 نصوص أدبية

الفُلْكُ المَشْحون

جمال مصطفىوقضى مجازُكِ

في اصطخابِ حُمولَةِ الأقدارِ

أنْ تَثِقي بِربّانِ اكتظاظِكِ

يا سَفينُ /

أتى عليكِ وأنتِ عائِمةٌ هنا حِينٌ مِن الدهْرِ المُطَوْفَنِ،

تيهُكِ البَحْريُّ يَلْعقُ زُرْقةً مِن بوصَلاتٍ لا تُشيرُ

سوى إلى انتظروا الغرابَ /

الذئبُ يَعْوي: أينَ نَحنُ: أرى فَلاةً في فلاةٍ في فلاةٍ مِن مِياهٍ؟،

نحْنُ في الأرض الصغيرةِ

وهْيَ طافيةٌ على الأرضِ الكبيرةِ قالتْ الحرْباءُ حائلةً

مِن التسليمِ مُصفَرّاً إلى لونِ الرمادِ،

الخُنْفساءُ: بأيِّ أينَ تُفَكِّرانِ، بِ أينَ يابِسَةٌ؟

إذَنْ: لا أينَ إلا باطنُ الفُلْكِ المُطَهَّمُ بالحياة،

الكَرْكَدَنُّ: ال أينَ حيْثُ تنامُ شبعاناً

وحيثُ  فقالَ لَيْثُ الفُلْكِ: لا حُريّةٌ مِن دونِ غابٍ

ها أنا مِن بَعْدِها

في الفُلْكِ في قَفَصٍ رهينُ المَحْبَسَيْنِ، /

وبَغْتَةً نَهَقَ الحمارُ، احتَجَّ سامُ، احتَجَّ يافِثُ،

بينَما حامُ استفاقَ وراحَ يَضحكُ

عنْدَها ردَّ الحمارُ: الحَيْثُ سُفْلى حينَ أُزجَرُ إنْ نَهَقْتُ،

الحيثُ عُلْيا إنْ صَهَلْتُ كما أشاءُ، متى أشاءُ،

الهُدْهُدُ: ال أينَ اندغامُ زمانِها بِمَكانِها

مِثْل الجوابِ على سؤالٍ لا يُجابُ سِوى إذا اندَغَما

كأنّ الحيْثُ أينَ وأينَ حيثُ،

الديكُ: أجملُ ما تكونُ الحيْثُ رابيةً

شريطةَ أنْ أكونَ أنا الذي رفعَ الأذانَ،

تَحَسَّرَ السِنْجابُ أشجاراً ولَمْ يَنْبسْ،

 وراحَ البَبَّغاءُ يُقلّدُ الرُبّانَ: يا رُكّابَها ناموا،

 وأردفَ: في غدٍ نرجو السماءَ لِتُقْلِعَنّ،

 الأرضَ حتّى تَبْلَعَنَّ،

البازُ قالَ: سأطْلبَنَّ مِن النَبيِّ سياحةً صغْرى

أحومُ ولَو قليلاً علّني (بَصَري حديدٌ) ألْمَحُ الجوديَّ قِمّتَهُ

وأرجعُ بالبشارةِ،

أيّدَ الخنزيرُ مُقترَحَ السِياحةِ،

 والسِباحةَ للذينَ بلا جناحٍ،

هكذا نصطادُ أسماكاً ونرجعُ: قالَ دُبٌّ ثُمَّ عاد إلى السُباتِ،

القطُّ يَزعمُ: أمُّ سامٍ زوجة الربّانِ والِهَةً على الولَدِ الغريقِ

تَظلُّ طولَ الليلِ باكيةً فيَنْهرُها النَبيُّ،

القطُّ يَهرفُ (ليس يعرفُ): هكذا الحَجَلُ استشاطَ،

 فزوجةُ الربّانِ قد غرقتْ ولم تَركبْ،

ولكِنّ العَظاءةَ كَذّبَتْهُ: لَمَحتُها كانتْ تَنامُ مع النبيِّ،

رأيتُهُ لَيْلاً يُقَبِّلُها فأبْعَدَني

وغَلّقَ بابَ حُجْرَتِهِ وكانا عاريَيْنِ، /

الوقتُ ذابَ جبالَ ثلْجٍ،

والسماءُ تَفَتَّقتْ يَمّاً يُغربِلُهُ العليُّ

على القصيدةِ

كي تَغوصَ

وهكذا

غطَسَتْ

 إلى

الماضي

الغريقِ،

 تَوقّفَتْ تَبكي على الأطلال

إذ حوتٌ تَلَقَّمَها وعادَ لِلَفْظها نحْوَ السفينةِ،

قالَ: أيتُها القصيدةُ

إرجعي جذْلى لِمالكِكِ الحزينِ اللقلقِ السهرانِ شاعرِها

على ساقٍ بِضَحْضاحِ التَأمّل رافعاً أخرى ووقفَتُهُ تَطولُ، /

تَسَلَّلَ الزرزورُ مُسْتَرقاً إلى حُجُراتِ تَخْزينِ الحُبوبِ،

غزالُ مِسْكٍ لا يَنامُ معَ الغزالةِ كمْ تُدَلّلَهُ النساءُ

طَعامُهُ اللوزُ الزبيبُ ومِسْكُهُ مِن مِسْكِهِنَّ،/

العندليبُ: حناجرُ الأحياءِ تَصدحُ

 وهْيَ تَنهضُ في الصباحِ فأيُّ كورالٍ !

وأيُّةُ ها هنا حتى الزرافةُ لم تَكنْ بَكْماءَ في ذاك الزمانِ،

صدقتَ يا ذا العندليبُ /

عنابرُ الفُلْكِ الكثيرةُ كُلُّها لَغَطٌ:

فأولادُ النبيِّ تَشاجروا عصْراً على الدنِّ الوحيدِ،

وكادَ يافِثُ وقتَها يَرمي بِحامٍ خارجَ الفُلْك،

الحكايةُ: أنَّ حاماً كانَ يُسْرِفُ بالنبيذِ نديمُهُ القرْدُ الشروبُ /

الشمسُ يَطردها الغروبُ،

هنا مصابيحُ السفينةِ زيتُها مِن شَحْمِ حوتٍ نافِقٍ

في ذلك المَدِّ العتَيِّ أو المُحيطِ الأوحَديُّ: يُحيطُ دنيانا

ويَغمرُها فَلا قِمَمٌ سوى قِمَمٍ تَموجُ،

ولا صحارى غيرُ مُضطَرِبٍ مِن الزبَدِ الأُجاجِ كماكِثٍ

والأرض قد ذهَبَتْ جُفاءً /

قال قُنْدُسها: أرى سَمكاً يطيرُ

وبَعضَهُ يَمشي على سطح المِياه،

الفَهْدُ يَحْلفُ: قد رأى في البحْرِ أشجاراً تَغنّي،

والنبيُّ يَمرُّ مبتسماً ! أتُؤنِسُهُ الحَكايا؟

السندبادُ هُوَ الجميعُ أو الجميعُ السِنْدبادُ على السَفينةِ،

 لَيسَ مِن أحَدٍ سِواهُ،

 السندبادُ هُوَ الحكايةُ وهْوَ أيضاً شهرزادُ

أخَذْتَ تشطحُ يا مَجازُ /

الفُلْكُ فيها كُلُّ ما في الأرض مِن زُمَرِ الخلائقِ،     

 مصغِياً قال ابنُ آوى: مَن رأى البطْريقَ يا أهلَ السفينةِ؟

 لا جوابَ،

فراحَ يُلْحِفُ: مَن رأى تِنّين كومودو؟

ومَن مِنْكُمْ رأى يوماً عليها كنْغَراً مُتَقافِزاً؟

آهِ ابنَ آوى /

الآنَ مُنتصفُ الدُوارِ

 وبَغتةً ذَكَرُ النَعامِ وقد تَقيّأَ /

مَرّةً ضَلَّ السبيلَ القُنْفذُ الساعي وراءَ النَمْلِ

إذ لَمَحَ (التي) تَسطو على بيضِ الطيورِ،

ومَرَّةً ذُهِلَ الجميعُ: عروسُ بَحْرٍ في السفينةِ !

