ناجي ظاهرتوقف عطاف الوحش ابن الحارة المجاورة لحارتنا، قبالة ابناء حارتنا وكأنما هو ديك رومي مستنفر وهو يسائلهم:

- بدي اعرف مين اللي تجرj وسرق جاجتنا الحمرا.

بقي اولاد الحارة صامتين، لم يتفوه اي واحد منهم بأية كلمة.

فعاد يقول ووجهه يكاد ينقط سما زعافا:

- كنت عارف انكوا مش ر ايحين تحكوا.. السراق مش ممكن يعترف.. الا بالكرباج.

لطم الارض بسوطه واستدار نحو ابناء حارتنا.. بعد خطوتين من انصرافه.. وهو يقول:

- انا مش رايح اتنازل عن حقي.. راجعلكوا.. توقعوني ارجعلكوا واعلمكوا لغة هذا الكرباج.

مضى عطاف.. فيما بقي ابناء حارتنا وبينهم ابناء عائلات لها وزنها في حارتنا، ينظر كل منهم الى الآخر وعلى شفتيه سؤال حائر. اما انا الطفل ابن العائلة اللاجئة للتو من قريتها سيرين في الناصرة، فقد ارسلت نظرة الى اخي الاكبر جابر، ضمنتها كل ما وقر في حفيظتي من تساؤلات. اشاح اخي بوجهه عني، ومضي في طريقه محاولا ان يخفي عني مشاعره..

في ضحى اليوم التالي وكان اليوم الثاني في الاسبوع، اندفع عطاف في الشارع المؤدي الى مجلسنا  المعهود في الحارة. توجه مرة اخرى مهددا متوعدا:

- هذه هي الفرصة الاخيرة لكم اما ان تعترفوا بمن سرق جاجتنا الحمرا.. واما.. سيكون لي معكم حساب اخر.

هذه المرة ايضا انصرف عطاف، وهو يتهدد ويتوعد. ما ان انصرف حتى بادر اكبر ابناء الحارة الى توجيه سؤال متفحصا الجميع:

-مين اللي سرق جاجته.. خلينا نعرف حالنا.

خيم صمت عميق وغير معهود على وجوه الجميع، ولم ينطق اي منهم بأية كلمة، مكتفيا بهزة راس مفادها انني لم اسرق دجاجته الحمرا.

لفت نظري في هذه الاثناء ان يد اخي جابر اخذة في الارتجاف.. وفوجئت به يوجه سؤالا كبيرا الى الجميع:

- انتوا متأكدين من انه ولا واحد سرق الجاجة؟

اهتزت الرؤوس مرة اخرى نافية التهمة.

قبل ضحى اليوم الثالث من الاسبوع، اندفع عطاف مخترقا شارع حارتنا كأنما هو عاصفة عاتية تريد ان تقتلع كل ما بوجهها من بشر وحجر ايضا، وافتتح خطبته اليومية قائلا:

-للمرة الاخيرة بسألكوا.. مين اللي سرق الجاجة؟

وعندما لاحظ ان شيئا لم يتغير.. وان الصمت بقي سيد الموقف، اضاف يقول وهو يؤشر نحوي انا الطفل الصغير:

-تعال لهون وله.. اعترف انك انت اللي سرقت الجاجة..

وجذبني من ياقتي فتمزق قميصي المهترئ اصلا، وقبل ان يرفع يده ليهوي بها على وجهي بكل ما لديه من غضب وعنف، اندفع اخي جابر اندفاعة طائر سماوي، وامسك بيده ملقيا اياه تحته ومفترعا اياه وهو يرفع يده ضمن مبادرة لتكسير اسنانه ويقول:

-اخوي مش سراق.. محدا من الحارة سرق جاجتك.. روح دور على السراق بحارة ثانية غير هذه الحارة..

عندها رد عطاف قائلا بصوت يملؤه الذل:

-قوم عني.. اتركني.

فلمعت عينا اخي كأنهما جمرتان ناريتان حمراوان:

-بقوم عنك.. بس بترجعش على هذه الحارة.. فاهم مليح.. قلنالك احنا شرفا مش سراقين.

هتف عطاف بصوت مبحوح مثل فحيح افعى توشك على الاختناق.. قائلا:

-طيب قوم عني.

تركه اخي جابر بسرعة من وثق بقوته ونفسه، وللحقيقة اقول انني خشيت ان يستل سكينا اعده لمثل هكذا موقف، وان يغرسه في صدر اخي، غير ان ما حدث هو ان عطاف انزل اذنيه مثل اسد مهزوم، وغادر الحارة الى غير رجعة.

ما ان ولى عطاف الوحش الذليل هذه المرة، حتى انتشرت ابتسامات الارتياح  على وجوه ابناء حارتنا.. وشرعوا في تصفيق مفاجئ لأخي جابر..

منذ ذلك اليوم اصبح اخي الاكبر الزعيم الاول والاوحد لأبناء الحارة.. اما انا الطفل الصغير فقد اصبحت اخا الزعيم.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

 

نور الدين صمودست خماسيات على مجزوء الكامل


يا زَوْرَقًا في نهر طِـيبْ* يَسري بهِ سِرْبُ الفَراشْ

كـم وَدَّ لو ضَـلَّ الدروبْ* في نهره الهادي وعاشْ...

           كاللحن في سِرب الطيورْ

[2]

في كل آيات الحياهْ* يحيا بقـلب خافـــــــق

في روحه سِـرُّ الإلهْ* أعطى معاني الخالق

            كالزهر ينطق بالعبيرْ

[3]

في قـلبه يحيا الوجـودْ* وتلوح أسـرار العـــــــــــدمْ

عرف الطريقَ إلى الخلودْ* فسرَى على درب النغمْ

              كاللحن تُنشده الطيورْ

[4]

في سرب نحل حائم *ِ فوق الزهور يرنِّـمُ

مثل الفَراش الحالم* تلك الورودُ تَبَـسَّمُ...

          في ثغر نيسان الغريرْ

[5]

والصبح في أسْنا ضِيا*فيه انتفاضات الحيـاهْ

في سحره دفْقُ السـنَا*كالفيض من نبع الإله...

            تتدفق الأكوان نـورْ

 [6]

قـلبُ اليـتيم إذا بـكَى** أو ظلّ يندبُ في سكونْ

وفمُ المعـذَّب إنْ شـكَا* أو أخرستْهُ مدى السنينْ

               كفُّ المظالم والشُّـرورْ

1748  نور الدين صمود

عشر ثنائيات على مزيد الكامل

في ثـغـره شـوقٌ لِقُـبلةِ آدمٍ في ثغر حوّاءَ الجميلْ وبـصدْره طـعناتُ قابـيلٍ لِهابـيلٍ تدفّـق كالسيولْ

2

في سمعه تدوي المطارقُ وهي تكسو بالدما كفيْ يسوعْ في سمعه خَطْـوٌ لناقةِ أحمدٍ تطوي الفيافي في خُـشوعْ

3

في حُـرقة الأم الحَـنونِ على فَـتاها، كالرياح النائحهْ قَطـفتْ تَـأوُّهَها من اللهب المُـؤجّـج والسَّموم اللافحهْ

4

في حيرة الملاح مزقت الرياح شراعـه وسـط البحـارْ فغـدا شـريدا كالغمائِم في السماء فمالَـه أبـدًا قـرارْ

5

في هدأة الريش المُنَـعَّمِ كالنُّعاس وفي ارتعاشات الضياء في سَكْرَةِ العذراءِ عبْرَ التيه عبر خيالها الصافي المُضاء

6

في سحْـر نيْسـان الجميل وفـوق كفيْه الـربيع الناضِرُ يمشي كما يهـوى وفي شفتيه يبتسم الوجـودُ العاطـرُ

7

والوردة البيضاء في اَلـق الصباح ومُهجة الفجر المنيرِ والسوسن الريَّانُ من معنى الأُلوهةِ صاغ رفرفة العبيرِ

8

والفجر ينزع عنه أردية الظلام ويوقظ الكـون النؤوم فتُـعانق الأطيـارُ أطيافَ الأشعَّـة في غناء مستديمْ

9

في ثـغـره شـوق لقُـبلةِ آدمٍ في ثغر حوّاءَ الجميلْ وبـصدْره طـعناتُ قابـيلٍ لِهابـيلٍ تدفّـق كالسيولْ

10

في سمعه تدوي المطارقُ وهي تكسو بالدما كفيْ يسوعْ في سمعه خَطْـوٌ لناقةِ أحمدٍ تطوي الفيافي في خُـشوعْ

***

أ.د : نورالدين صَمُّود

 

 

عادل الحنظلكيفَ لا تنهالُ في النفسِ الهواجس

حين تسعى تطلبُ النور

ولا تدري

متى يأتيك مرسالُ الهلاك

ناثرا حولكَ أشلاءَ الفرائس

كيفَ تمضي

ونواحُ الثاكلات

ينذرُ الغادي بقتّالٍ قريب

آهِ ربّي

وسؤالي .. هل أعود

وأنا أحبسُ في رأسي الوساوس

وأُنقّي كدَرَ الافكارِ في معْوَجِّ دربي

جاءَ مبعوثُ الدمار

باحثا عمّن رماهُ الحظُّ

في هذا المدار

هاتِكا خطَّ الشروقِ الى الغروب

مُعلنا فَجْرَ العَدم

أَدخَلَ الارضَ بأرجاءِ السَماء

نَدَفَ القاعَ وأحشاءَ القبور

ألجمَ النورَ فأعمى في الضياء

جَعَلَ الوقتَ حِسابا في هَباء

لَعَقَ الموتُ بطونَ اليافعين

وانبرى يسلبُ الأنفاسَ منّا

خازنُ النار

نابشا بينَ الرِمم

ناعيا من غادروا قبل الأوان

غافلا عني طريحا في النثار

كغريقٍ في تراب..

