خالد الحليملأتْ زَوْرَقَها ألغازاً يجهلها البرُّ،

وراحتْ تتوسّلُ بالماءْ

أنْ يقرأَها

هبّتْ ريحٌ عاتيةٌ عمياءْ

جَعَلَتْ زَوْرَقَها

يتقافزُ  في بحرٍ مائجْ

نَدِمتْ

كيفَ انهزمتْ

كيفَ تَرَكْتهُ وحيداً

يتقاذفُ زورقَهُ

بحرٌ هائجْ

الإثنانِ بعيدانْ

والبحرانِ عنيدانْ

وطيورُ النورسِ حائرةٌ

لا تفهمُ ما تعني ضَحَكاتِ الريحْ

**

منذ زمانٍ كانَ البحرانْ

وسيظلانْ

لا يلتقيانْ

 

- 2 -

من أين أتتْ؟

من أين أتى؟

ولأين مضتْ؟

خُطُواتٌ يتعثرُ فيها قلبانْ

خطواتٌ تائهةٌ

تَحلُمُ أن تمشي فوقَ الماءْ

باحثةً عن أوراقٍ خضرٍ

وحروفٍ بيضاءْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - 6/5/2020

 

عدنان الظاهر(أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدُللِ

وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرْمي فأجملي

إمرئ القيس)


1 ـ أسهو؟

أسلو مَنْ فَطَمَتْ سوّتْ عَدْلاً ميزاني

حَمَلَتني جحفلَ أزهارِ ربيعٍ تختالُ

أتلفظُها بهجةَ طودِ وسامٍ سامٍ في صدري

مرآها مِطلاعُ الدُرّةِ في كونِ الأنوارِ

عيناها نجما قُطبٍ فَلَكيٍّ دوّارِ

ألمسُها جسداً من ذهبٍ يتحرّكُ حيّا

أتحسّسُ موضعَ إزميلِ النحّاتِ

أنطقُها حَرْفاً وتريّاً شرقيّا

يُطربُني ... يُشجيني

يُبعِدُني عنها يُدنيني

يُبكيني حتّى يتقطّعَ صدري أنفاسا

يتنهّدُ ينفُثُ من كَبِدٍ جمرا.

**

2 ـ النارُ النارُ إذا شبّتْ في داري

أَرِقَ العُشّاقُ بأقصى الأرضِ وجُنّوا إرهاقا

الصاعقُ لا يُخفي أنواءَ

دعْهُ للماشي ليلاً إعياءَ

زمنُ الأزهارِ على الأغصانِ طويلُ

ويطولُ إذا ما أدلجنا إسرافا

[طولي يا ليلةْ / عِدْنا الولِفْ خُطّارْ ... أغنية عراقية قديمة]

أدعوها ...

لقضاءِ شهورِ الصيفِ سويّا

نمشي الساحلَ نستنّطِقُ حبّاتِ الرملِ

ونُخاطبُ أفراسَ وحيتانَ البحرِ

نسألُها ماءً عَذْباً للظمأى

قالتْ كلاّ ...

لا أجعلُ أزهارَ السوسنِ قدّاحا

لا أوقدُ في الموقدِ نارا

الشجرُ المشحونُ يُقلِّدُ زيتَ الزيتونِ ضَراما

هل يأتي العيدُ؟

العيدُ يشُدُّ القبضةَ في بابي طَرْقا

طَوِّقْها إكليلا

الليلةُ أُرجوحةُ فنِّ سقوطِ الأمطارِ

فوقَ الجسدِ المتيَبّسِ قنطاراً قنطارا

يا حاصدَ أرواحِ الأفلاكِ تَمَهّلْ

طيفٌ يتبقّى مخفيّا

لا يملكُ ثَمّةَ للرجعةِ مِفتاحا

طوّفتُ وطافا

نبحثُ عن حُبٍّ يتفلّقُ أحداقا

يا سالكَ وجهِ الليلِ أما فكّكتَ الألواحا

هل مِنْ شقٍّ في شَفَةٍ ينضحُ إخفاقا ؟

لا أغلقُ للمحنةِ بابا

دَعْها تأتي.

**

ختام:

(أفاطمُ لو شَهِدتِ ببطنِ خَبتٍ

وقد لاقى الهِزبرُ أخاكِ بِشرا

إذاً لرأيتِ ليثاً أمَّ ليثاُ

هِزبْراً أغلباً لاقى هِزْبرا / للشاعر بِشر بن عوّان).

 

عدنان الظاهر

مايس 2020

....................

(شُكرٌ جزيل للدكتور عبد علي عوض إذْ صحح هذا الشعر وذكر اسم الشاعر ))

 

نجيب القرنخرجوا سويا

لكنهم تركوه في وقت الزوال

واستظلوا (بشماغ) الفارهين

على الشارع المحايد مرت سيارة

مروا وما أكثرهم

دون أن يدلوا بدلوهم

عند المساء

كان أخوته على القناة يموسقون

خدعوا البدو في الساحات والخيام

من صار حلمهم ..

مثل شارع مفتوح لا ينام

يوسف أيها الغريب

تركوك وحدك

باعك حتى (بنيامين)

هل كنت تسعى للوصول

كي تصبح الأمين

فتعيد الضوء لعين أبيك المسكين

وترسم دفئ الشمس

منازل ضحك القمر ..

فوق ديار يحرث بسمتها

ناب الاقطاعيين

ها هم إخوتك الآن

يدخلون من باب واحد

يصطفون وراء حراسة (آمون) !

سقط العزيز

وانهارت الخزينة قبله

ليترك سبع عجاف

ليس لها منتهى

يلتقطها القادمون

القحط صار يأكل الثرى

والبيوت شاحبة

والجياع في الأزقة فاقعة البطون

تصرخ : أيتها العير

وأتباع هواة العير

إنكم لسارقون

***

نجيب القرن

اليمن ـ تعز

 

 

عبد الناصر الجوهرييا عمَّاه

قالوا لي : نحْنُ رواةْ

والقاتلُ يشبهُ "هوْلاكو"

في نشْر الموتِ بكلِّ طريقٍ،

وفلاةْ

فانقسمتْ ضبَّاطُ فيالقه

ميليشياتٍ

انقلبت تتصدَّاه

والآن تخورُ قواه

قالوا ما في الخمْرِ :

القاتلُ يشبهُ "هولاكو"

في نصْبِ مشانقه

لنْ تفلتَ منها - في البلدان - رعاياه

والآمر للشَّبيحةِ ليس سواه

قالو ا :

هذا القاتل ظلَّ

يهدِّدُ مبْكى "المغْضوب عليهمْ"

يوقف مُسْتوطنةِ المُحتلِّينْ

يتربَّص بالسُّنةِ، 

والأكراد؛

لكيلا ينْفصلوا عن دستور "العلويينْ"

قالوا:

الثَّورةُ في "درْعا" نسرقُ قطْفَ شرارتها الأولى

نتبنَّاه

نتسللُ بالأسلحةِ الفتَّاكةِ،

بالاستخبارات

نحرِّضُ كل نواعير "حماه"

"هولاكو" حاصر - أعوامًا - "حمْصًا "،

بمجانق نارٍ،

لم يرحمْ أبناء ضحاياه

هولاكو ألقى الكُتبَ،

المخْطوطات إلى "دجلة"

حتى اسودَّتْ عيناه

الحِبْرُ يفارقُ أحْرفهُ

كيف تراءى يسْبحُ مفزوعًا

تغرقُ كل ثناياه؟

قالوا :

قد يسْتسلمُ لو أطلقنا

غاز "السَّارين" على الأحياء الشعبيَّةِ

حتي تنقلب عليه في مأواه

ونهيِّجُ ثائرةَ المجتمع الدوليِّ

لإصدار عقوباتٍ ضدَّ مجازره المُسْتثناةْ

قالوا:

هذا الطَّاغية الماجن يعشق تحرير "فلسطينْ"

يحرسُ أضرحةً لـــ "بني هاشم"،

والآن يُرمِّمُ قبر "صلاح الدِّينْ"

قالوا :

كيف تصدَّى لـــ "خوارجنا" المُنْقلبينْ

هذا القاتل لن يتخلَّى

عن كرسيِّ السُّلْطةِ،

والجاه

والفُقهاءُ ستلْعنهُ

في كلِّ فتاوى التَّكفير،

وتأخذهُ عدوًّا لله

هولاكو كيف يساندُ حقًّا قي ذكرى يوم الأرض،

وأنتَ تنكَّرتَ له

وتزْعمُ أنكَ لستَ تساند باطل تخشاه

اختلط الأمرُ عليك - هنالك- يا عمَّاه

"هولاكو " لم يمنحْ جرْحانا

حقَّ علاجٍ بالمجَّانْ

ما نسَّق أمنيًّا معهمْ

ما سلَّمهمْ - في أرْضَ المحْشر - للسَّجانْ

لم يقتسم القُدْسَ المُحتلَّةَ،

أو يتحالف يومًا

مع "فيتو" الأمريكانْ

لم يفصلْ بين "الضِّفة"،

أو "غزَّة "

أو يحتلّ مزارع "شبْعا "،

أو مُرْتفعات "الجُولانْ"

لم يشركْ جيشًا في حرْب طوائف يومًا ؛

لتفكِّكَ خارطةُ الأوطانْ

لم يُصْبحْ سمْسارا للنِّفط ؛

ولم يسرقْ من إجماع سقيفتنا

خاتم سلطانْ

"هولاكو " ما كان "دمشْقيًّا"،

أو أعرابيًّا من أرض الشامْ

"هولاكو" لا ينقذ مخْطُوطات هُويِّتنا

لو غرقتْ في "دجلة"،

لا يمنحُ غير جدارٍ فاصل للإجرامْ

"هولاكو" ليس يطوف بــ "مكَّة"

مُرْتديًّا لبْس الإحرامْ

"هولاكو " - في الأصل-  مغوليٌّ

رائحة الموتى في كلِّ بناياتي

صاغتها كلتا يداه

سرق الثَّورةَ،

ألصق بالثُّوار جرائم،

أخبارًا كاذبةً ومُلَّفقةً؛

ليخوِّنَ مَنْ عاداه

هولاكو لا يعفو عمَّنْ قاتله،

لو خرج اليوم ليلقاه

هولاكو ما جاء لنهب كنوز" العبَّاسيين"،

ولو كانت جبلاً تلمعُ في الأفْق ضياه

سيِّدُ وجْه الشَّام بريءٌ

لم يقطعْ رأسَ "المُسْتعصمِ بالله"

ليس لديه "علاقمةٌ"

ترسلُ أىَّ حمامٍ زاجل،

تسْتطلع ما في التاريخ رصدناه

هولاكو ما  كان يزور أبا "الزهراء"،

ولا تترقرقُ عيناه

هولاكو ما كان بطيَّات الحلم أراه

ليس شبيها ذاك العربيّ..