قال يافِثُ: مَرحَباً بالحُسْنِ بَحْرياً،

ولكنَّ النَبِيَّ أعادَها لِلبَحْرِ قالَ:

على السفينةِ كُلُّنا (ذَكَرٌ وأنثى)،

مالَكُمْ أفلا تَرونَ الفُلْكَ لَمْ تَحْملْ بِغالاً أو مَلائكَ:

لا عروسَ بِلا عريسٍ /

هكذا في الفُلْكِ يَحتدِمُ الجُماعُ أو التَسافدُ

 سَمِّهِ ما شِئْتَ لكنْ لا مَناصَ مِن الوصالِ،

 الغالِبيّةُ مِن إناثِ الفُلْكِ يا ربّي حُبالى

والذكورُ دَمٌ يَفورُ /

تَقَطَّعَ الماضي ولَمْ  أمّا المُضارعُ فهْوَ هذا،

ربَّنا عَجِّلْ بِ سوفَ

نُريدُها تأتي لِتُصْبِحَ حاضراً مِن غيرِ ماءٍ

 يا مُهيمنُ /

وحْدها الرؤيا

 تَرى الطوفانَ والأرضَ التي غطّى معاً

والفُلْكَ جاريةً بِما ضَمّتْ وزوجاً مِن ضفادعَ

ربّما قَفَزا مِن الطوفان والتَجأا إلى سطْحِ السفينةِ

ربّما سمعا حديثَ السلطعونِ: سأدخلَنَّ إلى بُيَيْتي

 ثُمَّ أوصِدُهُ عليَّ

وربّما لا الربّماتُ ولا المُصادفةُ السعيدة

إنّما الربّانُ نادى فاستَجابَ الضفدعانِ /

وجاءَ هدْهدُها يُوشْوشُ:

يَصعدُ الرُبّانُ أحياناً

على سطحِ السفينةِ كُلّما هبَط المُجَنّحُ،

هكذا يَتَسارَرانِ وتَارةً يَحْتَدُّ هذا، تارةً يَحْتَدّ ذاكَ /

ويَزعمُ الطاووسُ: أشباحٌ هنالكَ

والبعيرُ عليهِ يَضْحَكُ /

هكذا تَمضي الحياةُ على السفينةِ،

مثلَما في السجن تَنعقدُ الصداقاتُ العجيبةُ:

أرنَبٌ والضبُّ في شوقٍ إلى زمنِ الحفائِرِ والجحورِ /

على السفينةِ مِثلَما

 في كُلِّ صحراءٍ سرابٌ والمَجازُ هناكَ بابٌ

 والعقاربُ لا تَدورُ

 كَلَوحةِ الساعاتِ ذائِبةٌ لِدالي،

الوقتُ سالَ

الوقتُ يَهطلُ مِن شهورٍ، ثُمَّ كَفَّ،

الوقتُ مالَ /

على السفينةِ مثلَما

بالناطِحاتِ: هناكَ مانِعةُ الصواعِقِ

 دونَها كُنّا احترقْنا هكذا قال العُقابُ /

تَساءَلَ الكلبُ الذي اجتَذَبَتْهُ رائِحةٌ إلى درَجِ السفينةِ

يا تُرى ماذا هناكَ؟

وكانَ أولادُ النبيِّ: خيوطُهُمْ في الماءِ يَصطادونَ

والنسوانُ في ضَحِكٍ جَمَعْنَ بَيوضَ (بطارخَ) الأسماكِ:

ذا طَبَقُ الفحولَة /

لا بُروقَ ولا رعودَ،

مَشيقةً طَفقَتْ على السَنْطورِ تَعْزفُ زوجةُ الإبْنِ الكبيرِ

وكان سامُ إذا انتَشى طَرَباً يُغَنّي /

العندليبُ، البلْبلُ، الحَسّونُ، والغَرِدُ الكناريُّ الجميلُ

تَجَمّعوا تَخْتاً وجوقاً عندما أمرَ النَبِيُّ وقال:

 يا بُشْرى: غلامٌ، غرِّدوا،

احتَفَلَتْ سفينَتُنا وبُورِكَ بابنِ يافثَ /

شاهَدَتْ (مِن كُوّة عُلْيا) الزرافةُ كائِنَيْنِ مُجَنَّحَيْنِ

يُرَمِّمانِ جوانبَ الحيزومِ /

دلفينانِ يَقتربانِ مسحورين،

تَفْتَتِنُ القصيدةُ باللذيْنِ وباللذيْنِ /

أجاءَ شاعرُها بِقَصْدِ قراءةِ الكتُبِ التي في الفُلْكِ؟ /

كان بيانُ حُقوقِ رُكّابِ السفينةِ في يَدِ الرُبّان

قَدَّمَهُ الحصانُ،

وكانَ سامُ وكان يافِثُ يَصرخانِ: (تَمَرّدٌ)

حَذَفَ النبيُّ، هنا هناك، مِن البيانِ وقال: يُقْبَلُ،

هاج يافِثُ: قَطَّ نابَ الفيلِ مِن غضَبٍ بخنْجرِهِ

وعَرْبَدَ: تُرّهاتٌ تُرّهاتٌ، لا اعتراضَ ولا حقوقَ،

 وإنَّ عاجَ خناجرِ الأسيادِ نابُكَ أيُّهاذا الفيلُ،

فانشَغَبَتْ عنابرُ بالذي فيها احتجاجاً

صاحَ حامُ: تَكادُ تَنْقَلِبُ السفينةُ،

 إهدأوا /

 فرَسُ النبيّ، الكنْغرُ، الأفعى، النعامةُ، البَجع، السنونو، الضبْعُ،

والخفّاش، واليربوعُ، واللّاما

: الدوابُ ولا تَدبُّ، الوحْشُ لكنْ صارَ يأنسُ، والهَوامُ ولا تُهَّومُ،

 والطيورُ ولا تطيرُ تطيرُ لو أمَرَ النَبيُّ وتَرجعَنَّ،

 الزاحفاتُ ولا يَباسَ إليهِ تَزحفُ،

 لا مَفَرَّ مِن التجاورِ والتَخاطرِ والتَحاورِ والتَنافرِ والتَشاجرِ /

 بَغتَةً سمعوا الزرافةَ:

 هَلّلوا رجعَتْ إلى الفُلْكِ الحمامةُ بالغُصَيْنِ،

 فأسرعَ الرُبّانُ يَخطبُ

 قال بالفصْحى وكانتْ يَومَ ذاكَ (السومَريّةَ):

 بِسمِهِ قد كانَ مجْراها ومرْساها،

 استَعدّوا

 لِلنزولْ .

*** 

جمال مُصطفى

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (32)

This comment was minimized by the moderator on the site

تَوقّفَتْ تَبكي على الأطلال

إذ حوتٌ تَلَقَّمَها وعادَ لِلَفْظها نحْوَ السفينةِ،

قالَ: أيتُها القصيدةُ

إرجعي جذْلى لِمالكِكِ الحزينِ اللقلقِ السهرانِ شاعرِها

على ساقٍ بِضَحْضاحِ التَأمّل رافعاً أخرى ووقفَتُهُ تَطولُ، /

تَسَلَّلَ الزرزورُ مُسْتَرقاً إلى حُجُراتِ تَخْزينِ الحُبوبِ،

غزالُ مِسْكٍ لا يَنامُ معَ الغزالةِ كمْ تُدَلّلَهُ النساءُ

طَعامُهُ اللوزُ الزبيبُ ومِسْكُهُ مِن مِسْكِهِنَّ،/

العندليبُ: حناجرُ الأحياءِ تَصدحُ

وهْيَ تَنهضُ في الصباحِ فأيُّ كورالٍ !

