عبد الزهرة شباريقالتْ ونبراتِ حزنٍ بان من فيها

            أينكرُ الشعرَ حباً أدمى مشكاتي

هجيرُ شعرك أرداني مولَهَةٌ

         والناسُ في حَسَدٍ تهذي على ذاتي

فكَمْ أفقتُ على قيلٍ أراقَ دمي

       من حاسِدٍ قالَها في جمعِ جاراتي ما

قالَ صاحبَكُمْ بيتاً سمعنا بهِ

     يشدو بعينيكِ أو حالٍ لكمْ شاتي أهاتُ

شعرِكَ فوقَ القيلِ أكسبُهُ

      والشعرُ ينثَرُ عندَ الراح والآتي ماذا

أقولُ لجمعِ  كادَني سَفَهاً

      وأوصَدَ الباب في عينينِ مرأتي إنّي

أرى الشعرَ يثنيني على وَلَهٍ

      لكني أرغَبُ في إثباتْ آياتي فالشعرُ

رمزٌ وتتويجاً ومفخَرَةً

         بهِ تراني سأعلو فوقَ لداتي فقلتُ

والشوق يدنيني لها وَلَهاً

     ما فاضَ شدوي عليكِ الشعرَ ملهاتي

لأنكِ النبعَ في قاموسِ قافيتي

               وإنكِ الناي إنْ خانتني الاتي

           ***

عبد الزهرة الشباري

في البص17/5/2019مرة

 

 

حسين فاعور الساعديعميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يحملني من المنفى

....إلى منفى!

يجردني من الظلِّ

يحيّرني،

يكاشفني،

يؤكدُ لي

أنا من سلّمَ الذئبَ هذا الرمح والسيفا

أنا من سلم الذئبَ  سكيناً

ليذبحني.

ويذبح أخوتي الفقراءْ!

أنا من شدَّ ساعدَهُ

ليسرق قوتَ أطفالي

وبئرَ الماءْ!

ويحرمني طلوعَ الفجرِ

يرميني ...

إلى المجهول يرميني

وحين الريح والأشجار تشفعُ لي

أنصّب ثعلباً آخر

أقوّيهِ،

أناصرهُ وأحميهِ

ليذبحني ويرميني

ويذبح أخوتي الفقراء!

 

عميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يجذبني إليهِ

يُعرّيني لأسبح في غياهبهِ

ويرميني،

كلمحِ الضوءِ يحملني

لأسقط من براثنهِ

على خنجر!

لأمضي من بلاد الجوعِ

من موتٍ بلا معنى،

إلى موتٍ كيفما أمضي يلاقيني

ليبحث في شراييني

عن المدنِ التي حَبلتْ

ولم تنجبْ

وعن يمنٍ يُقطّعُهُ بني يعربْ

وسودانٍ غنيٍّ جائعٍ عَطِشٍ

يفتّشُ عن مياه النيل في سبأٍ وفي مأربْ!

مللتُ الموتَ يا بغدادْ

مللت الموت يا صنعاءْ

مللتُ الموتَ يا تونسْ

مللتُ الموتَ في وطنٍ لم يكن وطناً

تلاحقني مجازرُهُ

لأعبد ظلَّ كرسيٍّ

يضيّعني ولا يخجلْ

 

عميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يحجبُ وجهَ سفاحٍ

يربيني لأخدمهُ

ويبقيني لأحميهِ

يخوّفني بإرهابٍ،

لأعبدهُ

لينسيني حقولاً كنت أفلحها

وشمساً كنتُ أعشقها

ويحجب وجهكِ الأجمل

وأفقاً كنت أغمرُهُ بأحلامي

فيغمرني بنجماتٍ

وكرماً من الزيتون والتينِ.

لينسيني بلاداً كنت سيّدَها

وكانت زينة الدنيا،

فأخرَجَها من التاريخِ

سوّدَ وجه من رسموا معالمها

وشرّدهم

وبيّضَ وجهَ كذابٍ يشوهها!

تربّعَ فوقَ أكتافي

يلاطفني،

يجوّعني،

يخوّفني،

يدغدغ كل رغباتي

يمجّدُ كل أوصافي

لأبقى جائعاً حافي

ويبقى فوق أكتافي.

 

عميقٌ صمتُ هذا الليلِ

هذا الليلُ

يأخذني ليُخمدَ كلَّ أوجاعي

ويمحو كل آهاتي

لأنسى وجهَ مرتزقٍ يلاحقني،

وجلاداً يحاصرني،

وجندياً يراقبني،

يصوّبُ حقدَهُ نحوي ويرميني.

 

عميقٌ صمتُ هذا الليلِ

يكشفني على ذاتي

ويشعلُ نارَ وسواسٍ يذكّرني بزلاتي

وعاهاتي

ويرميني خارج الزمنِ

بلا ظلٍّ ولا أفُقٍ

ويحفظ وجهَ قنبلةٍ

وبعضَ قذائفٍ أودتْ بأبنائي وأخواتي

ويبقيني بين عاصمةٍ وعاصمةٍ بلا وطنِ

بلا أهلٍ ولا زادِ

يَعُضُّ البردُ أحشائي

وأخشى من طلوع الشمسِ

أحضنُ رملَ صحراءٍ تجوعني

وتحرقني ببترولٍ

فأهربُ من حقولِ اللوزِ والقمحِ !

نزيفُ الجرحِ أتعبني

وأضعفني

وأغرقني في جراح الروحِ من جرحٍ إلى جرحِ!

أصلي خلف شيخٍ

يملأ الكلماتِ بالبارودِ

باع الأرضَ والمسجدْ

ويحشو الجرحَ بالملحِ!

 

قشيبٌ ثوبُ هذا الليلِ

يكسوني

لأحصي بحرَ هفواتي

ويسترني

لأعبر في عواصمنا

ألملمُ جثتي وثيابَ زوجاتي

وأنسى واحة النخل التي ذُبحت

وحقل النفط والبئر التي سُرقتْ

لأنسى جامعاتٍ علمتني الجهلَ والفوضى

وأهلاً طيبين يقودهم جحشٌ

وسجناً

صُنتهُ

سيّجتهُ

ليكون لي بيتاً

لأنسى بحر زلاتي

وذلاً ظل يسكنني

ليأخذني إلى الغابات أسكنها

لأخفي بعض غاباتي

لتحضنني ثعالبها وتحميني!

 

أنا من شدَّ أزر دويلةِ العسكر

لتحرمني من الأحلامِ

تنهب قوت أطفالي وترميني

على خنجر!

أنا من أفقدَ الكلماتِ معناها

وصلى خلف شيخٍ حلل المنكر!

 

عميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يحملني ويحملُ حاملات الموتِ

تقصفني بفسفورٍ

وتقتلني بأنغامٍ وموسيقى

تحاصرني

تشوّهُ روعةَ المنظر

 

عميق صمتُ هذا الليلُ من حولي

تغازلني ثعالبُهُ

وترثيني

تجدد نكبتي،

وتعيدُ لي المأساةَ...

تكشفني على ذاتي

فأخرج من شراييني

أمرُّ على عواصمنا

أعاين موقدي والنار التي خَمَدتْ

وأبحثُ عن عناويني

وأحلامي التي سُرقت!

 

عميقٌ صمتُ هذا الليلِ

لولا هذه الغربانِ

تنعبُ فوق أشلائي

تنقرُ لحم أطرافي

توزعه على المدن التي هُدمت

فتوقظُ بعضَ أحلامي

تواريني!

فأبكي كل أيامي

 

يدوس الكون من حولي

على طرفي!

على طرفي...

يدوس الكون من ضعفي

يمزّقني

ويدفعني لأحمي دولة العسكر

وأحرسها بأوجاعي!

 

على جلدي فهمت الدرسَ:

وسّعنا موانئنا

لتهجرنا حقولُ القمحِ!

كبّرنا جحافلنا...

لننسى القدسَ!

أو نمشي وراء النعشِ

زيينا حدائقنا لنحمي الجنسَ

أصبحنا كعصفور يظل

يلاعبُ الأفعى لتبلعهُ!

 

سأذكرُ ومضة الفسفورِ

مثل الجمرِ،

والنار التي تشوي شراييني

ولن أنسى وجه قناصٍ

وعينيه كلون البحرِ،

يرميني بواحدةٍ،

وبالأخرى يحييني

ولن أنسى ذئآباً أدمنت لحمي

أربيها وأطعمها لتأكلني

وأحميها لتؤذيني

 

عجيب أمر هذا الكونِ،

أحضنُهُ...

فيحضنني ويطعنني بسكينِ

أعانقُهُ يجوّعني

يحاصرني ويَبكيني

يداعبُ جثتي لينالَ من روحي!

فهمت الدرسَ يا ذئبَ:

هذي النفسُ قادتني

لتقوى أنتْ!

عبدت الله في شيخٍ...

لم أكن يوماً على ديني.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

 

سجال الركابييحدثُ أن

تُشرق الشمس

وقت الغروب...

تُزغردُ البراعم

في صمت السكون

يحدث أن

تتجسّد الأحلام في وهلةٍ خاطفة

تتشابك الأرواح

بلا اتساق ولا اتفاق

يحدث أن

يتراقص الفيروز مع الشُعَاع

تشفُّ الأفراح ريش بنفسج في جنح يمام

تبتعد الأرض

تهيم النجوم رذاذاً في سماء قمر

ويحدث ويحدث ... ... ...

ثُمَّ

تعود الأرض للدوران

للقطاف مواسم

كم ضاعت امنيات

في شروخ القيلولة

انكمشَ الشروق

فاضت الخيبات

لا رادّ لأماسي الخريف الطويلة

ها هي المرارة... جبل

لن يجمّله برق عَسَل

يخطفُ ... كلّما ...

أزِفَ الرحيل

الموتى لا يقومون مرّتين .......................

***

سجال الركابي

 

لالة مالكة العلويالجولة الأخيرة من القصيدة

الفكرة التي تضل أسرارها وتفسح الصدارة للمدح

وتجنح في الزمن الضائع جدا .. جدا

آمل أن أكون عند حسن ظني بي

فقد آليت على نفسي أن أغبط مجرى الأغنية التي فغرت فاها

قريبا من واشية تربصت بأحلامي

وتركتني معزولة عن غفلة مهدرة

الآن سبق السيف العذل ..

أقصيت الذاكرة من معاودة ترصيع نجمتي القادمة

بطيئا أفلح في أن يستبد بي الشعر

وأكون الغريبة في حديقة الانتظار ..

أرتق الغمام الساقط أمام الدواة

وأفرغ حزمة الظلال من على شاهقة اليأس ..

قديم هذا العبور إلى العزلة،

قديم هذا الفراغ المهشم، ..