ودُخان

لمْ يعُد يحضُرُني الّا نبوءاتُ الفناء

لمحاتٌ عَبَرتْ أشتاتَ بالي

أوْصَلَتْ لي كلَّ تأريخِ الحياة

عَرضَتْ لي بانحسارِ الذهن

وشرود اللحظات

صورا تشبهُ أمّي

وخيالاً لنبيٍّ كأبي

يستنهضُ عزمي

انني وحدي هنا أهذي بمُفتَرقِ الزمان

ما لأطرافي حُدود

قد هَوَتْ فوقي نُثالاتِ المكان

تحملُ الأنسامُ  أنباءً عن الموتى

وتمزيقَ الجلود

هامدٌ كالمُثملِ في كعْبِ النهار

يركلني قلبي لكي أفهم اسرار النجاة

باحولالِ الوعي

في قعرٍخسيف

هكذا

أمسيتُ كالكلبِ الطريد

حينَ يقعى في متاهاتِ الهروب

أغبرا يعجزُ عن كبحِ الجُفول

أرضعُ الرعبَ وثديُ الموت يسقيني الذهول

بين ومضِ الحسّ

وانحسارِ الدم في الجسم الهزيل

وصراخُ الروعِ في نبضِ الوريد

لمسَتْ كفّي نتوءاتِ الرصيف

بأرتعاشٍ .. مثل أعمى

حينَ يشتاقُ الى وجهِ حبيب

همتُ أحبو

لا أرى مني سوى عٌقْبِ أنف

وبقايا من غبار

تخرقُ العينَ برمْشاتِ الجُفون

صرتُ مثل القنفذ المرعوب

للشمال .. للجنوب

حينَ ضيّعتُ إتجاهات الدبيب

لاحَ لي وسطَ إنبلاجاتِ البصَر

رَحِمٌ أفغَرَ فاه

يالَنوباتِ القَدَر

صاحَ كي أجثو هناك

في سلام

رحتُ أدنو

زاحفا في ريبةِ العاصي الشريد

فاحتواني في الظلام

مُسدلا حولي ستارا من سُكون

كوَليدٍ لُفَّ بالأسمالِ

ألقتهُ أمٌّ انجَبَتْ ابنَ الحرام

ها هنا

لمّا خبا بعضُ الطنين

ليتني اسمعُ تكبيرَ الجوامع

ونواقيسَ الصلاة

ليتني أصغي لصيحاتِ السكارى

وانتشاءِ العابثين

فيكَ يا شارعَ بشّار

أيُّ صوتٍ

سيُريني 

أنّ هذا ليسَ نفخ الصورِ في يومِ النشور

لم أكن أدعو.. ولكن

باقترابِ النفسِ من نابِ المنايا

يهرعُ العقلُ لتصديقِ النذور

علّها في غفلةٍ

تُنجدُ ملتاعا

وقد أدركَ، لمّا انهارَ،

آثامَ الخفايا

***

عادل الحنظل

.......................

* في مثل هذا الوقت من عام 1987 كنت في آخر النهار ماشيا في شارع بشار بن برد متوجها الى سوق البصرة القديمة للتبضع، وعلى حين غرة سقط صاروخ ايراني على مسافة قصيرة مني، فاصدمتُ بشدة بالارض، مغطّى ببعض الحطام. وقع الصاروخ في ساحة ترابية صغيرة، فأحدث دمارا واثار الرعب الشديد وأحال الجو الى سحابة تراب تعمي البصر. زحفت على رصيف مكسر دون وعي وعثرت على باب دار اقتلع نصفها الانفجار ودخلت أحبو متلمسا طريقي بصعوبة في ظلام دامس. كانت الدار خاوية من أهلها الذين هجروها مثل الكثير من أهل البصرة بسبب القصف الايراني المستمر. هذه الخواطر المنثورة تحكي تلك الحادثة في ذكراها الثالثة والثلاثين.

 

فالح الحجيةالقَلـــبُ يَرنـــــــــو أ ن يَعيـــشَ لِحُـبِّـــهِ

آمـــالُ مَنْ مـــلـكَ القلـــــوب َ رَجــــا ءُ

.

وَتَعانَقَتْ سُــــــــبل المَحَبَّـــــــةِ تَـرْتَــــــقي

عِنْـــــــدَ المُـــروجِ المُخْضِـــــــراتِ رَواء ُ

.

وتَطَلّعَـــتْ شَــــمْـسُ الضُحى بِشُـعاعِهِـــــا

وَتَـزَيّـنَـــتْ كُــــــلُّ الــــوُرودِ سَــــــــــواءُ

.

وَتَـفَـتَّحَــتْ في كُـــلِّ غُصْــــنٍ زَهـــــرَةٌ

وَتَـآ لـفَــتْ عِـنْــــدَ اللقـــــــاءِ شَــــــــذاءُ

.

إذْ كُنْـــــتِ أنْتِ حَـبـيـبَـتي وَسَــــعا دَ تي

وَهَنــــــــاءَتي . َرمْزُ الوَفــــاءِ وَفــــــاءُ

.

قَدْ كُنْـــتِ شَــــمْســـاً إذْ تُـنـيـرُ رِحابِـنـــــا

فلأنْـتِ في كُـلِّ الشّــــِمـوسِ سَــــــــــــناءُ

.

أوْ كُنْتِ غَرْســــاً في غُـُصــــــونِ مَحَبَّـــة ٍ

أ نـــــتِ الــــوُرودِ . فَـزَهْــــــرَةٌ بَيْضـــاءُ

.

وَسَــــكَنْتِ في لُــــبِّ الفُـــــؤادِ عَزيـــــزَةً

في رِقَّـــةِ العَـطْـــــرِ السَّـــــــحيحِ صَفـــاءُ

.

فَتَهَلّلَــتْ سُـــــبُــــلُ المَــــوَدّةِ وَازْدَهَــــــتْ

أنْـــــتِ الهَنـــــــا .أ نْــــتِ المُنى وَالمـــــاءُ

.

فَـلِـتَـنْـطَـفي كُـلُّ الحَــــــــواسِ أُ وارَهـــــــا

نَــــظَــراتُــــها رَيّــانَــــــــةٌ حَـــــــــــوْراءُ

.

تـوحــي الى قَلْـــبِ الحَـبـيـبِ سَـــــــــعـا دَةً

فَـــتُــزيــــدُهُ بِـجَـمالِــــهــــــــــا إغْــــــــراءُ

.

إ نَّ الجَــمـــــالَ جَـمـيـلَـــــةٌ أ نْـغـا مُــــــــهُ

إنْ حَـفّــــهُ عِنـــــــدَ اللقــــــاءِ صَـفـــــــــاءُ

.

وَأريـــجُ عِـطْــــرِ الـوَرْدِ يَـغْمُـرُنــا شَــــذى

فـوّاحَـــــةً في غُـصْـنِـهــــــــا وَسْـــــــــنا ءُ

.

غَــرِقَـــتْ فَفي بَحْـــرِ الـــوِدادِ وَشَـــــوْقِـهِ

وَأريــجـــِهِ . فَسَــــــــعـــا دَ ةٌ وَرِضــــا ءُ

.

يـا بُـلبُــــلاً وَسَــــــطُ الخَـميــلَةِ صَـوْتُــــهُ

إنْ يرْتَوي مِنْهـــا الـنُـفــوسَ الغِــــنــــــاءُ

.

سَـــمْعــــاً لِــقَـلْـبِـــكِ إ ذْ يُـغــَـنّي شَــوْقَـهُ

فـي حُـبِّــــهِ أو يَـنْـبَــــري إسْــــــــــــراءُ

.

أنــتِ الحَـبـيـبُ وَلَيـسَ حُــــبٌّ بَـعْـــــدَهُ

بَلَــــغَ المَـدى في سَـــعــدهِ الجَـــــــوْزاءُ

.

وَتَـفَـتَّـحَــــتْ آلاءُ نَـفْـــســـيَ طِـيـبَــــــــةً

وَتَـعَـطّـــرَتْ مِـنْ طَـيـبِـكِ الأجْــــــــــواءُ..

.

وَالقَـلْـــبُ يَسْــــعى أ نْ يَـعيـــشَ مُـدَ لـلاً

بِـــــــوِد ا دِهِ فَـيُـــزيـــــــــــدُ هُ الا رْواءُ

.