وأيُّةُ ها هنا حتى الزرافةُ لم تَكنْ بَكْماءَ في ذاك الزمانِ،
----------
المبدع ، المثقف، أستاذ جمال
ونص مشحون بالجمال، جمال الفكرة والحرف وحديث المخلوقات التي باتت أكثر وقاراً من بعض البشر
تقبل احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة الرهيفة ذكرى لعيبي
ودّاً ودا

شكراً سيدتي الشاعرة على كل حرف في تعليقك , شكراً من القلب .
نعم هو نص مشحون وقد كتبت القصيدة وفي بالي هذه الـ ( مشحون )
ولهذا اكتظ النص اكتظاظا وذلك كي تحاكي الصفة موصوفها بدقة .
دمتِ في أحسن حال سيدتي الرهيفة الشاعرة ذكرى لعيبي .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

بَغتَةً سمعوا الزرافةَ:

هَلّلوا رجعَتْ إلى الفُلْكِ الحمامةُ بالغُصَيْنِ،

فأسرعَ الرُبّانُ يَخطبُ

قال بالفصْحى وكانتْ يَومَ ذاكَ (السومَريّةَ):

بِسمِهِ قد كانَ مجْراها ومرْساها،

استَعدّوا

لِلنزولْ .
---

وهنا تنتهي الرحلة رحلة الفلك المشحون بمخلوقات الله كأنها سفينة نبي الله نوح
وتنتهي القصيدة التي جسدت طبيعة الحياة على متن السفينة الذي تحول لركح مسرحي
عائم على سطح الماء .
تقبل تحياتي الشاعر جمال مصطفى ودمت في رعاية الله وحفظه.

تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر تواتيت نصر الدين
ودّاً ودا

شكراً من القلب أخي الحبيب تواتيت على القراءة وعلى التعليق .
أعجبتني كثيراً هذه الجملة الطويلة الرائعة : ( القصيدة التي جسدت طبيعة الحياة
على متن السفينة الذي تحول لركح مسرحي عائم على سطح الماء .)
دمت في أحسن حال أخي الحبيب الأستاذ تواتيت .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر الراقي جمال مصطفى
أجمل التحايا

لا أدري ماذا أقول وأنا أقرأ هذه المطوّلة الرائعة التي تذكرني موسيقاها على تفعيلة الكامل وإيغالها في التراث وتفاصيلها التي لا تترك كبيرة ولا صغيرة -- تذكرني بقصائد أخرى لك على هذا المنوال الجميل، ولعل أقوى الصور التي تحضرني هي سهرتك مع الخيام والتوحيدي.

أقول إنني لا أدري ما أقول لأننا أحيانًا نقرأ قصيدة من عشرة أسطر أو عشرين أو نحوها (ربما 100 كلمة مثلًا) فنعلق عليها بـ 500 كلمة أو يزيد، فكيف بمطولة فيها كل هذا الثراء وهذه التفاصيل وهذه الحوارات، وكأننا أمام مسرحية من فصل واحد في مكان واحد، مع أنها تستهلك من الزمن أشهرًا وربما أعوامًا، حتى أن الزمن يختلط بالمكان فيغدوان شيئًا واحدًا.

القصيدة تؤكد على اهتمام جمال مصطفى بالتراث بتفاصيله الحقيقية (كما وصلتنا) وتلك التي يستحضرها المخيال الشعري. فنحن هنا في قلب سفينة نوح بعد الطوفان. وكان لا بد للشاعر وقد عرف أن نوحًا حمل في السفينة "من كل زوجين اثنين"، أن ينسج من هذه الجملة وحدها بناءً دراميًا يحاول أن يقدم فيه نماذج متنوعة من الحركة الصاخبة التي تعج بها السفينة بلا انقطاع. وهذا يتطلب معرفة وثقافة واسعتين. وكأني به قد قرأ "الحيوان" (للجاحظ) و"كليلة ودمنة" (ترجمة ابن المقفع) وغيرهما من الكتب التي تتحدث عن أجناس الحيوانات وطباعها وسلوكاتها وما يرتبط بها في الموروث الفولكلوريز

لعل "مسرحية" جمال مصطفى هذه هي أقرب إلى الملهاة. ولذا نجد الشاعر أحيانًا يطور موقفًا ساخرًا على لسان هذه الحيوانات العاقلة، كزعم العظاءة أن امرأة نوح الكافرة العاصية التي تخلفت عن السفينة كانت في الحقيقة مع نوح في حجرته، وأنهما يندمجان في السفاد شأنهما شأن سائر الحيوانات:

فزوجةُ الربّانِ قد غرقتْ ولم تَركبْ،
ولكِنّ العَظاءةَ كَذّبَتْهُ: لَمَحتُها كانتْ تَنامُ مع النبيِّ،
رأيتُهُ لَيْلاً يُقَبِّلُها فأبْعَدَني
وغَلّقَ بابَ حُجْرَتِهِ وكانا عاريَيْنِ

ولا يفوت جمال مصطفى أن فكرة وجود اثنين من كل زوجين ربما تقفز عن حقيقة أن ثمة حيوانات التي لم تكن معروفة في العالم القديم بقاراته الثلاث، لذا لا وجود لها بالسفينة: فلا وجود لتنين الأمازون – كومودو – ولا كنغر أستراليا. وهذه الملاحظة تأتي على لسان الماكر ابن آوى:

مصغِياً قال ابنُ آوى: من رأى البطْريقَ يا أهلَ السفينةِ؟
لا جوابَ،
فراحَ يُلْحِفُ: مَن رأى تِنّين كومودو؟
ومَن مِنْكُمْ رأى يوماً عليها كنْغَراً مُتَقافِزاً؟
آهِ ابنَ آوى

يظل الكثير مما يمكن أن يقال عن هذه القصيدة الثرية بتفاصيلها، لكن لا بد لي من إشارتين وبضعة ملاحظات:

الإشارة الأولى أنني حين شرعت في قراءة القصيدة (ولم أكن أعرف موضوعها أو مدى طولها) تخيلت أن الفلك هي النفس البشرية بكل فيها من حركة وحياة. "أتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ – وفيك انطوى العالم الأكبرُ" (منسوبة إلى عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه). وحين انتهيت من القراءة ظلت هذه الفكرة تراودني.

الثانية أن جمال مصطفى يكرر في القصيدة كلمة "القصيدة". وكأنه يريد أن يقول لنا أن شاعرًا كان على متن هذه السفينة أو في مكان قريب منها يرصد هذا العالم المصغر ويقرأ شعرية المواقف المتنوعة فيه وينسج قصيدته من مادتها الحية التي أبدعها خياله ورسمت تفاصيلَها ثقافته الواسعة وأسلوبه الاستقصائي.
أو كأنه يريد أن يشير إلى الفرق بين المقدس والإنساني. فالمقدس يقدم لنا الحكاية المجملة وكأنها حدث تاريخي، وبعضهم يسمونها أسطورة، دون الالتفات إلى ما قد تنطوي عليه أو ما يترتب عليها من حوادثَ وأحداثًا ربما لا يخطر ببالنا أن نفكر في تفاصيلها. فهذه مجموعة كبيرة من الحيوانات مما هب ودب ودرج وحام وسبح، وقد اجتمعت معًا في مكان واحد. فما الذي يترتب على اجتماع فريد كهذا لا مثيل له إلا في الخيال. والشاعر الإنسان يأخذ هذا الهيكل العظمي للأسطوة فيكسوه لحمًا ثم ينشئه خلقًا آخر... ذاك هو الإبداع.

وهذا يشبه ما كان يفعله كتاب المسرح كأساطين الدراما اليونانية (سوفكليس ويورابيديس وإيسخلس) وشكسبير وبرنارد شو وغوته وتوفيق الحكيم: يأخذون الأسطورة أو الحكاية الشعبية أو الدينية كمادة خام، ثم يبنون عليها أعمالًا خالدة. ولا أبالغ إذا قلت أن هذا هو ما فعله جمال مصطفى. وبطبيعة الحال هناك الكثير من الشعراء – وليس كتاب المسرح فقط – يبنون على الأسطورة قصائد مطولة. وأكثر من برع في ذلك شعراء الحقبة الرومانسية الإنجليزية من أمثال ووردزورث وكوليرج وكيتس وشيلي ولورد بايرون وسواهم. ويمكن لذوي الاهتمامات الأكاديمية أن يكتبوا المقالات والكتب والرسائل الجامعية حول هذا الموضوع.