قديم هذي الفتنة التي تنقض العهود وتستولي على أثر النرد

قديمة شتلات الحزن ..

وأقصى ما يفقد الماضي طفرته الجريئة

أن تكون مدركا خسارتك على يديه السديرتين

ثم تقطع الرجاء الأخير من النوم تحت قبلة مبهمة ..

أيها الغامض في لجتي ..

الوامق في رقاقة النجوى والهباء،

لا تقل شيئا غير ارتشاف مداي.

عناق سموق بارتفاع الوجدان ..

بانقطاع الأنفاس والطلول الغائرات

باحتواء قدسي شفيف ..

وارتطام قصيدة من قبيل ما تمسكه عطاياي  ..

***

لالة مالكة العلوي

شاعرة وباحثة مغربية

 

 

زكية خيرهم"النسخة المغربية"

تجهمت سماء المغرب فجأة عن فضيحة انفجرت كقنبلة، فتعبّأ الطقس بالكلام وتطايرت الشائعات المتناقضة التي انتشرت في فضاء الوطن. كما انفجرت براكين الغضب وتناثرت في القنوات الفضائية التي كانت تُحيك تفاصيل ليلى بحجم ضوء النجم. فانقسم رأي الشعب الى نصفين، أقوال وادعاءت متباينة، جداول بوح يُلهلب كالحريق. سبّ وقذف هنا وتحسُّرُ وحزن هناك. شياطين الأرض تُقدم أباريقها الملونة وليلى يَفِزّ قهرُ غاشم من عينيها، حتى الشبكة العنكبوتية لم تُقصّر في نشر خبر "ليلى والذئب" من المحيط الى الخليج. فأصبحت ليلى قضية الرّأي العام. وقامت قيامة العشراتِ من المنظمات الإنسانية ورجال القانون. الجميع يدافع عن وجع ليلى البريئة القاصرة، والتي هزّت قضيتها المغرب وزلزلته. العاصفة أثارت غضبَ الشعب وسرقت سكينته اللامعتادة. فوقف ينادي مناصرا ليلى، مُندّدا بفاطمة الزهراء زوجة المحامي التي تدافع عن عشها الزوجي، ومناديا بأعلى صوته المبحوح: ليلى "بنت الشعب" و" كلّنا ليلى". كثيرون نصّبوا أنفسهم حكّاما في قضيتها.. واختلّت لدى الناس القدرةُ على الإدراك فماتت عندهم حاسّةَ المعرفة، واختفى وهج الحقّ وأصبحت القيمُ تحتضر.. الخجل مات.. والحياء أيضا عُبِّق برائحة الموت، فبات المجتمع المغربي بين مؤيد ومعارض ، منتقد وشاتم ومعاتب، وفقد بوصلته وأصبح كلّ يغني على ليلاه. وكلّ يدلي برأيه وفكره على ذوقه وأهواءه. جَرحَ الليل ليلى وقضّ مضجعها داخل الزنزانة.. الناس نيام وهي السّاهرة المدجّجة بجراحاتها الدّامية.. والغيظُ يجيش بداخلها ويعوي من حرمانها لطفلتها الرضيعة التي بقيت مع جدتها المسنة، وتحجّر الحليب بصدرها فأصبحت كجسد بلا روح، باهتة معلقة دهشتها على جدران الزنزانة. كلمات آثمة تُدوي بداخلها، كاللهب تلسعها، كالجمر تحرق قلبها لِما تعرّضت إليه من زوجة عشيقها التي بسبب غيرتها نهجت أسلوبا لا إنسانيا وحيلة شيطانية لتستدرجها إلى المقهى حتى تنقض عليها الشرطة فانقلبت المعادلة واصبحت ليلى هي الذئب وكأنها ارهابية تهدد أمن المجتمع. والمحامي الجاني رجل القانون وزوج المحامية فاطمة الزهراء هو الحمل الوديع البريء المسكين الذي غُرّر به من شابة قاصرة !.. أصوات من الشعب تنادي:" بأي حق تدان المرأة بالزنى ويُترك الرجل المشارك في ذلك.. ؟ هل لأن الرجل لا يعاب حسب الأعراف والتقاليد البالية ؟ كيف لزوجة محامية وأم لأطفال تستعمل كل اسلتحتها القانونية واللاانسانية لإدانة ليلى والانتقام منها..؟ تخيلوا لو ابنة المحامية التي كانت لها علاقة مع رجل متزوج هل ستجزّ بها في السجن.. أم سترى كيف ستحلّ المشكلة وتعالجها؟ أين أمومة هذه المحامية فاطمة الزهراء وكيف طاوعها قلبها ان تبعد رضيعة عن أمّها؟ كيف لإمرأة قانون ترافع عن زوجها "الفحل" وتدافع عنه لتبرئته من الزنى والفاحشة التي أرغم عليها ليلى الذئبضد زوجها المصون الحمل الوديع ورجل القانون العفيف؟ الذي تحايلت عليه عائلة ليلى بخطبة ابنتهم له وقراءة الفاتحة. أحسّ الشعب "بالحكرة " (الاحتقار) مدينا المحامي محمد الذي تلاعب بمشاعر ليلى وزوجته المحامية فاطمة الزهراء التي بسبب شكواها اعتقلت ليلى. هنا ضاعت بوصلة الرأي العام في صراع بين العقل والعاطفة. أصبحت الزوجة صاحبة الحق ظالمة متعسفة "هيتشكوكية" وليلى الخاطفة لزوج فاطمة الزهراء ومخربة عشّها، أصبحت في نظر الشعب صاحبة حق. أصوات في الشوارع تنادي: " كلّنا ليلى وسنحميها من ظلم أناس يترافعون باسم القانون ولا يطبقونه. هكذا كانت الصورة السريالية لقضية ليلى والذئب. وأعربت الوزيرة بسيمة الحقاوي قائلة عندما يكون هناك حقّا يأتي اليوم الذي يُسَفّه فيه الباطل ويصبح مآله الى زوال.

على احدى الشاشات التلفزيونية ظهرت ليلى تروي حكايتها وخمار على رأسها وفي حضنها طفلتها الرضيعة تقول في انكسار وهزيمة: " لم أكن ولو للحظة أصدق أنه يوما سيخون العشرة ويغدر بي، خصوصا وأن العلاقة التي كانت بيننا مُقبلة على الزواج. اتصلت بي زوجته هاتفيا ، بدا صوتها كمظلومة تريد الطلاق من زوجها. قالت لنلتقي ونحل هذه المشكلة.. صدقتها . فرحُ يخالج ليلى، سيتطلّق منها ويتزوّجني" هرولَت مسرعة الى المقهى وفي طريقها اخبرت أختها أن تلحق بها كحالة احتراز من انقضاض الزوجة عليها ومن يدري فهي تعرف انها من استحوذت على زوجها المحامي صاحب الشان في المجتمع وانجبت منه حتى تعض عليه بالنواجد. وصلت ليلى الى المقهى والتقت بزوجة المحامي تنتظرها سلمت عليها وجلست. لم تمر خمس دقائق حتى داهمتهما الشرطة. نظرت إليها مستغربة مرعوبة: "ماذا يجري يا فاطمة الزهراء.. انا لم أفهم شيء!!!" أجابت الأخيرة: "ستذهبين الى الزنزانة حيث الجردان هناك تستقبلك بترحيب يليق بك. هكذا مآل من يقترب إلى عائلتي. لقد وعدتك بالسجن وها أنا أرسلك اليه.". نزلت دموع حسرة وندم على غنيمة لم تعد كذلك، وعن زوج الغفلة الذي طار في غفلة. اكملت حديثها في تحسر واستياء عن رجل عاشرها بالفاتحة. تخلى عنها فجأة ناكرا حتى طفلته الرضيعة. غابت آمالها كما الشموس الغارقة في البحر. كان ينظر إليها وهو بجانب زوجته بازدراء واحتقار ناكرا الأيام مزركشة الالوان التي قضاها معها. صراخ مدو ودموع كالشلال بسبب تراشق كلمات نابية وصواعقَ من قذف وسبّ ضاربة من غير رحمة ليلى..! هولُ الخوف والرّجفة تجتاحها.. أجيجُ من لهبِ الظلم يخنقها.. يشيط ويشتعل كالجمر..يتّقد ويلسعها: محمد انظر الي.... قل شيئا.. نكرتني.. خنتني.. نسيتني.. اين الأيام التي قضيناها سويا.. كانت زوجة المحامي تنظر اليها باستعلاء وغضب من انسان اقتحم حياتها غصبا كالفيروس وخرب علاقتها الزوجية. اقترب منها المحامي مشيرا إلى الخاتم بأصبعه وقال: انظري.. إن هذا خاتم زواجي لم ازله قط في حياتي. وجدت ليلى نفسها في ورطة كالسحر الذي انقلب على ساحره.. كانت المشتكية فأصبحت المشتكى عليه. أخذت الشرطة منها الهاتف ومنعوا عليها الاتصال الى اليوم التالي. تحطّمت أحلام ليلى ورقدت في أعماق روحها التي تفيض بالوجع.. لمصيرها الذي كان يمشي على الشوك ولم يشعر بوخزة ضمير. تعرفت ليلى على المحامي محمد ذات يوم وهي تجري في احدى أرصفة عين الدياب بالدار البيضاء. كان يتبعها بالسيارة إلى أن توقفت. نظر إليها بابتسامة: هل ممكن أن نتعرّف؟ صيد ثمين نزل من السّماء.. بادلته الأبتسامة ورقم هاتفها من غير تردّد. وأصبحا يتواصلا هاتفيا فترة من الزمن. لم تعرف أنه متزوج ولم يخبرها قط أنه كذلك. بعد أن علمت أن المحامي محمد متزوج وزوجته محامية وافقت على نفسها أن تظل في علاقتها بحجة ان محمد سيطلق زوجته. ولم تنتظر الطلاق المزعوم حتى تتزوج رسميا. قبلت بالخطوبة وقراءة الفاتحة التي لا تُشرّع الزواج لكنها تُشرّع النكاح. وبما أنّ ليلى ومحمد غير متوفّر لديهما الشروط القانونية، وكانت قاصر وحضرته متزوج سلفا حينها كانت الفاتحة الحلّ الوحيد الذي يفتح لهما باب غرفة النوم ويقيهم من شرّ حراس العقيدة من اتهامهم بالزنى. هكذا أقيمت الخطبة بحضور والدي ليلى واخوتها في غياب والدي محمد بحجة أنّ والدتَه في الحج ووالده مقعد واخته في الصين وأخوه في الهند. فما كان على عائلة ليلى البريئة كابنتهم إلا استعجال البر بالفاتحة وقبول هذا الرباط العرفي. سكنت ليلى مع محمد في مدينة برشيد وبعدما أحست أنها تعيش معه عشيقة. اصبحت تلح على الزواج وهو يتماطل بأعذار واهية، وكانت تقنع نفسها بأنها زوج محام ورجل قانون سيوفر لها حياة كريمة تليق بها. بعد مرور عامين من علاقتهما حصلت طامّة نزلت عليها كالقضاء والقدر فجاحت بعقلها. انتشرت صورها الحميمية مع محمد في الشبكة العنكبوتية وهي في جلسات شبه عارية. ندبت حظها العاثر مع رجل احبته وكانت تلتقط معه صورا للذكرى ولكي تكون سلاحا في يوم قد تُنعت بالفاحشة.. لم تكن تعرف أن محمد كان يقضي أوقاتا معها كأي رجل يتحايل على أي فتاة يشتهيها يخبرها بأزماته الزوجيه وينسج لها حكايات وقصصا عن تذمره من زوجته فليست ليلى الاولى التي قبلت بهذا الوضع.. حكايات كثيرة ومتكررة لليلى والذئب في الوطن.. منهن من تقبل على نفسها عشيقة وأخرى تشرّع نكاحها بالفاتحة.... وأخرى تقول أقبل أن اكون زوجة ثانية أو حتى عاشرة ومسلسل للا منانة المشهور قد تحدث عن هكذا زواج.. لم يعد هناك اعذار لأمثال ليلى.. فعالم االشبكة العنكبوتية أصبحت تنوّر حتى أجهل الجاهلين عن الحياة والعالم.... ليلى تقضم وجعها وتنظر مصدومة الى صورها المفضوحة معه والى صورة كانت ترتدي فيها بدلة المحاماة فتذكرت حين قال لها " حبيبتي.. غاليتي.. سأساعدك على الدراسة حتى تصبحين محامية مثلي وهي مصدقة كلامه او تحاول ان تصدق. وفي احلام اليقظة وجدت نفسها تترافع داخل المحكمة عن حقها الذي سُلب.. عن حبّها المزعوم.. عن زواج فاتحة أم نزوة عابرة.. عن محام أراد أن يقضي وقتا فتورّط.. عن تعارف وفراق سريع.... عن نعتها بعاهرة.... عن آلاف من الفتيات والنساء يقبلن أن يكنّ زوجات ثانيات أوعشيقات المهم أن تكون الواحدة منهن تحت ظل رجل.. عن فتيات الملاجئ حين يبلغن سن الرشد يُلزم عليهن الخروح من الملجأ الى الشارع ليصادفن محمدا وأشباهه اويصادفن تلك النساء التي تتاجرن بهن في المخدرات او الدعارة.. عن كل فتاة قضت ليلة حمراء مع رجل وأنجبت منه روحا بريئة.. عن علاقات الزنى المشرعة بالفاتحة.. عن رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية بين الراشدين.. وعن الخيانة الزوجية.. عن عائلة وافقت ببيع ابنتها من اجل المركز والمال وهم متأكدون أن حضور رجل بدون عائلته لخطبة ابنتهم مسألة فيها نظر. الكلّ نسي الجرح العميق الذي خلّفته عناصر هذه الحكاية. الضحية الحقيقية التي انبثقت وسط هذه المعمعة.. روحا أضيفت لهذا المجتمع. من هي: هل هي تلك المتشردة المتسولة في الشوارع.. أو تلك المحتالة السارقة للحقائب.. أو تلك المجرمة أو احدى افراد عصابة.. أو تلك التي تترك كل شيء وراءها وتقطع البحار بحثا عن أمان في أرض أخرى.. أو تلك الانتحارية باسم الله والله اكبر.. أو بائعة الهوى أو تلك الراقصة الليلية في البارات أو تلك التي تذهب للخدمة المنزلية في احدى دول البترول وتُعامل ملك يمين لرب الاسرة وابناءه.. كم رضيعة كانت ضحية المجتمع والقانون وكم من ليليى تملأ شوارع المغرب وكم من ذئاب لا تزال تحوم ولا يعاقبهم القانون.