وَالنَّـفْـــسُ تَسْــــبَـحُ في بُـحــورٍ مِنْ نَـدى

فَتَـهَـلـلَـتْ سُــــــــبُلُ الحَيــــــاةِ بـَـهـــــاءُ

.

يا رَبِّ زِدْ ني في الحَيـــــــــــاةِ سَــــماحَةً

قَـلْـبي وَنَـفْـســـــي في الأمــــــورِ سَــواءُ

.

وَاجْعَـــلْ لَنــا سُــــــبُـلَ المَـحَـبَّـةِ آ يــــــــَةً

فيهــــا المُنى عِـنْـــدَ الرِضــــــــا وَرَجـــاءُ

***

الشاعر: د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العــراق - ديــالى - بلــــــد روز

 

 

عبد اللطيف الصافيآه.. أَيَّتُهَا الْفَرَاشَةُ

الْمُعَطَّرَةُ بِالْبَنَفْسَجِ

الْمُتَوَّجِ

بِالضَّوْءِ الْمُسْتَنِيرِ

الْمُبَلَّلَةُ بِنَدَى سِرِّنَا الصَّغِيرِ

تَعْرِفِينَ

أَنَّنِي وَقَفْتُ طَوِيلاً

فِي مُنْعَرَجَاتِ الصَّمْتِ

تَحْتَ رَحْمَةِ الْقَدَرْ

خَبَّأْتُكِ جُرْحاً وَ نُدُوباً فِي حُلْمِي

وَلَمْ أَضْجَرْ

أَقُولُ لَكِ الآنَ : انْتَظِرِينِي عِنْدَ فُوَهَةِ الْفَجْرِ

إِلَى أَنْ يَنْصَهِرَ الْحَنِينُ

تَحْتَ جِلْدِي

وَ يَسْتَيْقِظَ النَّايُ الْمُتَْكِئُ عَلَى جِذْعِ جَسَدِي

الْأْخْضَرِ

انْتَظِرِينِي قَلِيلاً

كَمَا انْتَظَرَتْ سَنَابِلُ الْقَمْحِ

مُرُورَ سَحَابَةَ الصَْيْفِ

وَانْتَظَرَتْ رِيَّاحُ الْخَرِيفِ عَوْدَةَ الْعَصَافِيرِ

لِتَشْدُو

فَوْقَ رُؤُوسِ فَزَّاعَاتٍ تُحَمْلِقُ فِي الَّلاشَيْءِ

بِعَيْنَيْنِ جَاحِظَتَيْنِ

وُ قُفْازَيْنِ

مِنْ قَشٍّ وَحَرِيرِ

آهٍ.. أَيَّتُهَا الْفَرَاشَةُ الرَّقِيقَة

لَوْ تَعْلَمِينَ الْحَقِيقَة

كَيْفَ يُثْمِرُ الْفَرَحُ فِي حَقْلِي

ويُزْهِرُ السَْلَامُ فِي عَقْلِي

كَيْفَ يَزْدَانُ شِعْرِي بِرَائِحَةِ الْمَطَرِ

حِينَمَا تَنْثُرِينَ وُرُودَكِ فِي بَيَاضِ لَيْلِي

كَيْفَ يَهْتَزُّ وِجْدَانِي

بِأَعْذَبِ الْألْحَانِ

حِينَمَا تَكْتُبِينَ لِي بِلَوْنِ عَيْنَيْكِ

فَتَعْبُرُ كَلِمَاتُكِ فِي حُلْمِي

كَبَسْمَةِ الْجَنِينِ

أَوْ كَهَمْسِ الْحَنِينِ

***

عبد اللطيف الصافي /المغرب

 

صحيفة المثقفجلس يفكر في ما يمكن أن يسمعه من أبناء عمومته مساء اليوم،    تواردت عليه  مواقفُ الماضي البعيد، وصور طفولته القاسية، وكيف كان يُعامل معاملة العبد الحقير مدة خمس وثلاثين سنة، فاشتعلت نيران الغضب الجارف داخله، وصمم على الذهاب بعيدا في التحدي،  فهو على كل حال،  لن يخسر شيئا مادام يملك الوثيقة، وهؤلاء الذئاب لن ينالوا منه قيد أنملة  بمودتهم المصطنعة، وإن استمروا في معاكسته بأساليبهم الحقيرة، سيضرب ضربته الموجعة، ويكسر ظهورهم جميعا.

صحيح أن أباه لم ينجب أحدا كما يكرِّر القول أبناءُ عمومته كلَّ وقت وحين، لكنه ليس عبدا كما يزعمون، وهذا ما قاله فقيه الدوار نفسُه، فقد سألوه عن حكم  التبني في الشرع، فأخبرهم بأن الابن يُدعى لأبيه، لكنه  يُعامل بإحسان ولا يُظلم عند أوليائه، غير أن  الفقيه "لا يعرف حالتي الخاصة، وإلا كان سيقول إنني أستحق نسب أبي، فأنا لا أعرف  أبا غير أبي، منذ فتحت عيني وأنا أمامه، يرعاني ويدعوني (ولدي)، وأنا أدعوه (أبي)، أذهب معه إلى السوق والحفلات والجنائز، ويقدمني للجيران وأبناء القرية كلهم  بقوله (إنه ابني )، وفوق كل هذا، أنا لا أعرف الوالد الأصلي الذي تربطني به تلك النطفة المهينة فقط، ولا أعرف الوالدة أيضا، ولا يهمني أن أعرفهما معا، إنهما شخصان عابران، أنجباني وتراجعا إلى الوراء، أما هذه الأسرة التي ترعرعت فيها، فقد أورثتني الحب والرعاية والاهتمام، فلماذا يريد هؤلاء منعي  من إرث  المال والأرض تحت ذريعة الشرع؟  ".

أحس بضيق شديد فنادى زوجته، وطلب منها أن تُعِدَّ براد شاي وبعض "الزميطة"، وتأتي لتجلس معه، ويسمع منها بعض الكلام، فقد تعود على الاستماع إلى رأيها في أموره العويصة.

قالت الزوجة:

- كلْ يا هذا الرَّجل. هؤلاء أعداؤك من زمان. أفسدوا عليك حياتك صغيرا وكبيرا .. كُلْ.

_ أولاد الكلب يزعمون أنهم يحبون عمَّهم الراحل، لذلك سبقوني إلى الإعلان بأنهم سيقيمون له  صدقة  الأربعين بدلا مني ، لكن خطتهم واضحة، إنهم يريدون أن يفضحوني أمام الملأ، ويقيموا عليَّ الحجة بحضور أربعة أو خمسة من فقهاء الدواوير المجاورة.. جماعة الحرام..  لا بأس.. إذا أرادوا الشرع أنا مع الشرع.. الراحل استعد لهذه اللحظة أكثر مني، وأغلق جميع الثقب التي يمكن أن تتسلل منها الريح المسمومة.

لم تُرِد زوجته أن تجاري غضبه الهادر، وشرعت تكوِّر  له " زميطة " البلد بخفة ورشاقة:  "خذ.. إنها لذيذة.. ضمختها بزيت الزيتون جيدا.. هل أضيف السكر إلى الشاي؟ ".

في المساء  لبس جلبابه العيدي  الأبيض، ووضع على رأسه طربوشا بنيا، وأخرج بعناية ورقتين من خزانته السرية، ثم طواهما برفق، ووضعهما في جيبه، وخرج إلى منزل أبناء عمه المجاور، وفي الطريق تساءل هل يكون أبوه يرى ما يجري الآن، " إنه يراقبني الآن بدون شك، إنهم يقولون إن الميت لا يغادر مكانه في الدنيا إلا بعد مرور أربعين يوما على موته، وأبي لم تمر على موته هذه المدة، هناك أيام متبقية سيراقبني فيها، ويعلم إلى ما سينتهي إليه هذا الأمر، لكن عليه أن يعرف ما سيجري اليوم بتركيز أكبر.. ها أنت يا أبي..  أنت ترى أني  أخرج إليهم.. أنفذ وصيتك".

خلال الصدقة، تلذّذ الجميع بأكل  الكسكس، وقرؤوا القرآن، وأنشدوا قصائد المديح النبوي، ورفعوا أكفهم إلى الله يدعونه أن يرحم المرحوم، ويرزقه الجنة.. ثم تكلم أحد أبناء العمومة :

- نرجوكم يا جماعة أن تبقوا معنا لحضور أمر مهم يخص المرحوم. هؤلاء فقهاء دواوير البلدة سيخبروننا ماذا يرى الشرع في أموال عمّنا تغمده الله. ونحن ما علينا إلا العمل بشرع الله وأنتم شاهدون.

عم المجلسَ الصمتُ بعد هذه الكلمة، وصوَّب الحاضرون عيونهم إليه، حتى أحسَّ بقلق مضاعف، دفعه إلى ترتيب طربوشه وتعديل جلسته... نطق أحد الفقهاء محاولا تكسير الصمت والحرج:

- الحمد لله أن الشرع وضع لنا منهاجا واضحا في كل شيء... على الإنسان أن يبحث ليتفقه في أمور دينه.