بــ  "هولاكو " يا عمَّاه

كيف تُبدِّلُ لي فطْرة تلك الثَّورة،

دمْعَ كتاباتِ الأطفال على الجدران،

حراكي السلميّ لأجل الحُرِّيَّةْ؟

كيف تُبدَّلُ بالتَّفجير،

وبالتَّهجير،

وبالحرْبِ الكونيَّةْ ؟

ليس بـــ "هولاكو"

مَنْ تزْعمُ يا عمَّاه

هذا هولاكو المؤمنُ ما ساق "دواعشه"،

ما سلَّط "جيشًا حُرًّا"

ما أرَّقهُ إلا شعبٌ هبَّ لحقْن دماه

هذا هولاكو المؤمنُ

ضدَّ الاسْتيطان،

وضد المارينز،

وضدَّ الإرهاب،

ومَنْ يرعاه .

***

شعر: عبد الناصر الجوهري - مصر

 

 

انعام كمونةمنذ نيف وفجر....

احمل مآسي روحي ...

أسفارا مسنّدة

كأني نبض هياكل مشيّدة..

 بغمد نسيانٍ

 يجثو على عاتق عروشي..

 صفحات غبار

  مدججة بسرمد أحزانٍ

 مخضوضرة الجفاف

تلوك رائحة الخبز.. خميرة جوع

وشفاه الصمت صراخا وئيدة..!!

أتراني لا ابالي..؟؟...

ولسان الفقر رحى خيط بالٍ...!؟

أأستظل بمخاض نومي..!!

وفتنة الريح قشة وهم  زهيدة..؟؟

لا .. لن تقصم جذوع همومي

 زفرات حلمك الصديدة

سأمد كف الصبر ذراع  بصيرة

أحتضن أسلاف طيني

بصُلب ضياء عتيدة

فتستضئ الشمس من دُر اكتمالي

ويشرق الصبح معالي قصيدة

وأن تذر جروح ترابي ضماد ملح بمذاق دمي..!!

وأن تنعتني الأهواء مصفوفة موت عنيدة...!!

فلن يرمش لي جناح ذل

لأن النور يسبح في جل خصالي

وغراس فراتي عراقات

مديدة

***

إنعام كمونة

 

 

مصطفى ساهي كلشلا أرضَ للغيبِ كي نسعى لأجوبةِ

ولا السماءَ بها مرسى على ضفةِ

 

مُعلقونَ على الأحلامِ أضرحةً

علَّ العقيدةَ تأتي عند أضرحةِ

 

حُزنُ النبيينَ فينا دُونَ وحيهمُ

لمـــا نموتُ بحربٍ بين آلهةِ؟

 

تُرى النصيبُ، تُرى الأقدارُ، خالِقُنا؟

إذ قسّـــــــــــــمَ الخلقَ ألقانا بفوهةِ؟

 

ضاقتْ علينا وما تَنفكُّ حُنجرةٌ

في ذلك الدمع أو في آهِ حُنجرةِ

 

إني كَتبتُكَ شعــــــــراً دُونَ فاصلةٍ

أخشى الفواصلَ تمحو نبضةَ الرئةِ

 

أما السكونُ على حرفي فأقصدهُ

هو الخشوع أمام الوحيِ والعظةِ

 

عند الصلاةِ إذا ما قامَ أحدكـــــــمْ

قُل يا (عراقُ) ستكفي دونَ بسملةِ

 

واقرأ جـــــــــراحَ شهيدٍ أمهُ بقيتْ

عند الطريقِ ، تُمنّي النفسَ بالدعةِ

 

واحمل ذنوبَ غرامِ الهائمينَ بهِ

قُل: يا إلهيَ هـــــذا كُلُ فاجعتي!

 

تلكَ الصلاةُ التي آياتُها ارتفعتْ

من (شيلةِ) الأُمِ تعلو كُلَ مئذنةِ

 

تلكَ الصلاةُ لها الأبوابُ قد فُتِحت

حتى وإن قُرأتْ من دونِ فاتحـــةِ

*    *     *

من أوهلوا فيكَ قتلاً فاتهــــــمْ مَثلٌ

لن يرجعَ العمرُ في عُذرٍ ومعذرةِ

 

الشطرُ في الشعرِ والأوطانُ غائبةٌ

شطرٌ سيبقى ولكــــن دونَ (تقفيةِ)

 

من دونِ عَينِكَ ما للشعرِ مُلهمةٌ

من ذَا سيكتبُ شعراً دونَ مُلهمةِ؟

 

أحتاجُ إسمكَ في معنىً يُكمّلُنـــي

إني إليكَ كما الموصوفِ للصفةِ

 

إذا خطرتَ على الأقلامِ وشوشـــةً

يأتي الـ(قصيدُ) بسحرٍ فاقَ فلسفتي

 

وإذا كتبتُكَ فـــــي الأشعـــارِ خاطـــــــرةً

تمشي الـ(العروضُ) بزهوٍ مشيَ عارضةِ

 

شيطانُ شعري بحرفِ الـ (قافِ) مُنعقدٌ

ما إن لفظتُكَ حتى كُنتَ بوصـــــــــلتي

 

أُمشطُ البحرَ والغيماتِ أحرثُهــــا

وأنثرُ الضوءَ في أمواجِ عاصفةِ

 

وأسبقُ الغيبَ والمجهولَ في لُغةٍ

حتى يكون (عراقُ الله) في لُغتي

 

تُفاحةُ الخُلدِ لا تكفي لتُخرجنــــي

من جنةِ الشعرِ والأبياتُ شاهدتي

 

كانَ (العراقُ) ليَ الرؤيا ووسوسةٌ

حتى هديتُ شياطيناً بوسوستـــــي

*    *    *

يا أَيُّهَا الغيبُ يا قُدّاسَ من عبدوا

يا أَيُّهَا الموتُ يا همساً بأوردتي

 

أنتَ القديمُ بأرضٍ كان أجملُها

عُذريةَ الوردِ إذ ينمــو بساقيةِ

 

أرضٌ نبيةُ هذا الكونِ أجمعـــهُ

لا تسألُ الخلقَ عن دينٍ وطائفةِ

 

يا أَيُّهَا الموتُ يا لونَ الغيابِ بنا

كيفَ انعقدتَ على كفيِ قابلةِ ؟

 

بِاللّهِ أسألُ ما الإحساسُ حينَ ترى

عينَ الشهيدِ التي تنمو بِأسئلةِ ؟

 

والخوفُ يملأُ روحاً ما تزالُ بها

الذكريات التي تعدو كهلوســــةِ

 

في ذَلِكَ البيت ، والأطفالُ راكضةٌ

وبسمةُ الصُبحِ في أحــــداقِ إمرأةِ

 

وكفُ أُمٍ بهــــــا الأزمانُ قد نقشتْ

صوتَ المواويلِ والأهوارِ والدعةِ

 

يغفو ويصحو وحـــــــــرُ الدمِ يُنبئهُ

لم يبقَ في العُمرِ إلا بعضُ حشرجةِ

 

كان السؤالُ على الأحداقِ مُنشتلاً

ما لـــــــم يقلهُ غفا في ذمةِ الشفةِ

 

هل جنةُ الخُلدِ طابورٌ وتذكرةٌ؟

فالساقُ قد بُترت في نارِ قُنبلةِ

***

مصطفى ساهي كلش

 

محمد المهديتُسائِلني مُهجتي كُلّ ليلة،

حين أَخْتلي بشمعتي و أَسْفاري.

فتَسبِقني الكلمات،

تُراودُ أوراقي و شظايا أفكاري..

كَـي أرسمَ على عينيكِ

آثار خَطوي و بقايا مَساري.

و أُفحمَ القدر الهَرُوب،

و أرفعَ على الخافقين تَهَجُّدي و تَرانيم أشعاري..

و أبعثَ مع نسيم الفجرِ  رَسائلي،

و أصرخَ مِـلْءَ الدُّنَــا،

أَتَأَبّطُ حُرْقتي و لَهيبَ شوقي

و سلاحي إِصراري..!!

أنتِ قَدَرٌ من أَقداري،

و سِرّ غائِـرٌ من أسـراري.

أَحضُنُهُ و يَحضُنُنِــي،

فَيُمْعِنُ غَوصًا في أَغـواري.

أُنِـيخُ على أعتاب صَدركِ العَـاري

نُـوقَ أذكاري وأشعـاري،

وأُسلِمُـكِ على نُصُـبِ عِشقي

شِـفرةَ الـرّوحِ و رُكـنًا من أركانِ قَـراري..