***

زكية خيرهم

 

      

باسم الحسناويعناقاً للنِّساءِ معَ الرِّجالِ

                     وظلاً في حديقةِ بُرْتُقالِ

رسَمْتُ الصّورةَ المُثْلى لِشِعْري

                فأثْنى العاشقونَ على خَيالي

وقلْتُ أريدُ عاشقةً لنَفْسي

                  من الإمْكانِ أقْرَبَ للمحالِ

إذا قبَّلْتُها نادَت فزدْني

              اشتعالاً ثمَّ كُنْ وسْطَ اشتعالي

هناكَ الجَمْرُ تَرْفَعُهُ نجوماً

                    وتبْزَغُ بيْنَها مثْلَ الهِلالِ

ترى الدُّنْيا بأجْمَعِها سَراباً

                     حفيّاً بالنَّسيبِ وبالجَمالِ

تشعُّ على الحَضيضِ وأنْتَ أدْرى

                  بأنَّ الزَّهْوَ من حظِّ الجِبالِ

لهذا إذْ أَقولُ الشِّعْرَ أنْسى

                     بلاغتَهُ وأكْتُبُ بارْتِجالِ

كأنِّي حينَ أرْتَجزُ القَوافي

             سللْتُ السَّيْفَ من غمْدِ انفعالي

وبارزْتُ الألى غبَروا جميعاً

                من الفرْسانِ في هذا النِّزالِ

دعوْتُ كذاكَ مَنْ قدْ جايَلوني

                لأصْرَعَهم جميعاً في القتالِ

تمنّى النّاسُ لكن دونَ جَدْوى

                  بأنْ يوماً أصيرُ إلى زَوالِ

فلو قد زلْتُ تبْحَثُ عن جوابٍ

                  فينقلبُ الجَوابُ إلى سُؤالِ

وإلا لو غدا جسدي هباءً

                    فإنِّي في الحقيقةِ لا أبالي

فأشْكُرُ كُلَّ سَيْفٍ شَقَّ لَحْمي

                     وأخْشَعُ للنبالِ وللنِّصالِ

                 ***

رأسي فوق رمح

إنِّي على وجَلٍ أقبِّلُ خدَّهُ

                  من أنْ أحسَّ بنبضِهِ فأشدَّهُ

فأقول عفوَكَ يا إلهي إنَّني

               أصبحتُ لا كفراً بدينِكَ عبدَهُ

صلَّيتُ فرضَ الحبِّ بالدَّمِ بعدَها

                   صلَّيتُ نافلةَ السَّبايا عندَهُ

ورفعتُ رأسي فوق رمحِ شهادَتي

                  لا أبتَغي إلا رضاهُ وحمْدَهُ

لا مجدَ في الدنيا أراهُ شاهقاً

                حتى سماءِ الروحِ إلا مجْدَهُ

كانت حياةُ الكونِ قبلَ مجيئه

              عبثاً وعادت دونَ معنى بعْدَهُ

إنِّي لأخلعُ كي أكونَ شبيهَهُ

            جلدي وألبسُ في المحافلِ جلْدَهُ

الوعدُ كافٍ بالعناقِ مجدَّداً

               إني أصدِّقُ أنْ سينجزُ وعْدَهُ

           ***

النَّهْر

لقد كانَ لي نهرٌ فمن قتَلَ النهرا

      فصارَ دمي الماءَ الذي ملأَ المَجْرى

ولا شكَّ كانَ النَّهرُ إبني ووالدي

            فإذ كانَ إبني كانَ يمنحُني البِرّا

وإذ كانَ لي فرْطَ العَواطفِ والداً

               تسلَّقتُهُ حتى يدي نالَتِ البَدْرا

فحدَّثتُهُ عن ذاتِ حبٍّ ذكرتُهُ

       بشعري فقالَ الليلُ ما أعظمَ الشِّعْرا

وطالبَني أنْ أكتبَ الشِّعْرَ هكذا

               بلا لغَةٍ إلا بأنْ أكْتُبَ الجَمْرا

وفعلاً كتبْتُ الجَمْرَ لكن بأضلعي

      وقلتُ لشطْرِ الجَمْرِ لا تلْعَنِ الشَّطْرا

وعاندْتُ نَفْسي كلَّما النَّفْسُ أوشَكَت

            تحلِّقُ في أجْواءِ عاطفَتي طَيرا

أنا الآنَ مرتَدٌّ عن الدِّينِ ربَّما

                ولكنَّني واللهِ لم أختَرِ الكُفْرا

كفرْتُ بهِ لما تأكَّدتُ أنَّهُ

          أشاحَ عن الإنْسانِ واكتنزَ الغَدْرا

           ***

باسم الحسناوي

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: روجر روبنسن:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


وإذا تكلمتُ عن الفردوس

فإنني أتكلم عن جـَدّتي

التي أخبرتني ان احمله

معي دائما، مخفيا

كي لا يعرف به احد غيري.

بتلك الطريقة لا يستطيعون سرقته، هكذا كانت تقول.

واذا اشتدت ضغوط الحياة عليك،

تلمس تضاريسه في جيبك،

استنشق عطره الصنوبري على منديلك،

ترنم بنشيده همسا.

وان زادت همومك وأصبحت يومية،

فادخل في غرفة خالية—لتكن في فندق،

او نزل او كوخ—جد مصباحا

وافرغ فردوسك على طاولة:

رمالك البيضاء وتلالك الخضراء وأسماكك الطازجة.

أضئ المصباح عليه مثل أمل الصباح الجديد،

وواصل التحديق به حتى تغفو.

 

.................

روجر روبنسن: شاعر وموسيقي بريطاني ترينيدادي من مواليد لندن ويعد واحدا من أهم شعراء وموسيقيي ومؤدي حركتي الكلمة المنطوقة (Spoken Word) وموسيقى الدَب (Dub Music) في بريطانيا. فازت أعماله بجوائز عديدة آخرها جائزة ت. س. اليوت لعام 2019 على مجموعته الأخيرة المعنونة (فردوس محمول) التي نترجم قصيدة عنوانها هنا.

