عباس علي مرادترحلين

وبين الآهات تسكن

وقع خطواتك

التي تأبى الرحيلا

وتأخذني إلى صمت اللقاءات

تعزيني بعض الذكريات الشاردات

من بقايا الحب الجريح

**

حقول التيه

العمر يتسلّل

 من بين أصابع الأيام

رمال متحركة

تغرقني في ليل صامت

تغرقني في ظلامه

تغرقني في نهاره

 يهزّني فجوره

يخطف الإدراك

لا أمل بالإنتظار

 وقت من السراب

يقطف من حدائق العمر

في حقول التيه

تزاحم الأحلام

يسابق الزمن

لعله يدرك البدايات

ويدنو من  مُرتجّى النهايات

**

نوافذ

عيون حالمة

من خلف نوافذ مغلقة

تنحني لتلقي عليكِ تحية محبة

عابقة بعطر شوق القلوب المتلهفة

**

رماد

أبحث في ذاكرتي

عن رماد الأيام

التي ما زالت تفتح كوة

في مشوار عمر

يتكئ على حلم

لم يكتمل بعد

**

سفن

على مرافىء الأمل

ترسو سفن أحلامي

تغازل أمواجاً

تدنو من شاطئ العشق

لتفرغ محبتها

 وتشحن عواطفي

**

 

 

عواصف

عندما تبوح عيناك

بعبير الحب

تعصف بي عواصف خفية

مشاعر صاخبة

 تتماوج

 لتبلغ موانئ القلب

 ودفء الأحاسيس

تلوح منك نظرة

فتثمر عشقاً

***

عباس علي مراد

 

صحيفة المثقفمرة أخرى يستيقظ باكراً.. تحت لهيب خيوط أشعة شمس الصيف الحارقة التي اخترقت غرفته عبر النافذة المشرعة، كان الضوء باهراً وعنيفا، أجهز على البقية الباقية من أرقهِ المحموم.. لم ينم سوى دقائق معدودة.. نهض بصعوبة، بعد تردد وحيرة.. حالة شبه الميت تثير إحساسا بالوحدة القاتلة والضياع والتشتت حيث القلق والخوف، نهر من القلق يفيض داخله، الصمت لا شيء غير الصمت، فما أشد تعاسة المرء حين لا يجد من يؤنسه، يحاول استعادة صورته.. يحاول ترميمها من جديد في دواخله المنكسرة.. سماؤه وحدها ملبدة بالغيوم والضباب.. يحمل عبء قلبه وحده ويمضي، دون رغبة في الذهاب إلى مكان بعينه ثم الرجوع إلى البيت والجلوس والانتظار في عزلة وانطواء، كان يلزم الصمت دائما ويظل بمعزل عن الناس، ويبقى دائما منزويا على نفسه دون أن يقوم بشيء، كما صار لا يلبث في مكان بعينه.. لم يكن هكذا من قبل.. لقد وقعت أشياء غريبة بعد وفاة آخر من أحبهم وتعلق بهم بقوة.. تلك جدته التي كانت بمنزلة أمه والتي عوَّضتهُ حنان أمه كثيراً في غيابها وفقدها منذ أن كان صغيراً.. ثم يرحل أبوه وعمته وفيما بعد أخواله وخالته، فأعمامه وتستمر الفواجعُ وكأنه طويس هذا الزمان، ثم ها هو يفجع في أحب الناس إليه، صديقه ورفيق دربه والذي وضع حداًّ لحياته بانتحاره واستسلامه لحالة ضعف، فلكأنَّ من يحبهم يتساقطون اتباعا كأوراق الخريف أمامه.. نظرته الآن للحياة صارت شبه معقدة، تخيف وتزعزع، وتبعث على الانطواء والانزواء وفقدان الثقة.. أصبح متوتِّراً ويزداد صمتا أكثر فأكثر..

ومع كل الألم قد يبدو راضيا مكابراً، يدندنُ، ويبتسم وحده غباء أو عبثاً ليس يدري، وهو يُعِدُّ لنفسهِ الغامضةِ كأس شاي، وهو ينشغلُ بتحريك السكر في كأسه.. وهو يتناولُ فطوره على عجل.. ثم يغادر شقَّتهُ، عبر سلاليم العمارة.. كان جسده يسبح في أوهام يصطنعها الحرُّ الزائدُ، وتسيطر عليه هواجس محمومة عجز عن إسكاتها، تقودهُ خطاهُ الواهنةُ نحو البنايات الشاهقة الزجاجية الرابضة على الضفة الأخرى، في ذاك الشارع المزدحم رغم شدة الحر، ليقف أمام لافتة كبيرة وجد صعوبة في تهجيتها في بادئ الأمر، دفن ألمه كالمعتاد، وتوجه نحو مدخل المبنى الذي كان يَعُجُّ بالجلَبةِ حيث امتلأ بالناس والأصوات والروائح والوجوه الكالحة الشاحبة، التي تبعث على الغثيان، وقد صفعتهم الأمراض والظروف.. ، ألقى نظرة على لوحات بأسماء الأطباء واختصاصاتهم، ازدادت دقاتُ قلبه وهو يصعد بالمصعد إلى أعلى .. يدخل قاعة الاستقبال ذات الواجهة الزجاجية، تجلس خلفه شابة حسناء، رقيقة نحيفة ترفع وجهها وفي عينيها بريق، تفرَّسَت وجهه.. نظرت إليه وهي تعدل نظارتها مرحبة.. فيشعر على الفور أن الوجه مألوف لديه.. تستفهم بعينيها، تبتسم.. كأنها تنتظر حواراً، يبتسم أخيراً لها.. سرعان ما همست له:ـ ارتح هناك حتى يأتي دورك.. ثم أخذت تدوِّنُ في مذكرة صغيرة، وشغلت نفسها بتقليب الأوراق، فلكأنها ملَّت من السحنات المريضة والتطلع إلى الوجوهِ نفسها.. .كانت القاعة مكيفة باردة، والمرايا تعكس بعنف صوراً لوجوه مبعثرة باهتة بالية، وأفواه متثائبة..

اِستوى أخيراً على كرسي فارغ، ثم أطلق شيئا من التنهد المكتوم المليء بالاستسلام، والإذعان مثل إناء من زجاج وقد انكسر، أحكم أزرار قميصه، وهو شارد الفكر في أشياء كثيرة لاتعني شيئا.. انتابته حالة الشك مرة أخرى في قواه العقلية.. فابتسم.. ثم مضى بقية الوقت يعبث في الندبة المحفرة أسفل الذقن..