ملاحظتي الأخيرة هي أن جمال مصطفى جعل الخاتمة عراقية (سومرية) بامتياز:

بَغتَةً سمعوا الزرافةَ:
هَلّلوا رجعَتْ إلى الفُلْكِ الحمامةُ بالغُصَيْنِ،
فأسرعَ الرُبّانُ يَخطبُ
قال بالفصْحى وكانتْ يَومَ ذاكَ (السومَريّةَ):
بِسمِهِ قد كانَ مجْراها ومرْساها،
استَعدّوا
لِلنزولْ .

تحيات المودة والاحترام أخي جمال

نزار سرطاوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر العذب والمترجم البارع الأستاذ نزار سرطاوي
ودّاً ودّا

شكراً من القلب يا استاذ نزار على هذا التعليق الرائع المتشعب فهو أقرب الى التحليل منه
الى التعليق بل هو تحليل رائع .
معذرة أولاً فقد أفلتت بعض الحركات من التدقيق فظهرت في غير محلها وذلك لأنني
لم انتبه جيداً وقد اكتشفت غلطتين في التحريك وأنا أقرأ القصيدة وهي منشورة , أكرر اعتذاري .

( الخُنْفساءُ: بأيِّ أينَ تُفَكِّرانِ، بِ أينَ يابِسَةٌ ؟) فيابسة هنا حقها النصب (يابسةً ) بوصفها تمييزاً
لـ أين .

وأريد في هذا التعليق الإشارة الى أنني جعلت القط والحجل والعظاءة كمقابل للأديان
الإبراهيمية فالقط يمثل اليهودية وكان رأيها ان امرأة نوح معه في السفينة وهكذا ورد
في التوراة ولكنّ الحجل رفض ذلك فهو إذن يمثل الإسلام الذي يرى ان امرأة نوح ماتت
غرقاً أمّا العظاءة فهي التي تبنت رأي القط وخالفت رأي الحجل وهي هنا تمثل المسيحية
التي تبنت التوراة كما هي عند اليهود .
أمّا لماذا جعلت الخاتمة عراقية فذلك لأن قصة سفينة نوح قد وردت في الأساطير العراقية
فكان المقابل للنبي نوح هو اوتو نبشتم ولهذا جعلت الفصحى في ذلك الوقت السومرية .
دمت في صحة وإبداع يا استاذ نزار , دمت في أحسن حال .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

تذكرني استاذ جمال بالشاعر الأميركي ت.س. اليوت صاحب "الأرض اليباب" التي ملأها بإشارات وإحالات كثيرة وبعضها باللاتينية، وقد اقتضت منه أن يضع بعض الهوامش ليعين القارئ.

ومع أنني قرأت التوراة بعهديها القديم والجديد أيام الشباب، إلا أن من العسير عليّ وربما على السواد الأعظم من القراء أن يربط تلك الحيوانات بالديانات الإبراهيمية. ومع ذلك فإن عدم المعرفة أو عدم الربط بين هذه وتلك لا ينتقص من متعة القراءة. وهذا يعني أن القصيدة متعددة المستويات. هي أشبه برواية "هاكلبري فِنّ، للكاتب الأميركي مارك توين. إذ تبدو أنها قصة للأطفال، ومع ذلك فإن فيها من الثراء ما جعلها أهم رواية بقلمه ومن أهم الروايات الأميركية التي يدرسها طلبة الجامعات.

شكرًا لك على التوضيح الذي ساعدني كثيرًا على الفهم.

دمت بصحة وعافية وابداع وعطاء صديقي!

نزار سرطاوي
This comment was minimized by the moderator on the site

ورد سهوًا خطأ لغوي في آخر الجملة التالية:

دون الالتفات إلى ما قد تنطوي عليه أو ما يترتب عليها من حوادثَ وأحداثًا

وكان أولى أن أقول:

دون الالتفات إلى ما قد تنطوي عليه أو ما يترتب عليها من حوادثَ وأحداثٍ

فاقتضى التنويه والاعتذار

نزار سرطاوي
This comment was minimized by the moderator on the site

المسرح هو السفينة بكل بساطة
الربان مع أولاده يتخاتلون و يتخافتون
جمع الحيوانات و نثرهم في العنابر وفي السطور تتغامز و تتلمظ
الهرج و المرج صار ايقونة الحياة فيها (السفينة )
يتناوش كل من القبطان و الكومبارس دوره ببراعة و افتتان
جمال يتخذ دور (نوح) يهمس مرة و يصيح... بينما بقية الخلق بين يديه صاغرين متوكلين حتى نهاية المصير، نهاية الهزع الأخير .
ينقاد كل من ركب معه و استمع الى آذانه و تراتيله ونجواه.
*
إعادة سرد قصة الطوفان على هيئة "مسرحية " الفلك المشحون لهي قادرة على ان تكون ملحمة شعرية كبيرة " لو صبر عليها جمال قليلا" لما فيها من صنوف ابداعية
قلّ نضيرها على المستوى الفني و اللغوي و التشكيلي
تتشكل على مبدأ المشابهة و الإستبدال في كثير من مفاصلها
لغة ترتفع شيئا فشيئا في ثنايا الصورة و الحدث ، تستحوذ المغامرة، الرومانسية غير المعلنة ، الخيانة ، و كثيرا من التفكير.
كل مرّة يقدم لنا الشاعر المبهر جمال ياقوتة جديدة بطعم جديد
و نكهة لا تغادر المذاق بسهولة.
لا تستحق هذه "الملحمة" تعليقا مجردا بكل مآخذه فحسب بل دراسة مطولة تعطي كل ذي قصيدة حقها.


شكرا لكل هذا السحر أخي الحبيب
و دام إبداعك الذي يهتم بكل هذا الجمال

زياد كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع زياد كامل السامرائي
ودّاً ودّا

شكراً من القلب أخي زياد على تعليقك الجميل .
هناك شيء من الحوارات المسرحية ولكنها داخل القصيدة , اعني ان اطار القصيدة
قد توسع فاستوعب داخله شيئاً من المسرحة وشيئاً من السرد وشيئاً من السيناريو
وحتى السينما ولكن هذا كله في إهاب القصيدة لا ينفصل عن موسيقاها وهي موسيقى
بحر الكامل ولا ينفصل عن لغة الشعر المنفلتة من السرد الواقعي الى ما له تداخل
مع اللغة .
أود الإشارة هنا الى انني اخترت ( والهة ) اسماً لزوجة نوح وهو واحد من اسمائها
وهي واغلة ووالهة ونعمت , وقد اخترت والهة لأنه الأقرب داخل القصيدة لحالها
بوصفها قد فقدت ولدها وقد اكتشفت بعد نشرها ان حركتها غير صحيحة والضم
المنون هو الصحيح .
وأود أن اشير الى انني اخترت الزرافة للتبشير بعودة الحمامة بغصن الى السفينة
كدليل على انحسار الطوفان واختياري لها تحديداً لأنها تستطيع بجيدها الطويل ان
تطل من كوى السفينة فترى ما يطير في الخارج إضافة الى ان الزرافة بكماء
وتكريماً لها جعلتها فصيحة في القصيدة .
اتفق معك في ان موضوع القصيدة يتحمل المزيد من المعالجة ولكنني اردتها
قصيدة يمكن ان تُقرأ في جلسة واحدة .
دمت في صحة وإبداع أخي الحبيب زياد

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

من المرجح أن سفينة نوح كانت تحمل من كل بَدَويِّين اثنين
ومن تأملاتي: ما ذنب مئات آلاف البشر وأكثر منهم عدداً من الحيوانات أن تغرق وتنفق ولا يبقى منها إلا اثنان من كل جنس؟ (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ،، علماً أنها واحدة من أطرف قصص الكتب المقدسة ومنها القرآن وأستطرادً فأقول : لو كنتُ حوتاً وقت الطوفان لقفزت إلى قاع السفينة مفضِّلا طوفان الرمال والغبار لاحقاً على طوفان البحر أي على الأقل تخلصاً من الرتابة وحلماً بالتجديد واكشاف عوالم أخرى !
جمال مصطفى ماهر في توظيف التراث من أجل الظفر بصور شعرية مفارقة وكذلك لغته العربية التي لم تسلم من خباثته فهو يستفيد من طاقاتها القصوى على التحوير والتدوير والإستعارات وغيرها واللعب على تعابير جاهزة وصياغات مسلم بها تعبيراً ودلالة لإجل الإدهاش، وزع الحيرة وما فيها من توهان لذيذ ،
وما مطولته هذه إلا ما دوَّنه إبن نوح وهو يعتصم في جبل متخيلاً بشيء من الشماتة ما سيحصل لأبيه ومن وما معه ليفكر لاحقاً بحكمته في عدم اللحاق بأبيه