 

 

ابويوسف المنشدكلّ الجهات إذا ما سرتُ تحتجبُ

               لذا سأترك فيّ الأرض تغترب ُ

وجدت نفسي على دربٍ بلا قمر ٍ

            والريح تندبُ من حولي وتنتحب ُ

ما مرّ بي فرحٌ إلّا بكى فيَدي

              لها الرماد وأحلامي لها الهرب ُ

ولست أنكر أحزاني وتنكرني

          فنحن بعضٌ لبعضٍ في المدى سببُ

ياحامل القلب في لا دهره أبداً

       سر نحو مَن هُتكوا أو نحو مَن صُلبوا

فليس دونك إلّا الظلّ أجمعه

                وليس حولك إلّا العالم الخرب ُ

ماذا يريد إله الهتك من وجعي

           أنا الوريث لمن في الدهر قد نُكبوا

واليوم رغم بقايا الآه عازفتي

                تقول ما لم تقله النار والسحب ُ

جئني بكلّ قياماتي أيا زمني

         فالبحر يغدو عظيماً حين يضطرب ُ

لمّا نظرت إلى المرآة لم أرني

               رأيت عنّي ثيابي وهي تُستلب ُ

ولم يزل يتعرّى البائسون معي

                فما سوانا بهذا العري يحتجب ُ

إنّي حملت صليب التائهين خطىً

                  فكلّ منفىً إلى منفايَ ينتسب ُ

ومثل وجهي وراء التيه يتبعني

               ومثل صوتي يناديني فأغترب ُ

مصيرها في فراغٍ كلّ أزمنتي

            فما الغرابة في الأزمان والعجب ُ

والعالمون ضجيع الموت كان هم ُ

               فكلّ مَن ولدوا في حينهم ذهبوا

وليس شيءٌ مخيفٌ في نهايته

              مثل السكون ومنه الكلّ يرتعب ُ

إنّي رفعت عن المجهول برقعه

                      فمن يكمّم بركاناً له لهب ُ

وقد رميت ورائي بعض قهقهتي

         وراقصتني شجوني فهي لي طرب ُ

فمن سوايَ بهذا الدهر منتهكٌ

            ومن سوايّ من اللّاشيء يحتطب ُ

ستشهق الريح من حزني ومن ألمي

            وذلك البحر من مدمايَ يختضب ُ

فليس في جوهر الأزمان من زمن ٍ

               إلّا وكان له في الأرض منقلب ُ

**

العراق – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

نوري الوائليشيخاً نضجتُ وعزمي فوق عاهاتي

                 يعلو بي الأفق  يطوي كلّ آهاتي

أحيا  كأنّ شبابي في  تاجُّجه

                والقلبُ غِرٌّ  يلبي  كلّ غاياتي

ملءُ الجموح لأعلو كلّ عاليةٍ

                 وتبزغ الشمسُ من أدنى مناراتي

أنا الشبابُ وهذا الشيبُ رافدهُ

                 طيْبُ العطاءِ كغيثٍ من سماواتِ

شيخاً أسير وكفّي فوق منْسأتي

                   ملء الوقار جليلاً في مساراتي

أنا المليكُ وحولي كلّ حاشيتي

                    ممّا أجادتْ إلى الدنيا مهاراتي

تسمو على وجعِ الأسقامِ محبرتي

                  ويُسعَدُ الخلقُ من أحلى حكاياتي

ما صدّني العجزُ عن فرضٍ ومكرمةٍ

                 وما ثنى الحبرَ يأسُ في مداواتي

أدوّن الحرفَ والدنيا معسْعسة

                     فتُشرقُ الفجرَ أنواراً  كتاباتي

مثل النجوم سنيني حين تُبصرها

                      تزهو بأنْوارهِا كلّ المداراتِ

مَرّ السنين إلى الرحمنِ قافلة

                   والنفسُ تجمعُ للترحالِ حاجاتي

اقضي اللياليَ للغفّارِ مُعتكفاً

              والدمعُ في العينِ بحر من مناجاتي

للغدّ قلبي صبا والذكرياتُ دمٌ

            تُحيي العروقَ وتروي زرعهَا الآتي

قراءةُ الذكرِ تشفي أيّ مُعضلةٍ

                      وفي السجودِ دليلٌ  للمتاهاتِ

المرءُ ينضجُ حين الشيبُ يزهره

                   نضجُ الثمارِ ربيعٌ فوق واحاتِ

مراحلُ العمر أعوامٌ على درج

                   تعلو إلى النضحِ لا تدنو لآفاتِ

شيخوختي رغم هونِ الجسم أعشقُها

                 فالزهدُ فيها وفيها صدْقُ طاعاتي

لا تحسبّن حياةَ المرْءِ كمْ سنةٍ

                    فالمنجزاتُ لها خير المقاساتِ

لا تجعل الكُبْرَ ناراً والحيا حطباً

                      واليأسَ زيتاً يُغنّى بالمناحاتِ

انّ الحياة لذي الألبابِ مدرسةٌ

                      فيها تغازلهم أعلى العلاماتِ

                  ***

نوري الوائلي - نيويورك

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

 

لا أملكُ تأشيرةَ دخولٍ إلى عينيكِ

فأنا ممنوعٌ من السّفرِ إلى عيني حبيبتي ..

 

لم أعُد يا حبيبتي أملكُ من السَّعادةِ

ما أُهديهِ في العيدِ إلى عينيكِ ..

 

هذا الألم العتيقُ

يلبسُني مثلَ أكفانِ الموتى

كأنّهُ قلادةٌ تُساورُ عُنقَ الفراغ ..

 

أنا يا حبيبةُ

على موعدٍ مع الموتِ منذُ الولادة

وحينَ دخلتُ طورَ الوعي الأوَّل

وشاهدتُ الشَّمسَ تؤولُ إلى الغُروب

أدركتُ أنَّ الخُلود كذبةٌ كبرى

فالأبديَّةُ يا حبيبةُ

لا تعيشُ إلّا تحتَ التُّراب ..

 

اعذريني إن ابتعدتُ عنكِ

اعذريني إن رحلتُ عنكِ

يكفيني أن أعرفَ أنّني أُحبّكِ أكثر

حينَ أبتعدُ عنكِ أكثر ..

 

لا تسألي قلبي

كيفَ يتحمَّلُ كلَّ هذا الوجع

لا تسألي روحي

كيفَ تتحمَّلُ كلَّ هذا الألم

يكفيكِ أن تسألي مرةً واحدةً

كيفَ تغيرَّ وجهُ البلد ؟

 

كلُّ الطُّرق إليكِ وعرة

كلُّ ضفافِ الأنهارِ يابسة

كلُّ الخيوطِ التي تتصلُّ بكِ

مُقطَّعة

وكلُّ الأشرعةِ تستجدي الرِّيح ..

 

ما زلتُ أنتظرُ الأمواج

أن تغفو على صدرِكِ ..

 

ما زلتُ أنتظرُ العواصفَ

أن تخجلَ من نبضِ قلبِكِ

لنُبحرَ في هدوء نحوَ شواطئِ الخلود ..

 

نحملُ معاً أحلاماً مجهولةَ النَّسب

جراحاً تُشبهُ صدرَ البلد ..

 

تعالي نهربُ من عدوى الحُروب

نحسبُ ما تبقَّى منَ العُمر

ونرحلُ إلى موطنِ الضُّوء

حيثُ لا نخافُ من الظِّلِّ

من الحُلمِ

من صوتِ المطرِ

من زحمةِ المرور ..

 

تعالي نُقيمُ هناك قبراً من الورود

ونغفو معاً

كأنَّنا أبناءُ الأساطير ..

 

هناك في ذلكَ القبرِ الورديِّ

نشعرُ لأوّلِ مرّةٍ

أنَّ الموتَ الذي انتظرناهُ

هو الحُريَّةُ

وهو الأبديَّةُ

وهو الخلود ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

عبد الامير العباديعودني ابي ان لا اسألَ 

او اتساءلَ

لكنني ذاتَ مرةٍ غدوتُ فضولياً

قلتُ لِأكن خارجَ التعاليمِ

قلتُ لهُ حدثني

عن جذورك يا ابي

قالَ انا  اميٌ لم اوثقْ شيئاً

سوى ان جدكَ كان

صياداً في هورِ الحمارِ

قلتُ وامي من اينَ لكَ بها

قالَ ربما هي من نيسابورَ

او صحراءِ الباديةِ

ومع ذلكَ لا نعرفُ لنا

عنواناً سوى العراقِ

واستطردَ قائلاً

انا لا انتسبُ لخمسةَ عشرَ قرناً

حتى تكونَ فوقَ رأسي عمامةٌ

عمامةٌ تظهرُ لتشيدَ لها عنواناتٍ

تشيدُ القصورَ الفارهةَ

وتبقى الأيدي ناعمةَ الملمسِ

تعتاشُ على صدقاتِ السذجِ

ثم قالَ ابي

اني حفظتُ سورَ القرأنِ اجمعها

كنت احلمُ بالملائكةِ

احلمُ بالأولياءِ الصالحينَ

انبئُك يا ولدي

ان اللهَ غداً يبعثُ ملكاً

للعراقِ تتنزلُ معه سورٌ

باسماءِ شهداءِ العراقِ

ثم يكونون ملوكاً لمنْ لا ملوكَ لهم

***

الشاعر عبد الامير العبادي

 

ناجي ظاهرنصف الغرفة يغرق في الظلام.. الضوء في نصفها الاخر شحيح.. دخان السجائر ينتشر في كل مكان، وسط الغرفة طاولة وحولها عدد من الرجال. وجوه الجميع تغرق في بحور التساؤل والتوتر.. بالطبع.. مع تفاوت بالدرجات، هناك من ارتاح وهناك من تعب، لكن حتى من ارتاحت اساريره، لم يخل وجهُه من لمحة توتر. كلهم يجلسون الا انا، الرجل الاخر، اقف وارسل النظرات اليهم. دخلت الغرفة قبل قليل، وقررت ان اتخذ موقف المراقب، اراقب ما يحدث هناك باستمتاع مَن يرى ويراقب ويختزن ذخرًا لساعة آتية لا ريب فيها.

الجالسون حول الطاولة، ينقسمون رويدا رويدا، الى مجموعتين يقف في رأس كل منهما شخص نصّب نفسه رئيسا لهذا السبب او ذاك.. او هم نصبوه، اللعبة، لعبة الريمه، تبدا باردةً ثم ما تلبث ان تسخن.. بعدها تأخذ سخونتها في التصاعد. خلال اللعب اسجل عددًا من الملاحظات: رئيس المجموعة الاولى، يبدأ كما هو واضح.. بالتراخي لرئيس المجموعة الثانية، حتى يصل الشوط الأخير المُحدّد في اللعبة، عندها يبدأ بالهجوم الكلامي.. انت بتعرفش تلعب إسه بعلمك اللعب على اصوله. سجل الهزيمة رايحة تكون من نصيبك. انا بعرف كيف العب. وينتهي هذا الشوط بتغلّب المجموعة الاولى على الثانية، بعدها تتداعى هذه المجموعة شوطا شوطا، حتى تعلن استسلامها للغلب.

بعد قليل يقترح رئيس المجموعة الاولى ان يتم اللعب على الملان، ويعود الى كرّته الاولى، يترخّى لمن قُبالته من اعضاء المجموعة الثانية، فيحرزون الفوز تلو الفوز، الى ان يصلوا الى حافة الفوز الأخير، عندها يبدأ الهجوم النفسي، وتبدأ المعركة بالتحول من غالب إلى مغلوب، العَرق يظهر على وجوه المجموعة الثانية مثل قطرات من نار، فيما يبادر رئيس المجموعة الاولى بجمع الانفال والغنائم.