في صالة الانتظار لم ينتبه أنه كان من بين الرجال الخمسة إلا فيما بعد، حيث انشغل على حين غرة بشد فردة حذائه، يستفيق من الشرود ليرصد الساعة المعلقة على الجدار البنفسجي عقاربها تشير إلى اليأس وتبعث الملل.. تثاءب، كانت عيناه ترصد صوت الألم.. ثم سرعان ما أثاره ضجيجُ نسوةٍ وفتاتَين في مُقتبل العمر، والقلق باد على وجوههن التي كساها الوجوم، لربما أجهدهن طول الانتظار، وشردَ ذهنُهُنَّ ينتظرنَ بصبرٍ بالقربِ من باب غرفة الفحص.. أخذ بتقليب بعض المجلات المبثوتة على المنضدة الزجاجية وسط الصالة، ثم نزع إحداها كي يدفع عنه بعض الرتابة.. .لَمْ يدْرِ، لِمَ كان تركيزه على الأفواه والوجوه فقط، أفواه أفعوانية، فمٌ يزبد كثيراً حتى انتفخت أوداج وجهه، ثم يستمر في الصراخ والشتم.. كان الوجه قذراً ومُنكَمِشاً، بلحية طالت وتبعثر شعرها، لم يكن راضياً عن نفسه، متضايقا جِداًّ .. ، ووجه آخر فوقه نظارة شمسية داكنة، تقعُ خلفها عينان زائغتان بفمٍ مُنفرج، يصدر منه صوت مبحوح بائس، ينظر إلى السيدة ذات الثوب الأنيق نظرة شفقةٍ.. بعدها أدارَ وجْهَهُ نحو سيدة أخرى حائرة تُحِسُّ بأنها مراقبة، أما الرجلُ الثالِثُ فقد وقف هُنيهة يحملقُ مَلِيا وهو يحك جسده، فوجد نفسه معه وجهاً لوجه، ثم تمتمَ بكلمات غير مفهومة امتزج فيها شيء من الآياتِ بأدعيةٍ لم تكتمل.. وكأن حواراً كان يتدفَّقُ بين سمعه ووجهه، ثم ساد الصمت.. كان فمه يلوك علكا، وكانت نظراته تمسحُ أيضاً بهدوء كل ما يقع أمامه في الصالة، وإذا بوجهه يرتفع إلى أعلى ليفتعل متابعة الشَّاشَةِ المعلقة في أعلى الحائط، ولكن ماتزال سحناته المتضايقة تفضحُه، وكأنه هو الآخر غير راض، أما النسوة فكن يثرثرن، ويتناقلن آخر الأخبارِ ويُتابعْنَ رجلا نحيفاً في الخمسين من العمر، والذي جلس خلف باب الفحص مباشرة ينتظر دورهُ القادم، جلس على الأرض، كان يتصرف بشكل غريبٍ وفي عصبية غير محسوبة، يلعب بأطراف أصابعه يشابكها ثم يفتحها، ويرفع حاجبا للأعلى وكأنه يتنصت على شيء، ثم ينقر الباب نقرات خفيفة، ثم إذا به يصرخ منزعجا: السلاسل السلاسل، البوليس.. كما لو أنه تحت المكائد والمؤامرات وقد أثار فضول كل الحاضرين بهلوسته، ثم بدأ بهمهمةٍ حين نهرته إحدى مساعدات الطبيب البدينات بالصالة، حملته بكلتا يديها وأجلسته على كرسي، وكان لا يزال متوتِّراً مشدوداً حاول مقاومتها ثم صرخ: أيتها الجاسوسة إياك عني.. ، بعدها ناولته قُرصاً للتهدئة، حاولت بكلامها اكتساب وُدِّهِ لكن لم تُفلِح.. ولم يتمكن من الولوج لغرفة الفحص، وغادر رفقة ممرضين اثنين.. ثم تقدم الرجل الآخر قليلا وكان مُقَطِّبَ الجبينِ، يُعاني بدانة مفرطة، يمسح العرقَ بكُمِّ يده اليُمنى ولم تتح رؤية وجهه، يفتح فمهُ صامتاً فوقهُ شاربٌ كثيفٌ كمن يتثاءب، ثم إذا بابتسامة سمجةٍ ترتسمُ على زاوية فمه، قبل أن يفكر في الانقضاض على شيء، إلى أن قام بجَرِّ كُرسِيٍّ بحدَّةٍ وتَحَدٍّ على بلاط الأرضيةِ واصطكاكه مع الباب بقوةٍ أحدث دويا صارخاً هَزَّ الجميع.. كان هذا جنونيا، ثم قال بصوت جهوري: ماذا يفعل الطبيبُ كلَّ هذا الوقتِ.. ؟ شعر بضرورة إنهاضه وتهدءته بأي شكل .. لكن الأمر يحتاج إلى قوة وجُهد، أمَّا هو فلن يجرؤ على فعل ذلك،لم يكن يعرفُ بالضَّبطِ ماذا يفعل، ثم تدخل أحد الممرضين والمرأة البدينة مرة أخرى، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة شيطانية، فحقنتهُ بإبرةٍ هدَّأَتْ من روعهِ، ثم نزع إلى التخاذُلِ والتَّراخي مع الاذعانِ والامتثالِ والطَّاعَة، ومَدَّ لِسانَهُ بوجه منتصبٍ مطموسٍ خَجُولٍ، وبعد أن هدأَ وعاد إلى صوابه تركوهُ في النهاية.. اِلْتَفَّ حَوْلَ نفسهِ كما لو كانَ بهِ دُوار ولا يستطيع التوقُّفَ، وهو يَقْرِضُ أظافِرَهُ أو ينزعُ جِلدَهُ قطعةً قِطعة.. ، كان وَخْزُ الإبرةِ شديداً، أخذ يُهلوسُ بكلامٍ عن نفسه، وبلا انقطاع، يكررُ الأشياءَ نفسها يعجنها ويمططها بين الحين والآخر، كمن ينبشُ بأصابعه كي يخَلِّصَ الشَّعْرةَ منها، حين جلسَ القُرفصاءَ فوقَ المقعد، بدأ يتلوَّى مَاداًّ عُنُقهُ جاحظَ العينينِ، يشعرُ بشيءٍ من الانْزِعاجِ والقلقِ، كان خائفاً يكادُ يطيش صوابه، وكان يهتَزُّ كالثُّعبان أمام مِزمارٍ تُلاعِبُهُ أصابع طائشة فوق ثُقوبهِ الكثيرة المنتشرةِ على امتدادِه، أحس بحالته التي أصبحت درجة ما بين الخَدر والجُنون، صار مثل كائنٍ لاوجودَ له، ضاق من نفسه وتصرفاتهِ، ثم هدأَ قليلاً، وكان هدوءه مخيفاً ووديعا، مثل الهدوء الذي يسبق العاصفةَ.. ، ثم انطوى على نفسهِ ينظرُ ولا يفعل شيء، كمن يتأمَّلُ بَواطِنَ انشغالاتِهِ اليوميةَ، ثم إذا بباب غرفة الفحص ينفرجُ لحظة، فتَدْخُلُ سيدة عجوز متحفزة بدت بشعةً شاحبةً تتجلى نظرة القَهْرِ على وجهِهَا.. أمَّا الفتاةُ الشقراءُ ذاتُ الخدودِ الوردية، فقد كان وجهها أملسا ومُسَطَّحاً، كان وَجْهُها مختلفاً، فقد بدَا في الوهلة الأولى كأنَّ توتُّراً داخليا قد جعلها تقلب صفحات المجلة المصورة بقوةٍ وخِفَّةٍ في الآن نفسه، وهي قابعة قبالة الباب، لكن المسحوق أضفى عليه بهاء جافاًّ مما جعله هذه المرة يظهر بنظرة لا حياةَ فيها، ولا يَنِمُّ عن أي تعبير، ثم انفرجت أساريرُ وجهها، وكأنها لاتفكر في شيء، تجلس وقورة هادءة لاتتحرك، لكنها تهلْوِسُ بأشياء غير مفهومة.. هي تعلم أن دورها سيأتي، هكذا بَدَتْ وجوههم وأفواههم بالنسبة له، وكأنهم يشربون من الكأسِ نفسِها، الهلوسة والنَّظراتُ الشَّاردَة، هنا تتجسد قبالته الحقيقة المضاءة، الحقيقة التي يبحثُ عنها دون قناعٍ أو زَيْفٍ، وقد قادهُ البحثُ إلى ضالَّتِهِ وأطاحَ بالشَّغَفِ.. الذي أخرجه من حياته الاعتيادية، ليعثُرَ على الحقيقة التي بحث عنها بنفسه.. كأنه فهم السر، أدرك ما هو مُعقَّدٌ للآخرين، ذلك أنه من تمام العقل أن نعتقد أن هذا العالم مجنون، إنه يعرف الآن بأنَّهُ مريض، كحقيقة تابثة مثلهُم تماماً لا يساوره شك في ذلك الآن، وبأنه البُومَة والشر، وبأن الكل مريض.. وما عليهم سوى أخذ الموعد والإنتطار، فالحرباء تنتظر.. والدور سيأتي لامحالة، ودوره هو الآخر سيأتي، والفرصة أمامه لترويضها مليا، ستكون الجلساتُ والاختباراتُ النَّفسيةُ بعدها، ليفصح عن مَكْنُوناتِه، ومشاعر الاكتئاب، والرغبة والزهد في الحياة، وعن فواجعه التي لا تنتهي، وأسراره، وعن كل ما يحسن إخفاءه.. لكن هل سيتكلم.. ؟ وعن أي شيء سيتكلم ؟ ماذا سيقول؟ من أين سيبدأ؟ ثم تعود أسئلته خائبة إلى صدره المتخشِّبِ تذروها الرياح والزوابعُ الهامسة، ثم تخرج في صفيرٍ وتنهيدٍ حزين، شرد.. ازدادت رغبتهُ في تجنب ما قد يحصل!! صوت المفتاح في مزلاج الباب الآن، والبابُ حتماً سيغلق بقوةٍ لاحقاً..

مَزَّقَ أوراق الملف التي كان يحملها معه، وغاب مُتظاهراً بالذهاب إلى المرحاض، ثم هَرْوَلَ مُسرعاً كمن يطلب النجدة، وهو يَنْفُثُ هذيان أفكاره، أكمل سيره عبر الممر في أروقةِ الجُنون، والكلمات مازالت ترنُّ في أدنه، فهو البُومَة والشَّر، كان المصعدُ مشغولاً، ثم تدحرَجَ عبر السلاليم، داهمهُ الإحساسُ بأنَّه مراقب، انزعجَ.. رفع عينيهِ ليجدَ شخصاً ما ينظرُ إليهِ، العينانِ النَّافِذتانِ تتربَّصانِ وتترَصَّدانِ، وكأنَّ وجهاً يريدُ أن يطعنَهُ، وفماً فاغراً يُصر على غَرْسِ أنيابه، يريدُ مَضْغَهُ وعجنهُ بلا رحمة،كانت ظلالُ الدكتور وكأنه يُشرفُ من أعلى السلاليم، يمُدُّ رأسه ووجهه نحو الأسفل، نظارته توشك على السقوطِ.. صارت تخترقُهُ النَّظراتُ، تدور عيناه، الخطرُ قادمٌ من الخلفِ.. تُراوده احتمالات حمقاء رعناء وتقفز أمامه، نسي في رمشة عين وجوه وأفواه الجميع، سوى وجه وفم الذي يريد أن يطعنه في ظهره دون سبب، التفتَ بتوتُّرٍ وخوفٍ ينبضان في عروقه، جفل بسرعة طائشة لم يكن ثمةَ أحد.. اتَّكَأَ بجسدهِ الهزيلِ على الإطار الحديديِّ للسلاليمِ.. توقَّفَ فلم يجد إلا خياله يُطارده، تتراقصُ عيناهُ من جديدٍ، دَقَّ قلبه بسرعة، توقَّفَ نبضهُ وسقطَ.. غداً سيأتي آخرون للصَّالَةِ ولا يرونَ مايثير اهتمامهم..