حاول ابن عم آخر يلبس نظارتين طبيتين  أن يقدّم ما يشبه تقريرا عن أموال المرحوم وخصوصيته العائلية، وقد ركز في ذلك على إحصاء الأراضي وتعيين حدودها، ثم ختم كلامه بالقول " وقد  ترك عمي رحمه الله في الحياة الدنيا الفانية زوجةً  دون أبناء "، ونظر إلى فقيه كبير في السن مستفسرا بعينيه.

مسح الفقيه وجهه واستعد للكلام، لكن صوتا هادئا قاطعه:

- وترك أيضا خادمه الحقير.. لماذا نسيتموه؟ لا تقلقوا. هو خادم فقط. لن يرث شيئا.

في هذه اللحظة أخرج وثيقتين وسلمهما للفقيه الكبير، الوثيقة الأولى فيها وصية موقعة بيد المرحوم، يوصي فيها بإعطاء خادمه ثلث أمواله، أما الثانية فهي عقد بيع، باع بموجبه الهالكُ أغلب أراضيه لخادمه. نظر الفقيه إلى الورقتين، وطالع الحاضرين بوجه أحمر " ليس هناك ما يُقسم. لقد باع كل شيء ".

عمت المجلسُ محادثات جانبية صاخبة، ولم يبدو أن الحاضرين قد رضوا  بهذه المفاجأة،  وسُمعت كلمات من هنا وهناك تقول إن الأمر يتعلق بتزوير مفضوح، لكن ابن العم صاحب النظارتين، هدَّأ الأجواء، والتمس أن تُسلَّم الوثيقة لرجل نحيل كان يجلس في طرف المجلس ليتأكد من صحتها، وينتهي الأمر.. " أعطوه أياها ليقول لنا ما فيها.. الفقيه ما يُكتب على اللَّوح فقط ".

ما إن تسلم الرجل النحيل  الورقتين، حتى سمع أصواتا كثيرة من هنا وهنا " كُلها.. كُلها.. أسرع "، وذلك ما لم يتردد فيه، فقد كوَّر الورقتين، على غِرار ما يُفعل ب " الزميطة "، وقذفهما في فمه، وبلعهما بسرعة...

***

حسن الطويل

 

 

 

 

جواد غلومأتدرين أيتها الشيخوخة كيف كنتُ صلدا

تغار مني الجبال؟!

شافياً مطبباً تحسدني أضرحة الحنّاء 

 يوم أينعتْ فتوتي؛  نضحتْ دماً دافقاً

كم كان مذاق روائها عذباً رائقا

صافيا مثل ثلج الهملايا

أحلام صباي رهنتُها لذاكرتي

في خزانة عقلي

محال ان أضيّع مفتاحها ولو صدأ

اعتدتُ أن أصقله بدموعي المالحة

يا لهذه الحياة برمالِها المتحركة

كم تصحّرتْ فيّ قحلاً يابساً

وكم انفجرت ينابيع روّتْـني بعذوبتها

يا للسنوات التي أومأتْ لي مودّعةُ

بأيامها العجاف ولحظاتِها الشغاف

صهرتني بمرجلها الحارق

كما أدفأتني بنارها الحانية في زمهرير شتائي

كم من الشعر أتلفتُ، طيّرتُ أوراقه في السطوح

لتلقاه غانيتي وتجهش بالبكاء مراراً

لترى حزني، بعدها  تضحك فرحاً لماماً

أيتها الملذّات الضائعة في شتات الأزمان الرثّة 

تعالي برهةً لنشتم بعضنا بعضاً

نتبادل العراك الجميل

قبل نفاد العمر الأخرق

أعيدي لي لحظاتي وارتجاف جسدي

منذ أول قُبلة طبعتها على شفاه حبيبتي

أعيدي هلعي يوم غادرتـِني

قلتِ وداعا لا لقاء بعده

سحقتِ غطرستي ببكائك

واستحالتْ عنجهيتي خرقةً جوربٍ بالية

أيتها المسرّات العسلية

لِمَ أخلفتِ وعدك بأن تبقين معي آخر العمر؟

أقسمتِ أنك تصلبين عودي وتثقلين جيبي مالاً

لكنكِ جرجرتِ أصدقائي معك وتركوني نسياً منسيا

دفنتِ رفيقة حياتي قبراً

كسرتِ عكازي في مطبّات الطريق

لويتِ قدَميَّ القويتين في العثرات الجسام

انتزعتِ نسلي من شغاف قلبي

ما الذي أفعله بقصائدي المبثوثة هنا وهناك

في أرجاء غرفتي الشعثاء الشِّعر 

بأوراقها الصفر المدماة بالأنين والفوضى

بحروفها الباكية والضاحكة معاً

أهي ثرائي البخس في أسواق الجاهلين؟

لم تعد سوى شروى نقيرٍ

لا تساوي عظمةً جرداء

هجرَها كلبٌ جائع

كم كان رهاني خاسرا

وأنا أعتلي  صهوة جوادٍ كسيحٍ

هو سَميِي في ارتخاء العضل ووهن العزم

في مضمار الأوحال والنقيع الآسن

ابقَ نديم شيخوختك

مؤنستك في ضرّاء الشعر

واخزتك في سرّاء  الفتوة

حتى يحين الحين

***

جواد غلوم

 

سعد جاسم1- بكاء

ولمْ أَبكِ

سوى مرَّتينْ

مرّةً على أُمي

ومرّةً على الحُسينْ

**

2- موت مُبْتَكر

يالها من مِيتَةٍ مُبْتَكَرَةْ

حَجرٌ فوقَ اليدينْ

حَجرٌ في القدَمينْ

حَجرٌ في الحنجرةْ

**

3- سماء عاشرة

ضربةٌ في الرأْسْ

طعنةٌ في الخاصرةْ

فاضتِ النَفْسْ

للسماءِ العاشرةْ

**

4- الحُســين

خائنٌ أنتَ

ودامياً كنتَ

أَيُّها الفراتْ

وطاعناً صرتَ

في البُخلِ والفُتاتْ

ولمْ تمنحِ الحُسينْ

حتى ولو قَطَراتْ

من مائِكَ الحزينْ

كي يبقى في الوجودْ

ويعلو بالحقِّ

ويسمو بالصدْقِ

فيرتقي الانسانُ

والمكانُ والزمانُ

ونحيا في الحياةْ

بلا يزيداتْ

ولا معاوياتْ

وبلا وحوشٍ ولاعصاباتْ

وبلا قتلةٍ ودمويينَ وطُغاةْ

***

سعد جاسم

 

 

علي القاسميوصرختُ بالرجل الآليِّ محتدمًا:

ـ "توقّفْ، فريد، اهدأْ، تعقّلْ."

وردّ بغضب وهو يرفع مطرقةً حديديَّةً ضخمةً بيده مهدِّدًا:

ـ " لا، سأحطِّم كلَّ شيء."

فصحتُ به، وأنا أحاول إخفاء أَمارات الخوفِ الذي انتابني:

ـ "فريد، أَلْقِ المطرقة، واسمع ما أقوله لكَ، فأنا الذي صنعتكَ. أطعني!"

ولكنَّه كشَّر عن أسنانه الفولاذية، وأجاب وهو يضغط على كلِّ حرفٍ: " كلا! كلا! ثم كلا!"

لم يَدُرْ في خاطري يومًا، أَنَّ الشعور بالغيرة يمكن أنْ يشكِّل دافعًا لاقتراف جريمةٍ ما؛ بل لمْ أعدّ الغيرة سببًا كافيًا للتخلِّي عن السلوك المتحضِّر واللجوء إلى العنف. كنتُ أحسب أنَّ الغيرة لا محلَّ لها في مجتمعٍ متمدِّنٍ، ينعم أفراده بالمساواة، ويتمتعون بحرية الاختيار والتعبير، وأنَّها لا وجود لها إلا في الحكايات الخياليَّة والروايات التاريخيَّة.

ولعلَّ اقتناعي ذاك كان نتيجة خبرتي السابقة، أو بالأحرى، نتيجة عدم خبرتي في الموضوع. فأنا لمْ أقع فريسة الغيرة يومًا، ولم تلسعني نيرانها، ولم تؤرِّقني هواجسها الخبيثة. ربَّما كنتُ في منجًى من هذه العاطفة البدائية العدائية، لأنَّني لم أُحبّ يومًا حبًّا حقيقيًّا يمتلك مشاعري، ويأسر عقلي، ويعمي بصري وبصيرتي عن رؤية الوقائع والحقائق بجلاء. فقد كنتُ أميل دومًا إلى العزلة وعدم الاختلاط بالآخرين. ففي طفولتي، كنتُ أمضي جُلَّ وقتي وحيدًا مع لُعبي الآلية، ألهو بها فترة، ثُمَّ أفكِّك أجزاءها، ثُمَّ أُركِّبها، أو أُجري تحويراتٍ عليها. وفي فتوَّتي، كنتُ أتسمَّرُ أمام حاسوبي ساعاتٍ طويلة. وبعد تخرُّجي في الجامعة استغرقتْ أبحاثي في ميدان الذكاء الاصطناعي وقتي كلَّه، وانغمستُ فيها إلى قمَّة رأسي، حتّى أضحتْ لذتي الوحيدة، وصار مختبري بمثابة خلوةِ ناسكٍ متصوِّف.