في الدق او الصراع الثالث، يترخّى اعضاء الفرقة الاولى، منذ البداية مرروا بالوسط فالنهاية، وتكون الهزيمة من نصيبهم، لكن باختيارهم. في الدق الرابع أغرس عيني بعيني رئيس المجموعة الاولى، فيرسل تجاهي ابتسامة ذات معنى، اشعر انه يعرفني، بالضبط كما عرفته خلال مراقبتي لعبه. هل يعرف احدنا الآخر؟ اعتقد اننا سبق والتقينا. أين.. لا اتذكر. لكني اشعر انني اعرفك. لا اعرف.. يخلق من الشبه اربعين. انا متأكد انني اعرفك. هل سبق وتواجهنا في لعبة ريمه؟ لا اعتقد. هل تود ان تجرّب؟ هذا ما اردته. لكن.. ضمن مواجهة فردية، وهو كذلك.

وتبدأ اللعبة باردة.. لا حياة فيها، ارتكب خلالها الحماقة تلو الحماقة، فيأخذ المحيطون بالضحك. علّمه اللعب يا معلم. علمه اللعب. أين تعلمت اللعب يا شاب؟ دعه يا أخي.. يبدو انه مبتدئ لمّا ينبت له ريش، اخسر اللعبة. يقترح منافسي رئيس المجموعة الأولى أن نضرب بالمليان، اوافق شريطة ان ينتقل الغالب الى لاعب آخر، فآخر، يضحك منافسي هذا اللي بدي اياه.. يللا خلينا نشوف شطارتك.

يتخذ كل منا مجلسه قُبالة الآخر متحفزًا مثل أسد ضمن كسب الفوز في الصراع، نبدأ نحن الاثنين مسترخيين، عندها اشعر انني يفترض ان انتقل الى استراتيجية اخرى، لأنازله بطريقة اخرى، اذا شدّ أُرخي، واذا ارخى اشد، بهذه الطريقة اعتقد ان المعارك يجب ان تدار، وهكذا يمكنني ان أخربط حساباته كلها، أنظر إلى عينيه اقرأ فيهما حيرة ما، أهاجمه، أنت لا تعرف مع مَن تلعب ومَن تواجه. أضعه في موقع المهزوم قسرًا وغصبًا عنه، ومن تكون.. انا سيد هذا المكان وقائد سفينته. كان هذا زمان، اما الان فإنني انا الاسد الآتي من صحراء العرب سأتولى دفة قيادة السفينة. لن يكون هذا.. أغرس عيني في عينيه.. بل سيكون.

بين رخي وشد، يعود الفريقان الاول خصمي والثاني خصمه، إلى متابعة اللعب بنوع غريب وغير مألوف من التوتر. في البداية يؤيد كل منهما أحدنا، الأول يؤيد رئيسه ويصفّق له، والثاني يؤيدني ويتشجع لي. اما انا فإنني الجأ طوال الوقت الى التسويف والمماطلة، وما ان تهدأ الامور حتى ابادر إلى اشعال فتيلها مجددا.

اللعبة تتواصل بيننا نحن الاثنين، لا احد يأخذ فيها حقا او باطلا، على هذا النحو نبقى حتى منتصف الليل، شباب هل نواصل؟ بالطبع سنواصل.. اللعبة تتواصل حتى منتصف اليوم التالي، اهتف به هل تريد ان تستسلم؟ يغرس عينيه في عيني، وهل يستسلم من هو مثلي. مَن هو مثلك يستسلم فقط.

مع مضي الوقت اؤكد للجميع.. دون أن اوضح.. أنني انا المنتصر، اوحي اليهم أعبئهم بهذا الاحساس، أشعر انهم باتوا ميالين لي، فانا لا اصرخ ولا اعرّبد، ولا اتحفز للهجوم وبعده الشجار، وانما انا احكّم لغة العقل، واواصل اللعبة بحكمة من راقب الحياة والف خدعها جيدًا، بل مَن قرّر أن ينتصر فيها. في منتصف الليلة التالية أوجّه الى خصمي ضربتي القاضية، فينقلب الموقف. أرى الوجوه تتهلل مسلّمة بتفوقي.. هل يريد احدكم ان يواصل؟ ترتفع الاصوات.. كفانا اليوم، واشعر ان طرفّي اللعب قد قررا الاستسلام لي... لقد اصبحت الزعيم

يدب الهرجُ في الغرفة مجددًا. يدخل شاب جديد إلى الغرفة، يقف حيث وقفت، ويشرع بمراقبة ما يحدث بيننا.. وسط عتمة الغرفة وضوئها الشحيح وفي بحر دخان سجائرها المشتعلة. يدق قلبي.. ارجو الا يكون.. أنا الآخر.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

عطا يوسف منصورقالـــــــوا: التظاهرُ فتنـــــةٌ 

وجَــــــــــــراءةٌ فيها ارتدادْ

 

قُلتُ: التظاهرُ صرخــــــــةٌ

في وجــــهِ مَنْ سرق العِبادْ

 

في وجه مَنْ خانَ الامـــــانَ

ةِ بلْ تمــــــــادى في ازديادْ

 

هي صرخةُ الشعب الــــذي

يمشي السنينَ على القَتَـــــادْ 

 

قامتْ على سِلمِيّـــــــــــــــةٍ

لِتَحُدَّ حَـــــــــــــــــدًّا للفَسادْ 

 

هيَ لـــــــــــــو صَدَقْتمْ جُنّةٌ

والدينُ أسماها الجِهـــــــــادْ   

 

يبقى الفســــــــــــــادُ وأهلُهُ

أُسًّا لِتَمزيـــــــــــــــقِ البِلادْ

 

والبرلَمـــــــــــــانُ عِصابةً

صارتْ كراسيهِ مَـــــــــزادْ

 

قالوا وقُلْتُ بلــــــــــــــوعةٍ

لو يُجديْ نَفْخي في الرمــادْ

 

تشرينُ أصبـــــــــحَ فاصلاً

لا شيءَ يُدعى بالحيــــــــادْ

 

الشعبُ أصدرَ حُكمَــــــــــهُ

عَنها ارحلـــوا ودَعوا القيادْ

 

يكفـــــــــــــــي ضياعًا أنّنا

عُدنا الى هودٍ وعــــــــــــادْ

 

يكفي ضيــــــــــــــاعَ سنينا

بينَ اللصوصِ فلا تُعـــــــادْ

 

فَهُمُ الذين تَصافقـــــــــــــوا

أن يَجعلـــــــــوا وطني بَدادْ

 

يتزايـــــــــــــــــدونَ بخِسّةٍ

والشعبُ بينهُمُ يُكــــــــــــادْ

 

ها هُمْ دهاقيــــــــــــنُ السيا

سَةِ سَمَّموا حتّى الرُقـــــــادْ

 

فَهُــــــــــــــــمُ هُمُ في غَيّهمْ

رُحماءُ في نَهبِ الحصــــادْ

 

كُرماءُ فـــــــــــي قتلِ الحيا

ةِ على مَسالِخِهمْ تُبـــــــــــادْ

 

تِشرينُ أصبحَ فاصِـــــــــلاً

إمّا الوصولُ الى المُــــــرادْ

 

أوْ أنْ يكــــــــــــونَ الشعبُ

مَهزومًا الى يومِ المَعـــــــادْ  

***

 الحاج عطا الحاج يوسف منصور 

الدنمارك / كوبنهاجن

السبتْ في 25 / كانون ثاني / 2020 

                                                  

 

حسين يوسف الزويديا غيمـــةً حَمَلَتْ آهـــاتِ أوزاري

                واســـتقبَلتْها سمائـي دونَ انـــكارِ

يا ديمـــةً عَنْوَنتْ هذا الهدوءَ على

          جُرزي فكانـتْ كَمنْ تهمي بِأوطــاري

حيـنَ اللــقاء مضَتْ يمنـايَ تائـهةً

            ما بينَ قرطٍ وصدرٍ، صُغْتُ أشعاري

ومثلُها يا يديْ اليسرى على شغفٍ

            بين الحريرِ وبين المرمــرِ، احتاري

هي اضطرابُ شعوري ، بَلْ تَحَطُّمُهُ

             هــي احتراق جليدي في لظى ناري

وترجَمَتْ شفتـيْ ذاك الهيـام كـمـا

                   يَعِبُّ صادٍ سـرى في بِيْدِ تِسْفارِ

هِيَ التـي شعرُها المجنونُ دَثّرني

             كــمـا يُدُثَّرُ طفـــلٌ منهـــكٌ عـــاري

هيَ التــي حبُّها ما زال يأخذُنــي

                في كلَّ يـومٍ الى سَفْحٍ وإعصـــار

هيَ ارتـــحالُ الســنونــو أو تغربُّهُ

                 وســـاحلٌ أزرقٌ فــي بـالِ بَحّـارِ

وغابةٌ كلَّمـا اشــجارهــا اشتَعَلتْ

                 رَمَتْ على كَتِفـيْ أســرابَ أقمارِ

وهي التي حملتْنـــي للسَّما وعَلَتْ ،

                 فوقَ الذرى ورمتْني فوقَ أحجارِ

وفي الغروبِ يعودُ الشوقُ صوبَ دَمي

             مثــل العصافيــر إنْ عادَتْ لأوكـارِ

وأنـــتِ يــا قامـــةَ الأضــواءِ في حَلَــكٍ

              يــا أنـــتِ يا حَلَكــي يا كلَّ أنواري

وأرشفَتْ ريشتــي هولَ اللقاءِ على

                ذاكَ المـــحيّا بلحــنٍ هَزَّ قيـثـاري

أنتِ احتباسُ حقولٍ للمنـى بدمـي

            لحني يطولُ فَهلْ أدركْتِ اصراري؟ 

منذُ اقترحْتُكِ أفـقــاً لامـعــاً وأنا

                أطيـــرُ ما بيـــنَ غيماتٍ وأزهـارِ

وأنفضُ الدمعَ عن قلبي .. كما نَفَضَتْ

        عنها العصافيرُ .. صبحاً .. قطرَ أسحارِ

تـعـثـرتْ لُغتــي مـــاذا أقـــول أيــا

              تلكَ التــي حَطَّمَتْ قيـدي وأسواري

ما زلتِ - أيقونتي - لحناً بذاكرتـــي

             ذاكَ الـذي فــي خيالـي زهـرةَ الـدارِ

         ***

يا كلَّ حرفٍ على وجهِ القصيدِ سرى

          (يحيى) و(ريكانُ) كانا وحيَ افكاري

أنت (المصفّى جمالُ الخصب) يا دَلَهاً

            فـكـم علمتُكُ صـــوتاً هــادراً نــاري

أما (الجميلُ) فيا ســعدي ويا أملي

               (سـواعدٌ) أهلنـا عــزي وتـذكاري

يا (مصطفى) يا أخا أمّي ســأعزفُها :

