 نصوص أدبية

من التراجيديا العراقية - اللبنانية

ليث الصندوقمن بعدِ إطفاءِ الحرائقِ

واقتيادِ دخانِها للأسرِ يرسفُ في قيودْ

ما عادَ طبّاخو الجِمارِ يُتاجرون بصحنهم

للراغبين بأكله عبرَ الحدودْ

طُرِدتْ كوابيسُ الجنون من القناني الفارغاتِ ،

ودونَها الأبوابُ سُدّتْ

وانتهى زمنُ العواصفِ والرعودْ

لكنْ تُرى من أيّ صدعٍ في السما

سقطتْ إذن تلك الشياطينُ اللعوب ؟

لتصُبّ في الجُرحِ الجديدْ

ما فاضَ عن ذاك القديمِ من الصديدْ

**

ألنارُ مثلَ الماردِ الأعمى تسيرُ إلى المدينةِ

تسحقُ الأكواخَ تحتَ مَداسِها

وتُحيلُ أكواخاً على الطَللِ القصور

فلتهربوا ركضاً على الهاماتِ والأكتافِ

فالنيرانُ هدّتْ ما بنينا من جسور

هذا زمانُكِ فامرحي يتُها الشياطينُ اللعوبُ

وشيّدي ما بين عينٍ واختِها سوراً

وما بينَ القلوبِ ونبضِها صُمّ السّدود

مِن بعدِ عَوْدِ الطيرِ يبني فوقَ عُشْبِ صدورِنا أعشاشَه

عادَ المِقصُّ يجزّ أعشابَ الصدور

كم ميتةٍ جيرانُنا الأمواتُ ماتوها

وعادَ القاتلونَ ليغلقوا بالقُفل أجفانَ الشهود؟

**

في الأرض إذ تعوي ذئابُ الرُعبِ

يغدو الناسُ فئراناً

وتغدو قصورُهم فيها جُحور

بغدادُ لم تبرأ ، وبيروتُ اختُها

قد عادتا

- من بعد عهدِ اللّسعِ - تغتسلان في حِمم السعير

طوقُاهما من أدمعٍ خُرَزٌ

والخاطبون المُدّعون الودَّ جزّازو النحور

**

ليلٌ

وآلآفُ الشموعْ

- مثلُ الأفاعي - راقصاتٌ فوق مِقلاةِ الجنونْ

عادتْ من الماضي النِصالُ

تَسوقُ للأخدودِ مغمضةَ الجموعْ

وكذلك الأبوابُ عادتْ – مثلما كانتْ - تُسَمَّرُ بالنواجذِ

والنوافذُ مُكفهراتِ العيونْ

ومع المساءِ

من القبورِ حُشودُ موتى ينهضونْ

***

شعر / ليث الصندوق

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

تعبيرية شعرية رائعة لغة و رٶی، ايقاعها الداخلي يستمر رنينها في العمق حتی بعد توديعها، اسلوب رصين وبنية قوية تستحقها کارثة مرفأ بيروت، ولعنة علی کل من وقف خلفها من العملاء

مازن عبدالله الاشقر
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لهذه القراءة أخي مازن عبد الله الأشقر وآمل الا نلتقي على الكوارث فحسب ، تحياتي

ليث الصندوق
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا هو ليث الصندوق المصر دائما على ان يضل مبدعا .عنوانها هو النص الموازي كما يقول رولان بارت، انها حقا تراجيديا . هناكمواكبة ناجحة بين المبني والمعنى في ظلال تعبيرية .ان النص المؤثر هو ما يحزنك انه انتهى وهذا ما ينطبق على نص ليث هذا ونصوصه

د.ريكان إبراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لك ولمداخلتك أخي الشاعر المحلق والنطاسي النابه الدكتور ريكان ابراهيم ، إنها ليست تقريضاً ، بل هي مواساة ، فالكارثة كبيرة ، وأخشى ما أخشاه أن يذوب بنارها البلدان ، ويتلاشيا من خارطة العالم ، تحياتي

ليث الصندوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع الاستاذ ليث الصندوق ...تحية طيبة وسلام وامنيات بالعافية... في هذه القصيدة المرصّعة باسلوب الثمانينات المحتفي بالموسيقى المحتكمة للبحور الشعرية والقافية يطرح الشاعر وجع بيروت منطلقا من الوجع العراقيّ المخضرم... فهو يقول ان الظلاميين نسلٌ واحد يجهدون في ذبح الحياة والحرية والجَمال حيثما تكون...فالمسألة ليست محددة بعاصمة او شعب وانما هي الانحراف الكوني والخلقي لفرق الموت... فالقاتل هو من قتَلَنا اينما اطلق رصاصته وعلى ايّ كائن.... والقتيل هو منا حيثما اريق دمه..... المفردة الرصينة والموسيقى الراقية والسرد الرمزي غير المترهل هو مايميز هذه القصيدة... لك الاعجاب سيدي.

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

ألاستاذ أحمد فاضل فرهود ، لقد وضعت أصبعك على موضع الألم ، شكراً لك ، ولكل الحانين المواسين

ليث الصندوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الشعر القدير
تعبير شعري مبدع , يصف الجحيم المشترك في تراجيدته المأساوية العراقية / اللبنانية , لتؤكد ان المصير الواحد المشترك . طالما توجد ثعابين الخراب والدمار تعبث في ارواح الناس والمدن ويكون مصير هذه المدن في كف هذه الثعابين البشرية , التي تعصف في عواصفهم المجنونة طالما ماردهم اعمى وارعن يقلع الحرث والنسل . ان هؤلاء شياطين الارض هم مصدر رعب للحياة والانسان . انهم ذئاب وحشية تمتلك السلطة والمال والنفوذ . فهم جرذان الخراب والدمار . يقودون الحياة الى الانغلاق والدمار والحرائق . وما حدث في بيروت يحدث في بغداد او اي مدينة اخرى اجلاً أم عاجلاً
في الأرض إذ تعوي ذئابُ الرُعبِ

يغدو الناسُ فئراناً

وتغدو قصورُهم فيها جُحور

بغدادُ لم تبرأ ، وبيروتُ اختُها

قد عادتا

- من بعد عهدِ اللّسعِ - تغتسلان في حِمم السعير

طوقُاهما من أدمعٍ خُرَزٌ

والخاطبون المُدّعون الودَّ جزّازو النحور
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لمداخلتك أخي الأستاذ جمعة عبد الله ، إنك تقرأ ما في باطن السطور ، وتستخرج منه ما يحاول البعض إخفاءه

ليث الصندوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5085 المصادف: 2020-08-07 02:25:49