ونظرتُ إلى المطرقة الضخمة التي يُمسِك بها فريد بقبضته الحديدية، والغضب يتطاير شررًا من عينيْه. يا إلهي! إذا طفق يحطِّم كلٍّ شيءٍ كما يهدِّد، فإنَّ أجهزتي التي أمضيتُ قرابة عشرين عامًا في تطويرها، ستُمسي ترابًا، تحت ضربات مطرقته المُريعة.

وفيما كنتُ أحاوره بلساني، كان عقلي يفكِّر، بسرعةِ متواليةٍ هندسيَّةٍ، في كيفيَّة السيطرة عليه إلكترونيًّا وشلِّ حركته. وفجأةً صرخ في وجهي:

ـ " كفى نفاقًا. تقول لي "اهدأْ، لنتفاهمْ، لكلِّ مشكلةٍ حلٌّ"، وفي الوقت ذاته تضمر القضاءَ عليَّ، وتفكِّر في الوسائل."

أجبتُ مسترضيًا بابتسامةٍ استجديتُها من الخوف الذي اجتاحني:

ـ " أنتَ مخطئ، يا فريد! لا بُدَّ أنَّ نوبة الغضب التي تجتاحك، تشلُّ عقلكَ عن التفسير الدقيق للذبذبات المغناطيسيَّة الصادرة عن دماغي، كما تجعلكَ تتفوَّه بعباراتٍ لا تليق برجلٍ مهذَّبٍ مثلكَ."

واستحالَ الخوف في أعماقي هلعًا ورعبًا، عندما تذكَّرتُ أَنَّني لمْ اتَّخذ ما يلزم من الاحتياطات التقنيَّة للسيطرة على فريد إذا عَنَّ له العصيان. فلم يخطرْ ببالي أنَّ ذلك سيحصل يومًا. فالرجل الآليُّ، من حيث الأساس، بمثابة عبدٍ قوِّيِّ البنية، ضعيف العقل، ينفِّذ تعليماتِ المُبرمج، ويقوم بالمَهام التي يوكلها إليه صاحبه.

ولكنَّ فريدًا ليس بالرجل الآليِّ العادي. إنَّه يمثِّل جيلاً غير مسبوق من أجيال الكائنات الآليَّة. فقد صَمّمتُ ذاكرته بحجم مئة مليون ميغا، بحيث تتَّسع لخزن جميع محتويات مكتبة الكونغرس الأمريكية ومكتبة البولديان البريطانية والمكتبة الوطنية الفرنسية مجتمعةً في زاوية من زواياها فقط. كما تستطيع وحدة العمليّات فيه أنْ تقوم بمائتي مليون عمليَّة في "الميلي سكند" أي في الواحد من الألف من الثانية، بحيث لا تستغرق منه الإجابةُ على سؤالٍ، أو التوصل إلى قرارٍ، أكثر من رَمشَةِ عيْن. ولا يتَّبع فريدٌ برنامجًا مرسومًا له سلفًا، لحلِّ المشكلات التي تجابهه، وإنَّما يدرس جميع المُعطيات ذات العلاقة، ويمحِّص الاحتمالات، ويقلُب النتائج المتوقعة، ويتَّخذ القرار المناسب في ضوء ذلك كلِّه. وهكذا يقترب، في طريقة تفكيره، من الإنسان الحقيقيِّ، من حيث حرِّيَّة الاختيار المتاحة له. ولهذا كنتُ أحاسبه وأعاتبه على أخطائِه.

واستفدتُ من أبحاث اللسانيات التوليديَّة- التحويليَّة، والصوتيات الحاسوبيَّة، في جعل التواصل مع فريد يتمُّ، لا عن طريق التحكُّم عن بُعْد، ولا بواسطة ملمس الحروف، ولا بالقلم الإلكترونيِّ، وإنَّما بالخطاب الشفهيِّ مباشرة. فبإمكانكَ أن تتحدَّث معه حديثَ رجلٍ مع رجلٍ، في أي موضوع، وتطرح عليه ما تريد من الأسئلة شفهيًّا، فيسمع كلامك، ويحوِّل الصوت إلى معان، ويراجع المعلومات اللامتناهية المخزونة في ذاكرته، ويختارُ الأنسب منها، ليجيبكَ بدوره شفهيًّا، بعد أقلَّ من لمح البصر.

ولكن فريد لا يقتصر على الإجابة عن الأسئلة التي تُطرَح عليه، وإنَّما بمقدوره كذلك أن يأخذ زمام المبادرة، فيتشكّى، مثلاً، من برودة الجوِّ الشتويِّ الغائم، لأنَّ مقاييس الحرارة والرطوبة، وآلات التصوير، والرادارات المثبتة في داخله، تزوِّد دماغه بصورةٍ متكاملةٍ عن الطقس، وتتيح له التعبير، مثلاً، عن تذمُّره من البرد الجليديِّ الذي لم تشهد البلاد مثله منذ ثلاثين عامًا. وكثيرًا ما كنتُ أعود إلى المنزل، فأجده يرتِّب غرفة نومي، وهو يتحدث وحدَه عن الفوضى التي خلَّفتُها ورائي، عند مغادرتي الغرفة في الصباح.

لم يكُن فريد "خادمي" فحسب خلال السنوات الخمس الأخيرة، وإنَّما كنتُ أَعدّه "صديقا" كذلك. فهو يبدو في هيئته رجلاً طبيعيًّا عاديًّا. فقد صنعتُ تقاسيم وجهه على غرارِ ملامح وجهي، وغطَّيته بطبقةٍ رقيقةٍ من البلاستيك الخمريِّ اللَّون. وجعلتُ مقاييس جسمِه مطابقةً لمقاييسي. وكنت أُلبِّسه إحدى بذلاتي المفضَّلة، فيبدو كأنَّه شبيهي، أو بتعبير أدقّ، أخي التوأم. وكان عددٌ من معارفي الذين يفدون إلى المنزل لأوَّل مرَّةٍ، من دون موعدٍ سابق، ويفتح لهم فريد الباب، ينادونه باسمي، ظنًا منهم أنَّه أنا. فكان يصحِّحهم بلطف قائلاً:

ـ "آسف، يا سيدي، إنَّ البرفسور خارج المنزل، وما أنا إلا مدير أعماله."

ولعلَّه كان يهزأُ بهم، ويضحك منهم في سريرته، فأنا أعلم مدى "شيطنته". وما وقع التباسٌ من هذا النوع، إلا وتأكَّد لي نجاحي في صنع الرجل الآليِّ الكامل، وشعرتُ بالزهو والسعادة.

كنتُ أدعو فريد في أوقات فراغي إلى لعب الشطرنج معي، فكان يجيب بارتياح:

ـ"انتظرْ قليلاً، من فضلكَ، حتّى أُعدّ لكَ فنجان قهوة."

فأقول له مكايدًا:

ـ " وفنجانٌ لكَ كذلك، من فضْلِكَ."

فيجيب مازحًا:

ـ "أنتَ تدرك تمامًا أنَّ المشروبات الروحيّة وغير الروحيّة كلَّها مضرةٌ بأحشائي، فهل ترغب في إيذائي؟"

وكان يبادر إلى إعداد القهوة قبل أن نبدأ اللعب خبثا منه، لأنَّه يعرف سلفًا أنَّني كلَّما أقعُ في مأزقٍ في لعبة الشطرنج، أطلب منه أن يعدَّ لي فنجان قهوة، لا لرغبتي في احتسائها فقط، وإنَّما كذلك لأكسب مزيدًا من الوقت للتفكير في الخروج من المأزق.

لا أدري بالضبط متى بدأتِ الغيرة تأكل قلب فريد. ولكنَّ بداياتها تعود، بلا شك، إلى أكثر من ثلاثة أشهر، حينما انتهيتُ، على سبيل التجريب، من تصنيعِ فتاةٍ آليَّةٍ، سمراء، هيفاء، ذات ملامح ساحرة، وصوت نسائيٍّ جذّاب، وتتمتّع بمواصفاتٍ تقنية أفضل من تلك التي يتوفَّر عليها فريد، مع خصوصيّاتٍ نسائيَّةٍ، بالطبع.