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

سامي العامري الشاعر المبدع والصديق العريق
ودّاً ودّا

لا أتدخل في تأويلك للقصيدة فهذا من حقك كقارىء مثقف وشاعر ولذلك
سأتناول بعض ما ورد في تعليقك لأستطرد انطلاقاً منه :
لا تجنح الحيتان الى اليابسة إلاّ في حالات تكون فيها معتلة أو على وشك
الموت ثم ان الطوفان قد وسّع من عالمها ولم يبق من اليابسة سوى السفينة
ولو اقترب منها لأبعده ركابها بالحربون تماماً كما فعلوا داخل رواية موبي ديك
فلا مكان له في السفينة لأنه ببساطة كائن غير مهدد بالطوفان .
لم أجد أفضل من أن أجعل القصيدة مدورة بلا فواصل ولا قوافٍ وذلك لأن
السفينة تسير بلا بوصلة فلا هدف لها سوى أن تبقى ولا تغرق والدوار يجسده
التدوير نغمياً داخل القصيدة فلا وقوف إلا في خاتمة القصيدة أي عند معانقة اليابسة .
أما توظيف التراث فهذا تحصيل حاصل ولكنه في القصيدة أخذ منحيين : الأول ما يخص
اللغة وجمالياتها فهذا مرجعي الأول والأخير فيه كان القرآن الكريم ولكنْ في تفاصيل الموضوع
فقد اعتمدت على سِفْـر التكوين مع ربطه بالأساطير العراقية ولكنني لم التزم حرفياً لأن
القصيدة جنحت الى التخيل ولم تلتزم بالنقل الحرفي من التراث .
دمت في صحة وإبداع يا صديقي المعتق كخمرةٍ عُـتّقتْ من عهد بابل .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

ابحث عن المكانة التي احتلت القصيدة دائما في نفسي عند الانتهاء من قراءتها. زنتها على ميزان يطفف المكيال، لأن قراءة الشعر هو إدخال الذاتي في النص ليتفاعل معه، هو كيمياء معقدة وحيادية ضائعة منذ الحرف الأول. مع هذه القصيدة أجد أن وشائج الاستئناس قد نسجت معها وحولها، حديث الحيوان أقرب للإدراك لبساطته الظاهرة فلا نعيبه ونقبل منه كل القول والشعر. لذا أجد نفسي داخلها، مجرورا إليها بحركية النص، وهي سيماء أساسية في الكتابة عند جمال مصطفى. النصوص تأتي حاملة للرغبة في الترحال والسفر، النصوص المتموضعة على حافة تنوس بين منزلتين بثبات هش يسعى إلى الأفق الآتي، لذا كانت المرجعية الحميمية إلى السندباد كرمز لهذه الحالة:

"السندبادُ هُوَ الجميعُ أو الجميعُ السِنْدبادُ على السَفينةِ،"

الحركية تتوغل في الشخوص والأشياء والأفعال: الوقت الذائب المشرف دائما على الزمن الآتي، كأنه يتنصل من الحاضر، كأنه يصاحب شخوص القصيدة في التطلع إلى "الأرض الكبيرة"،



"الوقتُ ذابَ جبالَ ثلْجٍ،

والسماءُ تَفَتَّقتْ يَمّاً يُغربِلُهُ العليُّ"

" كَلَوحةِ الساعاتِ ذائِبةٌ لِدالي،

الوقتُ سالَ"

ثم الشخوص في حالة الجماع والتسافد المستمر، كأنها القوة المحركة للسفينة/القصيدة،

مثل هذه الحركية تحتاج إلى سند قوي يدعمها، ونجده واضحا نوعيا في اللغة التي سلمت مقاليدها للشاعر، اللغة المطواعة التي تخلت عن حرونها، فأعاد لها الشاعر الإعتبار كله. الكلمات التي تجد مكانتها كاملة في القصيدة: "الأين":

" لا أينَ إلا باطنُ الفُلْكِ المُطَهَّمُ بالحياة"

"الحيث":

"كأنّ الحيْثُ أينَ وأينَ حيثُ،"

" الحَيْثُ سُفْلى حينَ أُزجَرُ إنْ نَهَقْتُ،

الحيثُ عُلْيا إنْ صَهَلْتُ كما أشاءُ، متى أشاءُ،"

ثم "سوف" و"ربما"

"ربَّنا عَجِّلْ بِ سوفَ"

"وربّما لا الربّماتُ ولا المُصادفةُ السعيدة"

الكلمات التي تستقل بمعناها، هذه واحدة من زهو اللغة في قصائد جمال مصطفى،
ولأني محب للغة كما هي قبل أن تحمل قلادة المعنى أو سوار الإيقاع، أضع كل المكاييل الثقيلة في مقابل القصيدة الملحمة،
ولأن اللغة كما قال الشاعر "لا عروسَ بِلا عريسٍ" كان عرس اللغة مع مسرحية تراثية باذخ الصخب والجمال.
أود أخي مصطفى أن اختم بملاحظة صغيرة: ابحث عنك في قصائدك فأجد حائطا من الهلام يفصلك عنا. أين كنت في القصيدة، على ظهر السفينة، أم فوق الجودي، أم معتصما بالجبل ؟
قصائد جمال مصطفى فصل من ثورات تكاد في الخفايا، كل ثورة تطيح بملك الذي قبلها، ديدن العنقاء، وسم الحرية الذي يسري في العروق،
اتمنى لك كل الصحة والعافية إلا الشفاء من هذا الداء،
دمت في علياء الإبداع.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع ياسين الخراساني
ودّاً ودّا

تعليقاتك أخي الحبيب ياسين تعليقات شاعر يعرف غواية القصيدة .
أتعرف انني استفيد من تعليقاتك كثيراً لأنها دسمة بما يجعلني أفهم
كيف يقرأ الشاعر الآخر شعري بصرف النظر عن اختلاف اسلوبي
عن اسلوبه .
ذكرت في تعليقك : (ابحث عنك في قصائدك فأجد حائطا من الهلام يفصلك عنا.)
لا أدري إذا كنتُ فهمتُ ما تعنيه بدقة . ولكنني سأجيب على سؤال : أين كنت
في القصيدة أم على الجودي أم معتصماً بجبل ؟ في الحقيقة حاولت ان تكون القصيدة
كل ذلك وسأحيلك الى مقطع في القصيدة يكاد يجيب على هذا السؤال :

(أجاءَ شاعرُها بِقَصْدِ قراءةِ الكتُبِ التي في الفُلْكِ؟ / )
(وحْدها الرؤيا
تَرى الطوفانَ والأرضَ التي غطّى معاً
والفُلْكَ جاريةً بِما ضَمّتْ )
على الشابكة العنكبوتية كتاب نقدي للشاعر أدونيس يمكنك أن تقرأ الكتاب حتى دون تحميل
أعتقد ان هذا الكتاب سيجيب على أسئلة كثيرة تخص الشعر العربي الحديث , فليتك لا تضيع
فرصة قراءة هذا الكتاب وعنوانه : موسيقى الحوت الأزرق أدونيس .
هذا الكتاب لم أطلع عليه إلا قبل شهر تقريباً واكتشفت انني أتفق مع الكثير من آراء أدونيس
في ما يخص الشعر العربي المعاصر .
دمت في صحة وإبداع أيها الشاعر المبدع .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الشاعر الصديق جمال مصطفى