 

محمد آيت علو

ريكان ابراهيمقد يصدُقُ الشعراءُ أحياناً فيمسخُهمَ جلالُ الصِدْقِ

(جوقةَ) أتقياء

‏قد تُلجئُ الحاجاتُ جُرذانَ المدينةِ أن تسير مع القطط

أين الغلط؟

‏في الحافظينَ فروجَهم والحافظاتِ، ‏الكاظمينَ الغيظَ،

أم في مَنْ (...)، وأخجلُ أنْ أُسمّي؟

‏زمَنٌ تشابَه كلُّ ما فيهِ وتخجلُ_ كلما طلعت عليهِ_

‏الشمس حين تراهُ يرفعُ فيهِ ساقيه مكانَ جبينهِ، زمَنٌ يُصلّي ركعتين فريضةَ اليومِ الذي لا موتَ فيه ولا مجاعةْ

-‏قد يصدُقُ الشعراءُ أحياناً فيعلنُ كاهنٌ في الجمعِ عن أشراطِ معركةِ القيامةْ

لا أنتَ منّي، أن سقطت على قفاك، ولاأنا من هذه الجُثثِ الدميمةْ

كُفّت حروف الجرِ، والمفعولُ مفعولٌ به من دونِ فاعل

-من أينَ للنحو المعتَّقِ من زمان الأصمعيِّ الحَولُ أن ينصو ثيابَ الارتهانِ وأن يقاتل؟

...(وطني سماؤكَ حُلوةُ الألوانِ)

وبنوكَ أمواتٌ بلا أكفانِ

والشاعرُ المثقوبُ جيبُ قَميصهِ

أمَةٌ تعيشُ على الزنى في الحانِ

قد يصدقُ الشعراءُ أحياناً فيندهشَ الإلهْ:

-أنا ما خلقتُهمُ لهذا ...

-فلأملأنَّ بهم جهنمْ

-واحسرتاهُ عليكَ يا زمَناً، جميع رجالهِ شعراءُ، والشعراءُ قد

قطعوا العهودَ بأنهم لا يصدقونَ، فكيف إنْ صدقوا وتاهوا في العراءِ كأنبياءْ؟

إنَّ النبوةَ لا تجيءُ إلى بلادٍ ليس فيها كاذبونْ

-...(وطني سماؤكَ حلوةُ الألوانِ)

فيها خرائطُ من دخانِ الطائراتِ، وطبعةٌ من كفِّ صاروخٍ، سماؤكَ أيها الوطنُ المُفدّى بالقصائدِ والأكاذيبِ الجميلةِ حلوةٌ سمحاءُ فيها الغيمُ من هذي الحرائق

***

يا أيها المُلقى جِوارَ الأبيضِ المتوسطِ، الممتدُّ كالأفعى

على عُنُقِ البنادقْ

صَفَّقْ بملء يذيكَ فالشعراءُ قد صدقوا، لأنَّ الله

يفعلُ ما يشاءْ

***

فرسي جريدُ النخل أركبُهُ ويركبُني، ولي سيفٌ من الخشب المعتَّقِ

من زمانِ بني قُريظَةَ، والسماءُ مداسُ طائرةٍ من الورق الصقيلِ، فكيفَ أخشى الصقرَ في الأعلى، أنا الشَبَحُ المخيَّمُ في عيونِ القادمينَ من الأعادي

حَرستكِ كفّي يا بلادي

أمشي ويصحبُني ذهولي

وأقُشِّرُ التاريخَ في صمتٍ، أُفتِّشُ فيه عن أضغاثِ أحلامي، وأرقصُ مثل رقص البدو في الصحراءِ، أشربُ من حليبِ النوقِ فلسفةَ

التحّصنِ ضدَّ جُدريٍّ يُصيبُ الأغبياءَ، وأستعينُ على المجاعةِ

بالصيامِ، وبالصلاةِ على الفجورِ، وكلّما ضاقتْ عليَّ فتحتُ أُغنيةً

لعنترةَ بن شَدّادٍ، وخاطبتُ المهلهلَ أن يُلقِّنَ قومَ جساسٍ دروساً في الصمود أمام عاديةِ الزمانِ.

ليلى قَضَتْ وابنُ الملوَّحِ لا يلوحُ له غبارٌ في الظهيرةْ

اليومَ خمرٌ يا صديقُ، وفي غدٍ خمرٌ، وبعد غدٍ خمورٌ حيث قولُ الفصلِ في بعضِ الأمورِ

وربما سيجوعُ رأسي يا صديقُ فأستعينُ عليه بالسُكْر الجديدِ، وأدخلُ الحلقاتِ من كأسٍ إلى كأسٍ، فإنْ سألتَكَ ليلى أن أجيْ بقيسها

فاذكرْ لها أمري وعلّمها التَريّثَ، قد أجيءُ إذا صحوتُ، لها عليَّ-

إذا صحوتُ- النُذرُ أن آتي لها بابن المُلَوَّحِ مِنْ شقوقِ الغيبِ،

عيبٌ أن تظلَّ بلا عشيقٍ كلَّ هذا الوقتِ، وامرأةٌ بلا رجلٍ تُضيَّعُ

مثلما ضاعتْ شعوبٌ حينَ غادرها الرجالْ

***

يا أيها الـ(...)، أدري ، إذا أفصحتُ، كم أكوي بملقطِ جمرتي

قوماً، وكم أشوي على مِقلاةِ ناري

أنا مَنْ إذا دخلَ  المدينةَ أطفأتْ أنوارها خجلاً، وأطبقتِ

الكلابُ عليهِ تنهشُهُ، ويَرجِمُهُ الصغارُ بما لديهم من

حجارةْ

ويقولُ حارسُ زمزمِ الصلوات: غِيضَ الماءُ يا رجلاً...،

ويتركُهُ يقيمُ بلا وضوءٍ أجملَ الركعاتِ في حلباتِ رقص الليلِ،

يتركُهُ المُقيمُ على شؤونِ الحَجِّ مُحتجّاً، ويدلِفُ بعد ذلكَ للمقابر باحثاً عن رقعةٍ ليموتَ فيها

فيجيئُهُ بَوابُ مقبرةِ المدينةِ: يا بُنيَّ... سُدىً تُفتِّشُ..

لا مكانَ لجثةِ الغرباءِ، مقبرةُ المدينةِ لا تليقُ بغير  أهليها...

وأخرجُ خائباً، فرسي جريدُ النخلِ أركبهُ

ويركبُني، وسيفي، ذلك الخشبيُّ، في حجري،

وأُمنيتي بثورُ الوهمِ في جَسدِ المُحالْ.

***

د. ريكان إبراهيم

 

سلام كاظم فرجلست وطنيا/ ولا عروبيا/ ولا أمميا..

لو كنت وطنيا لانتحرت منذ سنين

من هول ما يجري.

خليل حاوي الشاعر العروبي

إغتال نفسه ظهيرة دخول الجيش الاسرائيلي

باحات بيروت..

لقد عرف ان البديل خياران.

أما حكومات عميلة.. او إسلام سياسي صاعد..

مايكوفسكي الشيوعي..

جرب طلقة الروليت الروسي على قلبه الشاعر

فجاءت الطلقة المرتجاة في قلبه

لإنه خًمًن ان ستالين سيقود خراف لينين صوب محارق قادمة وحروب..

قبل يومين بلغت الثامنة والستين.

المفجع ان هناك من يرى ان بإمكاني أن أقدم شيئا جديدا..(في الكتابة.. في النضال، وفي العشق..)

والغريب إني أصدق ذلك أحيانا..

أحدهم دعاني في ليلة عيد ميلادي السابع والستين .. أقصد في العام الماضي..

لأشارك في تظاهرة ضد نقل السفارة الأميركية إلى القدس..

وبعضهم إقترح  بيانا مني (في عيد ميلادي لهذا العام) كمواطن تقدمي غيور ضد انتهاكات (المُسَيرات) بدون طيار..

بعضهم قال هلم بمسيرة مليونية عند حدود الجولان المحتل..

بالنسبة لي أفكر بعلبة حبوب الضغط مصحوبة بعلبة سكائر(أوسكار..) تكفيني زادا.. وتحميني من مغبة الطريق.. سميح القاسم همس لدرويش (خذني معك..).. لكن لا احد يسمعني البتة حين أخاطب العدم.. خذني إليك..

الان فقط  عرفت إنني لم أكن وطنيا قط

خلال كل لحظات عمري الخجول..

فوا خجلا من قلبي الزعول

ومن حبيبتي التي تكلفني ما لا اطيق..

أعني (أمة العرب..)..

***

سلام كاظم فرج

 

صحيفة المثقفتلتفُ الأفعى من حولي

وبمَلمَسِها  الناعم

أبحرُ، رغمَ  مخاطرها

نحوَ الأفقِ

وأدنو من فمِها المشطورْ ..

كالطفلِ  العابث

لا يدري كيفَ يخطُ

على سطحِ القلبِ خرابيش الطبشور ..

ومن بينً أصابعها

تتلألأ ماسات ..

وتهيمُ سحابات ..

وعندَ  دروب الحب

تتبرعمُ آهات ..!!

**

تنتزعُ النومَ من الأجفانْ ..

وتغرقُ في جوفِ الأحزانْ ..

تلكَ مخيلتي

فيها كل معاني الحب

وكل دعابات الصبيانْ ..