في البداية سارتِ الأمور على ما يُرام. فقد اتفقنا ـ نحنُ الثلاثة ـ على تقسيم العمل بينهما. ففي حين تولَّتْ فريدة الطهي وإعداد المائدة لي، واستخراج أخبار الصباح من الشابكة (الانترنت) ووضعها على مكتبي، والقيام بأعمال السكرتاريَّة الأخرى، اضطلع فريد بتنظيف المنزل، ونقل قطع الأثاث الثقيلة من مكانٍ إلى آخر، وإصلاح الأجهزة المنزليةِ المعطوبة، وسقي الحديقة وتشذيب نباتاتها، وقيادة السيارة عندما أكون مُتعبًا، وغير ذلك من الأعمال التي يتولاها الرجال عادة، على الرغم من أنَّ قدراتهما التقنية متقاربة، ولكنَّها مسألة تنسيق فقط.

غير أنَّني أخذت أدعو فريدة، أحيانًا، إلى مجالستي، عندما أخلو بنفسي مساءً في غرفتي، لا لشيءٍ إلا لأنني كنتُ أرتاح إلى طبقاتِ صوتها الأنثويِّ المنغَّم. وإلى النكات التي كانت تختارها من معاجم النكات المخزونةِ في ذاكرتها، وترويها لي للترويح عني أثناء لعبنا الشطرنج أو النرد. وحدثَ أنْ استأذن فريد ليقطع علينا جلستنا قائلاً:

ـ " آسف، يا سيدي! وددتُ أنْ أذكِّرك فقط، بأنَّك ستستقلُّ الطائرة في الصباح الباكر إلى طوكيو، لحضور المؤتمر العالميِّ عن الإنساليات. ولعلَّك تريد أن تأوي إلى فراشك مبكِّرًا، لتنال قسطا من الراحة."

لفتَ انتباهي تكرُّر مثل تلك التصرفات من فريد، كلَّما كنتُ أختلي بفريدة. وحرتُ في تفسير تصرُّفاته. ظننتُ، أوَّل الأمر، أنَّ برامج فريد قد أصابها فيروسٌ طارئٌ، بعد أن ظلَّت تعمل بدقَّةٍ وسرعةٍ متناهيتيْن طوال تلك المدَّة بلا كبوة ولا هفوة. وحرتُ في تفسير سلوكه. لم يخطر ببالي أنَّ نجاحي في تصنيع الرجل الآليِّ الكامل قد بلغ حدًّا يستطيع معه هذا الكائن المصنوع من فولاذ ودوائر إلكترونيَّةٍ وبلاستيك، أنْ ينفعل مثل إنسانٍ حقيقيٍّ مخلوق من لحمٍ ودمٍ وينبض بين جنبيْه قلبٌ بالمشاعر والأحاسيس.

دلَّني الاستقراءُ الموضوعيُِّ لتصرفات فريد، بما لا يقبل الشكّ، على حقيقةٍ واحدةٍ، وهي أنَّ سلوكه المنحرف ناتجٌ عن شعورهِ بالغيرة. وعندما جابهته بالحقيقة وطرحتُ عليه السؤال تلو السؤال، بمهارةِ نفسانيٍّ متمرِّس، راوغ كما يراوغ الثعلب، وتهرَّب من الإجابة المباشرة.

لقد تأكَّد لي باليقين القاطع، أنَّ الغيرة هي علَّة تصرفات فريد غيرِ السويَّة. بَيدَ أنَّ الذي لم أتمكَّن من تشخيصه والتوصُّل إلى كنهه، هو دافع تلك الغيرة. تُرى هل أخذ فريد يغار من فريدة لأنَّها استأثرت بمودتي وحازت على تفضيلي لها، أَم أَنّه صار يغار منّي، لأنَّه وقع في غرام فريدة!؟

***

قصة قصيرة

علي القاسمي - الرباط

 

 

صحيفة المثقفأنا شاهر سيفي،

كي أردَ على الليلِ ما يستحقْ

وأعيدُ الرياحَ إلى قمقمِ العاصفة ..

* *

لمْ  يُقِمْ  ماردٌ

جاءَ من عمقِ هذا العراق ،

منبراً للبكاءْ

لتكتظَ من حولهِ عندَ المساءِ

طواحينُ ماءْ

أو بركة من دماءْ

بل ماردٌ من صميم البقاءْ

يمضي يزلزلُ أقدامَ الغزاة

وجيشَ البغاة

ويبقيهمُ في محنةٍ نازفة ..

* *

فهذا يقاومُ في سهولِ الجنوب

وذاك يشاغلُ في سفوحِ الشمال

ولا من محال

ولا من يبارحهُ الاشتياق

بِعَدِ  النجوم ،

قبل أن يَمحقَ عدواً

بعبوتهِ  الناسفة  ..

* *

فلا أحد يعتريه الرثاءْ

ولا أحد يرتجيه البكاءْ

ولكنَ ما بينَ هذا وذاك

رجالٌ تلاشت على خطواتهم

عقدةُ الخوفِ فوق  السحبْ ..

* *

فلا من سكوتٍ

على نخلةٍ في براري العراق تموت

وطفل يطارده الموتُ بين البيوت "

ولا مرتعٍ للعويل

فهذي اللقاءاتُ

عبر الفضاءات

وهذي التحاليلُ

وتلك الأقاويل ، وتلك الخطبْ ..

تجترُ أحلامنا وتمضي إلى عالمٍ من نزقْ

وتمنعُ عنا الهواءَ وسيلَ عبيرِ الشفقْ ..

* *

إنه الماردُ لا ينحني ، يمضي

يعاند هذا الزمانَ الذليل ..

يقيم على الطلقاتِ الدليل ..

لكي يستعيدَ الفراتُ صفاءه

بهياً بدجلةَ هام النخيل ..

يؤثثُ للنسرِ أعشاشه "

ويبني عراقاً  لكلِ  العربْ  ..

* * *

جودت العاني

Madrid- 16/6/2006

 

 

محمد الذهبيلَبِسوا عزاءهُمُ فهاتِ عزائي

            هذا الحسينُ يجولُ في أرجائي

للثورةِ الحمراء مات مدافعاً

                 وبه يصيحُ الداءُ أين دوائي

سأمزقُ الثوب الذي لم يرثِهِ

              وأطوفُ أحملُ لوعتي بلوائي

مزقتُ قلبي حين حان وداعهم

                قلبي تمزقَ ما يكونُ ردائي

آليتُ لا أبكي سواهُ وإن تكن

                    نفسي فنفسي ذلةٌ ببكائي

لكنَّ دمعي عزةٌ في شأنهِ

                واليه دمعي خاضبٌ بدمائي

قد عاش في قلبي الحسينُ شرارةً

                في كفِّ قادحها بحارُ رجاءِ

مذ أرضعتني كان طعمُ حليبها

            حبَّ الحسين يصغهُ خيرُ وعاءِ

ياربُّ ارحمها فقد من صدرها

               رضعت شفاهي حبهم بولاءِ

وبحبهم تغدو السنين تجارةً

             تزهو على الجوزاء بالجوزاءِ

هي ثورةٌ عاشتْ تباريحَ الهوى

                   من قطعِ أنملةٍ لقطعِ وفاءِ

غنّت بها الأجيالُ حتى أنها

                  كانت نشيدُ اللهِ في الأحياءِ

سبعٌ وسبعونٌ غدوا في أمةٍ

                    جمعتهم الدنيا بغيرِ عناءِ

قممٌ تراهم في النشيد إذا سعى

                    بين الخيولِ توجسٌ للقاءِ

ناديتُ والقلبُ الحزين تشفّهُ

                تلك السنونُ فما يكونُ ندائي

أضنتني الدنيا بسالف عهدها

                 أخذت بما تهوى أعزَّ وقاءِ

وفقدتُ من طيف الأحبةِ متعةً

                  وبكيتُ مغلوباً عليَّ بدائي

لكنَّ دمعي للحسين تحيةٌ

               وتزيدُ من مطرٍ على الأنواءِ

يا سيدي تَعِبَ الزمانُ ومالنا

                   إلّاكَ أغنيةٌ على الأصداءِ

الصوتُ صوتك يا حسينُ وفعلنا

                   ما يفعلُ الأعداءُ بالأعداءِ

مازلتَ تعرفُ بالعراق وأهلهِ

                       فبلادنا وكرٌ لكلِّ عناءِ

ما أنْ تروحُ مصيبةٌ نبكي لها

                      وتعودُ ثانيةً بغيرِ دعاءِ

يا سيدي كَثُرَ النفاق بأرضنا

                    وتدافعوا يفتونَ بالأهواءِ

                ***

محمد الذهبي

 

 

 