السندبادُ هُوَ الجميعُ أو الجميعُ السِنْدبادُ على السَفينةِ،
لَيسَ مِن أحَدٍ سِواهُ،
السندبادُ هُوَ الحكايةُ وهْوَ أيضاً شهرزادُ
أخَذْتَ تشطحُ يا مَجازُ /
الفُلْكُ فيها كُلُّ ما في الأرض مِن زُمَرِ الخلائقِ،
مصغِياً قال ابنُ آوى: مَن رأى البطْريقَ يا أهلَ السفينةِ؟
لا جوابَ،
فراحَ يُلْحِفُ: مَن رأى تِنّين كومودو؟
ومَن مِنْكُمْ رأى يوماً عليها كنْغَراً مُتَقافِزاً؟

كما هي العادة في قصائد الشاعر، لا بد ان يتدخل لاحقا ليفتح بعض المغالق في القصيدة، فهو ينبش في الموروث عن أدق الصغائر ليسبك منها سبيكته التي تحتاج الى ارخميدس ليحل مكوناتها. وبالتأكيد سيكون لكل قارئ تأويله الخاص به حول النص، وهنا قوة الشعر فيها، لذا نجد تفاوت الاراء.
في رأيي ان الشاعر اقتنص هذه القصة ليعبر بها عن بعض شكوكه حولها، وبأعتبارها حكاية مثل حكايات السندباد، لذا فان ذكر السندباد وحب النبي للحكايا ليس من باب اضافة الصور الشعرية فحسب.
كم ياترى استطاعت السفينة ان تسع من الحيوانات. نعرف اليوم ان على الارض 5500 نوع من اللبائن، و 10000 توع من الطيورو 8700 نوع من الزواحف، و 750000 نوع من الحشرات، وهكذا حتى يصل العدد الى الملايين. من اين جمع نوح هذه الانواع كلها واودعها سفينته الخشبية؟
وبغض النظر، فان القصيدة رغم طولها لا تجعل القارئ يمل بل ينساق وراءها ليعرف كيف ستنتهي، وهذه ميزة التشويق في شعر الاستاذ جمال، اضافة لتلاعبه في اللغة والكلمات ليجمعها او يفرقها بطريقته الخاصة.
دمت شاعرا ملهما يا استاذ جمال

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع عادل الحنظل
ودّاً ودّا

شكراً من القلب
على تعليقك الزاخر بالمعلومة العلمية والنقد الفكري يا استاذ عادل .
سأقتبس هذه الفقرة من تعليقك :
(في رأيي ان الشاعر اقتنص هذه القصة ليعبر بها عن بعض شكوكه حولها ) .
في الحقيقة لم أكتب القصيدة مدفوعاً بالحاجة الى تثبيت موقف فكري أو عقائدي مع أو ضد
بل انطلقت من حاجة مخيلتي الى الإندياح في رمزية الفلك والطوفان اندياحاً
غير مؤطر بتوجه مسبق . التأطير المسبق يحد من فعل المخيلة ويلجمها لصالح التزام
مهما كان فهو التزام يجعل الشعر مساهماً في تعزيزه ليس أكثر بمعنى ان الملتزم أياً كان التزامه
لا يضع الشعرية قبل التزامه العقائدي أو الفكري بل بعده وهذا لا يعني انني أفصل فصلاً آلياً بين
الفكر والشعرية بل ببساطة انطلق من زاوية ترك المخيلة تفعل ما تريد واثقاً انها لن تشط
الى ما هو قبيح أو غير أخلاقي .
رمزية الفلك أغنى بكثير من واقعيتها وهذا هو الجانب الخالد من الفلك والطوفان
وستبقى رمزية الفلك ما بقي الإنسان .
دمت في صحة وإبداع يا استاذ عادل

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الغواص شاعر المفاجئات الألق جمال مصطفى

محبتي

تتوكأ على كلمات من يقظة مبتلة بالتأمل.. تنفض اجنحتها لتحلق نحو عوالم الوميض المروي
بالغمام والمغوي بالدهشة.. المنسوجة من فجر ساحر الظلال.. ومبهج الألوان..

القصيدة ومن العنوان.. محتشدة(مشحونة) بكل الصور الجماعية والفردية/ السلفي.. بمشاهد
خلابة لا تنطفئ انوارها.. ولا يثقل بريقها.. ممشطا شواطئها ببذخ الوقت الذي منحته لك حدث
او التفاتة او حوار.. لم تبخل على أي كائن فيها من أداء دوره متعمدا او مؤهلا إياه عامدا ليبلل
وجودة المصمم له بحرير موقعه.. او بماء انكشافه..

القصيدة.. وبالرغم من انها تتميز كثيرا عن سابقاتها المميزة السمات.. والمختومة بعلاماتك
الفارقة.. فإنها اقرب الى التأويل (المبسط) لصورها بعيدا عن الضرب ( في تخت الرمل).. وعدم
التلوع بالمقصود فيه اوعنه.. لكنها في الحين ذاته.. وبانزياحاتها تحمل الكثير من المدلولات
الفكرية والابعاد الفلسفية والرؤى التي يمكن ان تكون مرة أخرى قابلة لتأويلات اعمق واكثر جدة
وامتاعا واختلافا..

دمت أبا نديم مشحونا بالصحة ونصاعة الشعر



طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

طارق الحلفي الشاعر المبدع
ودّاً ودّا

شكراً أخي الحبيب طارق على تعليقك , شكراً من القلب .

كل ما اريده من قصيدتي هو أن استمتع بكتابتها وبعد ذلك أن يستمتع بها القارىء .
حاولت قدر ما استطيع أن أجعل القصيدة تنفتح على القارىء ولكن يبقى فيها ما هو
مدّخر لقراءة أخرى وأخرى وقد حاولت التقليل من الرتابة بتغيير المشاهد بسرعة .

قد لا تبوح بعض الصور بكامل أبعادها من القراءة الأولى ولكن القارىء كما اعتقد
سيمسك بالكثير من خيوط القصيدة في القراءة الأولى , خذ مثلاً هذه الصورة :

غزالُ مِسْكٍ لا يَنامُ معَ الغزالةِ كمْ تُدَلّلَهُ النساءُ
طَعامُهُ اللوزُ الزبيبُ ومِسْكُهُ مِن مِسْكِهِنَّ،/

