لأم وأب ولا يمكن لأحدهما التعويض عن الآخر:
"لكنّني في ظِلِّ أمي صرتُ مخلوقاً حَيّيا
أشقى الرجالِ أنا اليتيمُ
وكُلُّ عمري مُشكلةْ
رُحماكِ يا أُميّ فليسَ لكِ الخيارُ
بأنْ تكوني أرْملَهْ"
هذه القصيدة "ابن الأرملة" التي اقتبستها أعلاه بكاملها (ما عدا الاستدراك في الفقرة الأخيرة) مادة ممتازة لبناة البرنامج العلاجي المطلوب لمداواة مختلف أنواع الأمراض النفسية. وهي قريبة من الروح ونابضة بالحياة، عفوية، صادقة وإنسانية بامتياز.
شعر الدكتور ريكان إبراهيم هو ثمرة اجتماع الشاعر المرهف مع الطبيب مع الطبيب النفسي في شخص واحد. وهو ظاهرة فريدة في الشعر العربي المعاصر يجب متابعتها ودراستها بعمق أكبر.
***

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي اللامع الرائع حسين الساعدي .كفيت ووفيت في ما رأيته من صدق الحدس وقرع الجرس لديك . ساضم هذه اللقطات الى سابقتها في الديوان لانها تستحق وانا افخر بك وبها . تحياتي اليك .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الالمعي الّلوذعي الدكتور ريكان ابراهيم
حياكم الله و طيب أوقاتكم كل يوم وعيد.

في المثل القائل: البنت على مغزل أمها و الولد على سهم أبيه..
تغزلنا القصيدة في ثناياه
ترسم خطّ النهر بانعكاسات ظلاله

"إبن الأرملة" : يخدش الأرض

ثمة ريكان الحالم المتوقّد
يشكّل أيامه،
زورقا و عشبا و ضوء شمس
وقصائد لا تجفّ،
مفتاح فجر لم يفتح منذ قرون

دمت متألقا أخي الحبيب

زياد كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الرائع المبدع زياد السامرائي .اوحشني غياب ابداعك . انا مشتاق لقراءتك . اشكر لك رضاك .لا تنس في جيبك سلامي لعامر .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

شاعرنا المائز الدكتور ريكان

إني ّ هنا لا علمَ لي الاّ الذي قالتْهُ أُميّ
فأبي بقايا منْ ملابسَ في الخزانهْ
وأبي بقايا صورتينِ على الجدارْ
وأريكةٌ كانتْ مُفضَّلةً لديهِ

القصيدة رائعة و بمجملها تقول الكثير الكثير، بعضه واضح مبسوط وبعضه الاخر متروك للقارئ كي يتفكر به وبالموضوع. اليتم في القصيدة هو اليتم التقليدي الموروث اي فقدان الاب والابن لازال يافعا، ولكن في زماننا هذا تعددت انواع اليتم.
في اوربا فقدان الاب لا يولى أية اهمية تذكر ولكن فقدان الام هو المصيبة، لذلك فمرجعية الابناء هي الام.
دمت بصحة وافرة دكتور ريكان

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الكريم المبدع عادل الحنظل . اشكر لك مرورك وابداء ملاحظاتك ورضاك . تحياتي اليك وعيدك مبارك سعيد

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير الدكتور ريكان،

تذوقت القصيدة وصداها في نفسي لا يزال يعيد، وأفهم جيدا تطرقك للبعد النفسي ليتيم الأب، وإن تطرقت مع الكثير من الإخوة للفرق بين الفطيم واليتيم، إلا أني أود أن أذكر مثلا كانت جدتي رحمها الله تعيده دوما على مسامعنا: من فقد الأب توسد الركبة (ركبة الأم بمعنى التعويض) ومن فقد الأم توسد العتبة (بمعنى الفقد الأكبر)،

مثل هذه الأمثال للمواساة فقط، وكل فقد يبقى جرحا مفتوحا في النفس،

دمت في كل خير وعافية أخي الدكتور الكريم.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

سلامي للواعد الذي سيسبقنا كلنا ياسين الخراساني . اشكر متابعتك وتحية لك وقراءة الفاتحة على روح جدتك يا حفيد الوفاء