              (آسجاريةَ) المجدِ يا أكليلَ من غارِ

في بصرة الأهـــل (حلفينا) لَهُ سَبَقٌ

               (فطـــارقٌ) بــاذلٌ معشـــاقُ إيثـارِ

وأنتَ (يا العامري السامي) رسْمتُ لكمْ

         في (موصلي) من قصيدي شوقَ أبرارِ

أمـــا وحقَّكِ يـــا (عبد الرضـــا) فأنـــا

            لكَ المديـنُ فأنتَ الكوكــبُ الســـاري

ذاكَ (القُصيُّ) قَصيٌّ ليتَها لغتي

             على حيـــاءٍ دَنَتْ ، يا كلَّ إبهـــاري

أمّا التقيُّ رهيـــف الحـسِّ ، موئِلُنا

           (منصورُ) يا دوحة الافراح في داري

وأنتَ يـا (حنظلاً) يـا شهدَ أزمنتي

          يا (عادلَ) الحُكمِ فيكَ الصارَ والجاري

وفي الختامِ تحايا لا حــدودَ لها

            (للماجــدِ) الثـرِّ إنشــادي وأشــعاري

يا ســـادتي فآعذروني إنني ثَمِلٌ

              في حبِّ هذا عراقَ الأهلِ والبـاري

أنا المسجّى على ثغرِ العراقِ هَوَىً

         (بالفاوِ) روحي و(زاخو) نَبْتُ أغواري

     ***

د. حسين يوسف الزويد

 

زياد كامل السامرائيلا أدري لماذا يُصرّ هذا النهر

على أن ينضج بسرعة

يترك أثداء الغيم

تتيبّس في مكان قصيّ..

والأنذال

يشربون منه بشراهة وحقد !

**

انتظرتُ طويلا

أن تمدّ يديكَ العاريتين

قبل بلوغ الصلاة نبض الجّرف

الى نجمتي..

قبل ان تفتح الزنابق خرير دهشتها

بوجه أيامي الخافتة

وتترك في العراء أسماك الكلمات

تلبط في قلبي المفتوح.

جدفنا بعيدا .. أنتَ النحيل

و أنا خشبة الحريق

بقميصينِ زرقاوينِ

أصاب الخريف أرضهما بالنزفِ

تبادلنا اللهاث حتى آخر أدغال الجنوب.

ماذا تفعل هذي الألون في عيني ؟

ماذا خَطّتْ يد الشمعدان على عطش الظلمة

و آدم.. عُمره كله طين

سُندسٌ اذا ما خاطه اليقين

هذا نهرٌ من أطفال الشمس

يغسل بكاءه موت حَنجرتي.

**

أيقضني رذاذ العمر المسفوح

وصورة  جنرال أعمى

أضاعتْ تجاعيد الأيام صنّارته .

كبغي ما أبقتْ لعرسها جائعٍ !

أنا حفيد هذا النهر

لا أحد يطاردنا

سوى نشيدٍ من دمٍ

ومأذنة هديلها يخفق بالبيادر

كلما توضأ القمر على شرفاتنا بمصلِ غُربته

كلما آن للجفون أن تكون بيت الفجر

ففؤاد الجسر

صالحا ان يكون صارية

لقارب أرض

نحن فيها المبشّرون.

 ***

 

 زياد السامرائي

 

 

عبد الناصر الجوهريبالنسبة لي

ليس "مُثلثَ برمودا"،

أو طائر بطريقْ

ليس سليلَ "الرُّومان"،

ولا "الإغريقْ"

ليس مزادًا،

أو منْبرَ وعْظٍ

ومنصَّاتٍ للتَّلفيقْ

سأدوِّنهُ

إني أسْتقبلُ إلْهامي

استقبال الأعياد،

وأيام التَّشريقْ

سأدوِّنهُ

وقْت الفرْح،

ووقت الضِّيقْ

سأدوِّنهُ

من أجل التَّاريخ،

ومن أجل التَّوثيقْ

سأدوِّنهُ

لاستنباط الحُرِّيَّة،

والتَّحليقْ

لا يُرْتجلُ الشِّعْرُ العربيُّ،

ولا يُحْفظُ مِنْ أجل إثارة قاعاتِ الشِّلليَّةِ ،

أو مُنْتدياتِ التَّصفيقْ

لنْ أتْقنَ إلقاءً

إلا ما ألقاهُ الوجدانُ علىَّ؛

لتطْهيري

من تنْغيم العقل الباطن،

أو حيل التَّشويقْ

لن أتقْنَ إلقاءً

إلا ما ألقتْهُ علىَّ

- لتخفيف الآلام -

قريحةُ دلتاى الرِّيفيَّةِ

عند الهضْم ،

وبلْع الرِّيقْ

ولذا

صغحاتُ دواويني

لا تزْعجها محْرقةٌ

أو مفْرمة التَّمزيقْ.

***

شعر: عبدالناصر الجوهري - مصر

 

ميمون حرشحين أفكر بجدتي الراحلة تزول جراحي، وتشرق شمسي، في نفسي، ويتغير كل شيء في نظري، وتصبح الحياة رائعة، وأكثر جاذبية، ومُستحقة للعيش بعمق.. يموت الأحباب، وتظل الحياة تطوينا من دونهم، ويعلم الله كم قاسيت بموت أبي وجدتي من بعده.. وما وقع،في بيتنا بسبب السمك،جعلني أُدفن في الظلمات، ولم تنتشلني غير يد جدتي، ظهورها إلى جانبي أيقظني، وأخرجني إلى النور، أما حزنها على موت أبي فقد خلخل الأشياء في نظري، أتذكر أشياء كثيرة عن جدتي، لكن حزنها ،تحديداً، لم يكن له نظير في نظري غير الخنساء في بكاها على أخيها صخر.

ذكراها عصية على النسيان، فلا شيء يمنعني من تذكرها كل يوم، إنها جدتي التي علمتني لا كيف أحزن بل كيف يصح أن أحزن.. أما الفرح فاكتشاف متأخر عندنا، لا يأتي بيتنا ولا يدق أبوابنا، ولا يسأل عنا، الحزن نعم، يزورنا كما الحمى خفيفاً في النهار، في كل يوم، وملماً وحاراً في الليل يجر ذيل جهنمِه.

مرّت على موت جدتي أعوام كثيرة، وأنا الآن أستاذ محاضر أعي الأشياء من حولي جيداً، وأحياناً لا أفقه شيءً مما يحصل.. فكري يشل مرات عدة وفي مواقف كثيرة، لكن موقفي تحديداً من ذكرى جدتي مختلف تماماً، الجزئيات تحضرني وأنا أتذكر كل شيء عنها، بت أرقب ذكراها رقبة الأعياد، في الصحو كما في النوم.

حين كانت تمشي في البيت، وفي الطرقات تسبقها رائحتها، تنظر في الأرض، ولا ترفع رأسها إلا لماماً، يقودها ظلها، يتكسر أمامها كلما تهادت متكئة على عكازها، تخز به الأرض، ولها فيه مآرب أخرى، تظل أوقاتاً كثيرة ممسكة به، وهي تحفر لدرجة أن أرض بيتنا صارت كلها حفراً، لعلها تبحث عن شيء ما، ولأنها، ربما، تعشق أريج التراب كلما بلغت الحفر الصغيرة تمامها، أحيانا تظل تتأمل أديم الأرض فتبدو كقبة ولي صالح هجره الزوار.. وحين تتعب من الوقوف، وليس من التأمل، تتقدم ببطء. لكن بثبات.

رجلاها واهنتان لم تعودا تقويان على حملها، ومع ذلك تحب الحركة ما دام في العمر بقية، والأمر الذي حير الجميع من الذين لا يعرفون قصتها هو لماذا تتحاشى النظر في وجوه الناس، يستحيل أن تتنقل في الأمكنة دون أن تضع نقابها، هي تحرص عليه لا لتستر به الوجه، فهي أم الجميع، وتخطت السبعين من عمرها، إنما البرقع لأنفها.. الأنف مشكلتها، وحاسة الشم عندها قوية رغم كبر سنها، لم يفلح الزمن في تعطيلها كما فعل مع بقية جوارحها، الأنف مشكلتها، وستره ضروري، كانت المسكينة تخاف أن تشم رائحة السمك أثناء تَجوالها في الطرقات، وحين تلتقي بمن تحب وبمن لا تحب لا تنظر في وجوههم أبداً، ففي الوجوه أنوف، وكل أنف يذكرها بمأساتها.. لذلك ظلت تتحاشاها ومشكلتها هي محسومة مع الأنف منذ مات ابنها.

أنجبت خمسة أطفال، أبي ولدها البكر والبقية إناث.. ولدها (والدي) هو الذي قصم ظهرها، لا أحد أفلح في أن يجعلها تنسى ذلك اليوم المرير، لا الزمن، ولا أصهارها، ولا عماتي، و لا الأحفاد؛ ظلت تبكيه، منذ مات غرقاً في البحر، اعتبرته من موتى الفناء، ووهبت نفسها ميتة للوجود، واعتبرت "البيت قبرها، والبحر رمسها، والسمك دودها."

السمك دودها لأنه المسؤول عن وفاة ابنها، بهذا قر قرارها رغم إيمانها.

تحكي لي أمي أن البحر حين لفظ ولدها (والدي)، أصرت على رؤيته.. دخلت الغرفة حيث سُجي، طلبت من الجميع أن يتركوها معه، رفعت الملاءة على الجثة.. صرخت:

- ليس ابني، ليس ابني..

دخل الجميع، لم يكونوا بعيدين عنها، غطوه، صرخت فيهم:

- "الجثة ليست لابني...انظروا إليه"..

أمي عرفته، والزوجة أحياناً تعرف ما لا تعرفه الأم عن ولدها، هي أدرى بتضاريس جسد زوجها.

كان البحر قد ترك أثره، السمك نخر جسده، بدت الجثة مثقوبة كغربال، الأرجل مبتورة، والعينان عبارة عن حفرتين غائرتين، الرأس بدون شعر، والبطن والظهر لا معالم لهما، بقايا إنسان ليس إلا، السمك ترك توقيعه؛ وجدتي حفظت التوقيع وكرهت السمك.