نساء السفينة يدللن الغزال( الذكر ) دون الغزالة طمعاً في كيس المسك الذي يتخلص منه
الغزال الذكر ولهذا هن يعتنين به كي يفزن بذلك الكيس أمّا الغزالة فعديمة المسك .
لوحة سلفادور دالي تسمى ( اصرار الذاكرة ) ولكنني ذكرتها في القصيدة
بالإشارة الى ذوبان الساعات كي يتذكرها القارىء بسرعة ولو قلت (اصرار
الذاكرة ) فربما لا يعرف الكثير من القراء الى أية لوحة تحديداً تشير القصيدة
ثم ان الوقت على السفينة مائع بالضبط كالساعات في لوحة دالي
وحين تذوب الساعة يتوقف الوقت وتموت عقارب ساعاته هامدةً .
دمت في أحسن حال يا أبا فرات .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
لاشك ان البراعة الشعرية واضحة للعيان في التخفي بطاقية اللعب على الصياغة الشعرية , ورؤيتها الدالة . بهذه الممارسة الحاذقة في الاختفاء في طاقية المهارة في الخيال الشعر الظاهر والباطن , بوعي او بلا وعي , في السير في دفة اللعب الشعري واخفاء الظاهر المعنى المبطن بالخلفية العميقة الدالة . في محاولة الامساك بخيط هذا الفلك العائم على بحر مجنون , الذي قد يقود الى الطوفان الثاني بعد الطوفان الاول , لذلك القصيدة تمتلك ناحية التجلي والاستقراء في الماضي السحقيق والحاضر المجنون . في مفرداته المتصارعة والمتضاربة , على خلفية الصراع الحاد في المجابهة والتحدي والعناد . ومحاولة الامساك ما يمكن امساكه في هذا الفلك المشحون العائم على الطوفان , لذلك لابد من فرز المقومات الذئبية التي تقود الى الشحن والطوفان . في براعة السؤال : ]ين نحن ؟ واين تختفي طاقية الفلك المشحون بالمتفجرات ؟ وعلى أي مياه مجنونة يرسي هذا الفلك والطوفان ؟ على ارض صغيرة متنازعة عليها في الملك والانتماء . الطافية على مياه المعاناة الهائلة . وما علينا سوى ارتدى ثوب التحدي والعناد ورفض مقولات الفلك والطوفان . لابد من التحري والتقصي عن كنة هذه التداعيات المتضاربة من اجل اطلاق الحرية المسجونة في هذه الغياهب المعتمة , لابد من اطلاق رهين المحبسين وتخلصه من الحرباء التي تلتف حوله . لذلك رؤية القصيدة تصطدم بقوة في المقومات الوجودية حيث شئنا أم أبينا , فهي تصبغ الوجود بصبغتها العائمة , وهي الفاعيل التي تحولت الى افاعي تلدغ كل شيء . وهذه المفاعيل في عقاربها اللادغة هي ثلاثة لابد من الاشارة اليها في ايجاز شديد . حسب رؤية القصيدة والشاعر , الذي يحرث في اعادة صياغة هذه المفاعيل الثلاثة , برؤية جديدة والتخلص من الرؤية القديمة المستهلكة والتي عفا عليها الزمن واصبحت بضاعة كاسدة ليس فيها نفع ولكن وجودها يسبب ضرراً كبير لهذا الفلك العائم على بحر مجنون يهدد بطوفان ثانٍ بعد الطوفان الاول . لنأخذ هذه المفاعيل الثلاث في ايجاز شديد :
1 - الموروثات الاسطورة : نجد تلاعب في الرؤية الاسطورية في ثوب جديد يختلف عن الثوب الاول , حسب رؤية الشاعر :
× سفينة نوح وطوفانها تنقلب الى سفينة النبي التي تحمل ذكر وانثى , واولاده المتصارعين على قنص الصيدة الحسناء التي تشبع نهمهم وغيرتهم ونرجسيتهم . واولاد النبي هم :
- الحام يسرف في النبيذ ضاحكاً ويصرخ لتنقلب السفينة ويذهب العالم الى جهنم .
- هابيل قتل قابيل واصبح مجرماً في امتياز .
- يافث يتحزم بناب الفيل خنجراً ويقول ياهلاً بالمعارك في الحسناء الحرباء .
سام : وحده منتشياً بالغناء , لانه المنتصر الوحيد ماضيا وحاضراً والكل الى الفناء , فهو الامر الناهي والفاعل في الوجود والحياة .
2 - الموروثات الدينية : في رؤية اعادة الصياغة بعدما استهلكت واصبحت بضاعة قديمة . ونأخذ بعض المقتطفات . أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية ............. . تبدل الصيغة بالخطاب الموجه الى القصيدة :
قالَ: أيتُها القصيدةُ

إرجعي جذْلى لِمالكِكِ الحزينِ اللقلقِ السهرانِ شاعرِها

على ساقٍ بِضَحْضاحِ التَأمّل رافعاً أخرى ووقفَتُهُ تَطولُ، /

تَسَلَّلَ الزرزورُ مُسْتَرقاً إلى حُجُراتِ تَخْزينِ الحُبوبِ،

غزالُ مِسْكٍ لا يَنامُ معَ الغزالةِ كمْ تُدَلّلَهُ النساءُ
----------------------------
من راى منكم منكراً فيغيره بيده , فأن لم يستطع فبلسانه ......
ومَن مِنْكُمْ رأى يوماً عليها كنْغَراً مُتَقافِزاً؟

آهِ ابنَ آوى /

الآنَ مُنتصفُ الدُوارِ

وبَغتةً ذَكَرُ النَعامِ وقد تَقيّأَ /

مَرّةً ضَلَّ السبيلَ القُنْفذُ الساعي وراءَ النَمْلِ
3 - الموروثات التراثية :
الهدهد سليمان يصبح دليل سندباد
وفرس النبي :
فرَسُ النبيّ، الكنْغرُ، الأفعى، النعامةُ، البَجع، السنونو، الضبْعُ،

والخفّاش، واليربوعُ، واللّاما

: الدوابُ ولا تَدبُّ، الوحْشُ لكنْ صارَ يأنسُ، والهَوامُ ولا تُهَّومُ،

والطيورُ ولا تطيرُ تطيرُ لو أمَرَ النَبيُّ وتَرجعَنَّ،

الزاحفاتُ ولا يَباسَ إليهِ تَزحفُ،
ولكن من اجل انقاذ سفينة الفلك من الطوفان الثاني . ان ترجع الامور الى صوابها اللغة الى الفصحى , والواقع الى السومرية , اي ارجاع الوجود الى اصله , من اجل ان ترسو السفينة على ضفاف الامان :
فأسرعَ الرُبّانُ يَخطبُ

قال بالفصْحى وكانتْ يَومَ ذاكَ (السومَريّةَ):

بِسمِهِ قد كانَ مجْراها ومرْساها،

استَعدّوا

لِلنزولْ .
تحياتي بالصحة والعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

جمعة عبدالله الناقد والمترجم الجاد
ودّاً ودّا

شكراً وشكراً أخي الحبيب جمعة على تعليقك الكريم الذي ينطلق من القصيدة الى ما هو خارجها .
أود هنا ان اشير الى أن عبارة ( الآن منتصف الدوار ) قد وردت في منتصف القصيدة تقريباً .
وأود ان اشير أيضاً الى ان بيان حقوق الحيوان قد وافق عليه ربان السفينة بينما رفض أبناؤه ذلك .
أخي الحبيب جمعة
لم تتعرض قصيدتي للأديان كأديان بل أخذت مادتها من قصص الموروث الديني ثم تقدمت
خطوة فجعلت الحيوانات كافة رموزاً لسلوك بشري متنوع فالهدهد ينقل أخباراً وغيره يفعل شيئاً آخر
وهكذا وهي هنا كما لا يخفى ليست إلاّ أقنعة لأناس , القصيدة مسرح رمزي بسيط في تفاصيله
وقد يكون أقل بساطة إذا نظرنا اليه ككل يزيد على كونه مجرّدَ مجموع أجزائه .
دمت في أحسن حال أخي جمعة .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز المُبدع

جمال مصطفى

الوقتُ ذابَ جبالَ ثلْجٍ،
والسماءُ تَفَتَّقتْ يَمّاً يُغربِلُهُ العليُّ
على القصيدةِ
كي تَغوصَ
وهكذا
غطَسَتْ
إلى
الماضي
الغريقِ،
تَوقّفَتْ تَبكي على الأطلال
إذ حوتٌ تَلَقَّمَها وعادَ لِلَفْظها نحْوَ السفينةِ،
قالَ: أيتُها القصيدةُ
إرجعي جذْلى لِمالكِكِ الحزينِ اللقلقِ السهرانِ شاعرِها
على ساقٍ بِضَحْضاحِ التَأمّل رافعاً أخرى ووقفَتُهُ تَطولُ، /


تُرى. ماالذي يجعلُ مالكها الحزين ( شاعرها ) مولعاً

ومأخوذاً حدَّ الإنجذاب بسحر الأساطيرِ ( والفرقُ شاسعٌ

بين الخرافة. والأسطورة ) ورمزيّتها الهائلة و جبروتها

وقوّتها. الخارقة والفاعلة. في الوجود والتاريخ. والإنسان ؟

جوابي. وكما اعتقدُ :

هو أنّ جمال يمتلك مخيالاً خلّاقاً ذَا خصوبةٍ و غزارةٍ

مُلفته صيّرتْه وفيّاً و مخلصاً لأصحاب وأرباب الخيال

الذين أبدعوا. وأنشأوا تلك الأساطير.

فهو لا يستطيع. ان يخفي إنبهاره وإنجذابه الصوفيّ

لتفاصيلها وأجواءها رغْمَ نزعة التهكّم او السخريةِ

بواقعيّتها إِذْ أنّه غير معنيٍّ بمصداقيّتها او محاكمتها

بالحِجاجِ العقليّ البارد قَدْرَ هيامهِ ورغبته العارمة

بالتحليق على أجنحة مخيّلتهِ و خيالِ الأوّلين .

وأراه يبذلُ جهداً هائلا لتطويرِ لغتهِ تلبيةً لحاجات

خياله الجامح الشرود دُونَ ان يُنكرَ ما للأنغامِ

والإيقاع ِ من أثرٍ على وجدانِ سامعيه .

خالص الود.