عبد الجبار الجبوريأنا قتيلُ قامتِها الفارعة، خذوا بِدمي، أنا أحلُّ لهَّا دَمي، أغارعليها من ثيابها، ومن لفتةِ المتّيّم، بكيتُ دماً يومَ النوى، والنّوّى ليس قائمُ، ألا أيّها النوّى، إسقِني من فَمِ رحيلِها، كأساتِ خَمر، وغنِّ بذكرها يافؤادي، هي السرابُ ينأى، بدمِ السراب، كُلّما تذكرّتُ أنذي تذكرّتُ، هيّجني البُّكا الى مضاربَ –ليلى- وطالَ النوّى وبَكى البَعادُ، أحسُدُ مِشيتَها، وما وطيءَ الحصى تحت نعليّها، تعالي أخبؤك والله، تحت لسان قصيدتي، وأسكبُ على نهدّيك، من عطشِ البحِر مواجعَه، لستُ أسمّيكِ، هذا سرُّمخبوءٌ تحت لساني قال البحرُ، وجهي راحلٌ إليها، وخيلُه تعْبى، بَعُدتُ عن السماء، وظلَّ نهرٌ حزينٌ ينوحُ ورائي، وقد بلغتُ من الحبِّ عَتيّا، تشيخ أزمنَتي ولاتشيخُ سمائي، فبعدُك لاشعرٌ أكتبهُ، ولا قمرٌ أنادمهُ، ولاشجرةٌ أستظلُّ بفيئِها سواكِ، ولاشالٌ ألوّحُ بهِ سواكِ، أنتِ التي، أمسَكْتِ بجلبابِ روحي، وألقيتِها في البئرالى الابد، غريقٌ وأحبّكِ، سأهمسُ في أذن القصيدة أحّبكِ، وأخبرُ اللهَ أني أحبّك، لا، لاتبوحي للرّيح، غدا أحضن البوحَ، حين يأتي الخميس، نأى الخميسُ الذي كنتُهِ، وصارَ في يدِّ الليلِ أغنيةً يابسةً، ودمعةً حَّرى، تهاطلتْ على خد الزمانْ، بَعدُكِ لاشعرَ أكتبه للرّيحِ، ولا أقرأ أسرارَ البحرِ، في كتاب الماء، مشى الليلُ على صفحاتِ الماء، ولاماءٌ في فمِ المَطر، ها هو العطشُ إليكِ، يجيءُ بلا ظمأٍ للقُبلِ، أراها مرسومةً على شِفاهِ البّحرِ، حين يرحلُ البحرُ، وينْسى على مصاطبِ شفتيكِ، قبلةً حائرةً، وزمانٍ خؤونْ.....

***

عبد الجبار الجبوري

 

قصي الشيخ عسكرالأبيات أدناه كتبتها مساهمة مني في رائية العرب فشكرا للأصدقاء وعلى رأسهم الدكتور الفاضل حسين سرمك


تطالعني، وقد ضاقت، منافِ  

            وينسى صورتي الوطن الكبير

بلادي لم تزل تدمى ولمّا

                   تدنّسها الخطايا والشرور

لتبقى في دمي بركان عزّ

                     أراقب لحظة فيها يثور

إذا قال العراق فقول حقّ

                   وغير حديثه كذب وزور

           ***

من شعري في الديوان الرشيق

أوطان

أكثر من وطن يؤويني

- إن أسلب من وطني-

أولها  الوهم وآخرها: الصمت!

**

أحداث

أحداث تافهة

عابرة لانذكرها

تستغرق أعواما وقرون

أما الأقدار فقد  ظلت رائعة

تتلخص في بضع ثوان

**

بيت

هو بيت لي البحر هلمّي

أيتها الأفكار الجرداء الناصعة الأحزان

واختاري إحدى الموجات

**

غريب

وحده يأتي

يطرق عن بعد نافذتي

أعرفه بين الثلج وبين النار!

**

سماوات

في غمرة عينيك تملتني

سبع سماوات

واحدة منها

لا تبعد عني

إلا طيفا

مخفيا

بالزرقة أضحى

***

قصي الشيخ عسكر

 

 

   كريم الاسديتقديم: الى المشرفين على مشروع قصيدة وطن، أردتُ ان أكتب أربعة أبيات عن العراق تحيةً لمشروعكم، فكانت هذه القصيدة ..


تسوِّرُهُ القلوبُ لَهُ نذورُ

وتعشقُهُ الأهلةُ والبدورُ

 

وتشتبكُ النجومُ على مدارٍ

على قلبِ العراقِ بِهِ تدورُ

 

 فؤادُ الكونِ مذْ قامتْ عراقٌ

 وماءُ النهرِ،  والقمرُ المنيرُ

 

 محارٌ واللآلئُ مدهشاتٌ

 عجيباتٌ لتندهشَ البحورُ

 

 مزيجٌ من مياهٍ في ضياءٍ

 ومِن نارٍ على ماءٍ تسيرُ

 

 شقيقُ اللامعاتِ شقيقُ روحي

 وقلبي اذْ يخامرُهُ الشعـــــــورُ

 

 بأنَّ الحبَّ في الدنيا عراقٌ

  وانَّ الشِعرَ مشربُهُ الأثيرُ

 

 وانَّ الكــونَ منفلقٌ عليهِ

وانَّ الحرفَ معناهُ الكبيرُ

 

تسطَّـــرَ في الملاحمِ أغنياتٍ

فضاقتْ في البهاءِ بِهِ سطورُ

 

وأبحرَ للخلودِ يريدُ حبّاً

عراقيّاً تخلِّدُهُ الدهــــورُ

***

شعر: كريم الأسدي ـ برلين

........................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة : فجر يوم 19 من آب  2020  في برلين .

 

 

رند الربيعيلا تبكِي يا بيروتُ...

يا زَغبَ الطّيُورِ،

وَأنجم السّماءِ

يا سَنابُلَ اللّقاءِ

لا تبكِي يا بيروتُ...

أيُّها المطرُ و الطفولةُ،

الأرضُ وَ الانسان،

أيُّها الكوكبُ الدُّرِيُّ

وَ الكوخُ...

وَ طيشُ الجمالِ

أيَّتُها الأُنثىٰ النَّجمةُ،

وَ النَّجمةُ الأُنثىٰ!

البحرُ اللّازُوردِيُّ...

الصّباحُ الأخضرُ،

الانتظارُ الّذي لا يَموتُ

اِرفعُوا سيُوفَكُم عَنْ جِيدِها،

عَنْ خِصرِها

عَنْ أنامِلِها

بَحرِها

مَدِّها.. جَزْرِها

شراشفِ طفولتِها

أقراطِها

تغريدةِ فيروزِها

لَحنِ وَديعها

عَنْ... زيتونِها!

***

رند الربيعي

 

 

تواتيت نصر الدينأيا ساسة قد خذلتـــــم بلادي

وملتم عن العهد عهد الجهاد

**

وبعتم كـــــــــرامة شعب أبيّ 

أبى الضيم رغم عتوّ الأعادي

**

ودستم جهــــــــــارا على أنفه

 ودستم على عرضه بالتمادي

**

وقلتم كما قال فرعون يوما

 أنا سيّد القوم ربّ العباد

**

أترضـون شعبا يعيش ذليلا

 بجوع وقهر وغلّ الأيادي؟

**

لأجل الكرامة ثرنا جميعـــــــــا

وسرنا إلى النصر رغم العوادي

**

دفعنا إلى النصر كم من شهيد

دماهم سقت كــــل سهل وواد

**

كفاكـــــم أيا ساسة واستجيبوا

لشعب صحا من زمان الرّقاد

**

أفيقوا لقد بلـــــغ السيل حدّا

وقد أدرك الشعب سرّ الفساد

**

أفيقــــــوا ففي أنة الكادحين

زفير مخيف يجوب البوادي

**

وكـــونوا رعاة لدين الإله

حماة الشعوب بدون عناد

 

كفاكم أيا ساسة واستقيموا

فخير المسالك نهج الرشاد

**

تواتيت نصرالدين

 

 

محمد المهديارقب ليلا يغالبه النعاس..

تأوه خفية،

فاغمض جفنيه قسرا

عن همس العشاق،

و ما اقترفه خلسة حادي الاشواق

و ما اندس بين ثنايا الكلام،

او ما طفح من بوح من الاعماق..!!

تحت جنح الليل،

اعاقر شجرة الليمون

و أهمس لأفنانها الحبلى

بأسرار الصيف،

كيلا يسحب الليل بساط الانس

و يمهد الممشى نحو غد هروب

تثاقل عند الحلول ..!!

هذه قارعة الفجر الوليد،

مخاض عسير ..

و تململ يشي بما توارى خلف الكلمات،

تتعبني الحروف الموات..

وتمتنع في عيوني الكلمات،

اسوقها الى نهايات القول،

فالقي بها الى متاهات اللاعودة،

لعل بعضا من احلامي تؤوب من جديد،

و ترسم ممرا بلا اشواك

نحو العيد..!!

****

* محمد المهدي

22غشت 2020 - المغرب

 

بن يونس ماجنعندما تصيبني اللحظة العابرة وتقذف بي الى عالم الخيال والصور، اجد نفسي مهزوما امام هذا الكابوس العنيد، فاستيقظ من حلمي منزعجا واصرخ باعلى حنجرتي:

دثروني.. دثروني،

حتى يغمى علي، فاستيقظ مرة اخرى وافرك عيني، بعد ذلك اشرع في الكتابة،

فاكتب في صمت الليل وسكون الفجر وصخب الظهيرة..

اكتب على طاولة الفطور و مقاعد المترو او الباص خربشات وارهاصات وعبارات مبهمة و..و.. هذا هو حالي وهذه هي تجربتي الشعرية..