فَهَلْ نُسْلِمُ الرّوحَ معًا

ونَسير إلى نَفس المَزار ،

أَمْ نَظَلُّ على نَفسِ المَــدى

نَدُور في ذاتِ المَــدارِ،

كـِلانـا قمَـرٌ تائِهٌ يهفو إلى حُضْن أَقْمار..!!

***

محمد المهدي

المغرب - تاوريرت 29 ماي 2020

 

جميلة بلطي عطريذاكرةُ الدّفْءِ تُغازلُ الشّمس

تنصبُ أرجوحة الوُصول

على الرّصيف الباردِ

يتمطّى الشّعاعُ

والصّقيعُ بالونةٌ

تُفرقعُها شوكةٌ مُهملة

الشّمسُ مُحارة الزّمن

في أذنيها يرْوي حكاياته العجيبة

منذُ ألف رجفة ورجفة

يُذيبُ الدّفْء ثلج المَللْ

يكنسُ الظّلّْ

يُمزّقُ شبكة القلق المعلّقة كالعناكب

على فوهة الانتصارْ

يوقظُ الحِسّ الغائرَ في الصّمت

غُبار الأيّام

لوثةُ مجنون يعدّلُ السّاعة

على هواهْ

يُبعثرُ الأوقات ..يضحكُ

ثمّ يُعيدُ ترتيبها

ذاكرة الدّفْء

تُراقصُ ليْلَ المُسهّدين

على شُرفاته تعلّقُ القناديل ..

نجومٌ على حافّة الوَسَن

وزُورْبا يَعُدُّ الخُطى

يقيسُ المسافةَ

يُعِدُّ خيمة

على الجانبين يُسقطُ الفزّاعات الواهمة

تتجلّى البحارُ في المَدى

همسُ المُحارة يُرْجعُ الصّدى

سفينةُ نُوح والخضمّ

عزفٌ أزليٌّ ..نايٌ وقيثارْ

والأنَا للأنَا دِثارْ

أُغنيةٌ مُعتّقةٌ في ذاكرة الحُروف.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي

تونس - 30 / 5 / 2020

 

 حاتم جعفرللمرة الثالثة وبفترة قياسية، تعود مرة أخرى لتضل الطريق الرابط بين بيتها وبناية السراي، على الرغم من توجيهات (هدَّو) المتكررة لها بعدم المجازفة والمجيء اليه تحت أي ظرف. وإذا ما كنت مضطرة، يقول لها، فيمكنك الإستعانة بأحد أولادك، الاّ انَّ زوجته لم تصغِِ له وستبقى مصرة على القيام بما تعتقده صحيحاً، ولتتحمل بعدها نتائج ما سيترتب على عنادها. أمّا دافعها والذي لا يريد (هدَّو) الإعتراف به هو شعورها العالي بالمسؤولية إتجاهه، فهو الآن بحاجة ماسة الى وجبة طعام دسمة، تعينه على القيام بوظيفته على أكمل وجه، خاصة بعد أن حُرم من وجبة الصباح، حتى وإن تظاهر بعكس ذلك.

  بمجرد أن أخذت الشمس مدارا عموديا ووصل مسامعها آذان الظهر ومن مختلف مساجد المدينة القريبة، قدَّرت زوجته أن النهار قد بلغ منتصفه وأصبح الوقت مناسباً ليحسَّ (هدَّو) بخواء بطنه، لذا شرعت بالتهيأة والتجهيز واعداد وجبة دسمة، ريثما يأتون أولادها من المدرسة، ومن بعد ستترك صغارها الثلاثة بحماية بعضهم بعضا، ملقية عليهم بعض من الوصايا والتعليمات المهمة، وبلغة لا تخلو من تهديد ووعيد، وبعاقبة لا تستثني منهم أحدا إن عصوا أمرها، مضيفة وبتشدد بأن العقوبة ستطالهم ثلاثتهم وبنفس المستوى، بصرف النظر عمن سيكون المسبب في إحداث أي مشكلة، دون أن تستثني من ذلك حتى صغير أبناءها ومُدللها.

 خرجت من دارها على عجل، غالقة الباب الخارجية بإحكام وبقفل لايقل وزنه عن كيلوغرامين، تعود صناعته الى عقدين من الزمان على أقل تقدير. لونه أسود، لم يكن طوع يديها عندما حاولت التعامل معه في بادىء الأمر، بسبب الصدأ الذي غطّى طلائه واخترق حتى وصل جوفه، ينتمي الى جيل أكل الدهر عليه وشرب. تذكرت نجية(هذا هو اسمها) أثناء قيامها بغلق الباب بأنَّ (هدَّو) قد نذر وتعهد لها ذات يوم، بأنه سوف يبدّل القفل القديم بأحدث منه، بعد أن يستلم أول راتب، ولكنه أخلف الميعاد ولم يقدم على ذلك، رغم مرور أشهر عديدة على تعيينه.

 ولأن زقاقهم الضيق أصلا ينحدر بشدة نحو الأسفل، فقد بذلت جهداً مضاعفاً حتى وصولها صعودا الى مدخله. وبسبب إرتباكها وبدلا من أن تنعطف نجية يساراً بناءاً والتزاماً بتوجيهات زوجها وإختصاراً للطريق، تجدها  متجهة نحو اليمين، وعندما سألها هدَّو فيما بعد عن سبب تكرار ذات الخطأ، ألقت باللائمة على إحدى جاراتها التي أرشدتها بأن تسلك طريقاً آخر، أكثر راحة واختصارا، لكنه وللأسف لم يفضِ الى ما تريد وترغب، مما جعلها تتيه مرة أخرى، وكان خطأها على ما اعترفت به، بأنها إنعطفت مع التواء الشارع، ثم حاولت إستدراك الطريق لكنها لم توفق في الوصول الى مبتغاها.

 بعد أن أدركت ما ارتكبته قدماها من خطأٍ، حاولت نجية تصحيح مسارها لكنها وجدت نفسها وقد دخلت زقاقا صغيراً آخر يسمى بالتوراة، نسبة الى ساكنيه من يهود مدينتها، لتجده مغلقاً من طرفه الآخر، مهجورا منذ سنوات بعيدة. أوشكت نجية أن تطرق أحد أبوابه، ففيما مضى كانت على صداقة وثيقة مع إبنتهم الوسطى، الا انها تذكرت بأن أهل هذا البيت ومَنْ يجاوره قد غادروه رغماً عنهم الى جهة ما خارج البلاد.

 وقفت لبرهة في منتصف الزقاق، لا تعرف كم أستغرقت من الوقت. أجالت بعينيها منزل صديقتها، ماسحة بابه صعودا ونزولا. أطالت النظر في إحدى نوافذه الزجاجية المهشمة، علّها تعثر على أحد ما من أهله، ثم راحت مطرقة نظرها أرضا لتستعيد في ذاكرتها بعض خطوط من الطباشير يوم كن يتقافزن وهن فرحات، مرحات بين مربعاته المرسومة بكل ألوان الزهو. إسترقت النظر، تلفّتت يمينا ويسارا، كادت أن تخلع عباءتها وتضعها جانبا لتلعب (التوكي) وتقفز قفزتين فقط بين مربعين ولتسأل الواقفات من زميلاتها ممن يشاركنها البهجة: كبي؟ ليأتيها الجواب بــ(نو أو يس) كما كان يصلها حين طفولتها، لكنها تراجعت في اللحظة اﻷخيرة خشية أن يراها أحدهم.

 خَطَتْ نحو باب البيت الخشبي العتيق لتطيل ملامسته براحة كفها اليمنى،  تلتها بعدها بالراحتين. اسم صديقتها (حبيبة) لا زال محفورا رغم تشققات الباب الذي كاد أن يمحي أثره. يداها لم تعد ناعمتان كما كانت صغيرة، كلانا كبُرَ، هذا ما همست به نجية للباب. تراجعت خطوتين بعد أن إستنشقت منه ما حسبته عبقا معتقا باﻷحبة، لعله سيعيد لها بعض ما فات. لا تستكثروا على المرأة تصرفها هذا، والذي قد تجدون فيه بعض غرابة أو تذهبون بها الى أبعد من ذلك والى ما يساء الظن بها، لكنها هي هكذا. وإذا أردنا الغوص أكثر، ففي سابقة لها وحين التقت بإحدى أقرب صديقاتها وبعد فراق دام طويلا، أصرت نجية على إصطحابها الى بيتها والقيام بما يلزم، عرفانا لتلك الصحبة ولتلك اﻷيام التي خلت. فهي البسيطة والعفوية في سلوكها، وكذلك الوفية لرجعها البعيد، والوفية أكثر لكل صداقاتهاحين كانت صغيرة.

 أبت مبارحته فــ(نجية) لا زالت هناك قبالة البيت الذي غادره أهله مجبرين. رفعت رأسها عاليا بإتجاه سطح المنزل، تراءت لها من علٍّ غرة إحدى الشجيرات الباسقات، انها شجرة البرتقال: آه كم أنت صابرة، غير انَّ نضارتك وللأسف قد غادرت هي اﻷخرى مع مَنْ غادر المكان، لا أحد يسقيك. أتذكرين ايتها الشجرة كَمْ كنّا سعداء في طفولتنا؟ كنّا نطير سوية كما سرب الحمام ثم نحط ونطير ثانية، كنّا نشبه ألوان الطيف السبعة، بل كنّا أجمل من القوس قزح وأجمل من باقات الورد.