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

له الذكر العطر الدائم الذي يفوح منك ايها الابن الكريم من رحم كريم وظهر كريم
هو حي بيننا فيك وفي كل حرف ورد هنا وفي السابقات
عمرا مديدا يا ابا ريكان ويا ابن ابراهيم
......................
من هلك... الطيبة والحكمة تعلمت
وما بدلت..... البيه انت اعتقدت واقتنعت وايقنت
ولا تحت جور الظلم والعوز الهن بدلت

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

حبيبي الغالي المبدع عبد الرضا .اين انت .انني في قلق حولك والله .الان افرحتني بظهورك جزاك الله خيرا ورحم والديك

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
قصيدة تهتم بالغاطس اكثر من الظاهر , في براعة استلهام مهنة علم النفس الطبي في المجهر الشعري , في تشريح الروح في سايكولوجيتها الداخلية والعميقة وتظهرها الى الظاهر العام . في كشف الخفايا الراقدة في اعماق الذات وما تحمل من حزن ومعاناة وألم تتشظى به الروح بالشقاء ( أشقى الرجال هو اليتيم ) و ( اشقى الشباب هو اليتيم ) و ( يغدو اليتيم مريض حالته ) لذلك فهو يشق احد الطريقين . اما يكون مجرماً قاتلاً . أو يكون أساناً رحيماً بالرحمة والانسانية .
وأضاعَ من يدهِ أباهْ

ويظلُّ (أُوديبُ) المريضُ مطارداً وَهْمَ

التخلّصِ من أناهْ

لا الأُمُّ كافيةٌ عليهِ، ولا أبوهُ

اذا أرتجاهْ

فأبوهُ ماتْ
تحياتي وعيد مبارك بالصحة والعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

سلام وتحية اخي الناقد المبدع جمعة عبدالله . لقد كنت دقيقا في كل ملاحظة نقدية ابديتها في التعليق . لقد كنت منورا في استجلاء المقاربة بين الطافي والغاطس وبين الباطن والظاهر وبين الشعور واللاشعور . ذكرك لمطايب القول دليل وعيك وانتباهك .انا اشكرك واحييك

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

مساء المسرة للشاعر الأصيل ريكان إبراهيم
اليتم درجات وحالات شتى
أبي رحمه الله كان يتمنى الموت لا لشيء
وإنما بسبب معاناته من داء لازمه طيلة حياته وهو مرض السكري
فكان يفقد وعيه ويتصرف كالمخمور مع أنه كان لا يعرف ما الخمر بل كان مصلّياً عابداً ( وعلى باب الله ) ..
قصيدتك شجية عذبة محزنة بل حتى الحزن كثيراً ما يكون ذا لذة غامضة نحسها ولا نستطيع لها تفسيراً.
كل عام وأنت ومحبوك بسلام وفرحة

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع دائما سامي العامري . جعل الله كل ايامك اعيادا . رحم الله والدك وابقاك الله خلفا يجيد له الدعاء .اشكر لك رايك ورضاك عن القصيدة .ذكرتني كلماتك عن المرحوم والدك بقصيدة لي فيها تبرم يقول مطلعها ........
ارخت علي النائبات سدولها
وابت عصيات السؤال حلولها
هي ما لها رب تخاف عقابه
يوما ولا بشر يصير رسولا
تحياتي اليك اخي العامري .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

رسولها وليس رسولا . نحن دائما ضحايا اخطاء الطبع يا سامي العامري

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

أشقى الرجالِ أنا اليتيمُ

وكُلُّ عمري مُشكلةْ

رُحماكِ يا أُميّ فليسَ لكِ الخيارُ

بأنْ تكوني أرْملَهْ
------------------------------- السلام عليكم اخي دكتور ريكان شلونك يخوي ... امهاتنا خيمات الطمأنينة والحب والعاطفة فعلا يمنحننا الوداعة لكن فقد الاب لا يعوض يترك بائنة لا تردم ... تحياتي مع ارق المنى شاعرنا العميق

حمودي الكناني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5080 المصادف: 2020-08-02 01:53:27