تذري في حقلِ الحبِ بذور ..

وتجني عطراً ربانياً  ونذور ..

وعندَ مسارات القلب الغافي

في أحضان الليل

تسكبُ  دمعاتْ ..

**

وبينَ هيام العشق مسافاتْ ..

تمرحُ فيها  أنسامُ  الحبْ 

ترقص، لا تعبث في مشوار الدربْ ..

تكتب قافيتي الشعرَ

في عبقِ الزهرِ المنثورْ ..

آه، من تعب الدنيا

آه، من شغف المحذورْ ..!!

* * *

د. جودت صالح

21-4-2013

 (قصيدة مستلة من ديوان غدق البحر)

 

فاتن عبد السلام بلانإصْبعٌ تحشْرجَ تلوَ الآخر

يسّاقطُ هباءً في الهباء

والواوُ بينَ أثقالي ومَدَاك

تُرابٌ وماءٌ ونارٌ وهواء

**

يا نونَ نوركَ: أينَ مُبتداكَ

وفي الزُرقةِ لا مُنتهاك ؟

يالذي فردَ خيامه

على أربعِ صحارٍ بـ اللاشعور

همّشتُ قرابيني

اِعتزلتُ النذور

وابتكرتُ من عويلي

وجهَ دمعٍ وراحةَ منديل

**

أينُكَ فـ الشوارعُ لعوبٌ

وخطواتي ذنوب ؟

أيحيا الظلُّ بـ لمْسةِ ضوءٍ

والشّمسُ قتيلةٌ على مذبحِ الغروب ؟

**

يا مَنْ تعلّقتُ بـ قشَّةِ

في مُحيطِ هواك

 زوارقي غرقى والأقدارُ أمواج

والصمتُ يجرفني

دونَ بوصلةٍ دونَ مجداف

فـ ارمِ لي بـ كفّكَ

 حُضنَ شراعٍ أو قُبلةَ نجاة

فمَنْ لي في عتْمِ الطوفانِ إلّاك ؟

**

يا بسملةَ الأريجِ في الزهر

يا سجودَ العنقودِ في الخمر

أينُكَ وابنُ الإنسانِ للترابِ

خطيئتهُ تاجُ شوكٍ

 وعلى صليبِ جمْرٍ

أدمتْهُ مساميرُ الضباب ؟

**

يا أَلِفَ أُلوهيتكَ

أيُّها المُحتجبُ عنْ الجوابِ

خلفَ إشاراتِ الاستفهام

تَكشّفْ وعانقْني مرّةً

فـ فواتحي تكبيراتُ مآذنٍ

و أدعيتي صكوكُ غُفران

**

يا مَنْ نصّبتَ بـ اسمكَ

باكورةَ الآزالِ وخاتمةَ الآباد

يا تساؤلاتي اللاهثةِ خلف

" في البدء كان الكلمة "

تَكشّفْ وعانقْني مرّةً

يا مَنْ نذرتُ الروحَ إليكَ

مزاميرَ _أسفارًا

شموعًا _ وآيات

إنَّ أشواقي طفلاتٌ

يتأرجحْنَ تيهًا بينَ أرضكَ وسَمَاك

فـ مَنْ لي بعدكَ

وقدْ حطّمتُ أصنامَ شرودي

وتبرّأتُ مِنْ تماثيلِ ظنوني

مَنْ لي يا مُنايَّ سِواك .. ؟

**

يا باءَ بعضكَ و كافَ كُلّك

أيُّها اللامرئيّ لـ النَّاظِرِ في الزُجاج  

تَكشّفْ وعانقْني مرّةً

فـ حقولُ حنجرتي قصبُ نداءٍ

وصوتي نايٌ جريحٌ

تُفخّخُ لهُ الريحُ ويُبكيه الضياع ؟

فاكرمْ براءِ ربوبيتكَ

دمْعًا خاشع الصلاة

وادْنُ بضادِ ضيائكَ مِنْ كفيفٍ

يشْخصُ بـ روحهِ

مِنْ أدْناهُ إلى .. أعْلاك ..

***

فاتن عبدالسلام بلان

احمد ختاويمرفوعة الى كل امرأة تسكنها طفولة مدللة

وإن كل سبائك كليوباترا

أمطرت مجوهرات

أو أدلت لوكالات الانباء بمعاصم

كل سلالات الفضة والذهب ..

عند النساء ..

أو أومأت رجّات أساور الفتيات

 لرحم محلات ترويج

 أشتات الموضة والألبسة،

أو توق ومجالس الافراح والمزارات ..

عند النساء ...

عند طفلتي المدللة

كل هذا مكدّس بين آب(1 )

و "تبت يدا " (3)

وخزائن هامان (4)

ومن طغى واستكبرا

مقابل حكايا الصبايا

ومرتجعات كليويوباترا

 من أمام مرآتها ..

***

مدللتي تحب الدمى وفقط

مدللتي تحب اللُّعب ...

مُذ كانت طفلة مدللة

مدللتي تحب جمع الحطب وموقد

الشمع في المسا ..

ثنا عن عشقها للُّعب

 في العشق فقهُها ..

ومن ثنى فستانها البنفسجي

ومن يحبها ولا يهاب ..

حين يرفل المغيب مزهوا،

يمتر وإياها

مقاس

 دمية وأختها ..

بين وتبة وغمزات دمية اسمها " سهى " . .. ..

يَمْتُران كل مرة

بساطهما الوردي بين غرغرة

وسكرات الموت عند أبي لهب ..

ومجوهرات باقي الأمم ..

***

هذي مدللتي التي تغتني

 عن جمع الذهب والمال .

وهشيم الحطب .

ليطوق أو يخنق بناره وغيّه

 كما التمائم

 صدرها

 أو كما عُجاج أساور النسا .

.أو مهيارا (1) تعشقه الصبايا

.بطلا في المسلسلات

أو بمن ارتبطت وهْما

 عينها بجٌهْر الرّجالْ .

في بقية غيّهم وغيّها ...

***

مدللتي لاتكتنز الدمى مثل سُحتِ الأنظمة..

هذي دميتي التي تعشق الاسفارَ

 على صهوة ضوء السناء ..

حين توقظ أعز دمية عندها ..

 لتنام وجيدها عند الموقد ..

يسامران الدجى وقضايا الأمم ..

في نثرها وشعرها ..

هذي مدللتي التي تحب اللُّعب .

في الحبر والمداد.قبل

 أن تُسند الاسماء .

من السماء .

ألوان عشقها ...

في كنف وسادة ملؤها عطر

 الأسمال و المنى ..

على وجنتي دُماها .وما يمليها عشقها

***

كتب : أحمد ختاوي / الجزائر

..................................

هامش

1) آب / شهر أوت حيث تكثر الاعراس ومجالس النساء ..

2) - المهيار :بمعنى الوسيم في هذا التوظيف ، الجميل كالقمر .

3) - تضمين من القران الكريم

4) وزير فرعون ..

 

لالة مالكة العلويكلما غمست يراعي في يم الدهشة

تصورت أن كل شيء يزول من سحر ومن شك ..

وكلما حررت رغبتي من السطو على ذاكرة متأخرة ..

أبعدت قلبي عن حماسه الزائد

ورممت أفكاري كي تكون صالحة للحكمة ..

كنت أنسج من طريق العودة

حقولا من وبر الثريا  ..

أقبض بها يد المجد والسعادة

ثم أنشبها عمارة ضاجة بالورد وحبق المحبة ..

أنا سليلة الشعر

عندما يحمدني الليل ،

أسجن روحي في بارقة الصمت

وأمدد الحروف كي تشيح عن الفرادة

وتصير قمرا بين أغصان الذكرى ..

يا سابحة النور في ظلماء الصدى

كوني سماء لصيرورتي

نجما يعبر دمي

إلى جنان العمر ..

وشما في روح المدى ..

أملا في صارخة يوح مهيبة .. 

***

لالة مالكة العلوي

 

سعد جاسمالاشجارُ نساءُ الطبيعة

الاشجارُ اللواتي في الغاباتِ والحقولِ والشوارعِ : نساءٌ،

 نساءٌ دائماً مفتوحات السيقانِ والاذرعِ والقلوبِ،

 قلوبُهنَّ خضراءٌ في الربيع،

وصفراءٌ في الخريف

أَعْني خريفَ العمر، وبيضاءٌ في الصيف،

 والنساءُ الاشجارُ : مشاعرُهنَّ ورغباتُهنَّ هُنَّ فواكههنَّ الناضجة،

 وهُنَّ غالباً لايبخلنَ بها علينا، وخاصة عندما يُصبحنَ عاشقاتٍ وباذخاتِ العواطفِ والقبلاتِ والنزواتِ والقطوف،

النساءُ : اشجارٌ لاتموتُ الا واقفة

هكذا قال لنا " كاسونا " صديقُنا الاسبانيُّ العنيدُ في مسرحيتهِ

الموجعةِ مثل مقبرة مهجورة

***

بيتُنا الحرُّ الجميل

البيتُ الذي بنيناهُ بطينِ اجسادِنا الرافدينية وعرقِ جباهِنا المالح،

اصبحَ ملاذَنا الحر الآمن الجميل،

الذي نعيشُ ونعملُ ونلعبُ ونحلمُ

فيهِ سعداءَ وتملؤنا المباهج والمسرّات،

ولكنْ فجأةً داهمَ بيتَنا القتلةُ والزومبيون وذوو القلوبِ

المريضة ومشعلو الفتنِ والحرائق، وراحوا يهدمونَ بيتَنا حجراً حجراً ويُقتّلونَ بنا فرداً فرداً، وينهبونَ خزائنَ البيتِ واثاثَهُ ومراياهُ، إلّا اننا لم نستسلمْ لهم، وحاربناهم بكلِّ بسالةٍ ودمٍ وعنادٍ حتى تمكّنا من طردِهم، وهاهو بيتُنا الغالي يعودُ حرّاً وجميلاً وملاذاً ابدياً لنا :