احيانا

يصعب علي التخلص من قصيدة

تتسلل الى سريري

في منتصف الليل

من غير ميعاد

فتوقظني

وتدغدغني

وتمرغني

في وحل مخملي

واحار

كيف اقنعها

بانه ليس لدي مؤهلات

للدخول في هذيان

اللحظة الشعرية

ومع ذلك

تراوغني

وتجرفني مع تياراتها

وتراودني عن نفسي

وتهزمني

والعرق يتصبب من جبيني

ولاخفف عن الامي

انصاع اليها

وانفذ جميع ما تريد

والوح بمنديلي الابيض

واستسلم

فتضحك من جبني وضعفي

وقبل بزوغ الفجر

تغادرني

وتتركني جريحا

واعدة بالرجوع..

***

بن يونس ماجن

 

 

محمد سعيد العتيقأنا في شراعِ المـــــاءِ و الأقداحِ

لغةٌ تسافــــــر في مدى الأرواحِ

*

أسقي الحــروفُ بقطرِ خمرٍ من جـوىً

والراحُ يهنأُ في شَغــــــافِ الرَّاحِ (1)

*

منْ ذا الذي أرخـــــــــى العنانَ لمُهرهِ؟

نـحــوَ المـعالـــــــي في دروبِ فصاحِ

*

بل منْ تمادى في الفــراغِ مســـــاحةً؟

ضــاقَ الفضــــاءُ وليسَ ثَمَّ نَــــواحِي

*

يمشـي كمنْ بتروا بسيفِهِ ساقَهُ

ويتوهُ بين العدوِ وِ الكُسَّــــــاحِ

*

الفُلكُ مسرى الصاعدين إلى العُـــلا

أتنالُ وعد اللهِ دون كفـــــــــــــــاحِ

*

لا لــــن تَـرودَ الكـونَ دونَ فراسـةٍ

أو تـركَـبَـنَّ المَـجــدَ دونَ ســـلاحِ

*

ذُلـلاً مُـتـونُ الريحِ يَـمخرُها الفـتى

إنْ طـــوَّعَ الدنيـــا بقبـضِ الــراحِ

*

و دنا إلى ما بعـدِ مرأى مَنْ يــرى

منْ دونِ ضوءٍ أو وميضِ صبـاحِ

*

حلمٌ لهاتيـكَ النّجـومِ تَـرى الثّــــرى

تِـــبـْرًا يُشـعشـــعُ في يـــدِ الفـــلاحِ

*

هو ذا أنــا أرتــاحُ في كنَـــفِ السُّهى

و مُعمّــــــمٌ ومُدثّــــــرٌ بأقــــــــــاحِ

*

وغدا الزّمـــــــانُ مناهلاً في راحتي

يروي الظـــلالَ الوارفـاتِ بساحــي

*

ألـمي أصُــبـــِّرهُ بصـبــرِ مُـكابـرٍ

و أعَضُّ جُرحــيَ إذْ تئِنُّ جراحي

*

يا نحـــنُ وثبـةَ خائـفٍ وَقَـفَـتْ بنــا

حـدباءَ أعـيــتْ ألْـُـسنَ الشُّــــــرّاحِ

*

و نتوهُ عنْ صرحِ الجمالِ بغابةٍ

و ندورُ بين النَّارِ و الســفَّـاحِ

*

ونحطُّ في صُمِّ الصخورِ تحطُّماً

ونقايضُ الأفـــــــــراحَ بالأتراحِ

*

نَعَـقَ الغــــــرابُ بأفـقِنا فتـثاءبت

شـمسُ الضّحـى بتقاعسٍ و تــلاحِ

*

فامـسحْ دموعَ اللّيلِ بالفجرِ النَّدي

واعزفْ وجيبَ القلبِ كلَّ رواحِ

*

العمـــــرُ يفنـى، و الفـنـاءُ ولادةٌ

في البعثِ، مكتوبًا على الألـواحِ

*

يا عبقريٌّ أيهـــــــــا البدويُّ قُمْ

أسْكِت ضجيجَ الزيفِ و المُدَّاحِ

*

أزرى بعبقرَ ذا الضريرِ وأنت منْ

يسـقي البـلاغةَ من نَميرِ قُـــــراحِ

*

إيهٍ ... و تنزعُ منْ حواشيَّ الجــوى

و الـروحُ ذكرى منْ خُطى الأقحاحِ

*

منْ كانَ يكتبُ منْ مساماتِ الوفا

سكنَ الخلودَ لــدى عظيمِ وشاحِ

*

و يفيضُ ملءَ الوجدِ رغبةَ عاشقٍ

أودى شـهيدًا في عيونِ مِـــــــلاحِ

*

أسمى الثمارِ البكرُ طابَ شرابُها

مهوى القلـوبِ تـمنَّــعَتْ بــرَداحِ

*

فكَّ الأمينُ المحبسينِ منَ الدجــى

فـتحَ السَّــــــمـاءَ لشاعرٍ جحجاحِ

*

الأبجديَّةُ للأنـــوثةِ والصِّــــــبا

تُغــري العبـــادَ بفتنـةِ التّفــــاحِ

*

لا عـفَّـةً تجتـاحُ رغبـتَـنا مـــــــعًا

صدِئَتْ بظلِّ الكبتِ، جـوعُ رِماحِ

*

كُفَّ النواظرَ عنْ مفاتنِ جَفنِها

ليــسَ العبــورُ لقلبِـها بمبـــاحِ

*

في البـالِ أخيـلةٌ تنوءُ بثقلِــــها

تُشقي اللبيبَ بصوتِها المِلحاحِ

*

فلمَ الجُناةُ، العاشِقونَ ؟ وماجَنَوْا

حُجبٌ كسَـــرنَ البـابَ بالمفتاحِ

*

رَهَن المعري قاصراتِ الطرفِ في

عليائِهِ الأحلى بعشِّ جَنــــــــــــــاحِ

*

فالشعـــرُ يُـــزهرُ من رنيـــمِ رِثائهِ

لغـــةَ الغنـــاءِ و بُحّةَ النُّـــــــــــوّاحِ

*

ما نامَ في جوفِ الغمــامِ و ما مشى

فــــــوقَ المــياهِ ولا عــلى الأرياحِ

*

هُو من سديمِ اللّيلِ شــــــعَّ بيـاضُهُ

طلَّ الضحى من وجـــههِ الوضَّاحِ

*

الشاعرانِ مـــعَ التــضاد تســاوقا

نجمــانِ ضـاءا في عمــــاءِ بَراحِ

*

ماضرَّ لوكانَ الرّهانُ على الرؤى

دونَ العيونِ .. منــــــارةَ المـلّاحِ

*

هل تنكرُ المشكاةُ ضوءَ زجاجِها ؟

لو أشــعلتْ مــنْ زيتها مصباحـي

*

للقـــلبِ عيــنٌ ليــسَ تـُنكرُ لـونَها

بيضـاءُ تُـبْحِـرُ في دجــى الأشباحِ

*

و الحـــيرةُ العمــياءُ قعـرُ دوائــرٍ

حـولَ اتـجاهِ ســوادِها الـلّــــمّاحِ

*

عجـبًا لرَيـبِ الدهر يسكنُ أضلعًا

و يعـيــــشُ مقـتـاتًـا على الأفراحِ

*

و يـمـدُّ أذرُعَـهُ الطـــويلةَ مُـثْــبِـتًا

في العـتْمِ روحَ المستهـامِ الصّاحي

*

ما للـنفـــوسِ الأخـشبيّةِ و العــلا

تلهو و ترتعُ في خَنـا الضّحضاحِ

*

الــدرُّ في عمــــقِ المحيطِ قلاعُـهُ

ترنـــو تحـــنُّ للمسةِ الســــــبَّاح

*

ما أجملَ الضدَّينِ حيثُ توسَّـــدا

شعري، ففزتُ بِرتمِهِ الذبَّـــاحِ

***

محمد سعيد العتيقُ

........................

1- الراح: الانشراح والانتعاش

 

احمد الحليتنحسرُ ينابيعُ بهجتي

حين تُغادرين

يفقدُ السنونو قدرتَهُ

على الطيرانِ

وينطفيءُ القمر

 

أشجانٌ كثيرةٌ بداخلِهِ

ولكن لا أحدَ يواسيهِ

سوى سكين

البصل

 

تنهالُ مطارقُ غيابِكِ

فوقَ رأسيَ المُتعَب

ألتفِتُ إلى مكانِكِ الخالي

أناجيهِ فأجدُهُ ينحب

 

لا أبحثُ عن وعدٍ

أحاطوهُ بمَعسولِ الكلامْ

جنّتي أجِدُها

بالقربِ منكِ

والسلامْ

 

يكفي أن بزنزانتي

نافذتينِ

لا يراهما سجّاني

هُما عَيناكِ

 

كرهتُ الجدرانَ والقيودَ

والحواجزَ

وناضلتُ طويلاً

لكي أبقى طليقاً

لكنني في نهايةِ المطافِ

سمحتُ لكِ

أن تضعي في يديَّ

الأغلال

***

أحمد الحلي