 غاصت في رجعها، ناسية ما الذي أوصلها الى هنا بعد فراق سنين: كان هذا الزقاق يضمُّ بين جنباته كنيس قديم يعود لأتباع النبي موسى عليه السلام. قالت في سرّها: كان لنا أخوة هنا، وكان الزمان حلوا.. حلوا، تُرى مَنْ سيعيده الينا؟. حبست دمعة، شعرت بحالة من الحزن واﻷسى على فراق أهل هذا البيت وَمَن جاوره. بعد مضي ما يقارب الدقائق العشر، تنبَّهت على نحو مفاجئ وخاطف الى طبيعة المهمة التي ينبغي القيام بها، لتجد نفسها وقد عادت أدراجها بسرعة الى حيث المكان الذي إنطلقت منه وهي في حالة من القلق والإرتباك.

 توقفت لتعيد حساباتها مرة ثانية. سلكت من جديد ما افترضته الشارع الذي سيفضي بها الى مبتغاها، غير انها راحت في دوامة أخرى من التيه. أخيرا اهتدت وبعد مرور قرابة الساعة والنصف من الوقت الى ضالتها ولكن بمساعدة أحد أصدقاء ولدها الكبير. وحين بانَ لها جلياً البناء الذي يعمل بداخله (هدَّو)، وشعرت بإطمئنان تام وتأكدت من عدم تكرار أي خطأ أو إلتباس في العثور على ما تريد ومن الوصول الى غايتها، التفتت الى مَنْ ساعدها لتقدم له واجب الشكر والثناء على ما قدمه من معروف، مقترحة عليه الإلتحاق بأولادها الثلاثة كي يلعبون سوية داخل البيت، ناسية انها قد أغلقت عليهم الباب، غير انه إعتذر.

 

حاتم جعفر

مالمو ــ السويد

 

 

 

صحيفة المثقفيـَمَّمْتَ وَجْهكَ شَطْرَ الغيْبِ مُنْتَحـِبا

         فأشْرَقَ الـنُّورُ في الآفاقِ واخْتَـضَـبـا

لمّا سَرتْ بكَ أشْواقُ الخُطى عَـبَقـتْ

           منْ ظلِّ وجْهِـك أشْذاءُ النُّهَى كُثـُبا

ذا طيْــرُ قَـلبـِكَ قدْ رَفَّـتْ جَوانِحُه

        يمْضِي بشَـوْقٍ إلَى الآفاقِ َ مُـغـْتَــرِبا

يَعْقوبُ قدْ أُطفِئتْ عَـيْناهُ واجْترَحَتْ

           والدّمْعُ فتّتَ حِجْر الجفْنِ مصْطخِبا

تَـعَـلّـقَ الـقَلْـبُ بالأصْداءِ مُـعـْتَـمِـرا 

        منْ بئْرِ يُـوسَفَ ضَجَّ النُّورُ مُـلْتَـهــبَـا

عَلَى جَبِينِك آياتُ الرِّضا نُسِجَتْ 

         مـثـلَ اللَّآلِئِ يـَذْرُوهَا الـدُّجَى شُهُــبَا

حتّى مَتَى عبَرَاتُ الصَّمْتِ تَذْبَحُنا

       تَـهْـمِي بِـمُـغْـتــَسَــلٍ أعْـتَــابُـهُ قـَصَـبـا

يا جَمْرةَ الدَّرْبِ هلْ في الدَّمْعِ تسْلِيَةٌ

           كَلَّ الـطّرِيقُ وَمَاءُ الـفجْـرِ ما تَـعِـبا

قدْ كُـنـتَ فـيـنَا نبـِيّا ظامـِئًا قـلِـقـا

          لا تَرْتـَقـِبْ قَـبَـسًا لـوْ غَامَ أَوْ غَـرُبَـا

علَى الرّمادِ نسَجْتَ الظلَّ مسْتَعِرًا 

          عـيـْناكَ جمْرٌ وَجفْـنُ اللَّيـْلِ مَا حسَبَا

وأنتَ أنتَ نبيُّ الصّمْـت تَقْـرَعُه

          شدْوا يَخُـبُّ فيَجْنـيـهِ الـلـّظَى رُطَـبـا

يا شَهْقةَ الطّين قد أوْقَدْتِ أوْرِدَتي

          شمْعًا كَفيفًا علَى الأعْتابِ مُضْطَرِيا

بأيّ ذنْبٍ وأدْتِ الشَّوْقَ مِنْ صُحُفي

            بأيّ شَـوْقٍ طَويْتِ الـدّمْعَ والهُـدُبـا

يا سَامِريّ الشِّعْرِ خَطْوي الآنَ مُرْتَبكٌ

             أطْلقْتُ قافـيَتي فاسْتَمْطَرَتْ سُحُـبًا

يا نبْتًةَ الرُّوحِ ذِي أصْدافُ ذاكِرَتي

       قدْ أوْرقَـتْ كَجِـرارٍ تـصْطَـلـي لَـهَــبــا

لمّا وقفْـتُ بـبابِ القـلْبِ أَطرقُـهُ

        أسْتَـوْقـِدُ الصَّبْرَ أسْـتدْنـيه مُـحْـتَــسِبـا

أسْرَى بِيَ البيْنُ لمْ أفْـهـمْ إشارَتَه

           لكنَّ ريحَكِ عُـشْبُ الرُّوحِ مُخْتَضَبا

أنْتَ الذي سُفِـكَتْ أشْوَاقُهُ مِزَقا

           أنْت َالذي نغَبَ الأَحْـزانَ مَا شَـرِبَـا

ذَا نمْلُ صمْـتِكَ  فٍي أضْلاعِ قافِيَتِي

           قدْ بَاحَ شَوْقًا فَمَـا أَفْـتَى ومَـا كَـذَبَـا

      ***

الشاعر التونسي شكري مسعي

 

فتحي مهذببعد طرد روحها الجريحة بمكنسة..

بعد موتها الكوميدي الأسود..

وهروب الأب على (دراجة رملية)

إلى مرتفعات الجنون..

مخلفين حفرا عميقة في كلماتنا ..

كيسا مليئا بوعود زائفة..

شجرة وحيدة تتكلم مع ظلها في المساء..

حمامة مطوقة تحمل بريد العائلة المنكسرة إلى الله ..

مرآة كبرى لاستقبال رواد فضاء..

كائنات مرآوية لقنص كوابيس الحديقة..

صرنا غريبن أنا وأخي الأحدب الضحاك ..

ومن شدة الوحشة كنت أعوي..

لعل عروس البحر ترق لحالنا

فتجيء في مركب ذهبي..

إلى حجرتنا الصغيرة..

لعل الله يسحبنا بأحبال شفيفة

إلى عرشه ويمنحنا الفرحة والغفران..

غير أن ذئبة شقراء فاجأتنا..

ذات ليلة موحشة جدا..

صارت ترضع شقيقي الأصغر

وتسمعه فواصل موسيقية

لينام مرفودا بنور البركات..

تملأ بيتنا بفواكة نادرة جدا

شرائح لحم الغزلان..

وفي أولى خطوات الفجر

تتبخر مثل ضباب عابر..

تاركة عطر الغابة على الكنبة..

لما إستوينا على سوقنا

إختفت في صقيع البراري..

تبارك إسمك يا أمنا الذئبة

وقدس سرك الأبدي .

***

فتحي مهذب

 

 

تواتيت نصر الدينالإهداء: إلى كل أولئك الذين ركبوا البحر، بحثا عن الحياة الكريمة والأمن والآمان خارج أوطانهم


ودعت بلا دك يا ولدي

وركبت البحر بلا سند

**

من زاد الدّهر لك أمل

والصبر المفعم بالجلد

**

وركبت الموج تعانقه

وتعانق حلما عن بعد

**

هل كان البحر لك قدرا

أم حلما ضاع مع الزبد؟

**

ودعت الأهل فهل تدري

أحزان الوالد والجــــــدّ

**

وصغار كنت لهم سندا

في وقت المحنة والنكد

**

عانق أحلامك ياولدي

واجعلها تزهر كالورد

**

أوطان المجد لنا سكن

ولباس العزّة والمجد

**

أنسيت بأنّ لـــك وطنا

وحبيبا يحرق بالوجد؟

**

أرزاق النّاس مقسّمــــــة

من ربّ الكون على العبد

**

فعلام تجازف مرتزقا

لبلاد الغال أو الهند..؟

****

 تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

 

بن يونس ماجنمن كثرة النياشين

والاوسمة

احدودب ظهر الجلاد

2

اشارات المرور

تنحني امام

الكراسي المتحركة

3

عاريات فوق المنصة

يتبخترن

مع عارضات الازياء

4

في هذا الزمن الوبائي

في بصيص العتمة  يستحم

الخفاش الصيني

5

ثمة غراب

يتامل وجهه في مراة

تحت جنح الظلام

6

وهكذا دواليك

دون سابق انذار

تطل علينا  الجائحة بعد غياب طويل 

7

في زمن الكورونا

الكل مكمم

حتى المنقبات

8

في اوج الصيف

تمر غمامة حبلى

يتضور السراب عطشا

9

مخطئ من يعتقد

ان اللون الاسود

ليس له ظل

10

ومخطئ ايضا من يعتقد

ان قوس قزح

يغار من الحرباء

11

في زمن كبت الحريات

الطغاة يخرجوننا كرها من بيوتنا

وفيروس الكورونا يزج بنا طوعا في منازلنا

12

الساعات الذائبة

لسالفادور دالي

هي مسالة وقت ليس الا

13

ملثمين بالكمامات

لا يتقنون لغة الاشارات

صم بكم بصرخة واحدة

14

العزل الصحي

او الحبس الطوعي

اين اقضي الليلة؟

15

ممتطيا ساعة المستقبل

اختلس بعض الوقت الضائع

من ذاكرتي الضالة

16

تحت جلودنا

يتناسل الانسان الالي

لقاحات وشرائح الكترونية

17

ايها الفيروس الجائح

تنح جانبا

لقد تفشى الصهاينة العرب

18

احتفالية ازاحة الستار

عن تمثال الزعيم المقبور

لماذا يختفي الراهب في صومعته؟

19

طفلان يتعاركان

تحت أنظار فراشة ونحلة

لعبة الغميضة

20

هل سمع فيروس كورونا

عن جبروت امريكا وغطرسة امريكا

فثار حانقا منتقما؟

***

بن يونس ماجن

 