 نحنُ أَبناؤهُ البسطاءُ الطيّبون

***

موتى في الحياة

المُنطفئونَ شعرياً

اصنامٌ تمشي في طرقاتٍ لاتؤدي

الى نهرِ الكلام وينابيعهِ ومراياهُ

المُنطفئونَ لم يعودوا عشاقاً

 ولايعرفونَ معنى الحب

المنطفئونَ في الشعر

موتى في الحياة

**

جاري المجنون الكندي

جاري المجنونُ الكندي

كلُّ شتاءٍ يقفُ ساعاتٍ طويلةً

ويُغنّي منتشياً تحتَ نديفِ الثلجِ،

ولكنَّ الغريبَ في سرِّهِ،

إِنَّهُ كلّما رآني أمشي راجعاً الى البيتِ تحتَ الثلج،

 يقولُ لي ضاحكاً :

-Are you crazy?

***

سعد جاسم

 

 

نجية مصطفى الاحمديأنبثق من أسرار الماء

أكتب عن سيرة الأقحوان

عن الأوركيديا والياسمين

**

عن ألوان الفراشات

تمتزج بشقائق النعمان

عن بُنِّ الصباحات

ولهفة شفتي لفنجان المساء

عن تلك الأحلام التي

 تزهر في صدري

حين أتذكر عينيه

عن حبات الحصى

تتكسر تحت قدميه

 وهو قادم إلي

عن سريرنا الذي

 تمتد إليه ظلال القمر

عن جسدي

يترقرق كالماء في المرآة

وبين يديه

عن تلك الشجرة

**

التي كنا نطل عليها

وصدره يأويني

عن الدفء الذي فاضت معانيه

عن العطر المعلق بيني وبينه

لست قديسة، لكني أصلي  

يا الله اغسل حبيبي من الخطايا

و أمطرني بالحب

كي أجفف دمعه

 داخلي و في المرايا  وأعد حبات المطر

يا الله ، ماذا أسمي العمر لو لم يكن فيه

 أريد أن أنهمر

 أمام العالمين وأمامه

دون أن أتوجس من عريي

أريد أن يكون لنا يوم عالمي للحزن

نتوحد فيه بالسواد

وننزل جميعنا إلى الشوارع

كالغربان

نحتفي بحرائقنا ونغني

هكذا فقط أتوقف عن التفكير

بأن للعالم ما يكفيه من الحزن

وأن القبرات دائما دليل شؤم

وأنشد طوبى للحزانى مثلي

**

 أولئك الذين تسكنهم الأسئلة الحارقة 

الذين لا ينامون

يحيون معلقين في الفراغ

لا يفكرون بالأزمنة ولا بالأمكنة

إلا حين يصلون إليها

أو تصل إليهم

 أولئك الذين لا يهابون الموت

بل يمشون إليه بخطى واثقة

الذين يركض الغد في أعينهم دون أن يدركوه

لا ينتظرون منه

غير حزن جميل يجملهم

يستقبلونه بصدق أكبر

وبمحبة لا تتهيب إلا في وجه الإله.

***

نجية الأحمدي

عبد الجبار الحمديسافل منحط... لم أكن أعلم أنك لا تخجل من نفسك، اراك تجيز لها ان تروج عبارات الدين وقد أهلكتك من أتونها أم تراك نسيت!؟ فإن كنت كذلك دعني أذكرك وحالك الذي تعيش كجرذ في قبو رطب تبلل نفسك لا إراديا بعد أن اخاطوا بك كل ما كنت لا تتوقعه حتى أصبحت جرذا اجرب لا يقدم أي شخص على الإقتراب منك لما جعلوك فيه... لعل ساقك المبتورة خير شاهد على بطولاتهم عندما أحاطوا بك مستبشرين الفتح الأكبر بإعترافك أنك المسئول عن توزيع البراقع الدينية التي تشي بالترهات وما قطعها إلا تذكير بأن أوصالك ليست ملكا لك بل للسلطة التي تحيط بعالمك...

ما الذي رسمت على جدار تبولت عليه السنون حتى هتكت لونه وأطحت هيبته فتشققت فواصله من سوفان لا علاج منه سوى الإدمان على بول سكارى وكلاب سائبة... هههههههههه يأ لجنونك أهو لإبتسامة!!!! أتراك لا زلت تحلم ان هناك من سيبتسم في حفرتك هاته... إنك يا هذا قد جاورت ساقك المبتورة في قبرها ثم عولت حالما ان تعوض النقص الذي تشعر به..

نظر حيث ذلك الضياء القادم من عمود نور معقوف بعد أن لعبت به الأيام سلخا في جلده ونخرت ثوبه فصار لا يقوى على مسك طوله... رفع رأسه إليه كي يوجه له عبارات وصلت طعم حموضتها بلعومه المتيبس رد معلقا... مالي أراك متحاملا علي لكأني عدوك اللدود.. عقدين ونيف جاورتك، في كل ليلة وكثيرة من المرات في النهار تسمعني ترهاتك، كأني أنا من صنعت بك ما صنعته السنين... لقد ابحت نفسك ان تكون طويل بلا عقل ولا رأس نعم قد يكون لسانك الذي يتدلى بنشر ترهاته على بعض القبور او جدرانها تلك التي خارت وبارت كإمرأة عجوز شمطاء.. فاتها قطار العمر فترملت ثم خرفت فما كان منها إلا ان تلوك كل ما تراه ثم تتفه على كل من يشعرها بخرفها... هذا بالضبط ما أنت عليه.. لم لا أرسم خط يشبه الأبتسامة التي عدمت طعمها فما عدت أميز خوف إن جربت يتشقق جلد وجهي المتيبس.. أم تشقق سطح الجدار إنك يا هذا مثل حالي تتسكح الأيام وجهك حتى يصبح سمجا مجبرا من يتطلع إليك أن يراك كما انت دون تغيير... فلا يعير أهتماما الى مان تهرئت ام اعوج ساقك ام كسرت رقبتك فهو يفرح لذلك طامعا بربما سيجلب غير وعله أن يكون افضل منك مع علمه أنكم من صنف واحد الخلف من السلف فصناعة المعدن الذي انت منه هو من طينة أزلية فلا يغيرك رقم جديد او صبغة تتحلى بها يطاح بها بعد او مطر غزير يظهر معدنك الحق.. لا أقصد أهانتك او أن أعيرك لا سامح الله لكني فقط أصف لك أننا من طينة وعجينة واحدة سواء كنت بلسان حالك ام بلسان حالي... على أية حال دعني اصف لك نفسي بالطبع ذلك أخذ مني الكثير من الايام والخطأ في توقعات مما لم تجب ولم تشفع عند أحد ذلك الخطأ الذي أرتكبت... فدفت حيا كما ترى وشبهت نفسي بخيط الشمع أحترق وأنا مدفون بدفتيه دون معرفة الذنب الحقيقي مع ذلك اسطع ببعض الضياء كما أنت إلا ان الفارق بيني وبينك الرغبة في البقاء... أنت تريد ان تعيش الى الأبد دون ان تغيرك ملامح الحداثة، أما أنا فلا اريد للحداثة ان تغير ملامح الحياة... يا سيدي الضياء فطرنا ان نكون أداة طواعة بيد من يمتلك الجبروب والعته الربوبي بكونه صانع و واهب للحياة فمن مثله سطر التأريخ الآف وأحاطهم بهالة من الطغيان اجبروا الليل ان يتحول أكثر عتمة واغروا النهار ان يلبس عباءة تلك العتمة سواد كي يندسوا تحتها ليروجوا أنهم وسطاء للرب... إننا امم تعيش على الوهم والخرافة فجميع الحقائق مبنية على قصص ألف ليلة وليلة خاصة بعد أن برعوا بسحق الدساتير الغليه وتأليف عشرات بل المئات من صحف المشعوذين وأنبياء الساعة...  إننا يا هذا نعيش على مسامات أموات لا نتنفس إلا إرث عفن جلبته تلك الشمطاء على أنه النور الأزلي الذي تستمد منه الاستمرارية في الحياة... إن وديان وكثبان الرمال التي كنت تعيش في بيوت من الشعر تلك وهي تتقد بالحطب ويأكل أهلها من السلب والنهب والغزو لا يمكنها ان تصيغ الحقيقة دون ان تلوثها بشجاعة الفرسان المعاقين فأغلبهم يقتات على الضعاف ... كان ذلك العالم محاط بالغريزة الحيوانية التي انجبت الكثير من اللقطاء غير ان قوة وتسلط وعار جعلهم يطوون صفحات عارهم فأتوا بمن يعيد صياغةة الأسماء والعناوين يرجعها الى البسالة والشجاعة ... تنمورا وهم نسانيس بيد من يطرب حين يسكر ليرقصها..