مصطفى على
This comment was minimized by the moderator on the site

مصطفى علي الشاعر المغرد
ودّاً ودّا

شكراً من القلب يا أبا الجيداء على تعليقك الرائع .
لا يفصل الشاعر بين الأساطير والواقع , الشاعر يعيش الواقع كأسطورة
والأسطورة كواقع .
في الحقيقة لا أميل الى اعتبار الأسطورة خيالاً بل أعتقد انها تاريخ أو بقايا تاريخ
ومن هنا فهي ذات أهميّة مضاعفة .
هناك مواضيع خالدة لا تنضب ومنها فلك نوح يوظفها الدين ويوظفها الفن
على ان تناولها يختلف فلا يوظفها الشاعر كعالم الدين أو كالمؤرخ الباحث
وقد ارتأيت أن أدلو بدلوي مازجاً بين القصة المعروفة للفلك وبين المخيلة
لاجتراح قصيدة لا تتخندق مع الشائع وتختلف عن قصائد لشعراء آخرين
وظفوا الطوفان والفلك أيضاً في قصائد لهم.
الفلك والطوفان حجة وصقّالة كي تنطلق المخيلة في رسم ما تراه شعرياً
وشعرياً في الدرجة الأولى وقبل أية اعتبارات أخرى .
دمت في أحسن حال يا أبا الجيداء , دمت في صحة وإبداع .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

خي جمال
ودا ودا
أنت خالق الحرف الذي لا يميل إلى سواه ولا يميل إليه غيره حرف عصي حتى على من يريد أن يقلده ذلك هو الإبداع الذي نبحث عنه تخيل أنه لو سالنا أكثر من ناقد عن تاويل لقول منك لطالعنا أكثر من رأي إنها الخصوبة الشعرية التي لا حدود لإبداعها
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع سرداً وشعراً قصي الشيخ عسكر
ودّاً ودَا

شكراً من القلب أخي قصي على كل حرف في تعليقك .
أسعدني رضاك عما أكتب
دمت في أحسن حال أخي الحبيب قصي .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الحبيب الشاعر جمال مصطفى...احلى تحية واطيب سلام... في معظم قصائد جمال مصطفى تسحبنا المفردة الى حالة تنويم مغناطيسي.. نتبعها في فلاش باك ذاكرة الشاعر فنجد انفسنا في نهاية القصيدة (( وقد استفقنا من التنويم المغناطيسي )) باننا كنا نفتح اعيننا ولكن ذاكرة الشاعر هي من كانت تبصر...... ولكن في هذه القصيدة حدث العكس... الشاعر حوّل القصيدة لشاشة كبيرة تجبر اعيننا وعقولنا على المتابعة...ذاكرة الشاعر ليست هي الدليل في هذا النص ... بل الانسانية بكل تفاصيلها الصغيرة - الكبيرة - هي الدليل... والشاعر هنا يسرد لنا الحدث مارّا على حواف قدسية الحدث والحقيقة التاريخية ولكن متوغلا برؤيته الخاصة لما دار في الفلك... حقيقة الطوفان واسبابه وهلاك من بقي خارج الفلك وانقاذ من كان بداخله لم يكن هو الشاغل للشاعر... بل ان الحوارات الصغيرة والتصوير ال(( المرئي )) والاخراج السينمائي والسيناريو في تتبع الاحداث والحوارات هو كان الشاغل باعتباره حقيقة الخلق والنفس التي تتفتح - كزهرة.. او كفمِ ثعبان - مابين النجاة والفناء... هذه الرحلة المجهولة التي بلا بوصلة ازالت البرزخ الذي بين المطلق والمتغير ...

فَلا قِمَمٌ سوى قِمَمٍ تَموجُ،
ولا صحارى غيرُ مُضطَرِبٍ مِن الزبَدِ الأُجاجِ كماكِثٍ
والأرض قد ذهَبَتْ جُفاءً

وقد كانت عبارة عن الحياة بكل ماتحوي من اناس مثلتهم في القصيدة حيوانات جهد الشاعر بان يخلق من خلالهم مسرحية جميلة زاخرة بالتراث والقصص والخيال. هذا التدوير في القصيدة الذي جعلها كجملة واحدة طويلة جاء متماهيا مع الشغف والتشويق في السرد ... ولمستك الاخيرة لم تكن الا عودة على ذي بدء .... فالعبارة السومرية قيلت في بداية الرحلة... وانت ذكرتها في النهاية- البداية...
وهذا لعمري اصدق تعبير عن عودة الطوفان والرحلة المجهولة مابين النجاة والفناء على مدى كل العصور... ربما نحن الان في خضمّ هذه الجائحة وهذا الوباء في رحلة مجهولة اخرى في طوفان كورونا...... لك الحب والاعجاب الدائم.

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع أحمد فاضل فرهود
ودّاً ودّا

شكراً من القلب على كل حرف وكلمة وجملة في تعليقك يا استاذ أحمد .
فرحت لأن قصيدتي نالت رضاك .
كما ترى لا يمكن معالجة موضوعة الفلك والطوفان من هذه الزاوية
بقالب قصيدة الشطرين ولهذا كتبتها قصيدة تفعيلة فالشكل يتبع موضوعه
ويؤثر به والعكس صحيح .
انتظر جديدك يا استاذ أحمد فأنت مقل في النشر .
دمت في صحة وإبداع يا استاذ أحمد , دمت في أحسن حال

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع الكبير جمال مصطفى .تحياتي اليك وانت بهذه الذروة من الابداع .اعتقد ان نصين عربيين هما خير من عالج السفينة المعجزة في التاريخ العربي وهما رواية السفينة لجبرا ابراهيم جبرا وقصيدق الفلك المشحون لجمال مصطفي . لقد نطقت بتشديد الطاء ابطال فلكك يا جمال بما هو ساحر . اظن انك تعني الحرباءة وليس الحرباء كما هو شائع . انها ملحمة الدراما العربية . احييك يا جمال ولو كان عندي قبعة لرفعتها لك

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

د . ريكان ابراهيم الشاعر النطاسي
ودّاً ودّا

شكراً من القلب يا استاذ ريكان على تعليقك الذي أسعدني بحق .
قصيدتي بلا قارىء من طراز الأستاذ ريكان ستبقى تتلفت
فلا تحلق القصيدة إلا بأجنحة القرّاء الذين يرونها جديرة بالطيران .
دمت في أحسن حال أيها الشاعر المبدع والنطاسي الخبير .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي جمال الشاعر المؤسطر لديك قدرة على استنطاق الماضي وبعثه من جديد لتشكل من التاريخ الحاضر
مودتي

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر الدكتور وليد العرفي
ودّاً ودّا

شكراً من القلب على كل حرف في تعليقك يا استاذ وليد .
أحاول يا استاذ وليد أن أخرج عن صراط شعري السابق ,
أتمنى أن أكون أفلحت في مسعاي ولو قليلا .
دمت في أحسن حال , دمت في أمان وحب وإبداع .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الفريد المتفرد جمال مصطفى
تحية الود والاعتزاز
اقف كما يقف جميع قرائك مندهشا ومسحورا وحائرا امام قصيدتك الهائلة هذه.
انها ملحمة الطوفان برؤية ورؤيا جديدتين. وقبل كل شيء وفوق كل شيء لغة القصيدة تنهل من كل الثقافات/الأديان التي أوردت قصة الطوفان
وتلك التي لم توردها حتى كأن هذه اللغة هي اللغة التي تقول بعض الأساطير انها ستكون لغة البشرية في العالم الآخر!!
شكرا على هذا الثراء الشعري الباذخ يا أستاذ جمال..

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عادل صالح الزبيدي صياد الفرائد
ودّاً ودّا

شكراً من القلب يا استاذ عادل على استقبالك قصيدتي بكل هذه الحفاوة .
أنا محظوظ بقراء من وزن الأستاذ عادل الذي خَبَرَ الشعر المكتوب
بالعربية والشعر المكتوب بالإنجليزية وترجم مستبطناً الكثير من القصائد.
دمت في أحسن يا استاذ عادل , دمت مبدعاً وصياد فرائد .

جمال مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5092 المصادف: 2020-08-14 03:56:51