 

 

البشير النحلي1- إلى الأوّل:

ارْكَبْ حِمارَكَ

وَاقْتَدِ الْجَيْشَ الْعَظيمَ لِمَعْرَكهْ

رَصِّعْ بلاغَتَكَ الْرّحيمَةَ بِالسِّبابِ وَسِرْ رعاكَ اللهُ في صًمَمٍ وَكِبْرْ

وَاحْرسْ حُدوداً لِلْقبورِ

وَحَفِّظِ الْمَعْنى الْوحيدَ

وَخَوْزِقِ الْأُنْثى

الْحياةَ

بِما يَليقُ

بِمُشْرِكَهْ

***

2- إلى الثّاني:

في إِثْرَ كَلْبِكَ

سِرْ حَثيثاً كي تَصيد تَهافُتاً عِنْدَ الْقُدامى

وَاكشِفْ عَماءَ الْنّقْلِ في دارِ النّدامى

واحْرصْ على حِفْظِ التّطابُقِ

باسْمِ عَقْلٍ جامعٍ بَيْنَ الْأنامِ

وَسَفِّهِ الْغَيْرَ

الْمُبايِنَ

بِالْهَوى

وَبِفَذْلَكَهْ

***

البشير النحلي

 

سعد جاسمهل الشعراءُ

حُرّاسُ بيوتِ الكينونة؟

أَمْ هُمْ أُمراءُ الكلام؟

*

هل الشعراءُ

صاغةُ ذهبِ المعنى؟

أَمْ انهم رعاةُ الكلمات؟

*

هل الشعراءُ

  صيادو جواهرِ الخيال؟

أَم فرسانُ عرائسِ البحار؟

*

هل الشعراءُ

بستانيو فواكهِ الأَمل؟

أَمْ حكماءُ منافي الأَلم؟

*

هل الشعراءُ

عازفو ناياتِ الشَجَن؟

أَمْ هُمْ الذينَ

 يُموْسقونَ قصائدَ الحنين؟

*

هل الشعراءُ

عُشّاقُ الأُنوثةِ والجمال؟

أَمْ أَطفالُ الابدية؟

*

هل الشعراءُ

أَنبياءُ الوهم؟

أَمْ مُهرّجو البلاطاتِ والمجالس؟

*

هل الشعراءُ

صعاليكُ الأَحلام؟

أَمْ مجانينُ الحقيقة؟

*

هل الشعراءُ

شياطينُ الأَرض؟

أَمْ ملائكةُ السماء؟

*

هل الشعراءُ

 ملوكُ الرؤى والطقوسِ؟

أَمْ انهم الغاوونَ

والمطرودونَ دائماً

من المدائنِ الفاضلة؟ 

***

سعد جاسم

1-2-2020

 

 

سردار محمد سعيدمس ّ ضوء عينيك نهايات المآذن

فرّ الحمام

أبو نواس فرغ كأسه العاشر

كرع آخر الغبوق و ليبدأ الصبوح

فعنان بدأت تستحم

علامَ تبحثين عن هاروت

فات الأوان

أبو عبد الله يبكي ضياع غرناطة

يبكي على ملك فُقد

لا تغلقي الأبواب عنان

كل باب فُقد

وباب السماء من يتجرأ على غلقها

قابيل

ذو القرنين

ابو لؤلؤة

بن ملجم

الحجاج

بو معرافي

الطرف الثالث

وللنخل طبع الإشتهاء

تمعني كيف يهنز السعف في مرايا الماء

كُتب على حقلي الإنتظار

صرت كالعرجون القديم

بحق السماء

بحق كان ويكون

ألا تسمعين خفقة جناح الطير الذبيح

هم لا يسمعون

شهقة الريح

غادرت مواقعها النجوم

ولا يقسمون

إذن لنرثي الشقائق

توالى توافد الأحزان

تهشمت نوافذ الأمل

لديك غصون الأقاح وكنز الجمال الصراح

رفيف الفراشات وأنسام الوهاد

وطين السواقي ونبض الجذور

طقوس الحريق ووخز اللهيب

أعرف كيف انهمرت الدهور

سملوا مقلتينا

عبثوا بغصنينا

علقوا الفرح فوق راياتهم

شربوا نخب انتصارهم على قلبين افترقا

فاضت الأغاريد إذ غاضت الينابيع

ريحانتي

يا مثقلة الأسى

ووجع الخلايا

وقهر الحشا

نحيب الثكالى

دموع اليتامى

أيام العداد

ولسع الثنايا

لك الصبح

أليس الصبح بقريب

ولي المساء

أليس الظلام ضياء العاشقين

أيها الأنين تمهل ، تمهل

وكفاك غرز المسامير

والله نحن المساكين

والضعاف

حل بنا الجفاف

سدمارب تهدم

جُرفت ضفاف

أعُذريّ يُنصح بالعفاف

إذن ماذا يقال للثالثة الأخرى مناة

أنبجس منك ومني تنبجسين

من بذرة واحدة ننبثق

وفي كاس واحد نمتزج

أتدرين ما الحقيقة

كنت ثمار البساتين

ريّا الرياحين

صوت الخرير

ونسمات الجنان

يانعة بكل الفصول

قولوا ما الذي بين سيف وغمده يحول

بين الفرس والفارس

بين الثقب والرصاصة

الفراشات ترقبني

تحصي القبلات

الضائعة على الرقاب والنهود

وشتى الجهات

نافست بعضها بعضاً

فواحدة على سفح وأخرى في ذروة الجبل

وثالثة أسفل الواد

تراود بابل بغداد

كأن البعد بينهما تمدد

قطعوا الجسور

ذبحوا الهواء المورد

وجهي صار أجرد

كانت مجرتي تمور 

وأفلاك بمداراتهاالأقمار تدور

تدور

ندور

دوران خصرك النحيل

وكنت أشد سخونة من فتيلة القنديل

وبرودة الماء السلسبيل

كنت نخلتي السحوق

وأنا شهقة البروق

كُتب علينا أن نكون كالخشب

أحجاراً في صمتها يُستعذب الرنين

رباه حتى مَ هذا السكون

أهلاً ملك الموت

فلتغلقي الجفون

منون 

منون

منو

من 

م

***

سردارمحمد سعيد

اربيل

 

 