هذا هو ما اريد ان ابينه لك قبل ان تجعل من نفسك واعظا او مرشدا فجميعنا الى زوال وما بتر ساقي إلا ضريبة أدفعها عنوة هي خير من رأسي ههههههههههه صدقني أكره الحياة وأمقتها فمن بمثل حالي لا يمكن ان يكون بشر إني والجرذ في عالم واحد لكني أخاف الموت على يد أي أحد... أتمناه غفلة حتى لا أجد لنفسي حجة للتذلل كي يبقى من يتبرز فوق رأسي بالعفو عني ... أما ترديد لتلك العبارات الدينية فهي البطاقة التي تتيح لي بأن أكذب وأفند من بين خبايا سطورها الواقع الذي يزدريه من عقل اللعبة أما السذج فتلكم طامتنا الكبرى فكيف تفهم من يثق جازما أن بنفخة وتف على سطح ماء يحيي العظام وهي رميم.... إننا نعيش زمنن الجاهلية لكن بشكل أكثر حداثة وتطور.. لذا دعك مني، حاول ان تقف شاهد عيان يا ضوئي الشاحب فمثلك سيكون له وقفة طويلة أمام من خلقه فسواه فعدله.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي 

 

حسين يوسف الزويدرِيـامٌ يَمَّمَتْ حَـيَّ المصـــارفْ

                            ويــا قلبي رجوْتُكَ لا تجازِفْ

فكم تركتْ عبـادَ اللهِ صرعــى

                            بألـــحاظٍ  كأســـيافٍ مَراهِفْ

وأجيــادٍ تُحاكــي الثلجَ لونــاً

                       تَرَنَّحَ حليُها طَــوْعَ السَّــوالِفْ(١)

وتُطْرِبُ بالخلاخلِ حين تمشي

                      كــأنَّ السـوقَ قُلِّدَتِ المـعـازِفْ(٢)

حبــاها اللهُ فوقَ الحسـنِ رَهْباً

                        فَمَنْ رامَ الوصالَ جَنى المخاوِفْ

عَصِيّـــاتٌ ولا يُرجـــى لقـــاءٌ

                          وفي أسـرِ القلـوبِ لها طرائِـفْ

فصرْتُ مِنَ الغدوِّ بـــلا صوابٍ

                        إلى الآصالِ مُضطـربَ المواقِفْ

فيا قلبــي لماذا لـــمْ تُطِعْني؟

                              وليتَكَ قد سمعْتَ ولمْ تُخالِفْ

فكمْ جَشَّمْتَنـي طُرُقَ الغوانـي

                            فليتَكَ مـــا رأيْتَ ولمْ تُصادِفْ

وكمْ أسهرْتَني ليــلاً طويــلاً

                           ينـــامُ خَلِيُّهُ مـــلءَ المــــلاحِفْ

وأدمَنْتَ الصــبابةَ لا تُبالــي

                         بما فَعَلَتْ بصــاحبها المشــاغِفْ

وما جَرَّتْ عليهِ مِنَ الأماني

                        وكانَ مِنَ الهلاكِ على المشـارِفْ

وأيْم اللهِ ما راعيْتَ ضعفي

                         أظــلُّ مُدَلّهاً رهــنَ العــواطِفْ!!

رعاكِ اللهُ فالْتَفِتــي قليـــلاً

                          فهـذا القلبُ أركبَنــي المجـازِفْ

رعاكِ اللهُ جودي وارحميني

                         أيا ريماً شَجَى حـــيَّ المصارِفْ

وكوني آسياً يرعــى فـؤاداً

                          تَمورُ بهِ اللواعِجُ والعــواصِـفْ

                          ***

د. حسين يوسف الزويد

............................

* أحبتي في المثقف الغراء.. ألتمس العذر لتأخري عنكم سيما أننا في العراق لدينا من الأعذار ما تشفق من حمله الجبال.

* حي المصارف: هو أحد الأحياء الحديثة الراقية في الجانب الأيسر لمدينة الموصل الحبيبة حماها الله .

(١) أجياد: جمع جيد وهيَ الأعناق الحسنة الطويلة .

(٢) السوق: جمع ساق .

 

عبد الزهرة شباريالصبرُ يا صـــــــاحبي عنوان نافلة

                          إذْ فيهِ كفءٍ وفــــــــــي الأيام ترتاحُ

وكل عســـــــــرٍ وإن طالتْ مغالقهُ

                             فالصــــــــــبرُ حتماً له واللهُ مفتاحُ

حتّى القليل إذا يأتيك تقبلــــــــــــهُ

                             تزدان شــــــوقاً وفيهِ العمرُ ينداحُ

أعمل لدنياكَ قالَ الطودُ فاقبلـــــهُ

                              خُذْ عبرةً من خبيرِ العلـــــمِ مواحُ

كأنكَ ضامنٌ دنياكَ ما صَـــــرَمَتْ

                                عمراً ورزقاً إليكَ الكونُ ســـياحُ

وكن على هبةٍ للموتِ لو وزنتْ

                                أسمى حلوم الأولى والدين فواحُ

واخلدْ إلى الدين فهو الزادُ لو علمتْ

                               يُنجيكَ يومٌ بـــــــــهِ الألآم تنزاحُ

عن رحمة الله والخســرانُ أولها

                                ثم الجحيمُ أعوذُ الله إذْ راحـــــوا

فخذْ نصـــــيحي إليك اليومُ أكتبُهُ

                                على شغافٍ لكمْ في القلبِ طمّاحُ

الصبرُ حتّماً طريقٌ للعلى سِمحٌ

                                  بهِ ترى الليلُ أنوارٌ وأصـــباحُ

                           ***

عبد الزهرة الشباري

في البصـــ27/3/2019ـــــرة

رفيف الفارساحتفظتُ بعينيكَ دِثارا لأحلامي الثمينةِ

علّهما يوما تمنحاني الشمسَ...

*

وانتَ ... قصيدتي التي لم تُكتبْ

  عطري الذي سافرَ فيكَ إلى لا تدري

     زورقي الورقيَّ ... حينَ كنّا على السواقي

                                               نجري...

*

وأنت يا أنتَ بين سعَفاتٍ... يسبحُ ظلُّها في الغيم

وأنتَ يا أنتَ تُكرِّرُ لحنَكَ القديمَ

على قوسِكَ المُرهَقِ

ضائعا بينَ عطري والمساماتِ

                       كشهقةِ النار

                كلعنةِ الخرائطِ والمسافاتِ

*

وأنتَ بينَ قوسٍ ووَتَرٍ

ونغمةٍ تائهةٍ على سُلّمٍ مكتومٍ

                      ومقامِ الغجَر...

*

تُسمّي ولا تُسمّي أصابعي التي تطوفُ بكَ

                        أطرافَ رمشي وفورةَ دمي

                                              التائهِ مع اللحن

                                                   الراقصِ مع اللحن

*

فقد اتّكأ الإله على يدٍ واحدةٍ حين صاغَ جنوني...

                                  وسقاكَ مِسكي وهمسي

                                        رَسَمَ على روحِكَ وشمي

ومن أطرافِ الفجر...

              ألوحُ لعينيك

                 فتعيد دورة الارض

                              عزفك المجنون

                                          ورقصي...

***

رفيف الفارس

عبد الاله الياسري(البحر المنسرح)*

 ***

تُجيب بالطَّرفِ حين أَسالُها

أَنـابَ عنـه اللِحـاظَ مِقْوَلُهـا

 

وليس مثلَ الكــلامِ نظرتُهـا

أَفترُها في الجفونِ أَجزلُهـا

 

تبسَّمتْ رغمَ حِذْرها وهفتْ

وكاد صمتُ الشفاهِ يَخذلُهـا

 

طُوبَى لبُــردٍ فويـقَ مُنبلــجٍ

لقـامــــةٍ زانَــــها تَـدلّلُهــــا

 

وددتُ لو ساعدي عباءتُها،

لضمِّ مـا شـاقَني، ومُخْمَلُها

 

قـد أَذهلتْني بهمسِ رغبتِها

وجهـرِ ما فيَّ بـتُّ أُذهلُهـا

 

تَبعتُهــا إذ مشـتْ تُطمئنُهـا

لواعجي والرقيبُ يُوجِلُـها

 

ما يُطمِعُ النـاسَ في تَفرُّقِنا؟

وما سَـيَجني لهــا تَطَفّـلُهــا؟

 

حَـــوَّاءُ مِـنْ آدمٍ وآدمُ مِـنْــ

ـها. وحدةُ اللهِ. كيف نَفصلها؟

 

وبينمــا كنـتُ خلفَهـــا قلِقـاً

أُحـاورُ النفسَ ليْ وأَسـأَلُها

 

دخلتُ هيمانَ وسْطَ غرفتِها

ماكنتُ ـ لولا الهيامُ ـ أَدخلُها

 

دنـوتُ منهــــا دنـوَّ مُنتحِــرٍ

ورحتُ خوفَ النوى أُقبِّلُهـا

 

وأَيُّ حَــرٍّ أَشـــدُّ من قُبَـلِيْ؟

هجيـرُ قيظِ العــراقِ أَسهلُها

 

فبادلتْــني بمثـلِهـــا ومضتْ

تُبــرِّدُ النــارَ ليْ وتُخضِلُهـا

 