كان ابنها، لكن السمك غير جلده، قالوا لها في محاولة لإقناعها بأنه هو، لكن الموت يترك أثره، وظلت أياماً كثيرة ترفض التسليم بأنه ابنها، ظلت المسكينة تردد ثلاث كلمات: الله، ولدي، السمك.. ظلت تهذي بها دون توقف.

في يوم الأربعين قالت لهم:

- " تعددت الأسباب والموت واحد، إلا موت ابني، موته استثناء.. استثناء.."

ومنذ مات الابن حرمت على البنات، والأصهار، والأحفاد أكلَ السمك، واعتبرت إدخاله إلى البيت كوجبة طعام خيانة، كانت تقول:

- "أتحبون أن تأكلوا لحم ابني وقد كرهتموه، إن السمك محظور، محظور، ومن يصالح منكم ليس مني"،

اعتبرت الأسماك منذ ذاك العهد أعداء العائلة، وكانت المسكينة تغادر أي بيت تزوره تشم فيه رائحة السمك، ولكثرة ما باتت تشمه في البيوت التي تزورها عقدت العزم على ألا تزور أحداً بسبب السمك، وكانت تحب التجوال منقبة، وتكتفي بحفر الحفر.

أحفادها الذين ولدوا لزمن غير زمان جدتهم حفظوا الدرس جيداً، لم يتذوقوا السمك يوماً، ولم يزوروا البحر يوماً، ولكنهم كل يوم يترحمون على فقيد العائلة الذي شوهه السمك.

وفي المدرسة حين يتحدث إليهم رفاقهم عن البحر والاصطياف والسباحة، يبادرونهم بالقول:

- السمك هناك.. نحن لا نريد الذهاب ..

الآخرون الذين لا يعرفون قصتهم يستغربون ردود الصغار وكلامهم عن السمك؛ حدث مرة أن أحد رفاقهم واتته النكتة وقال لهم:

- عليكم بتذوق فواكه البحر.. قد تغيرون رأيكم.

وحين نقلوا عبارة " فواكه البحر" إلى البيت، قالت الجدة بحدة:

- لا تصالحوا يا أولاد، ومن يصالح منكم ليس مني، فرعه يُستأصل من الشجرة.

حقد جدتي على السمك، لم يذكرني سوى ببطل "هرمان ملفل" آخاب الحاقد على الحوت "موبي ديك" الذي التهم إحدى رجليه، فقرر الانتقام لنفسه منه في صراع لا نهائي، يومها وأنا طالب علقت على الرواية:

- " أخاب هذا أحمق ولا شك، يطارد حوتاً في البحر، كيف يجرؤ؟ !".

وحين سمعت وقائع موت أبي لم أستطع أن أصف جدتي بالحمق مثلما فعلت مع "أخاب" لمجرد عدائها للسمك.. حال دون ذلك طريقة حزنها كما قلت.. بُكاها نزف دموع عينيها، لذلك كانت تستعير عيوننا لتبكي بها.

وحين جاءتها سكرة الموت تركت وصيتها، جاء فيها:

- "اغسلوني بماء السمك (لم تكن تقول البحر)، واكتبوا على قبري: "هذا قبر امرأة ثكلى أضناها توقيعُ السمك على جسد ابني الوحيد.."

وحين سألت أمي، وأنا طفل، عن معنى الكلام ردت بكلام كثير لم أفهم منه غير أن السمك غير حياة الجدة.

أتذكر كل هذه التفاصيل، وأنا اليوم أب ومثقف متنور، صرت أباً وطفلي الصغير يحيرني، لقد فاجأني يوماً حين فحصت دفاتره المدرسية، وجدته قد رسم "سمكاً وسط البحر"، يومها خرست، ولم أنبس ببنت شفة، لكني في الليل حلمت بجدتي في هيئة حورية البحر، بهية، وغادة، تسبح، تغطس في البحر ولا تبتل.

وحين حكيت الحلم لأمي الأرملة، قالت دون تفكير:

- اُصدقني القول، هل حدثت طلبتك عن البحر، هل تصالحت وأكلت سمكاً، هل زرت البحر؟ هل..؟ وهل؟...

أمطرتني بالأسئلة وأحسست بكل سؤال كأشروطة الإعدام يُلفُ حول عنقي.. كنت أنزف من الداخل لذكرى جدتي، لكن ما نفع ضمادة لمن ينزف لذكراها حتى الموت، لذلك قررت، بعد أنِ اطمأنت والدتي لوفائي،أن أزور قبر جدتي بعد حلمي مباشرة، حصل ذلك في أول الأسبوع، كنت قد تعودتُ أن أزور قبرها كل يوم جمعة، لكن حلمها اعتبرته نداء، لذلك كسرت القاعدة فقررت زيارتها في يوم الاثنين، ويبدو أني كنت مستعجلا لأبثها همي والكلام معها.

وحين وقفتُ على قبرها قلت لها أشياء كثيرة، كنت كالشلال، همست لها بكلام كثير، ولكني دون أن أدري ختمته بالحديث عن السمك رغماً عني، ولأول مرة أفعل ذلك، قلت لها:

- " آه يا جدتي، لو تدركين كيف صارت دنيانا بعدك، الدنيا صارت بحراً، السمك الكبير يأكل السمك الصغير".

أضفت وبصوت مسموع هذه المرة، ربما كنت أريد أن يسمعني كل الأموات:

- " لو عِشْتِ جدتي في زمن "كل أو كن مأكولا"، لصالحتِ السمك، والبحر، والحجر والسماء".

قرأت الفاتحة على روحها فمضيت لأعود يوماً حياً أو ميتاً.

***

ميمون حرش

 

ابراهيم الخزعليوتعود مرةَ أخرى تُهَدهِده، وما ان يهدأ، إلاّ ودوي رصاصٍ، أو أزيز طائرة تُرْعِبَهُ، فَيَصرخُ مَذعورا.

لَمْ تكن عيناهُ ونظراتهُ كالآخرين !

فحين يصرخُ إثرَ أيّ صوتٍ، سرعان ما يتوقف عن البكاء، وترى عيناه تُرْسلان نظرهما بعيداَ بعيداَ، كنجمتين  تتلألأن في الأفق .

هدأ قليلاَ بعد أن أتعَبَهُ البكاء، وأسدل جفنيه على دموعه التي لم تجف بعد.

بُمب...

قَذيفَةٌ أخرى تَسْقُط وسَطَ المُخَيّم، فينفجر باكيا بأعلى صوته..

لا ياصغيري..

 لا ياصغيري العزيز لا تخف، إسمُ الله.. إسمُ الله عليك. أخْرَجت نَهدها لعله يسكت.

 هَدْهَدَتْهُ وهو في حُجْرها ويدها  تربت على جانبيه، وهي تناغيهِ بصوت شجي.

 تبادر الى ذهنها  شئ ما ، وثمة سؤال غصّت به حنجرتها ..

 ما هذه الأصوات ؟!

إستيقظ الصغير من غفوته، وعيناه تصوبان نظرهما بعيني امه،وقد أشرق بإبتسامةٍ عريضة كهالة ضوئية  تحيط  بوجهه .

قفزت من بينِ شفتيه كلمات : إنّهُ صوت الطائرات ياماما !

 لَمْ يترك أي أثر على أمّه ما نطق  به،  كا لمسيح حين تكلم في المهد

صبيّا ..

 و كأنّ كلماته  كانت جوابا   على سؤالها المتجمد في حنجرتها، وما فتئ ان بادرها بسؤال : والى متى يفعلون ذلك ياماما ؟

  إرتخت يداها اللتان تحتضنانه الى صدرها، وتلاشت إبتساماتها بانسدال جفنيها كما تتوارى الشمس وراء الأفق . أنفجر بركان مكبوت  في أعماقها، هزَّ كيانها وبعث ماضيها .. سؤال اكبر مما تتوقعه !

واعمق معنى من ليل ينتظر خيطا من نور فجر.

سرحت مع أحلام طفولتها، تذكرت أختها الصغيرة التي  سألت يومذاك، ذات السؤال، فكانت الأجابة أن تطايرت أشلاءها.

 اقشعر بدنها، كما لو أن تيارا كهربائيا لامسها!

دّبَّ في عروقها اشبه مايكون بماءٍ ساخن، حدّثت نفسها، ليتها لاتفاجأ بِمِثلِ ما وقع لأختها  . نظرت في وجهه، وكلتا يديها تضمانه الى صدرها بقوة.

 كانت عيناه تُصَوّبان نظرهما في عيني أمهِ، كمن ينتظر جواباَ  .

خَطَرَ على بالها  أن تقولَ شيئا، وقبل أن تفتحَ فاها، هَزّت أركان المخيّم قذيفة صاروخية أخرى..

صّرّخت :

ولدي.. ولدي، مات ولدي..

 قَفَزَ سالم من فِراشهِ !

ما  بكِ، ما بكِ يا مريم ؟ إهدئي .. إهدئي إنّكِ في حُلُم، وأخذَ يَرْبُت على كَتفها مثل صغير بين يديه، واستأنفت  صراخها ثانية، وبعد أن هدأت قليلاً صاحت: ولدي، ولدي .. أينَ ولدي ياسالم ؟ قلت  لكِ أنكِ  كنتِ تحلمين .

فتحت مريم عيناها الزّرقاوان على إتّساعهما، إلتفتت يُمنةَ، يُسرَةَ، حدّقت  بكل ما يحيط بها، كمن فَقَدَ شيئاَ. مَسَحت عينيها ومن ثم  تلمّست بكفيها  بَطنها المرتفعة .  إتّشح وجهها بشئ من الأصفراء، لِيُغَطّي تلك الحُمرة المرسومة على وجنتيها .

إرتَعَشَت، أصابتها قَشْعَريرة شديدة، جَعَلتها تَهتَزّ، كمن تَعَرّض لريح ثَلجية، أخَذت تَتَلَوّى. لَمْ تُطِق صَبْرا من شِدّةِ  الألم. أطلقت صَرَخة عالية تشوبها  حشرجة، مصحوبة بزبد،  قالت: إذهبْ يا سالم واحضر لي طبيبا، فان  أحشائي  تتمزق .

 قال سالم : ماذا تقولين يا مريم ؟ أتعلمين كم الساعة الآن؟ إنها الثانية بعد مُنتصف الليل، كما أنَّ دوريات العدو العسكرية تتجوّل، لأنّهم أعلنوا البارحة  حالة مَنْع التَجَوّل.

أجَلْ.. ان تلك القذيفة التي سقطَتْ وسَطَ المُخَيّم، كانت شَديدة الأنْفجار، أرعَبت أهل المُخَيّم قاطبة، حيث لم يجرؤ أحد  على الخروج .