عبد الناصر الجوهريأنتَ أخْفيتَ متْنَ الحقيقةِ عنِّي،

وسلَّمْتني للمنايا،

وأغْلقْتَ كُّلَّ السُّبلْ

أنْتَ ورَّطْتني في صراعٍ لعولمةٍ

طويل الأجلْ

الخفافيشُ في " الصِّينِ " مُنْذُ قديم الزَّمان،

ومنذ تسوَّق شعْبٌ يزاحمكَ الآن،

إنَّ "طريقَ الحرير" اكتملْ

ليس فيروسُ طيرٍ تنقَّل؛

حتى يُسمِّمَ حلْقي،

ويُدْفن جسْمي،

وفي القبْر لا يُغْتسلْ

كيف يُغْلِقُ في رئتىَّ التَّنفُّس؟

لم أستطعْ بالأدلَّةِ جمْع التَّقارير،

من غُرْفةِ الإلتهابِ المُصنَّعِ

أو أُنْتشلْ

أنا في آخر الأرض؛

كيف إلىَّ انتقلْ؟

بينما شركاتُ الدَّواء غدتْ تشتهي رئتي

تغوَّل مَصْلٌ لها،

واشتعلْ

وأنا في مُواطنتي الأعْزلُ، المُبْتلى،

الكائنُ المُعْتدلْ

أنْتَ تجرِّدَ منِّي العِناقَ،

تجرِّدَ حتي القُبلْ

كيف تمْنعني أن أصافحَ دفْءَ الأحبَّةِ،

والشَّوقَ،

والهَوَى المُعْتقلْ؟

وتُحاصرُ فيَّ ارتجال القريحةِ،

تحظرُ تنْغيمَ قافيتي

وتحْظرُ نعْلي،

وخطْوي،

وعقلي كريم المُثلْ

كيف تخشى الحبيبةُ فيَّ مواني الغزلْ

كيف أخشى سُعالاً؛

ولو حَلْقُ حنْجرتي ذبُلْ؟

كيف تُفْزِعُ صدْري،

لدىَّ تحاولُ طمْسَ الأملْ؟

ما الذي قد جرى،

والجوائحُ تنشر فينا الهلعْ

مِنْ جذْوري أنا أُقْتلعْ

وأُخزِّنُ زادي،

أخزِّنُ أجولةً لهمومي بقلبِ السِّلعْ

ما الذي قد جرى؟

علَّهُ فرَّ  خُفَّاشُ معْملكَ المُتخفَّي؛

لكي تفْضحكَ الصَّفقاتُ،

وكل مزادٍ عليكَ رسا،

بين مُخْتبرٍ قديمٍ بنفس القوارير كان قُتلْ

فالنِّقاياتُ قد أينعتْ  شكَّلتْ ذروةً لوباءٍ،

وما ادَّخرتَ جهدًا لوقف احتباسي الحراريِّ،

لكنكَ الآن

وسط حرب الهواتف كم تتشغلْ

في كويكبنا

تسْتبيحُ النِّفاياتُ وجه الفضاء، البحار، الغدائر

يا أيُّها المُتمادي كفى،

واعْتزلْ

فمعاملُ بحْثكَ تخترع اليوم للناس أىَّ لقاحٍ

على فأْر تلك التَّجاربِ؛

تُفْلتَ صيْدًا فشلْ

والمُمرضةُ المُتقاعدةُ الآن عادتْ لمشفى المدينةِ ؛

كيما تسدّ - هنالك - عجْزًا،

وذعرًا بوقت العملْ

يتعافي الصَّباحُ

رويدًا،

رويدًا؛

ليخرجَ من أجْل بدْء التَّسوُّق؛

يهربُ، ثمَّ يعود لخيمته لو نزلْ

إنَّ قصَّابَ تلك المدينة يمسكُ سيقًا،

يُلوِّحهُ في وجوه العوام،

وما زال  يخطو إلينا ثَمِلْ

لم يكنْ قمري وحدهُ هدّهُ الخوفُ،

كل النُّجيماتِ

أدْمي بُكاها المُقلْ

ثمَّ تأتي عصافيرُ حُزْني

وتنْقرُ كل زجاج النَّوافذِ حولي

تداعبُ حتى انعكاس الشُّموس الخجلْ

كيف بين شفاهي تموتُ الحروفُ،

وكيف يُكفَّنُ فىَّ المجازُ عباراتِ وصف الجُملْ

كيف أغفرُ جُرْمكَ،

أو ثأر جُرْثومةٍ

بينما قد عزلْنا ملايينَ قبل قدوم الهلاكِ،

وبعض الهلاك امتثلْ

إنني ما أزالُ حبيسَ الدِّيار،

ومُعْتقلًا بين جدران ذاك المللْ

أنتَ حضَّرتَ عفْريتَ حتْفي

ولم تصرف الموتَ عنِّي،

وعن منزلي المُعْتزِلْ

لو فررتَ بجائحتي نحو فرض العقوبات

لست ستربحَ من بورصةِ المال كل التداول

أو تُرهب الكونَ،

أو تستبيح النُّزلْ

وخلايا دمي في انخفاض شديدٍ

تعاندُ فيكَ تسلْسل جين الهُويَّةْ

كيف تصيرُ علينا وصيًّا بأسلحةٍ للدَّمار،

و"فيتو "،

وقُنْبلةٍ نوويَّةْ

أنْتَ ضحيَّةُ فيروس مثلي 

كلانا ورا اصبعيْهِ توارى،

وفي حَجْرِهِ يعتزلْ؟

أنتَ مثْلي لجائحةٍ تمتثلْ

أنْتَ ما انقذتكَ صواريخُ فجَّرتها

لاختراق الحُصون،

وردْع وحوش الجبلْ

خاسرٌ أنتَ

لستَ ستصبحُ بين الملاحم،

بين الدُّنا

خارًقًا،

أو بطلْ

أنتَ مكَّنتَ - منِّي – عدوِّي الوَبَاءَ،

وفاتِكَ كوكبنا المُحْتملْ

لسْتَ تحْكمُ كوْني ؛

هَوَ اللهُ يحْكمُ مُنْذ الأزلْ.

***

شعر: عبدالناصر الجوهري - مصر

 

محمد المهديسَماؤُكَ أيّها الآتي

تُنذِر بنهايات اليوم العميق،

و تَنثُـر بُشرى السّماء

على ضِفاف الطريـق..

و أنا أرقبُ خلف السّاعات

مَصائر الأحــــــلام،

و تَواري الأمس الغَريق ..!!

هناك حيث المساءات تَـنْأى،

كُلما تَدَنّى قُرص الشّمس من العيون،

و انحنـى بَـهاء المغيب على الجفون .

هناك حيث المسافات تَنغمِس

في أُتون الخطى الوئيدة.

و تَستبِـدُّ الرّعشة بالأنامل العنيدة.

وكلما هَـمَمْتُ باحتجاز البَوح على الأوراق،

حيث ينطِق الصمت و تنفَلِت الأشواق،

سَأنْسُـج طَـيف الحكاية

من شَذى الفَجر المُوفِ على الساحات..

و أَفُــكُّ شِفْرة البوح الوليد،

لأُجْلي الحقيقةَ عن وَقْفِ الآيـــات،

و أمسَح مِنْ عَلى جَبين الوطن

بُؤسَ الـوُلاةِ و أَدران الزُّنــاة .

لست أشكو اغْتِـرابي و صدودَ الحياة .

فقد تَدَلّـى ما تَبَقّـى من عَناقيدِ الرّبـيع

المُسَجّـى على أعتاب الخريف.

و حُطامُ الأملِ تَـذْروهُ الأيّــام،

و تُرتِّـــلُ على مبسِمه السلام.

يَتهادى كالرّيح المُرسلة

إذا ما أَذِنَ الخريف..

أو طاف على الطّلَل طائفٌ من الرّصيف،

يُمَرِّغُهُ الرّغيف عَرَقا ..

و يَنْقادُ إليه الوَجع .!

دُون كَـلَلٍ يُسابقُ التّعب اليوميّ

حِين يَنْثال كما الأحلام..

أو سراب يَنسِلُ عبر العُيون،

أو خَيبات تَحفِر لُحودا للظّنون .

***

محمد المهدي

 تاوريرت – المغرب

 

عبد اللطيف الصافيالْبَحْرُ صَامِتٌ هَذَا الْمَسَاء

وَ الْمَوْجُ مُسْتَلْقٍ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ

يَنْظُرُ فِي الْفَرَاغِ

يَحْتَسِي ضَبَابًا عَابِراً بِلَا طَعْمٍ

الصَّيَّادُونَ عَالِقُونَ فِي شِبَاكِهِمْ

يُقَدِّمُونَ سِيقَانَهُمْ وَلِيمَةً لِأَعْشَابِ الْبَحْرِ

وَيُغَنُّونَ مُبْتَهِجِينَ

يَا طَيْرْ بِحَقْ السَّمَا الْعَالِي" ..

*تْلِمْ شَمْلِي وتَجْمَعْنِي بِالْغَالِي".

أَمَّا أَنَا

فَأَجْلِسُ الْقُرْفُصَاءَ

عَلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ

أُرَاقِبُ الرَّمْلَ

يَزْحَفُ بِبُطْءٍ نَحْوَ الْمَاءِ

وَأَنْتَظِرُ مَدَّ الْبَحْرِ مَتَى يَغْمُرُنِي

يَتْرُكُ زَبَدَهُ

قُبُلَاتٍ مُشْتَعِلَةٍ عَلَى خُدُودِي

تُقْبِلُ عَلَيْهَا حُورِيَاتُ الْبَحْرِ

تَصْنَعْنَ مِنْهَا تَمَائِمَ لِأَعْرَاسِهِنَّ الْقَادِمَةَ

أَوْ مَآتِمَ لِأَحْلَامِهِنَّ الْمَوْؤُودَةَ

ثُمَّ تَلْقِينَ بِي لِلْمَوْجِ

أَطْفُو كَكُتْلَةِ نَارٍ عَائِمَة

يَنْشَقُّ قَلْبِي عَنْ حُلْمٍ جَمِيلٍ

أَحْرِقُ كُلَّ رَسَائِلَ عِشْقِي الْقَدِيمَة

أَتْلُو آيَاتٍ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ

وَسُورَةَ مَرْيَمٍ

ثُمَّ أغُوصُ عَمِيقاً فِي حُلْمِي

وَحِينَ يَنْبُتُ الْمَحارُ بَيْنِ ضُلُوعِي

تَهُبِّينَ كَعَاصِفَةٍ فِي دَمِي

كَأَنَّنَا نُولَدُ مَعاً مِنْ جَدِيدْ

حِينَئِذٍ

يَعْلُو صَوْتُ الْبَحْرِ الْهَادِرِ

يَسْحَبُ الصَّيَّادُونَ شِبَاكَهُمْ وَهُمْ يُغَنُّونَ

"الْبَحْرُ طَبْعُهُ الْكَرَمُ وَعَزِيمَتِي حَدِيدْ"*

***

عبد اللطيف الصافي /كلميم – المغرب

.......................

* من أغاني البحر الفلسيطينية

 

 

زينب ساطع عباس(قصص حقيقية من روح الواقع المعيش)

(شموع متجددة وارواح تعيش لغيرها)*

المقطع الاول

لم تتحرك السيارة التي جاءت لتقله من باب المستشفى لبيته، فقد طلب من صاحبها الانتظار قليلا حتى يصل الطلب الذي اشتراه في الانترنيت، وما ان جاء وسلمه الطلب بعلبة حتى دسّها في جيبه بسرعة واعطى الشخص سعرها واكرم من أوصل الطلب بمال مزيد عن حقه.. ثم استعجل السائق الانطلاق لبيته.. وما ان تحركت السيارة حتى حرك رأسه لمسند الرأس الذي بدى له كوسادة طرية، محاولا اصطياد اغفاءة وجدها ستخدمه كثيرا إثر التعب والجهد الذي لاقاه.. فقد ظهر بجسده الضعف والهزال وكل الذي يريده الآن الوصول لأمه، أبيه، أهله، الناس المقربة منه.. كان قد مضى على بقائه هنا شهران كاملان حاول أن يبذل فيه من التعب والجهد بطاقة مضاعفة حتى حدث ما حدث..

- علاء فدوة اروحلك، لا تذهب أرجوك، تعرف اني سأضيع بدونك كيف قررت تركي بهذه السهولة وفي ظل هذه الظروف التي يبقى جميع الناس مع عوائلهم

- أعرفك قوية فلا تظهري الضعف أمامي، وتكونين معيقا لما نويت فعله بل صممت عليه، اتفقت معك من قبل زواجنا بأن حياتي ليست ملكي ووافقت على طباعي فلا تنكثي وعدك ولا تقيدي حريتي .