حتَّى تَعرَّتْ فكـدتُ أَشـربُهــا

من شـدّةِ الكبـتِ بيْ وآكلُها

 

وصارت النفسُ بين ما يَتَـأَنَّـ

ــاها وما ــ للرواءِ ــ يُعجِلُهـا

 

وشـبَّ فينــا الغـــرامُ. تُشعـلُني

ــ وما انطفأنا جوَىً ــ وأُشعلُها

 

لقـد جُنِـنَّـا ومَن يلــــومُ مَجــا

نيـنَ ازدرتْ عقلَها، ويَعذلُهـا؟

 

ما أَصعبَ الحُبَّ! لم أَذقْه كـذا

وأَصعـبُ التجْـربـاتِ أَوّلُهـــا

 

لمَّا تَـــزلْ في فمي حلاوتُهــا

أَعلَـى مَجسَّـاتِهــا وأَسـفلُهـــا

 

غابـتْ وما غـابَ طيبُهــا أَبـداً

إذْ صار بين الضلوعِ منزلُهــا

 

مَنْ مُخبِرُ الفجر أنَّ صاحبتي

قد فلَّ جيشَ الظلامِ مشعلُهـا؟

 

فـي أُمّـــةٍ كبَّـلـتْ ذوي كــرَمٍ

بجهلِهـــا كي يســودَ أَرذلُهــا

 

أَنْفـاقُهــــا أُفـقُهــــا وبلقعُهــا

أَشجـارُها والسرابُ منهلُهــا

 

لا أَرضُها تَحضنُ الربيـعَ ولا

ضَياعُــه في القفــارِ يُخجلُهــا

 

سُخطٌ علَى من يُحبُّها ورِضاً

عـلى عــدوٍّ يبيـتُ يقتــلُهــــا

 

حاربـتِ اللحنَ بالنعيــقِ لـكي

يصيـرَ صنوَ الغــرابِ بلبلُهـا

 

شاهَ من الحزنِ وجهُ ضحكتِها

حتّى غـدا كالبكــاءِ أَجملُهـــــا

 

تَكاد حتّى النعوشُ ترفضُهـــا

ماليْ أنا الحيُّ رحتُ أقبلُهـــا؟

 

أَهنـتُ كِبْـري بحمـلِ ذلَّتِهـــا

عـلامَ ــ عبدالإلهِ ــ تَحملُهـا؟

 

لابــدَّ من كـفِّ ثـــورةٍ بغـــدٍ

يُطِيحُ صرحَ الطغـاةِ مِعوَلُها

***

شعر عبدالإله الياسريّ

...................

* البحر المنسرح هو بحر من بحور الشعر العربيّ المحصورة في ستة عشر بحراً. قليل التداول بين الشعراء، ويكاد يكون منسيّاً في عصرنا الحديث. أُحيي موهبة الشاعرة القديرة (عروبا باشا)؛ إذ أَحيته بقصيدة لها على متصفّحها (الفيسبوك).مطلعها:

(لا توقظ الشوق قد غدا طللا

لمَّـا بسـيفٍ من الجفـا قُتـلا)

ولئن عارضتها ببيتين معلّقاً عليها؛ فإنّي لم أقنع بهما إحياء لهذا البحر، بل طمعت في أن أذيع، على عاشقي الشعر وعاشقاته وشعرائه وشواعره، قصيدة قديمة لي تسير عليه، رغبة في الإستئناس بوزنه المنسيّ والإلتفات إلى جماله المهمل.

صحيفة المثقفحدث ذلك سنة 2024

كانت الجدة الكبيرة تستند على الجانب الأيسر لباب المنزل الخارجي المفتوح على آخره، ومن الواضح إنها تنتظر أحدا أو أمراً، كفها اليمنى معقوفة الى باطنها وغائصة في خاصرتها اليمنى . وكان الاهتمام يفرش سجادته على وجهها بأكمله وخاصة عينيها العجوزتين واللتين رأتا من الدنيا الكثير . اسمها حسناء وقد تعدى عمرها الثمانين، غير إن ذلك لا يبدو عليها فالطب قد تقدم كثيرا مما جعل متوسط الأعمار في ازدياد مطرد . سرحت بفكرها في عدة مسائل.. استغرقها الموقف لذا تذكرت حكاية سمعتها من أُمها في طفولتها ... كانت أُم حسناء وهي صبية تسكن إحدى النواحي على أطراف الريف مع أسرتها ومع إن زوجها معلم في مدرسة الناحية الا إنها لم تكن تعرف كل شيء عن الحياة الطبيعية حيث كانت غالبية الأُمور تعد من المحرمات التي لا يحسن الخوض فيها بحضور الأطفال والنساء على خلاف ما هو عليه الآن. حدثتها أُمها ذات صباح وكانوا في زيارة الاسرة الكبيرة على مشارف الريف حدثتها يوم أصابها فزع كبير إذ مرت بقرة كبيرة بقربها، طمأنتها أمها و أخبرتها إن البقر مسالم .. ثم سرحت الأم بعيدا مما أثار انتباه حسناء فسألت أُمها أين سرحت بفكرها أجابت الأُم كانت لدى جارتنا أم محسن بقرة كبيرة تدر عليهم من الخير الكثير ومن ريعها وحليبها يعيشون تقريبا فلا مورد آخر لهم الا أرضا صغيرة منها طعام البقرة ومنها شيء من غذاء العائلة، استأنفت أُم حسناء ذات يوم وأنا وابنتهم حفصة كنا نلعب قرب البقرة فما كنّا نخاف منها ... رأينا أبا حفصة يتقدم من البقرة ومعه رجلان يلبسان فوق ملابسهما معطفين أبيضين تقدما نحو البقرة وبينما أصغرهما انهمك في التربيت على ظهرها وعنقها أدخل الآخر حقنة كبيرة الى جوفها . وبعد أقل من عام كان للبقرة عجل جميل أحببناه تماما ولعبنا به ومعه ردحا من زمن . عادت حسناء الى الواقع وهي ترى حفيدتها تعاني قلقا مبهما يستفزها فيفارقها الصبر لذا تلوذ بالحركة فتظل تذرع الغرفة ما بين النافذة والباب ذهابا وعودة . حفيدتها سحر التي نشأت يتيمة الأبوين في حضنها بعد أن قتل والداها معاً في حادث مروري . فهي تقيم معها في نفس الدار، وهي زوجة مذ عشرة سنوات لرجل يشتغل آونة ليتعطل اخرى فقد كانت البطالة من نصيب العمال عموما وعمال الحقول خاصة وهي تتكرر وباطراد بسبب استعمال المكننة الزراعية فما كان الرجل يجني ما يكفى الاسرة الصغيرة ... حتى معونة الدولة للعاطلين عن العمل - التي شرّعت مؤخراً - ما كانت تسد كل الاحتياجات وبما إن جدتها تبلغ من العمر حد العجز وإن ظلت تحسن بعض الشيء القيام والقعود والتجول في أنحاء المنزل كلما أحست بالخدر أو الضجر لذا غدت سحر بمثابة ممرضتها الخاصة وخادمتها في نفس الوقت كما هي حفيدتها ولم تكن سحر قد أنجبت بسبب من زوجها المريض من جهة والفقير فلا يستطيع أن ينفق على علاج ولا على أطفال . صبرت المرأة دهرا وها هو الفرج أخيرا يقرع بابها . كانت المرأة الشابة تتمشى في الغرفة الرئيسة في المنزل وهي غرفة تستعمل لأغراض شتى، منها استقبال الضيوف ومنها الراحة وفيها تتلقى الجدة الكبيرة علاجها كلما زارها طبيب العائلة الذي يرعاها بموجب القرارات الرسمية . عادت الجدة تنظر للطريق بلهفة ثم تذكرت أبناءها الذين تفرقوا أيدي سبأ في المعمورة فقد شدتهم وشتتهم رياح الغربة التي تعبر بسفنها البراقة السماء الدنيا لتغري الشباب بأشرعتها الهفهافة وبالوناتها الملونة . وفجأة تذكرت حسناء ما اقترحته زميلتها في الجامعة وهما في السيارة التي تدرج بهما في طريق العودة الطويل حتى منزليهما الواقعين في حي متطرف قالت الزميلة

: اسمعي حسناء ماذا لو كانت هناك طريقة يمكن للمرأة أن تحمل دون أن يمسها رجل؟ ! ذهلت حسناء كان ذلك قبل ما يربو على ستة عقود أجابت حسناء

: ماذا ؟ كيف؟ وهل يمكن ذلك؟! أجابت الزميلة التي غاب عنها اسمها مع وضوح المحادثة في ذهنها كما لو إنها حدثت صباح هذا اليوم

: افترضي ذلك افترضي فقط ليس ذلك المهم وليس ذلك سؤالي بل سؤالي أذلك حلال أم حرام؟! وما رأي مجتمعنا في ذلك أجابت حسناء بشيء من العنف