تعالت صيحاتها لترتج حُجُب الظلام الجاثية على صدر المُخَيّم، وكلما تزداد شدّة ألألم، فهي  تتقلّبُ كَعُصْفورةٍ طُعنت برأسها. يرتفع صراخها، حتى  أمسى وجهها كليمونة صفراء ذابلة، ففقدت كامل شعورها، كالمصاب بالهستريا، تصرخ، تتلفّظ عبارات لا معنى لها. وما أن تهدأ موجة الألم تناديه بصوتٍ ضعيف : سالم .. أين أنتَ يا سالم؟

حاول بكل ما يمتلك من قوة وارادة،  حبس أدمعه بين جفنيه، وعبرة بلغت حُلْقومه .

 فأجابها بود ورِقّةٍ :

 نعم  حبيبتي..

قالت: إذهب الى الخالة أم حسن وأحضرها لي، سأموت، سأموت. .

نَهَضَ سالم من فراشه متثاقلاً، تعتصره الأفكار، واضعاً رأس مريم على وسادةٍ عَتيقةٍ أو بالية الشّكل،  بعد أن كان على ذراعه الأيمن، دَسَّ يَده في جيب بنطاله  اثناء قيامه،  لِيُخْرجَ علبة السجائر التي ما كانت تحتوي إلاّ على سيجارةٍ واحدةٍ. أطلق عنان أهةٍ حرّى مَحبوسةٍ  في أعماقه الملتهب، ونفث الدخان بعد أن أشعل سيجارته،  فارتسم الشهيد  عصام وسط السحابة الدخانية، مخاطبا  اياه

(أخي سالم إنَّ أملُنا فيكَ لَهو أكبر من أن تَخدشَ الأشواك قدميكَ، فتُعيق تَقَدّمكَ،  نحن نعرفُ أنّكَ تتألم، والحيرة كحبل يلتف على عنقك، ولكن ينبغي عليك أن لا  تغضب، أو تنهار، لِما هو ليس بِمُستوى الأهمية . فصلاح عندما وهب قلبهُ لِقضيةِ شَعبِهِ،  لم يَمُتْ، ما دامت قضيتنا حيّة لَنْ تَموت. وكذلك أحمد ورُبّما  مريم  وأنتَ، وتوقّع أنّ أعدائنا الغُزاة سيستعملون أقسى الأساليب في ضربنا جوّاَ وبرّاَ.. بطائراتهم ومدافعهم ودبّاباتهم ورشّاشاتهم وبمختلفِ وأحدث أسلحتهم، توقّع هذا كُلّه يُوَجّه ضِدّنا ما دمنا نحن  نناضل مِن أجلِ قضيتنا في سبيل  تحرير أرضنا من دنسهم، وما دمنا نَحْمل البُنْدُقية. فلا تيأس ولا تَحْزَن، فالحُزْنُ  كل الحزن  حين تسْقط الراية والبُنْدقية.. وهذا مُسْتحيل، لأنَّ الدماء التي سالت لَن ولَمْ تَجُفْ، والأرواح التي أزهقت، لَنْ تموت، هي فيكَ، وفيَّ، وفي كُلِّ المناضلين، وإننا لابُدَّ أن ننتصر) .

رَمى سالم عقب سيجارته ولم يُكْمِل النّفسَ الثاني منها . دسًّ يديه في سترته، قَدّمَ رِجْلهُ اليُمْنى ثم اليُسرى، تقدّم خطوة  لِيَفتح الباب بِحَذرٍ . إنطلق صوت من خلفه  لم يألفه من قبل!  إلتفت وراءه، لكن ضوء الفانوس الخافت  لم يُمَكّنه من ان يرى، ومن أين  هذا الصوت المنبعث من الظلمة، تراجع الى الوراء قليلا. ثمّة شئ في داخله يُحَفّزه، وكأنه قد لمح خيطا من نور شمسٍ غابت مُنذُ قرون. إندفع جسمهُ لا إراديّا نحو الشئ المجهول . نادته  مريم : سا..لم،  سالم .. تعال ياسالم، إنّهُ .. إنّه  هو.. هو ..

فانحنى نحوها بكل شوق ليحتضنه بكلتا  ذراعيه، وقد غطّت ساقيها، وارتسمت  ابتسامة كقوس قزح على وجهيهما، ولاح الفجر من كُوةٍ صغيرة في الغرفة .

***

 قصة قصيرة

 ابراهيم الخزعلي

1983

........................

* (بما ان القضية الفلسطينية هي ليست قضية الفلسطينيين فقط .. بل هي قضية انسانية وحضارية، يشترك فيها من مختلف الجنسيات والأعراق، والجميع يضحي من أجلها! إذن لا يستطيع البقاء على ارض فلسطين كيان مصطنع كأسرائيل)

 

ريكان ابراهيملا تُخاطِب ضمائِرَ العُملاءِ

أنا أخشى عليكَ

هَوْلَ العناءِ

طُولَ ما عشْتَ هل رأيتَ

بغيّاً تسمعُ النُّصْح في

اجتناب البغاءِ

طُولَ ما عشتَ هل رأيتَ

ذيولاً لكلابٍ مالتْ إلى الاستواءِ

عُملاءُ الغريبِ رمزٌ لجبنٍ

وسكوتٍ...

وذلّةٍ وانحاءِ

سكنتْ فيهم الحناجرُ طوعاً

كي ينالوا بالصمتِ

بعضَ العطاءِ

وقديماً عابُ السكونُ القوافي

حيث أمسى مطيّةَ

الشُّعراءِ

**

إنَّ هذا العميلَ كانَ عميلاً

مُنذُ أنْ كان مُضغةً في النساءِ

وهو منذ النِفاسِ

عارٌ لأُمٍّ

ولدتْهُ ليلاً على استحياء

أتعبَ الوالدَينِ بحثاً

طويلاً

في المصَحّاتِ عن مُفيدِ الدّواءِ

ثمّ مَلّا

فسَلّماهُ مريضاً

لشيوخٍ...

ورُقيةٍ ودعاءِ

**

سألوا الأُمَّ هلْ توحمت

فيهِ

بقبيحٍ من عالمِ الأشياءِ

فوِحامٌ بالشيء يعني

اكتساباً

لمزايا الشبيهِ دونَ مِراءِ

فأجابتْ: إنّي تَوحّمتُ يوماً

بصغيرٍ لقردةٍ شمطاءِ

**

أتظنُّ العميلَ فينا غبيّاً

حيث يَعفي القانونُ أهلَ

الغَباءِ؟

أبداً، إنّه لامعٌ وذكيٌّ

وعميقٌ مؤزَّرٌ

بالدهاءِ

ليس في عقلهِ العيوبُ

ولكنْ

عيبهُ في الضميرِ ذاكَ المرائي

فغبيٌّ بدون خُبثٍ مَلاكٌ

وذكيٌّ بالخُبْثِ

شَرُّ البلاءِ

**

زارني في عيادتي ذاتَ يوم

واحدٌ من أكابرِ

العُملاءِ

قال لي:

يا حكيمُ صرتُ أُعاني

منذ شهرٍ من الأسى

والشقاءِ

صرتُ أبكي إذا تذكّرتُ

أهلي

أو تذكّرتُ عندهم أصدقائي

يا حكيمُ الساعاتُ تمضي

ثِقالاً...

وعذابي يَجرُّني من ردائي

فبحارٌ...

من الدموعِ أمامي

وجبالٌ من الهمومِ ورائي

قلتُ:

أبشِرْ هذي علامةُ بُرءٍ

وخلاصٍ...

من عالم العُملاءِ

صرتَ تشكو؟ إذنْ تُحِسُّ وهذا

أوّلُ الغيثِ في اكتسابِ

الشفاءِ

**

... بعدها دُرتُ في فضاءاتِ روحي

أتملّى قصائدي في

عزائي

ثم أطلقتُ صَيحَةً من ضميري

رَدَّدتها

معارجُ الجوزاءِ

آهِ لو كنتُ حاكماً وأمامي

عملاءٌ ... سحَقتُهم بحذائي

آهِ لو كنتُ تاجراً برقيقٍ

بعتُ هذا العميلَ قبلَ

الإماءِ

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

كريم مرزة الاسديمقطعان شعريان: لغز الحياة الرهيب،

و(ما كان لو تتريّثُ)

لا العلم يدركُ مغزاها ولا الفهِمُ


1 - أرى الحياة َكسرٍّ، لطف بارئها***أعيى العقول، بـــــما تحويه ينكتمُ

2 - إنّ التـــــوازن َ- جـلّ اللهُ مقدرةً***من الخليـة ِ حتى الكـون منتظمُ

3- سبحان منْ أبدع التكوينَ في نسق**لاينبغي أنْ تحيدَ الشمـسُ والنُّجُمُ

4 - وتارة ً قد نرى في طيشها عجباً***لا العدلُ بيـن ثناياها ولا القيمُ

5 - تأتي المنية ُللصبيان ِتغصبهمْ***روحَ الحاة، ويُعفى العاجزُ الهرِمُ

6 - أنّى ذهبتَ لتسعى في مناكبها**هــــــي المظالم ُ مَلهومٌ ومُلــتهِمُ

7- فالفرغمُ السبعُ عدّ الأرض ساحتهُ**والكلبُ ما نالّ من عظم ٍ وينهزمُ

8 - 9 - والغيثُ يهطلُ فوق البحرمن عجـز ٍ***ولا تدرُّعى تربائها الديمُ

9 - دع ِ المقـاديرَ تجري في أعنّتها"***لا العلم ُ يدركُ مغزاها ولا الفهِـمُ

***

المقطع الثاني من قصيدة أخرى:

1 - ما كــــانَ لــو تتَريث ***عوضاً تعيشُ وتلهثُ

2 - رُيّضتَ تسعة َ أشهر ** في ضنْك ِرحم ٍ تلبثُ

3 - ماذا وجدتّ بذي الحيا**ةِ وكلُّ عمـركَ تبحثُ؟!

4 - فإذا زهــوتّ محدّثـاً ***غطـّى عليـكّ الأحدثُ !

5 - أتـرى بإرضـكَ حارثاً **أمْ غيرَ أرضِكَ تحرثُ؟!

9 -"والظلمُ من ْ شيم ِ النفو**سِ"وأنتَ خُلقكَ يدمثُ!

11 - والديـنُ أصبحَ قسمـةً ** ضيزى(وحـلفٌ)يحنثُ !!

12 - غرفوا ، ومـرّتْ أعصرٌ *** والباقيـاتُ الأجدثُ

13 - دعهمْ فما لكَ حيلة البــ ** ـهتانِ ممـــا يرمثُ

16 - هذي همومٌ كُثـِّــــفتْ ***مـنْ حرِّ صــــدر ٍ تنفثُ

17 - والشعـرُ لا يقوى على الـ**ـكتمان ِمهمـا يمكثُ!

***

كريم مرزة الأسدي