- فليذهب وعدي وعهدي لجحيم الشياطين.. انا لم اكن اعرفك لم اكن متعلقة فيك.. ذائبة باسمك فلا تستغل كلمتين قلتهما بوقت ماضٍ

- لقد وعدتني بتقبل فعالي كلها .

- وها أنا انكث بوعدي ولا انكر.. أبق معنا

- آسف

- اذهب لكنك حين تعود لن تجدني، وخير لك تطليقي قبل ذهابك لأني اخيرك اما هم واما انا

نظر لها نظرة خيبة وتمتم:

- انت لست زوجتي زينة الرقيقة التي احببتها وحاربت الجميع لتكون لي، انت شخص قاسي

- أنا شخص أَحَبَك، ووضع عمره تحت قدميك

- حاشا لله.. انت نبضي بقلبي وروحي، وانا الأدرى ان قلبك ارهف مني لحب الخير فلا تهولي فعلي..

المقطع الثاني

كان يداري خوفه من كلماتها وقد اخترقت صدره، لكنه تجلد وتظاهر باللامبالاة وخرج من الغرفة عابراً صالة البيت وصولا للحديقة حتى وجد امه وقد قفلت الباب، وقالت:

- يمه علاء.. كنتُ أملي نفسي بأن تمنعك زوجتك وتوسلاتها ولكنها فشلت لهذا انا اقول لك اني غير راضية على خروجك وتبرعك للخدمة، بإمكاننا ان نتبرع بمال او بخدمة غير مباشرة لكن تذهب لخدمة ناس مرضى بمرض لا نعرف علاجا له كيف تريديني ان اتركك تذهب .

وكأن صدره الذي غرزته زوجته قبل قليل بدموعها كان غير كافٍ لتعذيبه، لتأتي دموع والدته فتزيد الحطام عليه.. قال:

- انا تربيتك يا امي.. انت وابي علمتماني ان لا أتأخر من إغاثة شخص.. اني اشعره واجبي الشرعي والاخلاقي لذا ارجوك اعطني المفاتيح لأخرج لأنك تعرفين ان بإمكاني الصعود على السياج والذهاب، وبيد مرتجفة سلمته المفاتيح التي أخذها بسرعة وفتح الباب وخرج.. لم يسلم عليها كانت دموعه على وشك الانهمار ولا سبيل للضعف الآن..

خرج . وفي الباب وجد والده.. حضنه بقوة واملى عليه والده مباركته لعمله بتطوعه لخدمة المصابين.. قائلا له

- ستكون وسط ناس كثيرة، ربما سيحبوك لكن ايضا هناك ناس ستحاربك فكن قويا ولا تهتم لكلام من يريدون اذيتك .

تذكر وصوله للمستشفى وكيف كان عدد المصابين خمسة فقط، وكيف تعرف عليهم بسرعة واعطى رقمه لكل مريض ولكل مشتبه به قائلا مقولته المعتادة:

- اخوكم علاء.. اتصل بي في أي وقت تحتاجني، وقتي كله لكم

المقطع الثالث

ان تكون معاون طبي في ردهة العزل، يعني ان تكون مملوكا لهم، فلا خروج مسموح ولا زيارات ولا مقابلات ولا حرية في التجول في المستشفى الا وسط احترازات شديدة من لبس الملابس الوقائية تجنبا لهذا الفيروس المدعو كوفيد 19 (الكورونا).. ان الذين جاء لخدمتهم لم ولن يفكروا فيك، فالذي بهم يكفيهم، هلع ورعب وقلق شديد من القادم، لذا فالأمر ليس مسألة تلبية طلباتهم بل ورفع معنوياتهم كذلك.. يرى الكادر معه والاطباء الذين يبذلون طاقة عظيمة للحفاظ على روح المرضى والوصول بهم لسدة الأمن والسلامة فكان يشعر بسعادة غامرة لأنهم لم يكونوا يدا بيد فقط بل قلب على قلب.. ومع ذلك فنغزات قلبه لم تتوقف فلم يكن مؤمنا بعمله وهو شاعر بالذنب تجاه والديه وزوجته واطفاله، وتكفيرا عن ذلك كان يبعث لهم رسائل صوتية يوميا ويخفي تعبه وارهاقه حتى لا يشعروا بالقلق حياله.. استمر بهذا العمل شهران ونصف واثناء ذلك حدث ان فرغت الردهة وخف حملها، لذا سافر لمحافظة اخرى ليتطوع في خدمتهم بعد ان اخبره صديقه المعاون الطبي انهم بحاجة لمتطوعين..سافر وهناك تعرف على رجل ثمانيني طيب كانت حالته تتطلب تبديل جهاز التنفس باستمرار، ولأن المريض يجبر على ابعاده عن اهله فكان يشعر انه اهله والبقاء قربه واجبه، لذا كان حين يموت أحدهم يبكيه بحرقة وكيف كان يزيد الحزن حين يرفض الاهل ان يستلم الميت خشية الاصابة بالفيروس، نفسه هذا المريض الذي كان يتوسل به ان يجد طريقة ليرى فيه اهله.. ما اتعس تلك الاخلاق التي تجعل الانسان يبتعد عن أحب الناس لقلبه.. أتراها لعنة المرض الحارقة او ضريبة التعب الضائع الذي بذله الوالد على أولاده العاقين..

 المقطع الرابع

 بعد تكفين ذلك الرجل المسن رجع لمحافظته.. صعد لسطح المستشفى ودفن وجهه وراح يبكي:

- عمو علاء.. ليش تبجي؟

- حوراء شدسوين هنا.. ليش مو بغرفتك؟

- انتظرتك تجيني وما اجيت، دق بابا على تليفونك وجده مغلق، خفت كلت اخاف عمو عافني وراح

- انا ما اعوفك واروح، بس انت حتتركنا وتروحين

- لا عمو انا اريد ابقى يمك انت.. انت تسولف معاي هواية وتقرالي قصص

- لا حوري اريدك تطلعين وانت فرحانه وتلفوني يمك خلي بابا يخابرني بكل وقت

- يعني عمو انا لن اموت!!!

- كلنا نموت بس من تصيرين عجوز ويصير عمرك متين سنة

- مادام انا هالشكل طيبة هسه راح انزع هذه الكمامة خنقتني

- لا لا

وحين رأى فرحتها وانها تعدت مرحلة الخطر، لم يشأ أن يضايقها بلبسها فتركها تهنأ بحرية تنفسها العابق بأنفاس الجنة .وراح رغما عنه يفكر بالرجل المسن الذي مات قبل ساعة..

المقطع الخامس

يفكر ولا يهديه التفكير لمخرج.. فبوابة الانسانية التي كثيرا ما ألهمته اصبحت الآن تلتهمه وتستنزف طاقاته.. نبضه الحزين وأعصابه التالفة وقواه الخائرة راحت تعيد عليه خواطر يريد الهروب منها سريعا.. خواطر سرعان ما تحولت لحقائق وأهم حقيقة فيها:

ما أتعس العاملين في المستشفى!.. أطباء، صيادلة، مخدرين، مضمدين، منظفين.. هؤلاء مجبرون على رؤية عذابات الناس وأوجاعهم..واستماع قصص خوف تتغذى على القلق.. الناس خارج المستشفى تعيش حياتها بصورة طبيعية.. تخرج، تتبضع، تتخرج، تتزوج، تذهب لمكاتب العقار لتبحث عن أمور يزيد تعلقهم بالدنيا، وتحجز عند مكاتب السفر ومع كل ذلك تجدهم يتذمرون من حياتهم.. ولعل التذمر يزداد كلما ازدادت نعمهم.. أما نعمة الصحة التي تبيح لهم التحرك والتفكير الدائم بعيش حياتهم برفاهية وسعد فهي منسية تماما.. في المستشفى الناس مختلفون.. لا وقت لديهم للتذمر، لا وقت لديهم للشكوى لأنهم متعبون.. الأسوء من ذلك انه ليس دائما هناك من يزورهم باستمرار لطالما حين يكون الراقد ذا مرض مزمن أو رهن غرف الانعاش.. هؤلاء الناس المرضى ادركوا بعمق (نعمة الصحة) لذا وجهوا دموعهم وصلواتهم لطلب النجاة والمقاومة لعدم النزول لقبر قد يكون دخولهم له وشيكا..

هو الآن على يراهم ويعيش معهم.. فهو قرب خط النار بل سائر عليه فكيف لا يحترق فيه.. ما ارخص حياة البشر حين تكون طريقة إنقاذه علبة دواء صغيرة أو جهاز تنفس لعين شح وجوده!

ضرب كفا بكف وتمتم: ما العمل ومشاعري التي كانت مشاعلي لعمل الخير باتت خامدة جزوعة الآن!!!

وبلحظة لاح له وجه زوجته.. فبدت مثل حسنة جميلة وقمر وضاء وسط هذا العالم البائس... ما العمل وهي تركته!!!!

المقطع السادس

اتصل بها كثيرا فلم ترد!! هل يعقل ان تكون نفذت وعيدها لي بتركي.. محال.. هي اعقل من ان تتركني، فصدقها وعشقها لي يجعلها يتحملان عنادي وظلمي بتركها.. طيب.. لماذا لا ترد!؟؟

نعم هي مسؤولياتها كثيرة هي من تعتني بأمي وأبي وأولادنا الثلاثة فكانت الام والاب لهم.. حتما هي منشغلة.. اتصل عاشرا.. فكان الصوت مختلف اذ لم يرن الجهاز..بل جاءت رسالة بان الهاتف مغلق.. هزّ راسه كمن لا يصدق ما سمع من صوت اغلاق الجهاز.. حسنا.. عليه اتباع طريقة جديدة بالحديث معها.. هذه اول مرة تظهر بتلك القسوة!!