: وما أدراني ثم قلبت شفتيها وقاربت ما بين حاجبيها وأبدت لا مبالاتها بهذا الأمر إذ استدارت نحو الطريق تتابع قراءة اللافتات الملونة على واجهات المحلات، لم تعرف الا الآن فقط إن هذه الزميلة كانت تستقرأ المستقبل. لاح من بعيد شبح سيارة خدمية وحين اقتربت عرفت العجوز إنها ما تنتظر فقد خط على جانبيها بالبنط الغليظ " مؤسسة أُمهات للإيجار " فنادت حفيدتها بصوت عطوف - فيه بعض الاهتزاز بفعل الشيخوخة - كي تستعد فقد حضرت اللجنة. نزل من السيارة رجلان وبمعيتهما امرأة في منتصف العمر ترتدي مثلهما معطفا أبيض، و تلتها امرأة أُخرى تحمل سجلا كبيرا. سعت الاخيرة الى الحفيدة الشابة وجلست بقربها وأعادت عليها سيل الاسئلة التي وجهت اليها في المقابلة السابقة في مركز المؤسسة قبل شهرين، سألتها عن الاسم والعمر واسم الزوج وإذا ما كانت قد أسقطت طفلا أو أجهضت يوما وتأكدت من رغبتها في الإنجاب وتربية طفل دون عمر رياض الأطفال ومدى استعدادها في التخلي عنه آنذاك ثم إن عليها أن تتعهد هي وزوجها بالتخلي عنه تماما، ثم طلبت منها ومن زوجها الذي ظهر سريعا بعد استدعائه أن يوقعا أسفل عدة أوراق بعدها خرجت الشابة الى خارج المنزل مصطحبة سجلها الضخم، وكذلك الرجلان اللذان وقعا الأوراق بعد الزوجين - باعتبارهما مسئولَين وشاهدين من المؤسسة المعنية - ثم انصرفا وطلبت كبرى المرأتين من سحر أن تستلقي فزرقتها بالبيضة المخصبة وطلبت منها الراحة لعدة ساعات ووعدت بزيارات متكررة ومتقاربة لمراقبة نمو الجنين المنتظر ثم وضعت الظرف الأول في يدها وقالت ستستلمين مثله كل شهر وبعد الولادة ستستلمين مكافأة ضخمة ومثلها عند تسليمنا الطفل . ثم خرجت مودعة.

***

سمية العبيدي - بغداد

 

 

عبد الله سرمد الجميلأطوفُ حولَكِ كالصوفيِّ مُرتعِشا

                      وكلّما شرِبَتْ عيني ارتوَتْ عطَشا

إن يُنبِتِ الغيمُ في الصحراءِ زنبقةً

                           ففوقَ خدِّكِ ثغري أَنبَتَ النَّمَشا

وإنْ مشَتْ خلفَ بلقيسٍ جحافلُها

                        فخلفَ شَعْرِكِ ليلُ اللاجئينَ مشى

لمّا تبسّمْتِ موسيقى هنا انبعثَتْ

                      والوردُ أمسى على الأنهارِ مُفترَشا

عيناكِ نورُ الفناراتِ التي انتظرَتْ

                            سفينةَ الفجرِ تجلو ذلكَ الغَبَشا

كَمَاسَةٍ أنتِ يبكي كانَ صائغُها

                       من حُسْنِ ما صنعَتْ كفّاهُ مُندَهِشا

مرّتْ على القلبِ أسماءٌ فما بَقِيَتْ

                            لكنَّ اسمك فوقَ الماءِ قد نُقِشا

                         ***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

مامون احمد مصطفىلين

تفاحة بيضاء

أجاصه تقطر عسلا

حبة تين منداة

رمانة تفتح أبواب الغيب

لوزة تعتق الازمان في نواة النخيل

كوز صنوبر

ينثر المدى عطرا

سنديانة تخبئ الدهر في الينابيع

في الخمائل والغدائر والجداول

رائحة الظل والطل والندى

حين ترقص فوق الموج

تهتز الأناشيد، تعزفها الرياح

تلقحها البدايات، توازيها النهايات

مدن تخزن التاريخ

الأمكنة والازمنة

تنقل الأشياء من غلافها

تَزرعها، تُوزعها، تَنحتها

تُهدهدها، مثل طفلة لم يستعمرها الوقت

أو يأكلها الزمن.

**

"2"

1087 ليناهي انتشار الغبطة في الغبطة

والفرح في الفرح

سعادة تتلحف سعادة

شلال ماء يسقط في صحراء

تُسابق الظل وتَسبق المستحيل

فيها، كل شيء

ناهض، متوثب، قافز، منبعث

من رحم سحابة زرقاء

يحيطها الندى المخضل بالمدى

يرسمها ريش طنًان يمتص الشهد

يَرذ الشذى

**

"3"

فيها

يجتمع الرعد والبرق

السناء والسنا

تختلط العواصف بالنسائم

تهيم البراكين في الوداعة

تسكن الزلازل على رمش

يكاد يطير نحو السماء

نحو الكواكب وهي تسافر

تهاجر بحثا عن سرير من غيم

من سحاب مرصع ببخور

يغمر الحشا

هي

رعشة امي، خفق ابي

تسح رائحتهما

فوق سروة تتصابى

تجس الخبايا، تختبر النوايا

تهز الوجد

تدمج الازمان في الأمكنة

تخلط الروائح في عبق يتجلى

تتخلل الروح، ترجها، تبعثها،

مثل صهيل يشق الغابر، السحيق،

تحمحم رخام يفضح الجمال

في نواة ذكرى وذكريات

أناشيد، اهازيج، واغنيات

تراتيل، تسابيح، وأمنيات

**

"4"

هي حبي، وعشقي،

لهفي وانتظاري

ارضي وعشبي

قلبي ودمعي

بكائي وضحكي

هي

رائعتي، قصيدتي، روايتي

نهمي، وتري، ولحني

غاليتي، بيضاوتي

نبضي وخفقي

بدايتي، نصفي، نهايتي وخاتمتي.

مأمون احمد مصطفى

...............

مهداة الى ابنة ابني معتصم، جاءت الى الدنيا بعد أيام قليلة من وصول لارا ابنة ابنتي لينا الى الكون، امتداد من امتداد، جذر من جذر، وحبل سري يقطع لتشكل حبل جديد، فتاتي ريما ابنة ابني احمد بعد شهر من وصول، ثلاثية من إناث تضفي على حياتي، حياتنا، لوحات من شهقات حبلى بالسعادة، انجبت حقائق لمفردات العم، الخال، ابنة العمه، ابنة الخال. من الجمال، الحرية، الانشراح، الانطلاق، التحليق، ان ترى امتدادك يجتمع في حدقتيك، في الرموش والمقل، في عمق الروح وسويداء القلب، لتطير على اجنحة شفافة ترسم المستقبل اشراقا ومضاء ونورا.

صحيفة المثقفتقولين ماذا،

أتبحث عن يقظة

في متاه المنام..؟

أم صحوة في مهب

الطقوس اليتامى

تخاتل صخب النفوس

كإن السجايا

تجاري عسول الكلام..؟

**

تقولين ماذا ؟

لو أراد الغمام نثيثاً

يداهن دمعة حلت

بكأس المدام..

**

لماذا اراها

تحرك اجفانها

في سفوح الهواجس شوقاً

علَها تقتفيني في حشود الزحام..!!

**

أراني افتش عن بقايا

في قلوب العذارى

تحن كطير الحمام..

تقولين خذني بعيداً

الى حيث تمضي العصافير

تشتهي صخبها باقتراب المساء

تلوذ باعشاشها

تداعبها هدهدات الوئام..

**

تقولين ماذا ؟

أما تشتكين النوى،

ألا تصبرين..؟

الا ترتجين نداءات

هذا الزمان الحزين..؟

وذاك اليقين..

متى ينجلي همنا

ونصحو على همسة من حنين..؟

 (2)

شهية أنت أيتها المرأة الساحرة

تسيرين خلف الرياح

وخلف الرعود

وتبدين كالهمسة الحائرة..!!

**

شهية أنت أيتها القبلة الماكرة

تفر العصافير من منبع الكرز

ما أن تحاذر

دفقة الإشتهاء اللعين..

هو الشوق يجتاح الهواجس

والسنين، فهل تذكرين..؟

كم من سويعاتٍ تلاشت

ثم غابت

كعطر الياسمين..

وكم من دروب ترامت

بين صفصاف المياسم

والدروبِ ..

هل تلمسين شحوبي..؟

لم نركب الإثم

ولم يجتاحنا شكاً

ولم نحدو بآلهة السرابِ ..

لم يكن في صخبنا

غير الهوى، أنتِ التي

فاحت على مر السنين..

هكذا كنا،

وما زلنا، نقيم العهد

وجداَ في ركاب السائرين..!!

***

د. جودت صالح

18/08/2019

فتحي مهذبأتخاصم مع أموات..

جوار ضريح أبي الميت منذ خمسين سنة ونيف.. أحرجهم صخبي وعويلي.. جمر دموعي المتطاير ..

حمحمة حصاني المتمايل مثل تابوت يحمله لصوص وسكارى..

شجوا رأسي بعظام دون كيشوته..

عضني خفاش عصابي من شحمة أذني.. لن أنسى أجراس جناحيه الرجيمين.. وضحكته الطويلة..

سحبوا حصاني الى قبر مهجور..

سمعته يبكي مثل باخرة تطفو على كتفي مهاجر ..

- هل حصدوا ركبتيه بمنجل _..

أنقذني شاعر كنعاني مات غرقا في نهر يحرسه تمساح بقذائف أربجي..

أخرجني من أنفاق النوم المعتمة

الى ساحل مزدحم بعواء قطار ليلي. ومسافرين فروا من شتاء مخيلتي وطوفان كوابيسي .

  

فتحي مهذب