 خطرت بباله طريقة اخرى لمصالحتها.. قام بالبحث بمحال الصياغة عبر النت واوصى على ميدالية من الذهب حفر عليها اسمها (زينة)..

 وهنا ووسط سير السيارة تذكر العلبة التي تضم القلادة ففتح عينيه ودس أنامله بجيبه مستخرجا العلبة ليفتحها وهنا فاجأه السائق بكلامه:

- ما هذا يا عزيزي (كل هذا نوم) فابتسم علاء تاركا السائق يظن انه كان نائما بدل ان يخبره انه كان يعيش شريط المأساة من البداية بصمت.. ثم سأل:

- كم بقي من الوقت ونصل!؟

- فقط ربع ساعة

اومأ براسه واخبر السائق انه سيكمل نومه لكن الحقيقة انه اراد استرجاع ما مرّ من مجريات الأحداث.. تذكر بعد تلك الليلة وحين كان يسحب الخطى لغرفته بعد يوم طويل ومضنٍ رن جهازه.. ما ان سمع الرنين حتى فكر باغلاقه.. لكن لا.. هذه زوجته.. حبيبته.. روحه..

- روح قلبي.. ألو

- والله لم اسمع.. والجهاز كان مطفئ وبيد صغيرنا.. رسائلك اقلقتني..

- انا متعب، سأعود قريبا

- انت تمزح

- لا انا جاد، الو، هل تسمعيني

- انا لا اصدقك.. لكني سعيدة

- صوتك لا يقول ذلك

- مستغربة فقط

- صوتك أراحني جدا، ابقي تحدثي حتى انام..

المقطع السابع

وفي استقبال رمضان، ومجيء ايام كان يخصصها ليجوب حول فقراء المنطقة تراجع عن فكرة الرجوع، خصوصا بعد تأكده ان زوجته لم ولن تتركه، اصبح مكانه الآن مخصص لاستقبال الجثة أيضا، جثة المريض الذي لم تساعده مناعته على دفع المرض، جثتان، جثث كثيرة، بكورونا وغيرها هناك جثث وناس تودع الحياة، وهي لما تشعر انها عاشت الحياة بعد.. هو يرى الاموات ويضعهم بتوابيتهم ويدعو لهم.. تعامله أكثر الايام مع الجثث أكثر من خدمة المصابين والمرضى الراقدين المشتبه بهم.. ولأوقات طويلة كان يشعر أنه قريب للأموات أكثر من قربهم من الاحياء.. ولما عُرف بين طاقم العمل انه خدوم جدا فقد أوكلت له مهمة اخبار ذوي الميت بموته.. فكان عذابا مزيدا على عذابات أخر.. لذلك كان يشعر أحيايين كثيرة أنه ميت ينتظر دور تكفينه.. ولآلاف المرات تمنى أن يكون قلبه جامدا باردا تماما مثل ثلاجات الموتى التي تضم الجثامين وتغادرها تلك الجثامين وهي تبقى بدون تأثير.. الموت أمر معتاد على رؤيته لكن ما يطعن شعوره حين يكون الموت غير عادلا.. حين تأتي جثة لامرأة مقتولة لما يسمونه جهلا بغسل العار، او طفلة رماها والدها من سطح منزله بلحظة تهور مهولة، وشاب بجمال يوسف تم دهسه بسيارة مسرعة مع افلات الجاني.. تراكم الصور ومشاهد الجثث جعله يجزم قراره بالرجوع.. ولكن ماهي هذه الاعراض التي تصيبه.. لا يوجد شيء انه افلاونزه بسيطة.. لا.. هي معه منذ أيام وحشرجة.. لم يكن همه كيف سينجو!؟.. لكن كيف سيعود لأهله واطفاله واليتامى الذين يتكفل بهم.. مرت ايام عصيبة من القلق قام بتقنين حركته في المستشفى خوفا على سلامة الآخرين.. ومؤكد لم يكن هناك داع لإخبار والدته ووالدته.. زوجته ستنهار لو عرفت.. تعامل مع الامر بثبات قرار ورضا تام بقدر الله له بالمرض.. ولم تمض أيام حتى جاءت نتائج الفحص وانها سلبية وانه سليم معافى.. واليومان اللاحقان واصل عمله بزرق الابر.. فكانت منطقة يد المرضى وهي مثقبة كالغربال تصور له خريطة الألم التي يجب ان يعيشها المرض بحذافيرها ومواعيدها.. عليه الرجوع.. لا قدرة له على المواصلة أكثر .

المقطع الثامن

- الحمد لله على السلامة يا غالي.. نورت منطقتك وبيتك (قال السائق بفرح)

كان الاستقبال خرافيا.. كان الوالدان ودموعهما وحولهما الاطفال يتراقصون لعودته.. ابتهج بهم حضنهم بقوة.. بدا له ان ابنته الصغيرة قد كبرت بخلال هذين الشهرين.. قد اخبرته زوجته انها لا تنام الا وهي تحضن صورته.. فرح بهم.. لكن عيناه تدوران البيت لرؤية زوجته.. تساءل مع نفسه (اين ذهبت) وكأن امه شعرت به فهمست له:

- زوجتك نذرت ان لا تترك قراءة القرآن اليوم لحين وصولك بالسلامة، انها تنتظرك هناك.

وسط الاهل والاحبة والاطفال لم يكن هناك فرحة تعلو عليها.. لم تمض ساعة واحدة فقط حتى اتصلت به المستشفى، رسائل كثيرة من زملاء ومصابين يفتقدونه.. كان الجهاز بعيدا عنه.. بيد زوجته.. زوجته التي كانت ترتدي القلادة التي احضرها له والتي حفر عليه اسمها بعناية (زينة).. وبلحظة أنانية رغبت بحرق الجهاز.. بإغلاقه للابد.. باستحواذ زوجها لها فقط..

- استغفر الله (تمتمت) كيف افعل ذلك وحاجة الناس له نعمة من الله عليه.. كانت الرسائل تتوالى، والاتصالات تأتي وتسكت ثواني لتعاود طرقها باب انسانيته.. تحركت نحوه وابتسامة رضا زرعتها بمحياها وناولته الجهاز وهي تقول:

- عليك الاسراع، الناس هناك بحاجتك

- وانت ؟!

- معك بكل وقت، روحي ترفرف فوق خطواتك، لكني اقتنعت بان حياة الانسان بعطائه وانت قدوتي وسيدي والشمعة التي تتجدد مع كل عطاء وو وعليك الاسراع فالمرضى بحاجتك .

المقطع التاسع

عاد مبتهجا بما قضاه من ساعات قصار مع احب الناس لقلبه.. تذكر القلادة مع علمه ويقينه بعدم اهتمامها بشيء اسمه الذهب.. هي نفسها زوجته التي اعطت خاتم زواجهما لفقير قبل بضعة اشهر، فقير وقف بالباب باكيا.. وحين عاتبها باعطائها الحلقة لأنها شيء يخص زواجهما ردت عليه بكل برود ورضا:

- هو عند الله ابقى واثمر..

 ذهب وهو شاعر بفخره بزوجته، ذلك الفخر الذي كانت هي أيضا شعرت به وتعيش فيه، وسط حومة بكاء للبعد المرير .

 المقطع العاشر

انتهت القصة لكن حكايات خدمة الناس والسعي لقضاء حوائجهم لم تنته بعد.. وعلى مر الأيام يظهر لنا دوما ناس سيئة تكتم هواء المعرفة وتخنق صوت الرحمة بين البشر، لكن السوء لا يستمر دوما، فعلى صعيد طيب آخر يظهر ناس اتخذوا من الايثار وحب الغير هوية لهم..

***

د. زينب ساطع

.......................

* (انتحاب الجوري) هو عنوان كتابي القصصي الجديد، وفيه قررتُ ان تكون القصص جميعها من الواقع، إذ في الحياة الحقيقية قصص شتى أشد غرابة وأكثر مفارقة مما يمكن أن نتخيله أو نسرده.. وبالفعل كانت القصص (انتحاب الجوري) و(قلوب غير قابلة للكسر) و(حلمان على الهامش) و(إلتماع حجرة المينا) و(وشائج لا تنتهي) قصص قد تشبعت بأحداث رسمها خط القدر بمهارة، وليس لي فضل فيها سوى بطريقة السرد وانتقاء الكلمات.. لكن قصة:  (شموع متجددة) أرهقتني جدا لان الأحداث فيها متشعبة بشكل فوضوي، ومتعلقة بأكثر من شخص وبأكثر من مكان وبأكثر من ظرف.. متابعة اخبار بطل القصة لم تكن كافية لأعرف الكواليس، لهذا كان الوصول لزوجته وووالديه ضروريا لأكتب عنه وعن الظرف الثقيل الذي نعيش فيه بشكل أكثر دقة وأكثر صدقا.. ولا سيما انهم ابدوا تعاونا كبيرا بطلبي.. ارهقتني هذه القصة لأنها جعلتني اشعر ان الانسان كم يبدو صغيرا حين لا يكون معطاءً.. هل تصدقون لو أخبرتكم أن هذه القصة تعادل مئات النصوص التي كتبتها وتعبت بها.. لان المحور فيها ليس كيف يتخطى الانسان الصعاب ليعيش سعيداً.. بل كيف يفعل الصعاب ليجعل الآخرين سعداء!!!

وقبل نشر القصة كاملة اقدم شكري لأبطالها الذين وافقوا على كتابة القصة كما هي.. وقتا ممتعا أرجوه لكم بقراءتها مع خالص مودتي واحترامي..